DzActiviste.info Publié le mer 12 Juin 2013

اختفاء الرئيس ودوامة الإلهاء… اشغلهم تسُدْ

Partager

إيناس نجلاوي – 13 06 2013

رغم أن اغلب ما سيرد في المقال كان جليا في رأسي منذ الأيام الأولى لإعلان اختفاء الرئيس، إلا أني آثرتOù on voit que Bouteflika a bien une hémiplégie du côté gauche. التريث تحسبا لأن تجِّد في الأمور أمور و تخيب توقعاتي، متناسية أن السياسة في الجزائر لا يتم الخوض فيها وفق المعلومات الواردة (و هي في مجملها مضللة)، وإنما اعتمادا على الاستنتاج العقلي و ربط أجزاء الفسيفساء العسكروسياسية بعضها البعض، بعيدا عما يتداوله الإعلام الذي يقلب الأبيض إلى أسود والأسود إلى ابيض…

ففي نظام شمولي تلفه السرية و الضبابية كنظام الحكم في الجزائري، يتحكم رجالات الظل في تدفق المعلومة إلى الصحافة ومنها إلى الشعب. وفقط حين تصل حروب تصفية الحسابات أشواطها الأخيرة، تطفو الفضائح إعلاميا بأوامر فوقية و يتلقفها الشعب كهدية من السماء: انه التغيير المنشود! أما حاكم الظل فيقف وراء الكواليس منتشيا بنجاحه في الهاء الشعب و دوام سيادته وتجدد سلطته…

الإعلام، سلاح الإلهاء:

« حافظ على تشتّت اهتمامات العامة، بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة. اجعل الشعب منشغلا، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، حتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات. » (من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة)
رغم طبيعة الحكم الرأسية المتضمنة التعتيم وعدم التواصل مع الجماهير، إلا أن الإعلام يبقى أداة أساسية للترويج لمعلومات مخلوطة بالأكاذيب تسربها السلطة الفعلية بغية إغراق المجتمع في دوامة تفاهات لا حصر لها، وهو ما يسمى بسياسة الإلهاء.

هذه السياسة ليست حكرا على النظام الجزائري و دول العالم الثالث، بل إنها تعد إستراتيجية ثابتة في السياسة الأمريكية كذلك. فلأجل إبعاد الأضواء عن فضيحة لوينسكي الجنسية، شن كلينتون في ديسمبر1998 عملية ثعلب الصحراء و أفضى القصف الجوي إلى تدمير منشآت عسكرية ومدنية بالكامل في بغداد. و بالمثل، غطى صقور الصهيونية على التزوير الذي شاب فوز بوش على أل غور بتدمير البرجين وانشغل الأمريكان بهوس الأمن القومي، وبعدها انطلقت حملة صليبية جديدة على الدول الإسلامية وخاصة العربية منها.

ولطالما كانت إستراتيجية الإلهاء صناعة سياسية فعالة للإمساك بزمام القوة و السيطرة أطول فترة ممكنة. والإلهاء يمكن تعريفه على انه عملية تضليل سياسي واسع النطاق يتمثل في زرع الطريق الشعبي بمطبات اصطناعية وهمية لإبعاد الأنظار عن الهدف الحقيقي، وسلاحه التحكم المطلق في وسائل الإعلام. ففي لعبة التمويه والمراوغة هذه، يقوم الإعلام بخلق قضايا وهمية وتضخيم أشياء ثانوية إلى أن تكبر في رؤوس الغاشي وتحتل المرتبة الأولى في الاهتمامات على حساب القضايا الرئيسية. والإلهاء بالمختصر هو استهتار بالشعوب واستحقار لوعيها وذكاءها.

