DzActiviste.info Publié le mar 2 Oct 2012

إلى أين انتم ذاهبون بالجزائر؟

Partager

 

جمـال ضو

 

 

منذ بضعة شهور وجهت رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية مخاطبا إياه قائلا  » إن الجزائر عثرت فادركوها ». وكان هدفي هو لفت انتباه الرأي العام الجزائري إلى مأساة التعليم في الجزائر والخطر المحدق بمستقبل أجيال من أبنائنا ومعه مستقبل هذا الوطن برمته. ولكن كل الدلائل تشير إلى أن أصحاب القرار في الجزائر لا يولون أي اهتمام لما يكتب ولا يؤمنون إلا بمنطق لا أريكم إلا ما أرى. وللأسف فإن قناعتي اليوم  أصبحت راسخة بأنهم يقودون الجزائر إلى كارثة حتمية إن هم أصروا على نفس السياسة والمنطق في تسيير البلاد.

لهذا فإنني وإبراءً للذمة أوجه رسالة إلى العقلاء من أصحاب القرار في الجزائر والذين يحتكرون السلطة منذ عقدين وبدون توكيل من الشعب، أي منذ إلغاء الانتخابات أو الانقلاب كما يحلو للبعض أن يسميه سنة 92، وأسألهم إلى أين أنتم ذاهبون بالجزائر؟  هذا السؤال الذي أعلم يقينا أنه يدور في خلد ملايين الجزائريين.

ألم تدركوا بعد عشرين سنة من الحكم أنكم فشلتم فشلا ذريعا في إدارة البلاد وأنكم تقودوننا نحو هاوية سحيقة؟

  لا يسعني المقام هنا لأحصر مظاهر فشل إدارتكم لشؤون البلاد ولكني سأكتفي بأهم المعالم.

اليوم وبعد عشرين سنة من حماية الجمهورية مازلنا نعتمد كليا على البترول والغاز في كل شيء. نستورد الغذاء والدواء واللباس بل وحتى البنزين والمازوت. أيعقل أن تصدر دولة البترول خاما وتستورده  وقودا، هل فعلا عجزنا عن إقامة مصافي نفط تغطي حاجة البلاد مثل باقي الدول العربية المصدرة للنفط ؟

في الحقيقة هناك تفسيران لا ثالث لهما لبقاء الجزائر رهينة ما يجود به باطن الأرض: فإما أننا شعب عاجز ومتخلف بالفطرة أو أن إدارتكم للبلاد هي التي جعلتنا في ذيل الأمم!

أما التفسير الأول فهو مردود، لأن هناك شعوبا مجاورة و تحمل نفس صفاتنا الجينية لا تصدر النفط  بل تستورده ولكن شعوبها تعيش في ظروف أفضل من حالة الشعب الجزائري، كما أن حرائر الجزائر أنجبن عشرات الآلاف من الكوادر والعلماء الذين يملئون مشارق الأرض ومغاربها، وعليه فإنه لا يبقى إلا التفسير الثاني.

والواقع أنه لو اكتفيت بما قلت من اعتمادنا الكامل على ما يخرج من باطن الأرض من غاز ونفط لكان كافيا ليدلل على فشل سياساتكم ولكني سأضيف مظاهر أخرى .

لم تشهد الجزائر في تاريخها طفرة مالية بسبب أموال النفط مثل الذي شهدتها في العقدين الآخرين،  غير انكم لم تنجزوا بها شيئا يذكر عدا تسديد الديون وكتل أسمنتية. فلا أنتم قضيتم على مشكلة السكن ولا بنيتم مستشفيات بمعايير صحيحة ولا طرقات و لا مدارس كافية ، وحتى الطريق السيار الذي مازال متعثرا بلغت فاتورته رقما قياسيا وملأت فضائحه الجرائد وتأخر تسليمه سنوات وهاهو يغلق قبل أن يكتمل!  بل إن هناك مظاهر كنا نظن أنها أصبحت في حكم الماضي ولكنها عادت، فمن ندرة لقاحات تطعيم الأطفال  إلى معاناة المواطنين من ندره الأدوية التي يضطرون لإحضارها من الجارة تونس أو من فرنسا.. وبينما تسافرون أنتم إلى ما وراء البحر للعلاج يسافر ميسورو الحال إلى تونس والدول العربية للعلاج وتبقى الأغلبية تواجه مصيرها في مستشفيات تفتقر لأبسط وسائل العلاج بل إن كثير منها أشبه بالإسطبلات. أما  أزمات ندرة البنزين والغاز في بلد به أحد أكبر الاحتياطات العالمية للغاز فذلك أمر يجعل الحليم حيران.

