DzActiviste.info Publié le sam 11 Août 2012

استقلال الجزائر: ثمرة نضالات شعبها وتحالفاتها مع الحركة العمالية العالمية

Partager

منذ خمسين سنة، تحرر الشعب الجزائري من تركة 132 سنة من السيطرة الاستعمارية. لقد انتزع أخيرا استقلاله بعد حرب تحرير خاضها خلال سبع سنوات ونصف. وقدم في سبيلها تضحيات جسيمة متحملا معاناة لا توصف لإسقاط واحدة من كبريات قوى الاضطهاد البربري التي لم تعرف لها البشرية مثيلا منذ ماض سحيق. لقد قاد الرجال والنساء جنبا إلى جنب نضالا بطوليا للتخلص من القمع الاستعماري الذي تسبب في مقتل ما يقرب من مليون من سكان الأرياف، وسجن مئات الآلاف من الجزائريين، الذين اقتلعهم الجيش الفرنسي الاستعماري من أرضهم، وحصرهم في « محتشدات » بغية تجويع وعزل جنود جيش التحرير الوطني عن أي تأييد شعبي. وهناك مئات آلاف آخرين فروا على طول الحدود بين تونس والمغرب هربا من القصف الجوي والبري والتعذيب والإعدام.

إن الهمجية الاستعمارية لا حدود لها، فلم يتوقف الاستعمار عن ممارسة التعذيب لإرهاب الجزائريين، منذ أن نزلت قواته أرض بلادنا لنهب خيراتها وثرواتها، وتعميم هذا النهب. ولم ينج من ممارستها الهمجية لا النساء ولا الأطفال ولا كبار السن في محاولة منها لتحطيم إرادة التحرر في معركة انخرطت فيها كل فئات المجتمع باستثناء أقلية ضئيلة من الخونة والمتعاونين.

الشعب الجزائري قرر تحطيم سلاسل الاضطهاد

لقد قرر الشعب الجزائري تحطيم سلاسل الاضطهاد، وتحمل في ذلك من الآلام الحد الأقصى بعد عقود من الانتفاضات التي خنقها الاستعمار بسهولة، واحدة إثر أخرى بسبب عدم التنسيق فيما بينها، بحيث لم يعد هناك أي شيء يمكن أن يحول بينه وبين انتهاج نظام النهب والاستغلال.

وأمام هذا الاضطهاد الذي لامثيل له، لم يبق للجزائريين سوى حق واحد، هو وأد أولئك الذين انتزعوا منهم أرضهم من أجل إثراء حفنة من المستغلين الأجانب، الذين يطلق عليهم « السادة المائة »: من كبار المعمرين الذين امتلكوا مناطق شاسعة من كبريات الأراضي التي استولوا عليها عنوة، وملاك السفن الكبيرة الذين اغتنوا بفضل التجارة مع المتروبول والمصرفيين وأصحاب المناجم، والأثرياء المضاربين في العقارات، وما إلى ذلك. وفي الجزائر التي كانت تسمى فرنسية، لم يكن للجزائريين قط أي حق من الحقوق التي يتمتع بها الفرنسي صراحة ومعترفا به، بدءا من حرية إنشاء النقابات، والأحزاب، واختيار ممثليهم بحرية، والاشتراك في الانتخابات والترشيحات حينما أصبح من الممكن ذلك نظريا بعد إلغاء قانون الأهالي في عام 1945، والنضالات الانتخابية، منعا للغش أو حشوا لصناديق الاقتراع، أو منعا لنظام تمييز ثنائي يستند إلى النظام الاستعماري الذي لم يعد ممكنا التخلص منه دون اللجوء إلى الكفاح المسلح.

وعلى الرغم من جميع الوسائل البشرية والمادية التي حشدها الاستعمار لقمع التمرد النوفمبري، وعلى الرغم كذاك من دعم منظمة حلف شمال الأطلسي، ما كان يمكن للمستعمرين أن يوقفوا المسار الحتمي للتاريخ، أمام الرفض الحازم للشعب الجزائري مواصلة العيش تحت السيطرة الاستعمارية، والرفض البطولي الذي عبر عنه خلال مظاهرات تاريخية في 11 ديسمبر 1960، واضطرار ديغول للتفاوض مع جبهة التحرير الوطني، التي فجرت الانتفاضة المسلحة. واضطر ممثلو الدولة الفرنسية إلى إمضاء توقيعاتهم إلى جانب ممثلي الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) على قرار 18 مارس 1962 مع فرنسا الذي نتج عن اتفاقية إيفيان التي تم الاعتراف فيها بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه. وبدون أية مفاجأة أفرز الاستفتاء حول تقرير المصير في 01 جويلية النتيجة التالية: أكثر من 98٪ صوتوا لصالح الاستقلال. وتم الإعلان عن نهاية النظام الاستعماري خلال أيام، واحتفل الشعب الجزائري بالانتصار البهيج الذي لا مثيل له. وأضحى تاريخ 5 جويلية يوما للاحتفال بالاستقلال رسميا. وفي خضم الآلام التي سببتها المعركة الدموية من أجل التحرر برزت إلى حيز الوجود الأمة الجزائرية.

