DzActiviste.info Publié le lun 18 Fév 2013

الانقلاب ليس داخليا فقط بل هو خاجي أيضا

Partager

يمكن القبول مبدئيا تحليل الكاتب مسعود ضاهر للظروف الداخلية التي أدت إلى انتفاضات جماهيرية واسعة وعفوية، وإلى عدم امتلاكها برنامجا للتغيير المنشود، وهو محق في أن البرنامج الوحيد الذي لديها وبشكل تلقائي هو إسقاط الأنظمة الاستبدادية، لكن دون إدراك أن عفوية الانتفاضة لا تكفي للقضاء على الاستبداد، بل قد تؤدي الانتفاضة حتما إلى ركوب موجة هذه الانتفاضات، وخاصة في تونس ومصر، وإلى صعود قوة استبدادية، ربما أكثر عنفا، وفي الاتجاه المعاكس بمئة و ثمانين درجة، غير أن خداعها أو نجاحها في ركوب الموجة كانت موفقة، ولذلك استخدمت هذا الخداع أو الركوب في فرض استبداد جديد، لأنها صارت تستمد في ممارستها للعنف والقمع ضد الحلفاء السابقين إلى شرعية الثورة والدفاع عنها. ولكن الحقيقة أنها لم تكتف باحتكار الانتفاضة، بل عملت على القيام بانتفاضة مضادة على الانتفاضة الجماهيرية نفسها. وقد جاء تحليل الكاتب في سياق التمييز والاختلاف بين التغيير الثوري والتغيير الانقلابي الذي تحدث عنه رئيف خوري المفكر اليساري اللبناني المعروف وأحد رواد الفكر الاشتراكي في المشرق العربي في كتابه الموسوم بـ « الفكر العربي الحديث وأثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي ».

ولا يسعنا إلا أن نوافق على هذا التحليل بشكل عام. لكن الموافقة ليست مطلقة، فهناك اختلاف كبير في جانب آخر، بل يبرز اختلافنا مع الكاتب على أشده في هذا الجانب، لأن تحليله كان مبتورا، وهو منطلق أساسا من أن أسباب الانتفاضات داخلية محضة، وأن الخارج الإمبريالي لا دور له فيها، فضلا عن أن هذا التحليل لا يقيم فرقا فيما سماه « الغرب الإمبريالي » بـ « الربيع العربي » وتلقفه السياسيون المعارضون والمثقفون الساخطون عندنا على الأنظمة الاستبدادية القائمة على علاته دون التنبه إلى هذا الفرق الأساسي بين ما يسمى بالانتفاضات والتمردات على الانتفاضات القائمة، ولكنهم فيما بعد تراجعوا عن مضمون هذا المصطلح. وإذا كنا قد وافقنا الكاتب على الشق الأول من التحليل نسبيا، فإننا لا بد أن نشرح اختلافنا مع الشق الثاني الذي لم يتعرض له إطلاقا: وهو دور الخارج الإمبريالي وتحالفه مع الداخل الليبرالي أو الإقطاعي أو الثيوقراطي القروسطي.

ففي البداية تجب الإشارة إلى أن الانتفاضات أو التمردات التي وقعت على الأنظمة الاستبدادية القائمة في البلدان العربية لم تكن موحدة، فبعضها كانت انتفاضة جماهيرية حقا، وإن كانت غير موحدة الهدف، بسبب عفويتها، وبسبب الأهداف المشتركة الضمنية فيها مثل ما وقع في مصر وتونس، ويعتبر طابعها العفوي هو أحد أوجه النقص فيها، حيث أدت عفويتها إلى إسقاط رأس النظام، دون النظام نفسه وضرورة استبداله بنظام ديمقراطي شعبي يمهد الطريق إلى نظام ليبرالي ديمقراطي برجوازي على حسب ما تتطلع إليه البرجوازيات المحلية ومثقفوها بمن فيهم العديد من المثقفين اليساريين بالمفهوم الجديد الملتبس، أو إلى نظام نقيض وهو النظام الاشتراكي الذي يضع حدا يصورة نهائية على الاستغلال والاستبداد الطبقي والقمعي، ويقضي على إمكانية العودة إلى الماضي واستنساخ نظام ثيوقراطي أكثر استبدادا وتخلفا من الاستبدادات البرجوازية التي كانت قائمة.

