DzActiviste.info Publié le mar 23 Oct 2012

الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فلكلور مبتذل للرأسمالية المتوحشة

Partager

انتخابات الرئاسة الأمريكية، كما هو حال أي انتخابات أخرى في أمريكا، حزبية كانت أم غير حزبية، ليست أكثر من حفلة فلكلورية تتجدد كل أربع سنوات، بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. اللذين لا يكاد المواطن الأمريكي يفهم حقيقة الاختلاف بينهما. المرشحان الديمقراطي والجمهوري، هما العريسان الدائمان في حفلة تنكرية، لعروس واحدة، اسمها أمريكا، وكل منهما يحاول أن يضفي عليها إبداعاته الشكلية الشخصية، خاصة خلال المناظرات التلفزيونية، التي يستكمل فيها المرشحان: تقديم نفسيهما، لكسب قلوب وأصوات الناخبين، دون أن يمحص الناخبون جيداً عريسيهما، ولو فعلوا ذلك لاكتشفوا، بأنهما عريس واحد ببذلتين مختلفتين لا أكثر ولا أقل.

ولو دقق المرء بماهية الفوارق، لوجد بالضرورة الصورة الحقيقية للمرشحين، المختلفين بالشكل والمتفقين بالجوهر. أي بكلمات أدق، الاختلاف حول الشكل الأفضل أو الأسلوب الأجدى لخدمة الإمبريالية الأمريكية، وتعزيز دورها السياسي والاقتصادي والعسكري في الساحة الدولية، بما يكفل استمرار تأثيرها ونهبها لثروات وخيرات شعوب العالم، المبتلية بحكام مفتونين بالعضلات الأمريكية التي يعول عليها لحماية عروشهم. وبما أن الفروقات بين المرشحين ليست جوهرية، فإن الحديث عن هذه الفروقات ولا نقول الاختلافات، تبدو من خلال ما يطرحه المرشحان أوباما الديمقراطي وميت رومني الجمهوري. وربما المسألة الأكثر حساسية اليوم والمتعلقة بالسياسة الخارجية، تتمحور حول توجيه ضربة لإيران.

فكلا الرجلين أعلن أنه سيستعمل القوة كملجأ أخير لإيقاف برنامج إيران النووي. أوباما يقول إن لديه «سياسة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي»، أما رومني فيقول «لن يسمح بأن تمتلك إيران إمكانية نووية»، وهذا يعني أن أوباما لن يستعمل القوة في الغالب إلا إذا حاولت إيران فعلياً تصنيع قنبلة نووية، في حين أن رومني قد يشن هجوماً إذاً ما اقتربت إيران، مجرد اقتراب، من الحصول على وسائل تصنيع سلاح نووي. أما إيران فتعلن ليل نهار أنها ليست بصدد إنتاج سلاح نووي، لأنه يتنافى مع قناعاتها الشرعية وأخلاقياتها، وتقول: إن الموقف الأمريكي والإسرائيلي هدفه حرمان إيران من التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، واستخداماتها من أجل إنتاج الطاقة والمعالجة الطبيعية والتطور العلمي والتقني.

ومن الواضح أن أمريكا والغرب وإسرائيل، لا يريدون لإيران أن تحقق هذا التطور الهام بالنسبة لتقدمها العلمي والتقني، لما له من مخاطر على المصالح الإمبريالية والصهيونية. أما بالنسبة لسورية، فما زال أوباما يرفض مقترح إقامة مناطق عازلة أو حظر جوي أو حتى كما يدعي تزويد المجموعات المسلحة بالسلاح، ولكن الواقع يدحض هذه الادعاءات، فأمريكا رأس الحربة ضد سورية، وتقدم المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجية العسكرية والسلاح والدعم المادي لهذه المجموعات، أي تقول شيئاً وتفعل- كعادتها- شيئاً آخر. أما رومني فكان أكثر صراحة وصدقاً، إذ أعلن أنه يؤيد تسليح المعارضة السورية، ويدعم هؤلاء من أجل إسقاط النظام.

وفيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، فقد وعد أوباما، كما وعد بوش من قبله، بموافقته على قيام دولة فلسطينية، ولكنه لم يفعل سوى العراقيل أمام إقامة مثل هذه الدولة، رغم ما يبدو من خلافات مع نتنياهو، حول ضرب إيران. أما رومني، فقد أعلن بأن مسألة الدولة الفلسطينية تأتي في المرتبة الثانوية من اهتماماته، وأنه تجرأ بالتصريح بأن القدس ستبقى عاصمة إسرائيل الأبدية، تماماً كما فعل جورج دبليو بوش في فترة ولايته الأولى. وفي كلتا الحالتين لم تقم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، كما يحلم الفلسطينيون، وبالتالي، فما هو نفع التصريحات والتشدقات اللفظية دون أي خطوة جدية بهذا الاتجاه.

وما يتعلق بروسيا، اعتبر رومني «روسيا عدوه الجيو سياسي رقم واحد»، أما أوباما فقد طرح نظريته المبتذلة عن «إعادة صياغة العلاقات مع موسكو». وإذا ما أعيد انتخابه، أي أوباما، فإنه سيسعى إلى إبرام صفقة جديدة مع بوتين تقضي بتقليص المخزون النووي الأمريكي والروسي بصورة كبيرة، وأنه بصدد قبول حل وسط مع بوتين، فيما يتعلق بخطط أمريكا وحلف «الناتو» بشأن «الدرع الصاروخي». ومن الواضح مراوغة أوباما الثعلبية الخبيثة، مقارنة بفجاجة رومني، لأن تقليص السلاح النووي ليس من مصلحة روسيا إطلاقاً، فسيحرمها من القدرة الكافية لمجابهة طموحات أمريكا للهيمنة على العالم، وعلى المجالات الحيوية لروسيا في آسيا وفي كل مكان.

في جميع الأحوال تبقى المصالح الأمريكية الإمبريالية، والسعي الدائم لتحقيقها هو الثابت عبر الرئاسات الأمريكية المختلفة. والجعجعة حول محاربة الإرهاب، ليست سوى سياسة ذر الرماد في العيون. فهم يحاربون الإرهاب، ولكن ليس ذلك الإرهاب الحقيقي، بل يحاربون حركات المقاومة التي يتهمونها بالإرهاب، بينما يدعمون الإرهاب الحقيقي الذي يخدم مصالح أمريكا الاستعمارية.

وثمة مسألة أخرى، رائجة في كل موسم انتخابي رئاسي أمريكي، وهي مسألة كسب ود الصوت اليهودي. في الواقع لا يختلف مرشحا السباق الرئاسي الديمقراطي والجمهوري، عن سابقيهم في إعلان الولاء الشديد لإسرائيل، لسببين: الأول.. أن الحزبين ينظران إلى إسرائيل كحليف إستراتيجي لأمريكا في الشرق الأوسط، الأكثر إخلاصاً وخدمة ً وتسهيلاً للمشاريع والمخططات الأمريكية في هذه المنطقة. والثاني .. قناعتهما بأن الرأسمال اليهودي يملك تأثيراً قوياً في الانتخابات، سواء عبر صناديق الاقتراع أو عبر ما يقدمه الأثرياء اليهود من تبرعات مالية للحملات الانتخابية.

إضافة إلى أن كلا المرشحين اعتبر القدس «عاصمة إسرائيل» ولم يتطرق رومني لا إلى الاستيطان الإسرائيلي والمستوطنات، ولا إلى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، أما أوباما فيفعل الأمر نفسه، ولكن بخبث، وإطعام العرب «الجوز الفارغ». رومني زار إسرائيل دون أن يقبل بلقاء محمود عباس والتقى فقط برئيس الوزراء سلام فياض. لكن أوباما تعهد بتقديم 70 مليون دولار إضافية لإسرائيل لتمويل مشروعها للصواريخ الدفاعية المعروفة « القبة الحديدية » وهو مشروع يدعمه اللوبي الصهيوني بشدة. وبالمناسبة، يوجد في أمريكا ما بين 5,5 إلى 6,5 ملايين يهودي، أو نحو 2% فقط من السكان. ولكن قوتها تكمن في قدرتها المالية والإعلامية. وحظي الحزب الديمقراطي دائماً بتأييد أوسع من اللوبي الصهيوني، عما هو عليه الجمهوري. وعادة اللوبي الصهيوني يدعم الجهتين بنسب مختلفة. وللتذكير فقط، حصل أوباما على 74% من الصوت اليهودي الأمريكي في الانتخابات الرئاسية في العام 2008.