لقد كان الشعب الجزائري هو صانع انتصاره. فمن خلال نضاله، وتضحياته، ووحدته، وتنظيمه وتصميمه تمكن من أن يتغلب على واحدة من كبريات القوى الامبريالية في العالم.

بيد أن هذا الانتصار قد تنامى بشكل كبير بفضل ميزان القوى الجديد الذي تكون على الصعيد العالمي بعد ثورة أكتوبر في روسيا سنة 1917.

إن إلغاء الحكم الأوتوقراطي، وإقامة نظام اشتراكي للعمال والفلاحين في روسيا بقيادة البلاشفة قد عزز ساحة التحرر العالمية. ومنذ ذلك الوقت صار جزء كبير من العالم يعارض بحزم أي اضطهاد قومي أو طبقي. وقد اعترف النظام الاشتراكي بالشعوب التي كانت تهيمن عليها روسيا القيصرية بما في ذلك الحق في تقرير المصير، وأقامت علاقات من نمط جديد بين الشعوب الواقعة تحت راية النضال المشترك ضد الاستغلال والاستعباد وبناء مجتمع اشتراكي.
إن وجود الاتحاد السوفياتي، وإقامة النظام الاشتراكي، بعد سحق النازية بفضل المساهمة الحاسمة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، وخصوصا بعد انتصار الثورة الاشتراكية في الصين، والانتصار العسكري والسياسي الكبير للشعب الفيتنامي ضد الاستعمار الفرنسي، قد أضعف بصورة شديدة القوى الامبريالية. ولا ينبغي أن يغيب هذا العامل التاريخي الإيجابي أبدا عن البال في تحليل العوامل الملائمة التي سمحت للشعوب المستعمرة بتحطيم سلاسل القهر، ومكنتها من الانتصار على عدو في منتهى القسوة والجبروت. واليوم أظهر انتصار الثورة المضادة في هذه البلدان، وزوال الاتحاد السوفياتي، على النقيض من ذلك بشكل ملموس كيف سحقت الإمبريالية مؤقتا أعداءها الأكثر تصميما، وشرعت في القيام بأعمال انتقامية واسعة النطاق في محاولة منها لإلغاء مكتسبات الشعوب ووضعت تحت سيطرتها، بأشكال أكثر تنوعا، وأكثر أو أقل تبصرا، هذه الشعوب التي كانت قد تحررت من القيود الاستعمارية.

تأثير نشاط الأممية الشيوعية المعادي للاستعمار في الجزائر

لقد خلقت الأممية الثالثة، الأممية الشيوعية، في خضم النضال ضد الحروب الإمبريالية وضد خيانة قادة الأحزاب الاشتراكية الذين دعموا هذه الحروب الهمجية واللصوصية من أجل إعادة تقسيم العالم، لصالح إعادة استغلال المستعمرات، ولعبت دورا هاما في إشاعة شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وأمكن للشعوب المستعمرة منذ ذلك الوقت الاعتماد على دعم مباشر أو غير مباشر من المعسكر الاشتراكي المناهض أساسا للاضطهاد القومي ولكل أشكال الشوفينية والعنصرية. حيث لم يكن الوطنيون في البلدان المستعمرة يأملون في الحصول على أسلحة أساسية بدون وجود الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى؟.