وعلى الرغم من امتلاك الجزائر لأفضل السهوب والأراضي الفلاحية، لا بل حتى صحرائنا أثبتت أنها قادرة على توفير غذاء الجزائريين، وعلى الرغم من آلاف الملايير التي تم هدرها في الدعم الفلاحي  فإننا لم نتمكن لحد اليوم من تحقيق الاكتفاء الذاتي حتى في أساسيات الغذاء. ولولا البترول لأصابتنا المجاعة،  والأغرب أننا عجزنا حتى عن تخزين منتوج البطاطا لبضعة شهور حتى أننا اضطررنا لاستيرادها لأسباب لا يعلمها إلا أصحاب الحاويات.

أما إذا سألتمونا  في ماذا نجحتم سأقول أنكم نجحتم في استعمال أموال النفط لفتح السوق الجزائري وتحويل الاقتصاد الجزائري إلى بازار  للسلع المستوردة دون حسيب أو رقيب، فتم إغراق السوق بملابس لا ندري من صنعها ومن أي مواد صنعت  وتم غلق وتحطيم كل المشاريع الوطنية الصغيرة والكبيرة التي لم تستطع أن تنافس، ليس لأن المستورد أفضل هذه المرة بل لأن المنافسة غير شريفة. أغرقتم السوق بالسيارات الصينية والهندية التي هي أقرب إلى لعب الأطفال منها إلى سيارات حقيقية..

نجحتم في طرد وتهجير عشرات الآلاف من الكفاءات العلمية  من خيرة الأساتذة الجامعيين و الأطباء والمهندسين والباحثين والذين حلف كثير منهم أغلظ الأيمان بأنا لا يعودوا إلى الجزائر..

نجحتم في تجريف وإفساد الحياة السياسية في الجزائر حتى أحبط الشعب وفقد الثقة في كل ما يمت للسياسة بصلة وأصبح لا يصدق أن في الجزائر شخصا نظيفا أو أن هناك نخبة  يمكن  أن يصدقها ويأمل أن تجسد أحلامه ..نعم لقد نجحتم في إحباط هذا الشعب وإدخال اليأس والقنوط إلى أنفس الشباب الذي أصبح يفضل الموت غرقا في البحر على أن يعيش في جزائر العزة والكرامة.  

في عصركم انهار التعليم بكافة مستوياته وأصبح بالكاد يرقى إلى مستوى محو الأمية العلمية على الرغم من الأموال الطائلة وغير المسبوقة التي تصرف على هذا القطاع، وأقول هنا أنني شخصيا (كأستاذ جامعي) لا أجد من أستطيع أن أنقل له من الطلبة  ما تعلمته داخل وخارج الجزائر، وهو شعور صعب ، لأن من يختارون العلوم الدقيقة اليوم  لا يمتلكون المهارات العلمية والقدرات العقلية الكافية لدراستها ، بل إن اغلبهم  بالكاد يستطيعون الالتحاق بالتكوين المهني..وأما مجالات العلوم الأخرى  فأهلها أدرى بها.

اليوم وفي عصر التكنولوجيا عالية الدقة مازال الجزائريون يصطفون الساعات الطويلة لاستخراج شهادات الميلاد والشهادة العائلية والإقامة والمصادقة على كل صورة وغيرها من الدوامات الورقية التي أكل عليها الدهر واستبدلتها حتى الأمم غير المتقدمة بشريط مغناطيسي طوله عشرة سنتمتر عرضه واحد سنتمتر …ويصطف الجزائريون لساعات، وربما أيام، ويدفعون الرشاوى لسحب أموالهم من حساباتهم..إنها ظاهر تدل أن الشعب الجزائري يعيش فعلا خارج التاريخ وأننا منذ عقدين لم نخطو خطوة واحدة إلى الأمام  بل خطونا خطوات إلى الوراء.

