DzActiviste.info Publié le sam 14 Juil 2012

الانتخابات الرئاسية الأمريكية.. ديمقراطية رأس المال الفاشي

Partager

ربما هذه هي المرة الأولى، التي لا تثير الانتخابات الرئاسية الأمريكية ذلك الاهتمام، الذي كانت تثيره سابقاً، سواء أكان في الداخل الأمريكي أو على المستوى الدولي. ففي الداخل الأمريكي، بات معظم مواطني الولايات المتحدة، مقتنعين، بأن انتخابات الرئاسة لا تختلف عن لعبة البورصة في أسواق المال. فمنصب الرئيس في الولايات المتحدة، كما هو الحال في جميع دول رأس المال، ليس سوى أداة تنفيذية لمشيئة وإرادة الاحتكارات الإمبريالية الكبرى، وهذه الاحتكارات تختار هذا الرئيس أو ذاك، وفقاً لقدراته في تنفيذ السياسة الداخلية والخارجية المرسومة من قبلها على حدّ سواء.

ووسائل الإعلام الأمريكية والغربية عموماً، تستغل حملة المرشحين، وكأنها لعبة قمار مربحة، إذ تزداد مداخليها من خلال تسويق هذا المرشح أو ذاك، ولا يهمها كثيراً من ينجح، المهم أن تكسب مبالغ مالية كبيرة من وراء الدعاية والإعلان للمرشحين. ورغم ذلك، فإن معظم المواطنين الأمريكيين، يعتقدون بأنهم يعيشون في دولة ديمقراطية، ويختارون من يشاؤون من المرشحين، دون أن يدركوا أن خياراتهم محصورة ومحددة بين مرشحين لا أكثر، إما من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، وهما الحزبان اللذان يمثلان مصالح الطغم المالية الكبرى في الولايات المتحدة، أما المرشحون الآخرون في غالبيتهم فلا أحد يسمع بهم، ولا يعرف حتى أسماءهم. وهذه الحقيقة تتكرر في كل انتخابات أمريكية. مما يجعل الديمقراطية الأمريكية المبجلة، واحدة من أكثر الأساطير الخرافية في التاريخ الإنساني، حتى أن الأمريكيين في غالبيتهم الساحقة لا يعرفون المعنى الحقيقي لهذه الكلمة.

والأمريكيون لديهم كامل الحق في أن لا تكون كلمة الديمقراطية مفهومة عندهم، فالتاريخ الأمريكي مليء بكل شيء إلا الديمقراطية. ففي بلد حيث كيس المال وعالم النقود هو السيد والملك، وهو الذي يقرر كل شيء. فالسيد رومني المرشح الجمهوري لديه مأخذ كبير على أوباما، كونه مشكوك بأمريكيته، وأنه فاشل في إدارة الاقتصاد، بينما هو أي، مت رومني، يتمتع بفرصة كبيرة للفوز كونه مفرط في محافظته، وتقدم حملته الانتخابية، بأنه مليونير عصامي يتمتع بالخبرة العملية الواسعة، وتتوافر فيه الصفات والمؤهلات الكافية لاستعادة عظمة أمريكا على عكس أوباما الذي فشل في ذلك. فالحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه المرشح رومني يُنظر إليه على أنه ناد للأغنياء، في وقت اتسعت فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء في أمريكا. ما يزيد من مخاوف الفقراء من السياسات التي سيعتمدها رومني في حال وصل إلى سدة الحكم. ولاسيما أن وضعهم الحالي سيء لدرجة يحلمون فيها بالخروج من تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي كان ضحيتها فقراء أمريكا والشرائح الوسطى في المجتمع الأمريكي.
والمال لا يقتصر دوره في المنافسة على كرسي الرئاسة بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري، بل يبرز دوره الحاسم في نجاح أو هزيمة المرشحين حتى للمكاتب العامة الصغيرة، والمرشح الذي ينجح حتى في هذه المستويات، من غير الممكن أن يحقق ذلك دون دعم مالي من هذه الجهة أو تلك، وبالتالي يصبح المدير مديناً لمن دعمه مادياً، ولا يمكن أن يعض اليد التي أطعمته وأوصلته إلى المنصب.

وكتبت الصحافة الأمريكية كاشفة كيف استغل حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو أصدقاءه الأغنياء من الحزب الديمقراطي، خلال حملته الانتخابية لهذا المنصب والتي كلفته 17 مليون دولار، من أموال غير شرعية وفق الدستور الأمريكي. وهذه الظاهرة تنسحب على جميع المستويات القيادية في الولايات المتحدة. ومن غير المفهوم كيف يمكن وصف الانتخابات بالديمقراطية، إذا كان مالكو الذهب هم الذين يحددون ويصنعون ويضعون القواعد الانتخابية. ويسترد هؤلاء أموالهم فيما بعد من خلال الصفقات والفساد والعقود في هذه الولاية أو تلك. ولا أحد يحاسب هؤلاء المرتشين، فهم السلطة والحكام، ولا تعني لهم الديمقراطية سوى حضور المنافسات والذهاب إلى صناديق الاقتراع. بينما لا تمس هذه الديمقراطية حكومة أو حكام ولايات، التي يتحكم فيها الأثرياء. وبالتالي يدرك الشعب الأمريكي بأنه لا يمكن أن يحقق الديمقراطية إلا بالأحلام والاستعداد لرفض هيمنة الاحتكارات الرأسمالية الكبرى التي تجنح أكثر فأكثر باتجاه الفاشية مع تعميق أزمتها البنيوية والهيكلية.