وقد تحول كل بلد تمكن من انتزاع استقلاله في هذا السياق الجديد، بدوره إلى حلقة في سلسلة التضامن العالمي، في إطار دعم نضالات الشعوب الأخرى. هل كان من المكن أن تنعقد قمة باندونغ بدون وجود الاتحاد السوفياتي والصين ويوغوسلافيا الاشتراكية، ومن دون الزخم الذي ولدته الهزيمة المدوية لشعوب الهند الصينية، التي يقودها الشيوعيون، ضد الإمبريالية الفرنسية، وبدون هذه العملية العالمية الكبيرة التي أدت إلى تحرير الهند، واندونيسيا، وجميع الشعوب الآسيوية المضطهدة من قبل البلدان الامبريالية الأوربية واليابانية والأمريكية، وسمحت لهذه البلدان أن تحصل على الاستقلال وأن تلعب دورا نشيطا مناهضا للاستعمار؟. وماذا كان سيكون مصير مصر التي صارت جمهورية بعد الثورة المناهضة للملكية والمعادية للاستعمار بعد 23 يوليو 1952 بدون إنذار الاتحاد السوفياتي الشهير الذي أرغم المعتدين البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين على إيقاف تغلغلهم في هذا البلد في عام 1956 وإخلاء الأراضي التي كانوا قد استولوا عليها بدون قيد ولا شرط؟. وهل كان يمكن أن تنتصر حربنا التحريرية، لو أن مظليي بيجار نجحوا في أن ينصبوا على رأس هذا البلد صانعي أحذيتهم؟. وهل كان يمكن لبورقيبة أن يطمح، في أن تونس ستنتزع استقلالها دون هذا التوازن الجديد للقوى، بقيول تواجد جيش التحرير الوطني الجزائري على أراضيها وسكوت فرنسا دون رد فعل، ودون محاولة استعادة السيطرة على هذا البلد؟.

لقد قدمت البلدان العربية، بما فيها تلك التي كانت تحكمها الأنظمة الملكية، دعمها لنضال الشعب الجزائري من أجل استقلاله. ولكن هل يمكننا مع ذلك الاعتقاد بأنها كانت قادرة على مواجهة غضب المستعمرين الفرنسيين لو كان ميزان القوى لم يتغير بعد ثورة أكتوبر 1917؟ إن الدور الرجعي اللدود الذي تلعبه اليوم علنا الملكيات الثيوقراطية العربية في دعم الحركات الرجعية التي تستخدم الإسلام لإخفاء أهدافها الطبقية ودعم عمليات التدخل التي تقوم بها البلدان الامبريالية لإسقاط الأنظمة التي ترفض الخضوع لإملاءاتها، يظهر على العكس من ذلك، وللأسف كيف أن انتصار الثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية صار يشكل مصدر متاعب جديدة للشعوب.

وفيما يتعلق ببلادنا، فقد كان لإعلان الحزب الشيوعي الفرنسي في مؤتمر طور عام 1921، قبوله للشرط 8 للانخراط في الأممية الشيوعية، الذي يلزم الأحزاب الشيوعية بتأييد وتدعيم الأمة المستعمرة (بفتح الميم) بإعطائها الحق في الاستقلال دون قيد أو شرط، كان لكل هذا تأثير عميق.

لقد بدأ الضوء ينبلج من خلال الضباب الكثيف لليل الاستعماري. ولم يكن من الممكن إنكار الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي الفرنسي مهما كانت الأخطاء التكتيكية التي ارتكبت في لحظة معينة من تطبيق هذا الشرط. فمن خلال نضال الحزب الشيوعي الفرنسي دخل شعار الاستقلال في وعي العمال المهاجرين الجزائريين الذي اضطر الإمبريالية الفرنسية إلى القيام بنداء إلى تعويض العمال الذين ذهبوا إلى الجبهة خلال الحرب العالمية الأولى. ويعود الفضل في هذا العمل المكثف إلى الدعاية البلشفية التي مكنت من تشكيل نجم الشمال الإفريقي. وقد جري هذا العمل تحت تحريض العمال الجزائريين الذين كسبوا هذه القضية بواسطة الحزب الشيوعي الفرنسي، وانخراطهم في هذا الحزب.

لقد طرح شعار الاستقلال بشكل حاسم في الجزائر، حتى لصالح تشكيل الجبهة الشعبية وانتصارها الانتخابي في عام 1936. وعلى الرغم من تردد الديمقراطية الاجتماعية التي لا تزال قائمة للحفاظ على الجزائر تحت الهيمنة الاستعمارية، فقد فتح وجود الجبهة الشعبية ثغرات في النظام الاستعماري من خلال السماح للجزائريين بحرية إنشاء الأحزاب السياسية.

ولعب نجم شمال إفريقيا دورا هاما في تشكيل تأطير وطني صلب قائد في داخل الطبقات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة التي أيدت هذا الشعار في الجزائر، بإسقاط فيروس القمع الاستعماري. ومن الواضح أن هذا التأطير قد أصبح يشكل قوة محركة للنضال أكثر فأكثر داخل الأحزاب الممثلة للفئات الاجتماعية الميسورة، المختبئة داخل الإصلاحات التجميلية. ومما لا شك فيه، أن الأنوية الشيوعية الأولى التي نشأت في الجزائر في عام 1920 قد قدمت إسهاما كبيرا في انتشار هذا الشعار، بخوض نضال لا هوادة فيه ضد الأفكار الأبوية والعنصرية التي أدخلها الحزب الاشتراكي، بدلا من الموت داخل الأممية، وداخل عمل الحزب الشيوعي الفرنسي المعادي للاستعمار في الجزائر.