لقد ملأت المقرات الأمنية المدن الجزائرية ولا يكاد يخلو شارع من حاجز للشرطة أو للدرك وكأننا نعيش في حالة حصار ولكن المواطن لا يشعر بأي أمن، و على الرغم من جمال طبيعة هذه البلاد فإنه لا يمكن لأية عائلة جزائرية اليوم أن تستمتع بهذه الطبيعة، ليس بسبب الإرهاب الذي عرفناه في التسعينات، ولكنه إرهاب من نوع آخر ……

كما أشرت سابقا، فإنني لو استرسلت في ذكر مظاهر البؤس الحقيقي الذي وصلت إليه الجزائر لما توقفت ولكني أقول لكم أن الشعب الجزائري لا يستحق كل هذا البؤس الذي لا تشعرون به لأنكم لا تعايشونه ، أنه شعب ضح بمليون ونصف مليون شهيد وأضاف لهم ربع مليون بعد ثلاثين سنة من الاستقلال  من أجل أن يعيش حياة كريمة تحفظ فيها حقوقه وتصان فيها كرامته ولكن للأسف هناك آلاف العائلات الجزائرية لم تعرف من الاستقلال إلا الاسم، أما الأغلبية فإنها من المؤكد لا تستطيع أن تجد وصفا دقيقا لما تعايشه.

إنكم حتما تقودون الجزائر إلى طريق مسدود نهايته الفوضى وربما انفراط عقد هذا الوطن. فهل فكرتم ماذا سيكون عليه حال الجزائر لو اضطربت أسعار النفط أو تراجع إنتاجه؟ هل تستطيعون دفع فاتورة السكوت الاجتماعي الحرج والزائف في جزائر اليوم؟، أليس فيكم رجل رشيد؟

إنكم حتما تعرفون أنكم لا تستندون لأية شرعية شعبية وأن البرلمان الحالي لا يمثل تقريبا شيئا في الجزائر وهو  لا يمتلك الشرعية ليصادق عن تشريع أو قانون فما بالك أن يعدل دستورا أو يكتب دستورا جديدا، فأنتم حتما تعرفون أكثر منا عدد من صوت لأعضاء هذا البرلمان ونوعية أعضائه.

أنكم حتما تعرفون المخرج إن توفرت لديكم الإرادة وتعرفون كيف يمكنكم إعادة السيادة والسلطة لهذا الشعب  الذي لم يمنح على حد علمنا صكا حصريا لأية طرف لاحتكار السلطة ، بل إنه لم يستشر بحرية ونزاهة إلا مرة واحدة جرت عليه الويلات .. أنه مازالت أمامكم فرصة لتجنيب الجزائر الكثير من المآسي وإن ما يمكن تداركه اليوم قد لا يكون ممكنا غدا وما هو ممكن غدا قد يكون مستحيلا بعد الغد، فأدركوا هذا الوطن!    

أخيرا لا يسعني إلا أن أنقل لكم فقرة من كلمة لشخصية وطنية نفتقد حكمتها اليوم والذي مات وفي حلقه غصة أسمها الجزائر. فلقد قال المرحوم عبد الحميد مهري سنة 2008 :  » إن نظام الحكم على ما فيه من سلبيات وايجابيات  وصل إلى مداه وإلى حدوده وأصبح عديم الفعالية حتى وإن استمر فإنه عاجز عن حل مشاكل الجزائر وتحديات المستقبل »

وفي الختام أقول ، مستعيرا بعض تعابير المؤرخ أبو القاسم سعد لله، إن على الذين احتكروا السلطة منذ سنة 92 أن يرحلوا..وأنني مقتنع أنه مازال هناك رجال لديهم من الوطنية وحب الجزائر ما يستطيعون به لملمة جراح هذا الوطن وإخراجه من كبوته  وتداركه من عثرته وإعادة اللحمة بين أبنائه..رجال متعلمون وواعون  يريدون أن يزفوا الجزائر في عرس وطني عظيم فيداوونها من الغضون والتجاعيد التي لحقت بها قبل الأوان من جيل أحتكر السلطة وليعيدوا لها بكارتها ونضارتها وحيويتهاا.


Nombre de lectures: 170 Views
Embed This