ويدرك كلا المرشحين، بأن من يحسم فوز هذا المرشح أو ذاك، أولئك الذين لا يتبنون وجهة نظر محددة بعد، ويطلق عليهم عادة «التائهون»، الذين يمثلون «منطقة الوسط» والتي تبدو هي الحاسمة، ولا تتجاوز نسبتها الـ 5% أو أكثر بقليل، والمرشحان يتصارعان على كسب ود هؤلاء أيضاً.

ويبقى الميدان الداخلي بشقيه الاقتصادي والاجتماعي هو الحاسم في تقرير نجاح أو خسارة هذا المرشح أو ذاك. ويبدو أن المعركة الانتخابية تتمحور حول الوضع الداخلي، فالجمهوريون يشنون حملة شعواء ضد الرئيس أوباما، ويحملونه تبعات تراجع القطاعين الصحي والتعليمي وغيرها. معتبرين أن إجراءات الحكومة بهذا الشأن ساهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية، وما تركته من تأثيرات سلبية خطيرة على الولايات المتحدة واقتصادها ومستقبلها وعلى نفوذها الدولي.

ويتخذ الجمهوريون موقفاً في مواجهة برنامج الرعاية الاجتماعية، خاصة الصحية منها، الذي يعد أهم إنجازات أوباما، حيث يسعى التيار المحافظ في الحزب الجمهوري إلى إلغائه. والاتجاه الثاني يتعلق بإعادة النظر بموضوع الضرائب التصاعدية التي فرضها أوباما على الأثرياء، في محاولة منه لتعديل ميزان الضرائب الاجتماعي، آخذاً بعين الاعتبار مصالح الشرائح الأكثر فقراً، والملايين الذين يعانون الفقر وحتى الجوع، في حين أن الجمهوريين يعملون للتخفيف من الضغوط التي تعرض لها الرأسماليون الأمريكيون من خلال فرض ضرائب تصاعدية عليهم. وينطلق أوباما من موضوع الضرائب من موقفه حيال تخفيض النفقات الحربية، فالجمهوريون يتهمون الرئيس أوباما بأنه خفض النفقات الدفاعية بنحو 500 مليار دولار لمدة عشر سنوات بدءاً من العام القادم 2013، وبمعدل 50 ملياراً كل عام، ويرى الجمهوريون أن هذه السياسة، جعلت أمريكا تضطر إلى الانسحاب من العراق، وعدم مواجهة إيران بحزم، وأعلن المجمع الصناعي العسكري واللوبي الصهيوني، موقفاً انتقادياً لاذعاً لأوباما.

ويلفت الحزب الجمهوري النظر إلى المشكلات الخارجية، ويركز على المديونية العالية والعجز العام للموازنة، وصولاً إلى التهاون مع روسيا ومحاولاتها العودة إلى لعب دور الاتحاد السوفييتي السابق. ويشيرون إلى الموقف الروسي الداعم لسوريا في مجلس الأمن وخارجه، دون أن يتخذ أوباما أي موقف حازم حيالها. والحقيقة أن سياسة أوباما، هي الأكثر ولاءً ودفاعاً عن الرأسمالية والإمبريالية الأمريكية والعالمية، بعد أن ظهر للعيان الكره الذي تكنه الشعوب للإمبريالية الأمريكية ونهجه القائم على تخفيف حدة العداء للرأسمالية كنظام من قبل الشعب الأمريكي، بتوفير بعض الخدمات لامتصاص نقمة الشعب الأمريكي على نظامه الأمريكي المتوحش. ويكفي التذكير، بأن عدد الأمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر يشكلون نسبة 27% منذ بداية الكساد العظيم في عام 2006، الذي سحب معه عشرة ملايين شخص في فقر مدقع، بالإضافة إلى46،5% أمريكي يعيشون تحت خط الفقر، وهناك اليوم ما نسبته 8,5% عاطلون عن العمل، أي نحو أكثر من 5 ملايين عاطل. وهذه النسبة مرشحة للزيادة مع تعمق الأزمة الاقتصادية والمالية، وهي مرتبطة بالأزمة البنيوية والهيكلية للنظام الرأسمالي، التي لا تتعلق بهوية الرئيس الحالي ولا القادم للبيت الأبيض.

د. إبراهيم زعير

صوت الشعب السورية العدد 268


Nombre de lectures: 158 Views
Embed This