وحكام الجزائر يشهد لهم بالخبرة في صناعة إلهاء الجزائريين: الإلهاء بالحرمان، الإلهاء بالتعددية السياسية، الإلهاء بالإرهاب، الإلهاء بالسلم والمصالحة، الإلهاء باحتجاجات فئوية، الإلهاء بالفساد وصولا إلى الإلهاء بغياب الرئيس. و النتيجة: النجاح في ترويض الشعب؛ اشغلهم تسد…

طار ولن يعود:

في العادة، يؤدي التغيب المتواصل عن أداء المهام والواجبات دون سبب وجيه إلى الطرد وسقوط الصفة. لكن في جزائر الاستثناءات فإن ظاهرة غياب الرئيس العاشق للكاميرات ليست بالجديدة، فمنذ بدء عهدته الثالثة، قل ظهوره ولم نعد نراه إلا ما ندر. فكان لا يظهر إلا للاحتفال بعيد المرأة أو تشجيع الناخبين على الإقبال بقوة نحو المراكز الانتخابية لأداء واجب « المواطنة » أو لاستقبال مسؤول فرنسي من الدرجة العاشرة أو لتتويج الفريق الفائز بكأس الجمهورية في إطار سياسة الإلهاء.

وفي العادة أيضا أن يصنف ملف صحة الرئيس في الجزائر ضمن أسرار الدولة العليا، و مهما تزايدت الشائعات يقابلها الإعلام الرسمي بالتعتيم الكلي و التجاهل. وحين كان الرئيس لا يظهر لأيام قد تصل الشهر على شاشة التلفاز، كان الشعب على يقين بأنه في إحدى مشافي سويسرا للمعالجة والاستجمام. أما الإعلام الرسمي فكان في بعض الأحيان يستخرج من أرشيفه صورا وفيديوهات للرئيس على أساس أنها ملتقطة حديثا، و كانت نشرة الثامنة تستهل بأن الحياة وردية في الجزائر وأن مشاريع التنمية التي جاءت في برنامج الرئيس تجري على قدم وساق، وتختتم النشرة بمنوعات عن زلزال ضرب الصين، وإعصار دمر مقاطعة أمريكية، و تمرد جرى في الصومال وتهويد على قدم وساق للقدس، وبأن الله يصب غضبه على كل بقاع العالم باستثناء الجزائر؛ ارض الأمن والأمان والسلم والمصالحة والرجال الواقفين!!

لكن فجأة و في عز حرارة رسائل الرئيس « الحماسية » عن استئصال الفساد و ضرب المفسدين، تزف إلينا مذيعة النشرة الرئيسية في سابقة من نوعها نبأ تعرض الرئيس إلى نوبة اقفارية وانتقاله على إثرها إلى باريس لتلقي العلاج. وتلقى الشارع الصدمة بذهول و عدم تصديق، فكيف لإعلام الدولة أن يعلن مرض رئيس الدولة وخروجه طلبا للتداوي؟! في البدء كان هناك طرحان، إما أن الرئيس خرج بملء إرادته و اصدر الأمر بنشر الخبر لإحراج جناح المخابرات و إجباره على الرضوخ لشروطه مقابل العودة. أما و قد طال الغياب، فالطرح الثاني أصبح الأكثر تصديقا، وهو فرضية الانقلاب على الرئيس.

لم يشأ هواة الانقلاب استنساخ حادثة انقلاب بن علي على بورقيبة، وفرض الحجر الصحي على بوتفليقة لأن بقاؤه في الداخل لغاية انتهاء عهدته سيتسبب في الكثير من الإرباك لفريق المخابرات، كما أن التحالفات قد تتغير و السعيد قد ينجح في إقناع الغرب بأهليته لخلافة شقيقه بتقديم عرض أكثر إغراءا من الذي قدمته المخابرات. وتمثل الحل السحري في عقد صفقة مقايضة تم بموجبها حجز تذكرة طيران دون عودة إلى الرئيس في مقابل إعادة ملفات الفساد إلى الأدراج. قبل بوتفليقة الصفقة وخرج طلبا للحماية لكن الاحتماء بالغرب كالبناء على الرمال…

كتبت في مقال سابق بأن صراع الأجنحة الذي احتد مع ضرب مالي مرورا بمسرحية تيقنتورين و وصولا إلى فضيحة سوناطراك (أو الخليفة 2) لن ينتهي بالتعادل و توازن الرعب كما جرت العادة، لكني لم أصب حين تكهنت أن بوتفليقة خرج للململة أوراقه و العودة أقوى، فمن أصدر الأمر بالإطاحة بمبارك سوف بالتأكيد لن يخسر جنرالات الجزائر لأجل دعم رجل مريض. وهكذا كان الانقلاب الأبيض..

