DzActiviste.info Publié le sam 5 Jan 2013

أوسكار نيمايير الشيوعي معمار الشاعرية والفرادة والدهشة، معمار برازيليا.

Partager

1

”أوسكار نيمايير“هو ابن عائلةٍ ميسورةٍ في العاصمةِ الفدرالية للبرازيل في حينه، ”ريو دو جانيرو““Rio De Janeiro”. كان جدُّه عضواً في مجلس القضاء الفدرالي الأعلى. نموذجٌ من بطريركٍ عائليٍّ كان الجدُّ، تتحلَّقُ حولَه عائلةٌ أشبهُ بالعشيرة، وتُمضِي أياماً هانئةً في دارةٍ فسيحةٍ تطِلُّ على خليجِ بوتافوغو “Botafogo”.

في هذه الدار ولد ”أوسكار نيمايير“في 15 كانون الأول / ديسمبر من العام 1907. أما عِمارةُ المدينةِ حيثُ وُلِدَ، وهي من الطرز الكولونياليِّ الصَّافي أو المهجَّن، فقد أزاحَتْها تدريجياً عمارةٌ إنتقائيةٌ أوروبية، تعلمَّها ”أوسكار نيمايير“في ”مدرسة البوزار“ في المدينة وهي منسوخةٌ عن سابقتها الباريسية، أو بَناهَا هناكَ معماريُّونَ أوروبيُّونَ، زرعوا الأمكنة بها حتى العام 1920.

وفي سِياقِ تحوُّلِ العِمارة في المدينةِ وخارجها نحو الحداثةِ والفنِّ الحديث، قادَ هذه التحوُّلاتِ معماران أوروبيَّان، روسيٌّ درس في روما يدعى ”غريغوري وارشافشيك“والفرنسي الشهير ”لوكوبوزييه“، الذي سبقَتْه إلى البرَازيل كتاباتُه في مجلَّةِ ”الروح الجديدة““Esprit Nouveau”، التي كانتْ تصدرُ في باريس.

ألقى لوكوربوزييه في البرازيل محاضرات كثيرةً، منها في ”ساو باولو“”وريو دي جانيرو“، وذلك في العام 1929، السنة التي أصبح فيها ”أوسكار نيمايير“طالباً في مدرسة العِمارة في المدينة.

ومثلَ كثيرين من زملائه المُحتجِّين على رداءةِ التعليمِ في هذه المدرسةِ، عَمِل ”أوسكار نيمايير“في مكتب ”لوتشيو كوستا“، المِعمارُ الممارسُ منذ العام 1924.

في العام 1930، دفع الرئيس ”غيتُوليُو فارغاس““Getulio Vargas”حركةَ التجديدِ في البلاد. فشدَّد على التصنيعِ كضرورةٍ للتحديثِ ولخلقِ الثرواتِ وفُرصِ العمل، في بلدٍ كان لا يزالُ يُعاني من بعضِ أشكالِ الإقطاعية. فطالَ التيَّارُ المُجدِّدُ مدرسةَ العِمارة في ”ريو دو جانيرو“، بحيث سُمِّي ”لوتشيو كُوستَا“مديرُها. ثم أصبحَ القائدَ الفعليَّ لجيلِ المعمارِّيين الشَباب، بعد إزاحتِهِ من مَنصِبِه.

2

كان ”لوتشيو كُوستَا“علماً بارزاً في ميدانِ العمارةِ الحديثةِ في البرازيل. فتمَّ اختياره في العام 1936 لتصميمِ مبنى وِزارةِ التعليمِ والصحة في ”ريو دو جانيرو““Rio De Janeiro”. فاقترحَ ”كُوستَا“أن يكون ”لوكوربوزييه“مستشاراً رئيساً للمشروع، وجمع حوله ضُمَّةً من المعماريين الحداثوِّيين الشباب، كانَ من بينهِم المعمارُ، خرِّيجُ مدرسةِ العِمارة في العام 1934،”أوسكار نيمايير“.

دُشِّن مبنى الوزارة في العام 1943. وكان إنجازهُ نجاحاً جماعياً، أعْلَنتْ عَبْرهُ البرازيلُ قُدرتَها على إدارَةِ مسألةِ الحداثةِ في العِمارة، بلغةٍ تُظهِرُ هُويَّتها الوطنيَّة.

لقد أظهر ”أوسكار نيمايير“كفاءاتِه المميَّزَةَ داخلَ المجموعةِ، فرفعَهُ معلِّمُهُ ”لوتشيو كوستا“إلى رُتبةِ مسؤوليةِ المشروع، منذ العام 1940.

وكانَ الحظُّ، إذا صحَّ التعبير، يعملُ دائماً لصالحِ ”أوسكار نيمايير“. إذ كان المعمارُ البارزُ ”لوتشيو كوستا“زميلاً كريماً مَعَه، ومستشرفاً لكفاءَاتِهِ في بدايةِ ممارستِه المهنية. فضمَّهُ إلى مجموعتهِ في بعضِ أعمالِه، مثلَ مباراة جناح البرازيل في معرضِ نيويورك الدوليِّ في العام 1939.

