DzActiviste.info Publié le mer 18 Juil 2012

الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة السورية

Partager

كلينتون، ممثلة الصقور
من الواضح أن انعقاد لقاء جنيف حول سورية كان انتصارا للدبلومسية الروسية. فحضور واشنطن وحلفائها الدوليين والإقليميين لم يكن برغبة، ولا بأمل فرض برنامجهم المعروف للأزمة السورية، والذي عبروا عنه خارج اللقاء بمجرد انتهائه، ولا سيما من خلال تأويلهم لبيانه ؛ بل جاء حضورهم لهذا اللقاء مكرهين في ضوء الفشل، بعد أن بذلوا أقصى جهودهم في الأشهر الأخيرة، في دعم المرتزقة والمتمردين المسلحين لتحقيق أي نصر يذكر على الأرض يدعم تطلعاتهم الشبقة للتدخل وفرض حلولهم من الخارج على السوريين ؛ هذا علاوة على فشلهم المدوي، حتى الآن، في توحيد المعارضة المرتبطة بهم، والتي تزداد – على النقيض – تمزّقا وتشرذما، كما يشهد لقاؤها الأخير في القاهرة. بل جاؤوا إلى لقاء جنيف بأمل تحقيق أي مكسب عبر المساومة، وفي الوقت ذاته، كغطاء لتبرير مواصلة التآمر، بدعوى أنهم لا يهملون مساعي التسوية السياسية للأزمة السورية.

أكثر من ذلك، فالبيان الصادر عن هذا اللقاء، يؤكد بدوره، على هذا الانتصار للدبلوماسية الروسية. فهذا البيان يؤكد، من جديد، على الحل السلمي للمشكلة السورية وبأيدي السوريين أنفسهم، وأن دور القوى الإقليمية والدولية ينحصر في دفع وتشجيع الأطراف السورية المتصارعة على الجلوس إلى طاولة الحوار للاتفاق على الحل المطلوب، وليس الحلول محلها، وبالتالي، فرض الحلول من الخارج على الشعب السوري. علاوة على ذلك، فقد تضمن البيان الصادر عن هذا اللقاء دعوة الطرفين إلى الكف عن ممارسة العنف؛ وبذلك يكون الأول من نوعه الذي تضطر واشنطن وحلفاؤها لتبنّيه، حيث دأبت قبل ذلك على تحميل مسؤولية ممارسة العنف على الجانب الحكومي السوري وحده. من جانب آخر، فاعلان أكثر من فصيل من المعارضة السورية عن العزم على زيارة موسكو إنما يمثل اعترافا واقعيا بأن زمام المبادرة في المعالجة الدولية للأزمة السورية قد انتقل، ومنذ أشهر، إلى يد الدبلوماسية الروسية.

ومعلوم أن التدخل الإقليمي والدولي في الأزمة السورية، بدأ حين تدخلت بعض القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، والإقليمية وعلى رأسها كل من السعودية وقطر، بذريعة الانتصار لحقوق الإنسان والديمقراطية، وبدعوى مساندة الجماهير السورية العريضة التي خرجت إلى الشوارع تريد، وبحق، تغيير النظام. وكان تدخل هذه القوى المتصاعد، بالتمويل والتسليح وتجنيد المرتزقة والإعلام المتعدد الأبواق، قد دفع الأحداث في سورية في الاتجاهين التاليين :

الأول – التهميش التدريجي للحركة الجماهيرية العريضة والمشروعة طلبا للتغيير، بحيث حلّت المواجهات العسكرية والتفجيرات في الأماكن العامة، أكثر فأكثر، محل التظاهرات الجماهيرية السلمية المطالبة بالتغيير؛ وبهذا تحقق لهذه القوى المغرضة انتزاع زمام المبادرة من الجماهير العريضة التي تريد تحقيق التغيير، دون اللجوء للعنف والتخريب والتدمير، حرصا على وطنها، وبالتالي عرقلة أهدافها النبيلة بتحقيق التغيير إلى الأحسن، وليس إلى الأسوأ – على غرار ما فرض الناتو والمتواطئون معه في المنطقة، على الشعب الليبي. وقد استفادت هذه القوى الإقليمية والدولية المتآمرة، في تدخلها هذا والى أقصى مدى من خطايا النظام السوري الذي باشر، في البدء، التعاطي مع حركة الشعب المشروعة بلغة العنف التي درج على ممارستها على مدى عقود.