انقلاب ابيض وصفقة الخروج الآمن:

لا يخفى أن تعيين شكيب خليل، صاحب الجنسية الأمريكية والأصل المغربي، على رأس وزارة الطاقة و المناجم جاء بتوصية من البيت الأبيض ليكون همزة الوصل بين الحكومة الجزائرية وإدارة المحافظين الجدد في واشنطن. و معروف عن شكيب صلاته بالماسونية، فقد كان يشغل مركزا مرموقا في البنك الدولي، احد الأذرع الاقتصادية للماسونية. و بمجرد وقوع الاختيار على بوتفليقة، حتى تم تسريح شكيب (تحت غطاء التقاعد) ليلتحق بطاقم الرئيس الوافد حديثا إلى الجزائر. فكان الوكيل المعتمد للبيت الأبيض ومن خلفه الحكومة العالمية في استنزاف موارد المحروقات الجزائرية.

ولم يكن الجنرال توفيق ليتورط في مغامرة تيقنتورين لولا الوعد الأمريكوفرنسي بعدم التدخل في مباراته الأخيرة مع خصمه اللدود والتزام الحياد. لكن الجنرال لم يكن يرى أبعد من التخلص من الرئيس. فمؤامرات الماسونية تعتمد دوما النفس الطويل (تماما كنسج شبكة العنكبوت)، فمِن قتل السفير الأمريكي في ليبيا إلى اغتيال شكري بلعيد في تونس إلى مهاجمة قاعدة عين أميناس في الجزائر، وما هذه الأحداث المتصلة (وان بدت منفصلة ومتباعدة زمنيا) سوى تمهيد لنقل القاعدة من جبال تورابورا إلى الساحل الإفريقي ثم ضم شمال إفريقيا إلى القائمة السوداء للإرهاب وهكذا تقع الجزائر في الفخ وتنتقل القوات الأمريكية رفقة الناتو من أفغانستان إلى الساحل الثري و تندلع حرب جديدة ضد « الإرهاب ».

نتج عن نجاح المخابرات في تأدية دورها في مسرحية تيقنتورين منحها الضوء الأخضر للانقضاض على معسكر الرئيس بالضربة القاضية، فظهر ما كان مدفونا في الأدراج و برزت في الصحف فضائح مالية تمس الدائرة المقربة من الرئيس. وعلى الفور جرى تهريب شكيب خليل، واعتقد الرئيس أن تبرأه أمام الملإ من وزيره كفيل بإنهاء المسألة. لكن المخابرات لم تكن لتهادن، واعتمدت على صفيحة ناطقة بالفرنسية لضم السعيد بوتفليقة إلى قائمة المتورطين في الفساد. واضطر الرئيس لعقد صفقة الخروج الآمن، فأقال شقيقه من منصب المستشار مقابل أن يسلم من المتابعة. وبعد مغادرة مقربيه الجزائر، خرج بدوره و لم يعد لحد الآن. لكن خروجه شغل الورى وملأ الدنا وأنسى الجزائريين أخبار التحقيق في فضائح سوناطراك و « مطاردة » شكيب خليل. ويستمر الإلهاء…

فلو أن بوتفليقة خرج طلبا للعلاج، لاختار وجهة غير فرنسا. ولو انه مازال رئيسا للجزائر، لجرى التستر على الخبر. ولو أن فرنسا مازالت بحاجة إلى وجوده على رأس الدولة الجزائرية، لما سمحت ليمينها المتطرف بنهشه و إذلاله، ويزيد هولاند الطين بلة بإعلان تواجده في إقامة « ليزانفاليد »، أي أن صلاحيته انتهت. ولو أنه لم يطرد من المرادية، لرافقته كاميرا التلفزيون و وفد رفيع المستوى، عوض أن يترك وحيدا معزولا بحجة أن السعيد فرض عليه طوقا مشددا من التعتيم.