هذا أولا، وثانيا أن هناك دورا إمبرياليا في حدوث بعض التمردات في الداخل، وليس مجرد توظيف. ويكفي القول بأن تسمية « الربيع العربي » هي تسمية إمبريالية، فالإمبريالية شكلت حصان طروادة الخارج مع حصان طروادة الداخل في التخلص من الأنظمة التي كانت تمثلها وترعى مصالحها، ولكنها ترهلت ولم تعد قادرة على القيام بهذا الدور التبعي الإلحاقي بها، لأنها فقدت الحد الأدنى من الدعم الذي تقدمه لها الطبقات الفاعلة في الداخل، فكان لا بد من دور استباقي مخادع للإمبريالية حتى يكون هذا التغيير في صالحها، فاختارت القوى الليبرالية والقوى الإسلاموية المسماة بـ « المعتدلة » على غرار ما حدث في تركيا منذ سنوات قليلة وما حدث في باكستان منذ سنوات طويلة، مع عدم إلغاء دور العسكر في هذه المهمة الجديدة، وللإشارة أنه في الوقت الذي كانت فيه الجماهير المنتفضة قد غصت ميدان التحرير تطالب برحيل مبارك، كان جنرالات النظام يتفاوضون في البنتاجون على من يخلفه، بحيث تسفر الانتفاضة على ذهاب الرمز لا على ذهاب النظام وارتباطاته الإمبريالية والصهيونية. ومن هذا النمط أيضا، ما حدث للتدخل الإمبريالي والحلف الأطلسي ودوره الأساسي في إسقاط نظام القذافي في ليبيا، وتنصيب نظام ثيوقراطي متخلف يستمد قوانينه من القرون الوسطى، مع ضرورة أن يبتعد عن مصالح الإمبريالية في إعادة تقسيم ثروات العالم وخيرات الشعوب، مع اختلاف في الأساليب بسبب اختلاف طبيعة التمرد. وما يحدث الآن في سوريا، مع وجود اختلاف جذري في مواجهة هذا التدخل الإمبريالي من قبل النظام، بسبب الشروط والإمكانات التي يحتوي عليها النظام المعادي للإمبريالية في سوريا.

والنقطة الثالثة، وتبعا لما تقدم من عرض معطيات سابقة، فإن القوى الإمبريالية وعملاءها الجدد أو القدامى الذين ما يزالون يلعبون دورا في حماية مصالحها مثل قطر والسعودية وتركيا، لا تهمهم الديمقراطية للشعوب حتى بمفهومها الليبرالي، بل ما يهمها هو الاستيلاء على مواردها وتقزيمها وتفكيك أوصالها على أسس دينية وعرقية وطائفية.
ونتيجة لكل هذا، لم يتمكن الليبراليون الجدد واليسار « الديمقراطي الليبرالي »من فهم دور القوى التي ركبت موجة الانتفاضات والتمردات العربية، بتنسيق مع قوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية وخاصة الخليجية وبصورة أخص قطر والسعودية، فاعتبر الكاتب هذا الدور مجرد خيانة للثورة على غرار الخيانات التي وقعت في معظم الثورات مثل الثورة الفرنسية وما حدث من تغييرات في النظام العثماني وإزاحة السلطان عبد الحميد من على العرش، لأنه لم يعد يمثل الدور الذي هو مسند إليه في إطار الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة في ذلك الوقت، والذي فقد كل دور إسنادي في الداخل بسبب استبداديته المطلقة ونموذجه الماضوي المستمد من العصور الوسطى في شكلها الأكثر تخلفا. إن خيانة الانتفاضات أو الثورات، أمر طبيعي، وخاصة عندما يكون الدور القيادي للنخبة وليس للجماهير، ولا يتعلق الأمر بالأمثلة الكلاسيكية التي تطرق إليها، بل ما تزال هذه الظاهرة تطبع الحركات والانتفاضات الجماهيرية أو المحدودة، وكان يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل الطبقات التي تسعى إلى تغيير جذري للنظام، لا مجرد ترقيعه وإصلاح بعض آلياته.