والاتجاه الثاني – عرقلة عملية الإصلاح وتغيير النظام بأفضل منه، بعد أن اضطر النظام السوري الحالي إلى الإعلان عن بعض الخطوات في الاتجاه المطلوب ؛ وكان يمكن لمواصلة الضغط الجماهيري وتصعيده من تسريع هذه العملية من الإصلاح والتغيير، وصولا إلى هدفها النهائي بتغيير هذا النظام، شكلا وموضوعا. لكن تحقيق هذا الهدف هو، بالضيط، أخشى ما تخشاه هذه القوى الدولية والإقليمية. فقيام نظام وطني ديمقراطي حقا، وليس على  » الموضة » الأميركية، وتقدمي، يسهر على مصالح سواد الشعب السوري، سيمثل منارة ملهمة لشعوب المنطقة، كفيل بإحداث تحوّل درامي في أحداث المنطقة، وقد تكون أنظمة القرون الوسطى في منطقة الخليج أولى ضحاياه.
وبالتالي: فإن سد الطريق على هذا البديل المشرق في سورية يمثل قضية مصيرية بالنسبة لدول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فنجاح مثل هذا البديل المشرق يسدّ الطريق على مخططاتها التي لا تنحصر في سورية بل تتجاوزها كثيرا، ولو أنها – أي سورية – تشكل نقطة الانطلاق، لتطال تطويق وعزل كل من روسيا والصين ؛ وهذا ما تدركه بوضوح هاتان الدولتان، وما يفسر صلابة موقفها في معارضة التدخل الخارجي في الأزمة السورية.

من هنا جاء الإجهاض المنهجي والمتواصل للمساعي التي تشجع وتساهم في تحقيق تسوية الأزمة السورية بأيد السوريين وحدهم عبر الحوار السلمي. ومعلوم، اليوم، كيف جرى إجهاض مهمة المراقبين العرب، ومنع وصول تقرير كبير هؤلاء المراقبين، الفريق مصطفى الدبي إلى مجلس الأمن، و »تنبؤ » رئيس وزراء قطر بأن نسبة نجاح مهمة المراقبين الدوليين ، في إطار خطة كوفي عنان، لن تتجاوز الثلاثة بالمئة ، حتى قبل أن تبدأ، وهو ذاته الذي نادى بحماس، في اجتماع باريس الأخير لـ « أصدقاء سورية » بالتدخل العسكري، خارج إطار مجلس الأمن. أما المعارضة السورية المرتبطة بالقوى الخارجية فهي ترفض بعناد، رغم تشرذمها، كل المقترحات والوساطات للحوار الوطني السوري للوصول إلى التسوية المطلوبة، وتشترط، من باب التعجيز، إسقاط النظام في سورية سلفا قبل أي حوار، بينما كان النظام السوري، من جانبه، يوافق على جميع هذه المساعي.

وهكذا، فما أن انتهى لقاء جنيف، حتى صعّدت واشنطن وحلفاؤها الإقليميون والدوليون نشاطهم المحموم لتسعير العنف داخل سورية. وفي ظل ذلك، جاء عقد مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، بإشراف الجامعة العربية التي تخلّت عن دورها كناظم للعلاقات بين الدول العربية المختلفة وتحوّلت إلى أداة بيد بعض هذه الأنظمة للتدخل في شؤون غيرها الداخلية؛ ثم مؤتمر باريس لما يسمى بأصدقاء الشعب السوري. وفي مؤتمر باريس هذا، وهو الثالث من نوعه، حاولت وزيرة الخارجية الأميركية، تغطية فشلها الدبلوماسي، بإطلاق التهديدات لروسيا والصين، بسبب موقفهما الحازم من الأزمة السورية، معيدة بهذه التهديدات توترات أجواء الحرب الباردة.