خرج الرئيس يستجدي أصدقاؤه في الخارج ويذكر هولاند بفضله في فتح السماء الجزائرية لمرور طائراته المغيرة

على مالي، لكن « الربيع » قد بدأ في الجزائر وما عاد ممكنا العودة إلى الوراء…

نهاية العهد البوتفليقي وتجديد السيطرة:

لم تكن نكبة ما سمي « الربيع العربي » لتثبيت السيطرة الصهيونية على المنطقة، وإنما لتجديدها وفق مخطط الشرق الأوسط الجديد وبرعاية عملاء جدد يرتدون اللحية بدلا من الزي العسكري. ولم يكن « الربيع » ليستثني الجزائر، لكن الحلف الغربي أراده أن يكون بصورة مغايرة في وطننا. فليس من المجدي للغرب أن تتكرر سنوات التسعينات وتغرق الجزائر مرة أخرى في أوحال الدماء وتشمل الفوضى المدمرة كامل الشمال الإفريقي.

فحين سئل هولاند عن مرحلة ما بعد بوتفليقة، أجاب بأنه لا يعتقد أن يكون هناك مجال للفوضى في الجزائر لأن المؤسسات متينة ومستقلة، والجزائريون تنتظرهم انتخابات في 2014. وفي هذا التصريح دعم مطلق للمرشح الذي وقع عليه اختيار المؤسسة العسكرية الجزائرية. وجاء خطاب السفير الأمريكي في نفس سياق تصريح الرئيس الفرنسي بمباركة انتقال سلس للسلطة على هوى دفعة لاكوست شرط « احترام الدستور »!!
ولم تكن خطوة هولاند مفاجئة، فقد سبقها تحقيق بثته قناة فرانس 3 حول مقتل الرهبان الفرنسيين في الجزائر سنة 1996، وخلص التحقيق إلى اتهام الجيا وتبرئة ساحة الجيش الجزائري. وهي إشارة صريحة إلى عودة الدفء بين الاليزيه وقيادة الأركان الجزائرية بعد البرود الذي ساد العلاقة اثر قرار فرنسا ضرب مالي.

ولتفكيك البنية البوتفليقية، منح رجال الظل الوزير الأول سلال سلة لجمع بقايا العهد البوتفليقي، الأمر الذي خوله إصدار مرسوم تنفيذي نشر في الجريدة الرسمية الموافقة لـ28 أفريل (يوما بعد خروج الرئيس)، والخاص بحل « المركز العملي الوطني للمساعدة على القرار »، وهو جهاز استعلامات ومخابرات موازي استحدثه زرهوني في 2003 حين كان يشغل منصب وزير الداخلية وكان تحت إشرافه المباشر قبل الإطاحة به و اغتيال علي تونسي للحد من نفوذ السعيد بوتفليقة وتوغله في دهاليز الدولة العميقة.

من الغريب ألا يتم إعلامنا بإنشاء مثل هكذا جهاز، وأن يتصدر قرار إلغائه صفحات الجرائد الأولى. ففي السابق، لم يكن بمقدور جناح المخابرات مواجهة الرئيس مباشرة، أما الآن وقد مات سياسيا فلا حرج من نشر الغسيل القذر للعيان…

أيها الدستور، كم من الجرائم ترتكب باسمك:

هل يملك رئيس الجهاز التنفيذي استصدار صفة القرار لإلغاء مرسوم رئاسي وحل الجهاز المخابراتي الموازي؟ هل خطوة سلال دستورية؟ وان كانت كذلك، فوفق نفس المنطق كان بإمكان سلال منذ الأيام الأولى لانتشار خبر غياب الرئيس أن يطالب رسميا الجهة المعالجة في مستشفى فال دوغراس بتحرير تقرير طبي مفصل عن وضع الرئيس الصحي. فإن تأكد أن الجلطة أدت إلى عجز الوظائف الدماغية للرئيس واستحالة عودته للنشاط الرسمي، تتم على اثر ذلك دعوة المجلس الدستوري للاجتماع بموجب المادة 88 التي تعرض الأمر على البرلمان فإن صوّت النواب بأغلبية الثلثين على ثبوت المانع (شرط العجز)، يتولى رئيس مجلس الأمة رئاسة البلاد بالنيابة لمدة 45يوما. وإذا امتد غياب و عجز الرئيس إلى أزيد من الفترة المحددة في الدستور (والتي بموجبها يقوم رئيس مجلس الأمة بأعباء الحكم)، يعلن عن شغور منصب الرئاسة وتنظم انتخابات رئاسية مبكرة في أمد أقصاه 60يوما.