وفي السياق الدولي للانتصار على الفاشية، تم الإعلان عن الشعار وأصبح قوة مادية لا يمكن للاستعمار من الآن فصاعدا أن يخنقها. لقد تم ضبط الجماهير الشعبية. وأصبح شعار الاستقلال القضية المركزية للحركة الوطنية، واحتل الحزب الشيوعي الجزائري الذي تم تأسيسه في عام 1936 مكانته الكاملة في هذه المعركة حتى ولو أنه ارتكب أخطاء تكتيكية، مرتبطة بالخطر النازي، جعلت هذا الشعار ثانويا حتى عام 1947.

وعلى الرغم من أن الشيوعيين الفرنسيين لم يشكلوا الأغلبية في فرنسا، حتى في اللحظات الأكثر قوة في وزنهم الانتخابي، فقد كان تأثيرهم كبيرا جدا في صفوف العمال والشعب. ويجب أن نعترف لهم بالجدارة التاريخية بعد أن كافحوا بلا كلل الدعاية الاستعمارية والشوفينية التي انتشرت في أعماق المجتمع الفرنسي، بما في ذلك داخل الطبقة العاملة الفرنسية نفسها التي انتشت من السم الذي بثته هذه الدعاية. إن هذا العمل السياسي الذي قام على، أساس، الصبر والصلابة في صفوف الجماهير الشعبية قد أتى ثماره، وخلق الظروف في فرنسا لعزل أنصار الفاشية في الجزائر الفرنسية. وبفضل النتائج الموضوعية المرتبطة بنشاط الحزب الشيوعي الفرنسي، والتقدميين الفرنسيين ودعم البلدان الاشتراكية، ونضال الشعب الجزائري، أصبحا البرجوازية الفرنسية الكبرى التي استخدمت كل الوسائل لسحق هذا النضال عاجزة عن مواصلة استراتيجيتها لإبقاء الجزائر تحت سيطرتها، كما أنها اضطرت للتخلي عن مخطط « التقسيم » الذي كان قد اختمر في آخر لحظة للحفاظ على قبضتها في الصحراء وثروتها النفطية.

أخيرا، ولتجنب الاضطرار إلى القتال على عدة جبهات، وأمام النتيجة الحتمية لتطور نضالات التحرر الوطني في الجزائر قررت الإمبريالية الفرنسية في عام 1960 منح الاستقلال الشكلي للبلدان الإفريقية الأخرى التي كانت خاضعة لاستعمارها.

لقد كان هناك درس عظيم ينبغي استخلاصه من كفاح الشعب الجزائري: ألا وهو أنه بدون التحالف بين حركة التحرر الوطني، والحركة العمالية والشيوعية والمعسكر الاشتراكي، والذي هو نفسه قد انطلاق من هذه الحركة، وشكل عاملا حاسما لإحداث تغييرات تقدمية في القرن العشرين، لا يمكن لشعوب البلدان المستعمرة، نفسها، أن تتغلب على الإمبريالية، رغم بطولاتها وتضحياتها.

إن هذا الدرس قد شكل لحظة حاسمة، حيث أن الرجعية الإمبريالية العالمية قد حركت قواها في كل مكان في العالم في محاولة منها لفرض أنظمة جديدة مستبدة ومهيمنة، وحتى لو كانت هذه الهيمنة قاسية، (وهي قاسية ووحشية فعلا)، فهي تحاول إخفاءها تحت ستار نضال مزعوم من أجل « الديمقراطية » و « حقوق الإنسان ».

إن نضال الحركة العمالية الثورية في البلدان الامبريالية من أجل إسقاط نظام الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي، وإقامة نظام اشتراكي، ونضال عمال وشعوب الأمم الخاضعة للهيمنة أو التهديد من قبل التدخلات الامبريالية المدعومة من قبل قوى الرجعية الداخلية، مرتبطة ارتباطا وثيقا. إنها أكثر مما كانت عليه حركة تحرر وطني التي كانت تكافح من أجل التخلص من وصاية من الاستعمار.