إلا أنَّ قِمةَ الحظِّ كانت في العام 1940، عندما التقى ”أوسكار نيمايير“”جُوسيلينو كوبيتْشِكْ“،محافظ مدينة ”بِلُو هُوريزُونتِه““Belo Horizonte”، الذي عهد إليه، بتصميمِ ثلاثةِ مبانٍ عامةٍ، بالإضافةِ إلى كازينو، في ضاحية المدينة.

أظهرَ ”أوسكار نيمايير“في أولى أعماله المعمارية هذه، تعلُّقاً بالحداثَةِ، بلغةٍ خاصَّةٍ تميَّزَتْ بالتفرُّدِ والجرأةِ والشاعريَّة، ورَفَعتْهُ إلى مرتبةِ الشُهرةِ في بلادِه. شهرةٌ لم تَكُن مفهومةً ومقدَّرةً في الخارج. ففي واقعِ الأمر، لم يَكُن ”جُوسِيلينو كوبيتْشِكْ“و”أوسكار نيمايير“ليصِلا، وإنطلاقاً من الأعمال الأولى هذه، إلى الشهرةِ العالميَّة، إلاَّ عندما سيبنيانِ معاً بعدَ خَمسَ عشَرةَ عاماً، العاصِمةَ الجديدةَ للبلاد، ”برازيليا“.

3

أعمالٌ كثيرةٌ حقَّقها ”أوسكار نيمايير“في ”بِلُو هُوريزُونتِه““Belo Horizonte“، عندما كان ”جوسيلينو كوبيتشك“محافظاً للمدينة. وقد تميَّزت هذه الأعمال بموقعها، وبحِمَايةِ مجالاتِها من أشعَّةِ الشمس، وبانحناءات هيكَلِها الإنشائيِّ، وبجماليَّةِ أحْجَامِها، وبتَمفْصُل مكوِّناتها. كما حقَّق أعمالاً كثيرةً في مدنٍ أخرى، أمثال “ساو باولو“و“ريو دي جانيرو“وغيرهما.

إلا أن العامَ 1955 كان حاسماً في تاريخِ البرازيل، وفي كتابةِ مستقبل ”أوسكار نيمايير“. فمشروعُ نقلِ العاصمةِ الفدراليَّة من الساحلِ إلى الداخلِ هو مشروعٌ قديمٌ، يعودُ إلى ما قبلِ استقلال البلادِ في العام 1822.

إلا أنَّه في تشرين الأول من العام 1955 انتخب ”جوسيلينو كوبيتشك“رئيساً للجمهورية، وتمَّ في عهده اختيار موقِع العاصِمَةِ الجديدةِ رسمياً. وعمِل الرئيسُ منذ بداية العام 1956، على تنفيذِ وعدِه بنقلِ العاصمةِ إلى موقِعِها الجديد. فنظَّم مباراة وطنيةً لإعداد المخطَّط التنظيميِّ الشاملِ للعاصِمَةِ الجديدة.

لم يُشارِك ”أوسكار نيمايير“في المباراة، لأن الرئيس كان قد سمَّاه عضواً في لجنةِ التحكيمِ الناظرةِ في نتائجِها، كما سمَّاه منذُ البدايةِ، المِعمارَ المكلَّفَ بتصميمِ المباني الرسميَّةِ والمنشآت الرئيسة في العاصمةِ الجديدة.

حصل ” لُوتشيُو كوستا“معلِّم ”أوسكار نيمايير“على الجائزةِ الأولى، ودَخَلتْ مغامرةُ برازيليا في مرحلةِ التنفيذ الملموسة.

في المخطَّط التنظيميِّ الشامِلِ الذي صمَّمَهُ ” لُوتشيُو كوستا“لمدينةِ برازيليا الجديدة، محورٌ مدينيٌّ رئيسٌ هو الحدثُ الاستثنائي فيها، والمكوِّنُ الأبرزُ لمَجَالاتِها، والقيمةُ المدينيَّةُ المحدِّدة.

وكان ”لإوسكار نيمايير“الامتياز المهيبُ، بأن يُقيم على هذا المحورِ بكلِّ ميزاتِه، المباني التي ستكتُبَ بأشكالِها وبمواقِعها، كلَّ المعالِمِ الرمزيَّةِ للمحورِ وتُعطيهِ معناهُ السياسي.

وخلال ثلاث سنوات، صمَّم ”أوسكار نيمايير“وأنجزَ، كلاَّ من قصرِ ”الأورورا“، وقصر ”البلانالتو“، و”قصرِ المؤتمراتِ“و”فندق برازيليا بالاس“، و”كاتدرائية السيدة دي فتيما“، التي دشَّنها كلَّها الرئيس ” كوبتْشِكْ“في 21 نيسان من العام 1960، أمامَ الصحافةِ العالميَّةِ، مُبرِزاً بِذلكَ عمليَّةَ التنظيم المدينيِّ الأكثرْ تكامُلاً وطُموحاً، في القرنِ العشرين.