لكن رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح هو نفسه يعاني ثبوت المانع، ألا وهو جنسيته المغربية! بربكم، ألا يوجد في هذا البلد البائس مسؤول سام واحد صافي الأصل لا يشرك مع جزائريته جنسية أخرى و انتماء آخر؟ أرهقنا النظام بحربه الإعلامية الضروس ضد المغرب لاحتلاله الصحراء الغربية، والمفارقة أن الجزائر العاصمة تحكم من وجدة المغربية. ففي سياق سياسة الإلهاء، يتسابق أبواق النظام في كيل السباب والشتائم للمخزن المغربي لإشغال الشعب عن أصول مسيّريه المغربية.

وبذلك يتضح أن المادة 88 من الدستور غير قابلة للتنفيذ كما أن الوقت تجاوزها بمضي أزيد من 45يوما على اختفاء الرئيس. و الأكثر أهمية، أن أصحاب العلبة السوداء لا يضايقهم شغور كرسي الرئاسة، بل إن في مصلحتهم إطالة هذه الحالة اللادستورية إلى أن يحين موعد الشهر الكريم فينشغل البسطاء في التحضيرات لرمضان و ينتقلوا من البحث عن الرئيس إلى البحث عن اللحوم بأصنافها. و يستمر الإلهاء…

وفي الجهة المقابلة، يبدو أن دكان تفصيل الدستور قد أغلق لانتفاء الغرض منه. ففي خضم الصخب القائم حول مصير الرئيس، توقفت أشغال لجنة صياغة مشروع قانون تعديل الدستور و سكت الكلام المباح عن العهدة الرابعة ومنصب نائب الرئيس.

وأمام حالة الشغور الراهنة، انتشر البهلوانات في أرجاء السيرك السياسي الجزائري، يؤدون استعراضات لا ترقى إلى مستوى المتابعة، وكله بما لا يخالف الدستور!

السيرك السياسي و الهرج الإعلامي و المرج الشعبي:

في ظل غياب المعلومة الموثقة بالصوت والصورة والمستندة إلى مصادر طبية، تنتشر الهرتلة السياسية. وكل من خاضوا في صحة الرئيس وقرب عودته، لم يثبت أنهم زاروه، بل إنهم تناقلوا ما قيل لهم على غير يقين بدليل أن سلال (عسّاس البوتيكة) في إحدى خرجاته الكوميدية لم يكن قادرا على التفريق بين الأضداد في اللغة العربية: « الرجل مريض، راو لاباس بيه، كل نهار نديرو ديكلاراسيون، قلنا راه مريض راه لاباس بيه راهو يريّح، خلاص مانظلوش نرجعو »!!

ورغم أن الطقس بارد نسبيا على غير عادة الصيف في الجزائر، إلا أن الشارع يغلي في مرميطة سلال. وبين ترقب تصريحات تأتي من باريس و إحصاء المترشحين لانتخابات 2014، يضيع الشعب كليا في دوامة الإلهاء باختفاء الرئيس.

أخذ الكثير يعرض بضاعته الكاسدة للتأهل إلى سباق المرادية وشرع الجمهور يتكهن بالرئيس القادم: هل هو بن بيتور ببرنامجه الاقتصادي الذي لم يطبقه حين كان في موقع المسؤولية، أم هو عبد الرزاق مقري الذي ذاع صيته مؤخرا. ولم تستثن التكهنات احد آخر الرجال المحترمين الرئيس الأسبق اليامين زروال الذي غادر إقامته بباتنة والذي وصفه رجل المخابرات السابق شفيق مصباح بأنه رجل الإجماع لقيادة المرحلة المقبلة. كما لم تغفل الصحف إيراد اسم علي بن فليس و وشوك عودته. وقد ساهم غياب الرئيس في تزايد العروض دون انتظار إعلان المناقصة رسميا، و ما أكثر الحالمين!