11 أوت 2012

زهير بسة


Nombre de lectures: 735 Views
Embed This
DzActiviste.info Publié le sam 11 Août 2012

استقلال الجزائر: ثمرة نضالات شعبها وتحالفاتها مع الحركة العمالية العالمية

Partager

منذ خمسين سنة، تحرر الشعب الجزائري من تركة 132 سنة من السيطرة الاستعمارية. لقد انتزع أخيرا استقلاله بعد حرب تحرير خاضها خلال سبع سنوات ونصف. وقدم في سبيلها تضحيات جسيمة متحملا معاناة لا توصف لإسقاط واحدة من كبريات قوى الاضطهاد البربري التي لم تعرف لها البشرية مثيلا منذ ماض سحيق. لقد قاد الرجال والنساء جنبا إلى جنب نضالا بطوليا للتخلص من القمع الاستعماري الذي تسبب في مقتل ما يقرب من مليون من سكان الأرياف، وسجن مئات الآلاف من الجزائريين، الذين اقتلعهم الجيش الفرنسي الاستعماري من أرضهم، وحصرهم في « محتشدات » بغية تجويع وعزل جنود جيش التحرير الوطني عن أي تأييد شعبي. وهناك مئات آلاف آخرين فروا على طول الحدود بين تونس والمغرب هربا من القصف الجوي والبري والتعذيب والإعدام.

إن الهمجية الاستعمارية لا حدود لها، فلم يتوقف الاستعمار عن ممارسة التعذيب لإرهاب الجزائريين، منذ أن نزلت قواته أرض بلادنا لنهب خيراتها وثرواتها، وتعميم هذا النهب. ولم ينج من ممارستها الهمجية لا النساء ولا الأطفال ولا كبار السن في محاولة منها لتحطيم إرادة التحرر في معركة انخرطت فيها كل فئات المجتمع باستثناء أقلية ضئيلة من الخونة والمتعاونين.

الشعب الجزائري قرر تحطيم سلاسل الاضطهاد

لقد قرر الشعب الجزائري تحطيم سلاسل الاضطهاد، وتحمل في ذلك من الآلام الحد الأقصى بعد عقود من الانتفاضات التي خنقها الاستعمار بسهولة، واحدة إثر أخرى بسبب عدم التنسيق فيما بينها، بحيث لم يعد هناك أي شيء يمكن أن يحول بينه وبين انتهاج نظام النهب والاستغلال.

وأمام هذا الاضطهاد الذي لامثيل له، لم يبق للجزائريين سوى حق واحد، هو وأد أولئك الذين انتزعوا منهم أرضهم من أجل إثراء حفنة من المستغلين الأجانب، الذين يطلق عليهم « السادة المائة »: من كبار المعمرين الذين امتلكوا مناطق شاسعة من كبريات الأراضي التي استولوا عليها عنوة، وملاك السفن الكبيرة الذين اغتنوا بفضل التجارة مع المتروبول والمصرفيين وأصحاب المناجم، والأثرياء المضاربين في العقارات، وما إلى ذلك. وفي الجزائر التي كانت تسمى فرنسية، لم يكن للجزائريين قط أي حق من الحقوق التي يتمتع بها الفرنسي صراحة ومعترفا به، بدءا من حرية إنشاء النقابات، والأحزاب، واختيار ممثليهم بحرية، والاشتراك في الانتخابات والترشيحات حينما أصبح من الممكن ذلك نظريا بعد إلغاء قانون الأهالي في عام 1945، والنضالات الانتخابية، منعا للغش أو حشوا لصناديق الاقتراع، أو منعا لنظام تمييز ثنائي يستند إلى النظام الاستعماري الذي لم يعد ممكنا التخلص منه دون اللجوء إلى الكفاح المسلح.

وعلى الرغم من جميع الوسائل البشرية والمادية التي حشدها الاستعمار لقمع التمرد النوفمبري، وعلى الرغم كذاك من دعم منظمة حلف شمال الأطلسي، ما كان يمكن للمستعمرين أن يوقفوا المسار الحتمي للتاريخ، أمام الرفض الحازم للشعب الجزائري مواصلة العيش تحت السيطرة الاستعمارية، والرفض البطولي الذي عبر عنه خلال مظاهرات تاريخية في 11 ديسمبر 1960، واضطرار ديغول للتفاوض مع جبهة التحرير الوطني، التي فجرت الانتفاضة المسلحة. واضطر ممثلو الدولة الفرنسية إلى إمضاء توقيعاتهم إلى جانب ممثلي الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) على قرار 18 مارس 1962 مع فرنسا الذي نتج عن اتفاقية إيفيان التي تم الاعتراف فيها بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه. وبدون أية مفاجأة أفرز الاستفتاء حول تقرير المصير في 01 جويلية النتيجة التالية: أكثر من 98٪ صوتوا لصالح الاستقلال. وتم الإعلان عن نهاية النظام الاستعماري خلال أيام، واحتفل الشعب الجزائري بالانتصار البهيج الذي لا مثيل له. وأضحى تاريخ 5 جويلية يوما للاحتفال بالاستقلال رسميا. وفي خضم الآلام التي سببتها المعركة الدموية من أجل التحرر برزت إلى حيز الوجود الأمة الجزائرية.