لقد بدأت العقلية الفاشية تظهر في بداية رئاسة ريتشارد نيكسون في مطلع سبعينات القرن الماضي. ومع جورج دبليو بوش بلغت هذه العقلية مستويات خطيرة. صحيح أن فاشية أمريكا تختلف عن الفاشية والنازية الأوروبية (موسوليني+ هتلر) ولكن هذا الاختلاف في الشكل.
لقد امتزجت الفاشية الجديدة بين اليمين المتطرف والأصولية الدينية الصاعدة والحركات المحافظة المتشددة (المحافظون الجدد المتصهينون والصهاينة) في عهد بوش الابن، وما زال القسم الأكبر منهم يشغل مفاصل أساسية في الإدارة الأمريكية الحالية إدارة أوباما (جو ليبرمان + جيفري فيلتان + جون ماكين) وغيرهم. لقد أجاز بوش التعذيب والاعتقال الكيفي وقمع الحريات الشخصية، وإقامة السجون السرية في أجزاء مختلفة من العالم. وكذب بوش بتحليل المعلومات الاستخبارية وبالأسباب المؤدية إلى الحرب في العراق وأفغانستان، واعتبر كل سلوكه السياسي الفاشي بإرشاد إلهي، أي فوق القانون.

ومن ينظر إلى الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة، سيجد ما يكفي من القتامة والبؤس وانحدار الطبقات الفقيرة إلى أتون الإملاق، وزيادة الثراء، وتعمق الأزمة، كل ذلك يخلق الأجواء الضرورية لصعود الفاشية. ويكفي الإشارة إلى أنه وباسم العولمة، نقلت مصانع وفقدت فرص عمل، الاستعانة بمصادر خارجية إلى مناطق في العالم، حيث اليد العاملة رخيصة والمتطلبات الضريبية أقل، والضوابط البيئية مفقودة عملياً. إن ما طبق حول ما يسمى حجز الرهن العقاري على ملايين المنازل حطم «الحلم الأمريكي» وانهارت صناديق التقاعد والبطالة في مستويات مرتفعة تتراوح بين ولاية وأخرى بدءاً من 8,5% إلى 12% وفي بعض الولايات إلى 20%. وبات الفساد السياسي والإداري هو سيد الموقف في أمريكا.

لقد اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وأعفي الأغنياء والشركات الكبرى من الضرائب التصاعدية (قانون بوش). ولم يتمكن أوباما من إجراء أي تغير يذكر في الوضع الذي كان سائداً في عهد بوش وبالتالي فقد فشل في تحقيق شعاره « التغيير » و « الحلم الأمريكي ».
لقد فرضت قوانين تنتهك حقوق المواطنين المدنية وسياسة التنصت على المكالمات الهاتفية، وإلغاء برامج المساعدة الاجتماعية أو وصولها إلى الحدود الدنيا. وأصبحت الولايات المتحدة أكثر بلد في العالم من حيث عدد السجناء النساء والرجال في سجونها.

لقد شنت حروب، قتل فيها مئات الآلاف من الأبرياء وشرد الملايين، وفوق ذلك فقد هزمت في حروبها ودفعت أثمان هذه الحروب مليارات الدولارات التي انتزع قسم منها على شكل ضرائب من قبل المواطنين الأمريكان الذين تحملوا عبء الحروب الأمريكية العبثية، واقتربت ديونها إلى حد الـ 17 تريليون دولار. ويتحول العجز الهائل إلى مرض مزمن للموازنة العامة للدولة.
ويترافق ذلك مع قمع الحريات والاحتجاجات وحقوق الإنسان الاقتصادية والسياسية. ومع كل ذلك فقد رفض الشعب الأمريكي الخنوع وهزت حركة « احتلوا وول ستريت » وحركات مناهضة الحرب، المجتمع الرأسمالي الأمريكي بأكمله.

لقد بدأ طريق الحرية في أمريكا يشق الأفق ورغم القمع الفاشي، إلا أن إرادة الشعب ستتغلب على أكثر نظام وحشي في التاريخ الإنساني، وهو النظام الرأسمالي. وأمام هذه اللوحة، تبدو الانتخابات الرئاسية أكثر من مهزلة، وسخيفة لدرجة أنه لا يتغير أي شيء. أكان الأرنب أسود أم بنيا فكلاهما يلهث لخدمة سيدة رأس المال.

نوار خليل

07 – تموز (يوليو) – 2012

info@syriancp.org


Nombre de lectures: 157 Views
Embed This