من الضفة الأخرى للبحر المتوسط، أعلن الرئيس هولاند منذ أيام انه لا يدري متى يعود بوتفليقة إلى الجزائر، لكنه أكد أنه « حتما » سيعود. وعلى اثر ذلك انتقل كلا من الوزير الأول وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي في زيارة إلى الرئيس في إقامة ليزانفاليد لأول مرة منذ خروجه على وعد بموافاتنا لاحقا بصور الزيارة، وهو ما تم هذا المساء وبدت الصور كأنها ملتقطة من متحف الشمع! ثم تلا ذلك فيديو المقابلة والذي إن دل على شيء فببلوغ المعني أرذل العمر واستحالة قيامه منفردا بوظائفه البيولوجية فما بالك بالإشراف على 35مليون جزائري أو ما يزيد؟ وكيف لمن لم يستطع الإمساك بفنجان قهوته أن يشد لجام دولة بحجم الجزائر؟!

وقد كان فيديو الزيارة صامتا حيث عرض دون صوت، واستغرق أكل وشرب المريض و الزوار ثلاث أرباع وقت الزيارة، في محاولة خائبة لإظهار أن كل شيء على ما يرام دون الانتباه إلى أن طرف الرئيس الأيسر بدا مشلولا بالكامل واليد لا تتحرك رغم محاولة إظهارها في ثلاث وضعيات مصورة مختلفة، وهذا ما يفسر تسريب الصور قبل التسجيل المرئي لأجل التمويه والخداع!

وزيارة المريض تسمى في اللغة العربية « عيادة المريض » اشتقاقا من العود أي الرجوع إلى الشيء مرارا. فالزائر في العادة لا يكتفي بالزيارة مرة واحدة وبعد انقضاء 45يوما كاملة، وإنما من المفروض أن يعود المريض ويكرر عليه الزيارة حسب الصلة التي بينهما. أمّا وأن الصلة قد انقطعت نهائيا بين جناح الرئيس والجناح العسكري، فان الزيارة هدفها (ليس تطمين الداخل) وإنما أخذ التعليمات من القيادة الفرنسية بشأن ساعة الصفر.

إذا فالرئيس لن يرجع؟!!

وسترجع يوما يا ولدي مهزوما مكسور الوجدان:

هل سيرجع الرئيس؟ متى وكيف سيرجع الرئيس؟ تلك صيغ خاطئة لطرح السؤال الخاص بـ »الجزائر..إلى أين؟ » الأصح أن نسأل: « لماذا قد يرجع الرئيس؟ »

خص بوتفليقة نفسه اثر تعديل الدستور لسنة 2008 بصلاحيات مهولة، لكن خروجه المفاجئ لم يعرض البلاد للجمود، ولم نكن لنستشعر ذلك لولا إثارة إعلام الدولة للقضية بشكل مبالغ فيه أنسانا كل المشاكل التي تعصف بالبلاد. فقد تبين أن الدولة المركزية الجزائرية لا تتمحور حول رئيس الجمهورية الذي لم يعد يختلف وضعه كثيرا عن ملكة بريطانيا التي تملك ولا تحكم، فهو رأس الدولة (أو يفترض) لكن غيابه لم يؤثر ذرة في السير الطبيعي لأمور البلاد ولم يعق مواصلة إصدار التعليمات وتوقيع المراسيم من جهة غير معلومة للشعب.

الآن وقد انهار حلف الرئيس بالكامل، من المفترض والطبيعي ألا يعود وأن يتجه لأداء مناسك الحج في الإمارات على غرار احمد شفيق مع القياس بالفارق، ويستقر هناك إلى أن يأخذ الله أمانته. أما إن عاد فذاك الاستثناء والشذوذ بعينه!