لقد كان الشعب الجزائري هو صانع انتصاره. فمن خلال نضاله، وتضحياته، ووحدته، وتنظيمه وتصميمه تمكن من أن يتغلب على واحدة من كبريات القوى الامبريالية في العالم.

بيد أن هذا الانتصار قد تنامى بشكل كبير بفضل ميزان القوى الجديد الذي تكون على الصعيد العالمي بعد ثورة أكتوبر في روسيا سنة 1917.

إن إلغاء الحكم الأوتوقراطي، وإقامة نظام اشتراكي للعمال والفلاحين في روسيا بقيادة البلاشفة قد عزز ساحة التحرر العالمية. ومنذ ذلك الوقت صار جزء كبير من العالم يعارض بحزم أي اضطهاد قومي أو طبقي. وقد اعترف النظام الاشتراكي بالشعوب التي كانت تهيمن عليها روسيا القيصرية بما في ذلك الحق في تقرير المصير، وأقامت علاقات من نمط جديد بين الشعوب الواقعة تحت راية النضال المشترك ضد الاستغلال والاستعباد وبناء مجتمع اشتراكي.
إن وجود الاتحاد السوفياتي، وإقامة النظام الاشتراكي، بعد سحق النازية بفضل المساهمة الحاسمة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، وخصوصا بعد انتصار الثورة الاشتراكية في الصين، والانتصار العسكري والسياسي الكبير للشعب الفيتنامي ضد الاستعمار الفرنسي، قد أضعف بصورة شديدة القوى الامبريالية. ولا ينبغي أن يغيب هذا العامل التاريخي الإيجابي أبدا عن البال في تحليل العوامل الملائمة التي سمحت للشعوب المستعمرة بتحطيم سلاسل القهر، ومكنتها من الانتصار على عدو في منتهى القسوة والجبروت. واليوم أظهر انتصار الثورة المضادة في هذه البلدان، وزوال الاتحاد السوفياتي، على النقيض من ذلك بشكل ملموس كيف سحقت الإمبريالية مؤقتا أعداءها الأكثر تصميما، وشرعت في القيام بأعمال انتقامية واسعة النطاق في محاولة منها لإلغاء مكتسبات الشعوب ووضعت تحت سيطرتها، بأشكال أكثر تنوعا، وأكثر أو أقل تبصرا، هذه الشعوب التي كانت قد تحررت من القيود الاستعمارية.

تأثير نشاط الأممية الشيوعية المعادي للاستعمار في الجزائر

لقد خلقت الأممية الثالثة، الأممية الشيوعية، في خضم النضال ضد الحروب الإمبريالية وضد خيانة قادة الأحزاب الاشتراكية الذين دعموا هذه الحروب الهمجية واللصوصية من أجل إعادة تقسيم العالم، لصالح إعادة استغلال المستعمرات، ولعبت دورا هاما في إشاعة شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وأمكن للشعوب المستعمرة منذ ذلك الوقت الاعتماد على دعم مباشر أو غير مباشر من المعسكر الاشتراكي المناهض أساسا للاضطهاد القومي ولكل أشكال الشوفينية والعنصرية. حيث لم يكن الوطنيون في البلدان المستعمرة يأملون في الحصول على أسلحة أساسية بدون وجود الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى؟.