ويبدو أن فشل السيدة كلينتون في عملها الدبلوماسي يدفع بها إلى تمثيل دور الصقور في إدارة الرئيس الأميركي، أوباما. فقبل أسابيع أعلنت أن روسيا تزود النظام السوري بمروحيات قتالية لاستعمالها ضد المتمردين. ويبدو أن افتضاح هذا التلفيق المكشوف لم تحتمله حتى وزارة الدفاع الأميركية – البنتاغون – التي أصدرت عقب ذلك تصريحا تنفي فيه أن يكون لديها ما يؤكد هذا التصريح ؛ أما آلة الإعلام للأطراف الإقليمية والدولية المنغمسة في التآمر على سورية، فقد تجاوز خيالها في صناعة التزييف والتلفيق كل الحدود. ويلفت الانتباه أن أبواق الإعلام هذه لا تتفق، ولو مرة واحدة، في عدد الضحايا اليومي في سورية، بل الأمر متروك للخيال الخاص لكل منها. هذا، عدا المواظبة على محاولات التشكيك وإثارة البلبلة، على غرار الترديد بين حين وآخر بأن الروس « يفاوضون  » على إبعاد الأسد. وبطبيعة الحال، فالأمر لا يتعلق بشخص الأسد، وإنما بمبدأ فرض الحلول من الخارج.

أما تركيا، فعلى محاولتها اختبار رد فعل الطرف السوري، بإرسال إحدى طائراتها الحربية لاختراق المجال الجوي السوري، تلقت الرد المناسب. وينبغي الاعتقاد بأن هذا سيجعلها تحسب الحساب قبل التورط في التدخل المباشر في الشأن السوري ؛ ولو أنها تفتح، اليوم، حدودها، على امتدادها، لتهريب المرتزقة والأسلحة والعتاد، بمختلف أنواعه، والذي أصبحت مصادره، تتحدث عنه دون حرج. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية، يوم 23/6/2012 تقريرا جاء فيه : » يعد مسؤولون سعوديون بدفع رواتب الجيش السوري الحر كوسيلة لتشجيع عمليات انشقاق جماعية من الجيش وزيادة الضغط على نظام الأسد ». وقبل ذلك بيومين، أي في 21/6/2012، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا يشير إلى « أن ضباطا في الاستخبارات الأميركية موجودون سرا في جنوب تركيا يقومون بتنسيق إيصال أسلحة مضادة للدبابات وذخائر إلى وحدات الثوار ». وكانت صحيفة « وول ستريت جورنال » قد تحدثت قبل ذلك بأسبوع عن عمليات استخبارية في دعم ما يسمى بالثوار.

إن حجم ومستوى تكالب القوى الدولية والإقليمية، بزعامة الولايات المتحدة ضد سورية، يوحي بأن العالم يقف، اليوم، أمام تقاطع طرق : إما الرضوخ بأن يكون تغيير الأنظمة الوطنية منوط بالقوى الخارجية ووفق أجندتها، أو سد الطريق بحزم في وجه هذا المنحى وصيانة هذا الحق المقدس للشعوب المعنية؛ ومصير الصراع في سورية سيكون له دلالات واضحة في هذا المضمار.. أكثر من ذلك، فهذا التكالب في التآمر على سورية يوحي كذلك أن واشنطن تبذل جهدا يائسا في محاولة لترمبم وتوطيد صيغة القطب الأوحد في إدارة شؤون العالم، بعد أن تزعزعت هذه الصيغة وتآكل الكثير من مقوماتها، وبعد أن تشكلت، بالمقابل مقومات عالم متعدد الأقطاب. دعت مجموعة البريكس والتي ضمت كلا من روسيا والصين والهند والبرازيل (قبل أن تنضم إليها جنوب أفريقيا بعدئذ) دعت في 16/6/2009 إلى « عالم متساو، ومتعدد الأقطاب ».

نعيم الأشهب

السبت 14/7/2012

عن موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة


Nombre de lectures: 208 Views
Embed This