لماذا يرجع وماذا تبقى له في الجزائر؟ فقد انفضت العشيرة من حوله وبقي وحيدا عاجزا ولن يعود أبدا كرئيس للجزائر. وليس أسوء حالا من مهزوم يوقع اتفاقية انتصار عدوه ثم يجبر على الرجوع إلى ارض المعركة مهزوما مكسورا الوجدان ليكمل دوره في المسرحية إلى أن تنقضي الأشهر العشر و يزف إلى المرادية عريس جديد. وهي أبشع نهاية لرجل سياسة بوزن عبد العزيز بوتفليقة و قد تكون اشد سوءا من نهاية مبارك، الذي حظي على الأقل بفرصة التشفي للفشل الذريع الذي مني به تنظيم البنا المحظور وندم المصريين على التصويت لتجار الدين. أما بوتفليقة فلن يسعفه الحظ لرؤية خصومه ينهارون. وقد احتجزته فرنسا لأكثر من شهر لتسلمه في الآخر « تسليم أهالي » لقايد صالح حتى يعيده صاغرا إلى ارض الجزائر لإكمال ما تبقى من عهدته على سرير في قصر المرادية تقتله الحسرة بعد تفكيك أوصال حكمه و التخلص من رجاله.

العسكر؛ الرابح الأكبر:

لعب الجنرال توفيق المباراة النهائية باحترافية واستخدم كل أوراقه، ثم خرج في الأخر قايد صالح لجمع الغلة والإعلان من باريس من إقامة المعطوبين عن عطب الرئاسة و انتصار العسكر بشقيه: المخابرات و الجيش.
و تزامن ظهور الرئيس رفقة رئيس الأركان مع صدور بيان للجيش يشدد فيه على احترامه الصارم للدستور و ولاءه للرئيس كقائد عام للقوات المسلحة. ولا يوجد أي تعارض بين الحدثين، فليس في انقلاب العسكر الأبيض هذا مخالفة ظاهرية للدستور، فلا مسارا انتخابيا أوقفوا ولا حالة طوارئ أعلنوا.

إذا فقد تجددت العلاقة الغرامية بين فرنسا و العسكر بعد القضاء على الطرف الثالث (بوتفليقة) الذي تدخل في قصة العشق الممنوع لكنه لم ينجح في إنهائه، بل زاده لهيبا.

وجرى استغلال مغادرة الرئيس الوطن لإعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة و ترويضها وتقويض دورها ، وستكون هذه النهاية المأسوية لبوتفليقة عبرة لمن سيأتي خلفه و للتذكير بأن الطريق من الجزائر إلى الايليزي لا يمر إلا عبر العسكر ومن خلالهم.

وهكذا تنتهي لعبة الربيع في الجزائر ويحدث التغيير داخل صفوف النظام بإقصاء الرئيس العنيد وتحويل الرئاسة إلى جهاز تنفيذي في مقابل تقوية جناح المخابرات وإعادة بسط السيطرة الفرنسية على الجزائر لدرجة التقاء القيادة الجزائرية في مستشفى عسكري فرنسي لتسيير شؤون الدولة الجزائرية من هنالك!

صدق السردوك:

ليس تبدل الوجوه هو التغيير الذي تستأهله الجزائر، لكن نزولا عند الحديث القائل « كما تكونوا يولى عليكم »، أصل إلى نتيجة مفاداها انه ومهما يكن ما استقرت عليه العلبة السوداء بشأن مستقبل الجزائر فسيكون بكل الأحوال خيرا من إلقاء السلطة لشارع أهوج وتفجير الجزائر. وأجدني هنا اتفق كليا مع ما خلص إليه الأستاذ سعد بوعقبة حين كتب في عموده: « تسيير الدولة من فراش المرض لمدة 10 أشهر أفضل من رمي السلطة في الشارع وحالة البلاد على ماهي عليه الآن، اضطرابات اجتماعية حادة، وأخطار الربيع العربي تحوم حولنا، وحدودنا مهددة من جميع الجهات، والطبقة السياسية في حالة كومة سياسية ».

ففي خضم هذا الإلهاء المهول، تبقى القضية الحقيقية « من يحكم في الجزائر؟ » بعيدة كل البعد عن متناول الإعلام و كذلك عن مدارك الجزائريين. والى أن نعرف من يحكم الجزائر فعليا، تظل الثورة حلما بعيد المنال…

بقلم: إيناس نجلاوي- خنشلة
أستاذة بجامعة تبسة- الجزائر


Nombre de lectures: 1321 Views
Embed This

Commentaire



Laisser un commentaire

Laisser un commentaire

XHTML: You can use these html tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>