وقد تحول كل بلد تمكن من انتزاع استقلاله في هذا السياق الجديد، بدوره إلى حلقة في سلسلة التضامن العالمي، في إطار دعم نضالات الشعوب الأخرى. هل كان من المكن أن تنعقد قمة باندونغ بدون وجود الاتحاد السوفياتي والصين ويوغوسلافيا الاشتراكية، ومن دون الزخم الذي ولدته الهزيمة المدوية لشعوب الهند الصينية، التي يقودها الشيوعيون، ضد الإمبريالية الفرنسية، وبدون هذه العملية العالمية الكبيرة التي أدت إلى تحرير الهند، واندونيسيا، وجميع الشعوب الآسيوية المضطهدة من قبل البلدان الامبريالية الأوربية واليابانية والأمريكية، وسمحت لهذه البلدان أن تحصل على الاستقلال وأن تلعب دورا نشيطا مناهضا للاستعمار؟. وماذا كان سيكون مصير مصر التي صارت جمهورية بعد الثورة المناهضة للملكية والمعادية للاستعمار بعد 23 يوليو 1952 بدون إنذار الاتحاد السوفياتي الشهير الذي أرغم المعتدين البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين على إيقاف تغلغلهم في هذا البلد في عام 1956 وإخلاء الأراضي التي كانوا قد استولوا عليها بدون قيد ولا شرط؟. وهل كان يمكن أن تنتصر حربنا التحريرية، لو أن مظليي بيجار نجحوا في أن ينصبوا على رأس هذا البلد صانعي أحذيتهم؟. وهل كان يمكن لبورقيبة أن يطمح، في أن تونس ستنتزع استقلالها دون هذا التوازن الجديد للقوى، بقيول تواجد جيش التحرير الوطني الجزائري على أراضيها وسكوت فرنسا دون رد فعل، ودون محاولة استعادة السيطرة على هذا البلد؟.

لقد قدمت البلدان العربية، بما فيها تلك التي كانت تحكمها الأنظمة الملكية، دعمها لنضال الشعب الجزائري من أجل استقلاله. ولكن هل يمكننا مع ذلك الاعتقاد بأنها كانت قادرة على مواجهة غضب المستعمرين الفرنسيين لو كان ميزان القوى لم يتغير بعد ثورة أكتوبر 1917؟ إن الدور الرجعي اللدود الذي تلعبه اليوم علنا الملكيات الثيوقراطية العربية في دعم الحركات الرجعية التي تستخدم الإسلام لإخفاء أهدافها الطبقية ودعم عمليات التدخل التي تقوم بها البلدان الامبريالية لإسقاط الأنظمة التي ترفض الخضوع لإملاءاتها، يظهر على العكس من ذلك، وللأسف كيف أن انتصار الثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية صار يشكل مصدر متاعب جديدة للشعوب.

وفيما يتعلق ببلادنا، فقد كان لإعلان الحزب الشيوعي الفرنسي في مؤتمر طور عام 1921، قبوله للشرط 8 للانخراط في الأممية الشيوعية، الذي يلزم الأحزاب الشيوعية بتأييد وتدعيم الأمة المستعمرة (بفتح الميم) بإعطائها الحق في الاستقلال دون قيد أو شرط، كان لكل هذا تأثير عميق.

لقد بدأ الضوء ينبلج من خلال الضباب الكثيف لليل الاستعماري. ولم يكن من الممكن إنكار الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي الفرنسي مهما كانت الأخطاء التكتيكية التي ارتكبت في لحظة معينة من تطبيق هذا الشرط. فمن خلال نضال الحزب الشيوعي الفرنسي دخل شعار الاستقلال في وعي العمال المهاجرين الجزائريين الذي اضطر الإمبريالية الفرنسية إلى القيام بنداء إلى تعويض العمال الذين ذهبوا إلى الجبهة خلال الحرب العالمية الأولى. ويعود الفضل في هذا العمل المكثف إلى الدعاية البلشفية التي مكنت من تشكيل نجم الشمال الإفريقي. وقد جري هذا العمل تحت تحريض العمال الجزائريين الذين كسبوا هذه القضية بواسطة الحزب الشيوعي الفرنسي، وانخراطهم في هذا الحزب.

لقد طرح شعار الاستقلال بشكل حاسم في الجزائر، حتى لصالح تشكيل الجبهة الشعبية وانتصارها الانتخابي في عام 1936. وعلى الرغم من تردد الديمقراطية الاجتماعية التي لا تزال قائمة للحفاظ على الجزائر تحت الهيمنة الاستعمارية، فقد فتح وجود الجبهة الشعبية ثغرات في النظام الاستعماري من خلال السماح للجزائريين بحرية إنشاء الأحزاب السياسية.

ولعب نجم شمال إفريقيا دورا هاما في تشكيل تأطير وطني صلب قائد في داخل الطبقات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة التي أيدت هذا الشعار في الجزائر، بإسقاط فيروس القمع الاستعماري. ومن الواضح أن هذا التأطير قد أصبح يشكل قوة محركة للنضال أكثر فأكثر داخل الأحزاب الممثلة للفئات الاجتماعية الميسورة، المختبئة داخل الإصلاحات التجميلية. ومما لا شك فيه، أن الأنوية الشيوعية الأولى التي نشأت في الجزائر في عام 1920 قد قدمت إسهاما كبيرا في انتشار هذا الشعار، بخوض نضال لا هوادة فيه ضد الأفكار الأبوية والعنصرية التي أدخلها الحزب الاشتراكي، بدلا من الموت داخل الأممية، وداخل عمل الحزب الشيوعي الفرنسي المعادي للاستعمار في الجزائر.