والآن مأزق هذه الانتفاضات العفوية هو كيف يمكن إزاحة هذه القوى الرجعية التي تأتمر بأوامر الإمبريالية، وكيف يمكن تعويضها بقوى ليبرالية وديمقراطية على الطراز النيوليبرالي الجديد، والتخلص من هذا النظام الثيوقراطي الذي شكل بديلا للأنظمة الديكتاتورية السابقة. ومن الواضح أن الإمبريالية نفسها التي صاغت هذا البديل ودعمته في البداية، أو تواطأت معه وسطرت له الحدود التي لا ينبغي أن يتجاوزها، أحست أنها هي ذاتها دخلت في هذا المأزق، حيث لم تكن النتائج التي انتهت إليها الأوضاع مثلما توقعتها. ولكن المأزق الأكبر أن القوى الليبرالية والتي تضم جزءا أكبر من القوى المسماة بـ « اليسارية » تكرر نفس التجربة، وتسعى إلى تسييد نظام ديمقراطي برجوازي يشكل البديل الرأسمالي وإيديولوجيته النيوليبرالية، وهو البديل الذي ينسجم مع الحداثة والعصرنة الليبرالية. وهذا هو الخطر الأكبر المتمثل في إعادة استنساخ التيعية في شكل جديد. وتبقى الشعوب خاضعة للنهب والتخلف والاستغلال الإمبريالي في ظل هذه الحداثة الانتقائية التي قدمت الفتات لعملائها مقابل الثروات التي تستولي عليها، وتقديم فتات للمثقفين الليبراليين البرجوازيين وحتى ما يسمى باليساريين أيضا، حتى يقبلوا وينخرطوا في هذا التغيير الذي يخدم الإمبريالية وصنائعها ولا يقفوا ضده. والخاسر الأكبر في هذا السيناريو، في حال تنفيذه، هو الشعوب بطبقتها العاملة وفلاحيها الفقراء ومثقفيها التقدميين وشبانها الكادحين وإطاراتها الوطنيين النزهاء من نساء ورجال على السواء. إن هذا السيناريو سيؤدي إلى طريق مسدود، وإن شئنا الدقة سيؤدي إلى ثورة مضادة.

إن تحويل هذه الانتفاضات، وأغلبها جماهيرية عفوية، في البلدان العربية إلى ثورة فعلا يتطلب نضج كافة الظروف الموضوعية والذاتية المتمثلة في وضوح الأهداف وفي حركة جماهيرية واسعة تلتف حول هذه الأهداف وفي قوة طليعية منظمة وثورية تقود هذه الجماهير إلى أهدافها النهائية في الديمقراطية بمفهومها الشعبي وإلى المساواة والتقدم الاجتماعي وإلى توفير كافة الشروط الموضوعية والذاتية للإطاحة بالرأسمالية والانتقال إلى الاشتراكية التي هي البديل الحقيقي للرأسمالية العصرية الأكثر فظاظة واستغلالا. لقد أدان التاريخ الرأسمالية، وبينت وقائع عصرنا، ولا سيما في العشريتين الأخيرتين أن النظام الرأسمالي عاجز تماما عن حل مشاكل الإنسانية الملحة، بل أدخلها في أزمات وتراجعات لا مخرج منها إلا بالإطاحة الثورية بالرأسمالية نفسها. كما أثبت التاريخ، من خلال الأحداث والوقائع الجديدة التي وقعت في العشريتين، أنه لا يوجد حل جذري للمشاكل العويصة التي تتخبط فيها الإنسانية إلا بالانتقال إلى الاشتراكية، وأكد أنه لا يوجد سوى طريقين أو خيارين: إما الاشتراكية وإما العودة إلى البربرية. نعم لم تتوفر كل الشروط للانتقال إلى الاشتراكية، ولكنها ستتوفر لا محالة، ونعتقد أنها ستتوفر في وقت منظور، ويومئذ سوف يوضع في جدول الأعمال، ليس تحسين وجه الرأسمالية القبيح كما يفعل المنظرون الرأسماليون في الظرف الراهن، بل ستوضع الإمكانية الحقيقية إلى بديل جديد نقيض، ألا وهو الاشتراكية. وحينئذ لن تنتقل البشرية من شكل للاستغلال إلى شكل آخر، بل ستنقل من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية على حد تعبير ماركس العظيم.

حامد ربيع 17 فيفري 2013


Nombre de lectures: 148 Views
Embed This