فكَسِب الرمزان، ” كوبيتْشِكْ ونيمايير“الرِهانَ، وأصبَحَتْ ”برازيليا“رمزاً استثنائيا.
إنها ملحمةٌ وطنيَّة حقيقيَّةٌ. فطافَ اسم ”أوسكار نيمايير“حول العالم، مع ملايين من الصورِ تُجسِّدُ عِمارَاتِه الفريدَة. وقال أَندريه مالرو وزيرُ الثقافة في عهدِ شارل ديغول في فرنسا عن أعمدة قصر الأورورا، أنها تمثِّل العناصرَ المعمارية الأكثرُ أهمية في العِمارة حول العالم، منذ الأعمِدَة الإغريقية.

وفي نهايةِ عهد الرئيسِ” كوبيتْشِكْ“صمَّم ” نيمايير“قصرين فريدين، ”قصرُ العلاقات الخارجيَّة“، ”وقصرُ العدل“. فاعتمدَ في هذين المَعلمَين، مفرداتٍ مورفولوجية تقليديَّة، ممزوجة بالهياكلِ الخراسانية وبالزجاج.

4

لقد تعقَّدتْ حياةُ ”أوسكار نيمايير“في السِّتينياتِ والسبعينياتِ من القرنِ الماضي، كما تعقَّدت أعمالهُ أيضاً. فهو شِبهُ منفيٍّ، إذ أنه يعملُ في البرازيل، كما يَعملُ في الخَارج. تلكَ كانت حالتُه بعدَ الانقلاب العسكريِّ في العام 1964. فهو في البرازيل أحياناً، وفي الخارجِ غالباً.

لقد كان ”أوسكار نيمايير“عضواً عاملاً في الحزب الشيوعيِّ البرازيليِّ منذ العام 1954. وكانت علاقتُه مع النظامِ العسكريِّ رُغم شُهرتِه العالميَّة صعبةً جداً. فافتَتحَ مكتباً في باريس في العام 1972، وكانت معظَمُ أعمالِه في الخارج. وقد اتسمت أعمالُه في الخارج، بما يُقاربُ الاكتمال على منسوب اللُّغة المعماريَّة. وكانتْ في الوقتِ ذاته مجدِّدةً جريئةً. فقد صمَّم وأنجَزَ في ”ميلانو“، وفي ”تورينو“في إيطاليا. وفي غيرهما من المدنِ الأوروبية.

وفي تصمِيمهِ ”لمركزِ الحزبِ الشيوعيِّ الفرنسيِّ“في باريس، دفعَ إلى أقصاها العلاقاتِ الجدلِّية بين الخُطوطِ المتعامِدَةِ والخُطوطِ المُنحنيةِ، التي طَبعتْ كلَّ أعمالِه. في حين بلغَ تمجيدهُ للخطوطِ المنحنيةِ أقصاه، في تصمِيمه لبيتِ الثقافةِ في مدينةِ ”الهافر““Le Havre”في فرنسا.

أما في تصامِيمه لكلٍّ من ”جامعتَي قسنطينة والجزائر العاصمة في الجزائر“، والتي تتسعُ كلُّ منهما لعشرةِ آلافٍ من الطلاَّب، فقد أعتمدَ المعمارُ الفذُّ حلولاً عُظمويَّةً واضحةً، مُمَجِّداً المجالاتِ كمكوناتٍ مَعلَميَّة، أو كأمكنةٍ للتبادُل والتواصل.

5

لا أستطيعُ في هذهِ العجالةِ الإحاطةَ الكامِلةَ بكلِّ أعمالِ هذا المعمارِ الشيوعيِّ الفذّ، صديق رئيس جمهوريَّة بلادِه، ومحقِّق الحلمَ الأكبرَ في القرنِ العشرين، مدينةُ ”برازيليا العاصمة“.

إن إنتاج ”أوسكار نيمايير“المِعماريّ، يتعدَّى المايتي عملاً، أُنجزَ معظمُها، دون أن نَنْسى أعمَالَه المُبدعةَ في الأثاثِ والمفروشات.

وكلُّ تحليلٍ معمَّق لأعمالِه، يجبُ أن يرتَكِزَ بالضَّرورةِ على ما يُمكن تَسْمِيتُهُ العناصِرَ الدائمةَ الوجودِ في اللغةِ المعماريَّةِ ومفرداتِها، هذا النوعُ غيرُ المتغِّير من المُفرداتِ مثلَ الأحجامِ، والهياكِل الحامِلَةِ، والجُدرانِ، والفتحاتِ، والمداخلِ، والمساراتِ الداخلية، والتي يعطيها المِعمار المُبدِع أشكالاً مُميَّزة.

قد يكونُ لي عودةٌ إلى كلِّ ذلك لاحقاً.

عن مجلة النداء النداء اللبنانية العدد 202

د. رهيف فياض

السبت 05 يناير/ جانفي 2013


Nombre de lectures: 127 Views
Embed This