وفي السياق الدولي للانتصار على الفاشية، تم الإعلان عن الشعار وأصبح قوة مادية لا يمكن للاستعمار من الآن فصاعدا أن يخنقها. لقد تم ضبط الجماهير الشعبية. وأصبح شعار الاستقلال القضية المركزية للحركة الوطنية، واحتل الحزب الشيوعي الجزائري الذي تم تأسيسه في عام 1936 مكانته الكاملة في هذه المعركة حتى ولو أنه ارتكب أخطاء تكتيكية، مرتبطة بالخطر النازي، جعلت هذا الشعار ثانويا حتى عام 1947.

وعلى الرغم من أن الشيوعيين الفرنسيين لم يشكلوا الأغلبية في فرنسا، حتى في اللحظات الأكثر قوة في وزنهم الانتخابي، فقد كان تأثيرهم كبيرا جدا في صفوف العمال والشعب. ويجب أن نعترف لهم بالجدارة التاريخية بعد أن كافحوا بلا كلل الدعاية الاستعمارية والشوفينية التي انتشرت في أعماق المجتمع الفرنسي، بما في ذلك داخل الطبقة العاملة الفرنسية نفسها التي انتشت من السم الذي بثته هذه الدعاية. إن هذا العمل السياسي الذي قام على، أساس، الصبر والصلابة في صفوف الجماهير الشعبية قد أتى ثماره، وخلق الظروف في فرنسا لعزل أنصار الفاشية في الجزائر الفرنسية. وبفضل النتائج الموضوعية المرتبطة بنشاط الحزب الشيوعي الفرنسي، والتقدميين الفرنسيين ودعم البلدان الاشتراكية، ونضال الشعب الجزائري، أصبحا البرجوازية الفرنسية الكبرى التي استخدمت كل الوسائل لسحق هذا النضال عاجزة عن مواصلة استراتيجيتها لإبقاء الجزائر تحت سيطرتها، كما أنها اضطرت للتخلي عن مخطط « التقسيم » الذي كان قد اختمر في آخر لحظة للحفاظ على قبضتها في الصحراء وثروتها النفطية.

أخيرا، ولتجنب الاضطرار إلى القتال على عدة جبهات، وأمام النتيجة الحتمية لتطور نضالات التحرر الوطني في الجزائر قررت الإمبريالية الفرنسية في عام 1960 منح الاستقلال الشكلي للبلدان الإفريقية الأخرى التي كانت خاضعة لاستعمارها.

لقد كان هناك درس عظيم ينبغي استخلاصه من كفاح الشعب الجزائري: ألا وهو أنه بدون التحالف بين حركة التحرر الوطني، والحركة العمالية والشيوعية والمعسكر الاشتراكي، والذي هو نفسه قد انطلاق من هذه الحركة، وشكل عاملا حاسما لإحداث تغييرات تقدمية في القرن العشرين، لا يمكن لشعوب البلدان المستعمرة، نفسها، أن تتغلب على الإمبريالية، رغم بطولاتها وتضحياتها.

إن هذا الدرس قد شكل لحظة حاسمة، حيث أن الرجعية الإمبريالية العالمية قد حركت قواها في كل مكان في العالم في محاولة منها لفرض أنظمة جديدة مستبدة ومهيمنة، وحتى لو كانت هذه الهيمنة قاسية، (وهي قاسية ووحشية فعلا)، فهي تحاول إخفاءها تحت ستار نضال مزعوم من أجل « الديمقراطية » و « حقوق الإنسان ».

إن نضال الحركة العمالية الثورية في البلدان الامبريالية من أجل إسقاط نظام الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي، وإقامة نظام اشتراكي، ونضال عمال وشعوب الأمم الخاضعة للهيمنة أو التهديد من قبل التدخلات الامبريالية المدعومة من قبل قوى الرجعية الداخلية، مرتبطة ارتباطا وثيقا. إنها أكثر مما كانت عليه حركة تحرر وطني التي كانت تكافح من أجل التخلص من وصاية من الاستعمار.

11 أوت 2012

زهير بسة


Nombre de lectures: 725 Views
Embed This