DzActiviste.info Publié le sam 6 Oct 2012

التشوه والشذوذ اللغوي في الجــــــزائر

Partager

جمـــال ضـو

المشهد اللغوي في الجزائر مشوه جدا وغير معبر ولا يعكس صورة الجزائر العميقة. والحديث عن اللغة في الجزائر مليء بالأشواك لارتباطه بأزمة الهوية، التي يعتقد الكاتب أن جذورها ضاربة في أزمة الحرية. كما أن الغوص في هذا الموضوع يتطلب جهدا وبذلا كبيرين لا أدعي أنني قادر عليهما أو مؤهل لذلك. لكن الوضع الحرج الذي تمر به الجزائر اليوم دفعني إلى محاولة التعرض لبعض معالم هذا المشهد، نظرا لعلاقة الأمر بما تمر به الجزائر اليوم، وكذلك كون المشهد يخفي بين ثناياه أزمة عميقة وهزيمة ثقافية مريرة.

تجدر الإشارة أولا، نظرا لحساسية هذا الموضوع كما أشرت، إلى أنني لست بصدد الانتصار لقومية  بعينها، إنما انتصر للهوية الجزائرية بشقيها الأمازيغي والعربي، فأنا إن كنت عربي اللسان فأنا أمازيغي الهوى.

هل الجزائر مازالت فرنسية؟

 استمعت بمحض الصدفة إلى جزء طويل من خطاب عرض مخطط الحكومة الذي ألقاه الوزير الأول السيد عبد المالك سلال  أمام البرلمان، والذي لم  يأت فيه بجديد. ولكنني شعرت بالخجل من كوني جزائريا وأنا أرى رئيس حكومة دولة ينص دستورها على أن العربية هي لغتها الرسمية، وهو يتهجى كلمات الخطاب الذي كتب له ويعيث في اللغة العربية عفسا ورفسا أمام برلمان يرأسه شخصية من المفترض أنها كانت (ولا تزال) رئيس المجلس الأعلى للغة العربية! طبعا، تعودنا أن نسمع كثيرا من المسئولين الجزائريين وهم يرفسون العربية رفسا. ولكن كان من المفترض ومن باب « إذا بليتم فاستتروا » أن يبحث أصحاب القرار في الجزائر عن شخصية تجيد على الأقل اللغة العربية ولو بدرجة متوسطة، لأن شخصية رئيس الحكومة أو الوزير الأول ليست فقط شخصية ميدانية مهنية بل هي دبلوماسية ورمزية أيضا.

الغريب أن السيد سلال رجل دولة تقلد مناصب وزارية متعددة منذ عشرين سنة أو أزيد، ولكن يبدو أن هذه الفترة لم تكن كافية ليتعلم قراءة العربية. من المستبعد أن يكون سلال عاجزا تماما عن تعلم اللغة العربية (لأن شبابا جزائريا لا يحملون شهادات علمية يهاجرون إلى دول أوروبية ويتعلمون لغاتها في شهور) ولكن الأرجح أن الدولة الجزائرية مازالت إلى يومنا هذا تدار وكأنها ولاية فرنسية. الأكيد أن  الجنرال ديغول سيكون سعيدا حتى في قبره وهو يرى الجزائر الرسمية مازالت فرنسية الهوى واللسان، وأن اللغة العربية لا يتعدى وجودها فقرة في الدستور، وحتى إن استعملت فإنها لا حرمة لها، وأما الأمازيغية فقد تخلى عنها أنصارها والمدافعون عنها قبل غيرهم ليستبدلوها بالفرنسية، إلا من رحم ربك.

وحتى تتجلى أمام القارئ عبثية المشهد الجزائري أقترح أن يفترض أن مسئولا جزائريا أو السيد سلال نفسه عرض جزءا من مخططه باللغة الفرنسية وارتكب نفس نوع الأخطاء التي لا يرتكبها إلا تلاميذ السنة الأولى أو الثانية ابتدائي، ماذا كان سيكون عليه حال الجرائد الجزائرية الناطقة بالفرنسية أو حتى الناطقة بالعربية في صباح الغد؟  أترك للقارئ تصور المشهد.

قد يقول قائل أن الأمر شكلي وليس جوهريا، لكني أقول أن هذا الأمر الشكلي يخفي في ثناياه مشهدا مرعبا.

في دول عربية أو مستعربة أخرى يبقى الشكل لدى أصحاب القرار مهما، ولكن في جزائر العزة والكرامة للأسف أشعر وكأن أصحاب القرار يتعمدون إهانة واستفزاز هذا الشعب بل واحتقاره وفي أكثر من مناسبة. ولا أدل على ذلك من استعمال صور الحيوانات من طيور وبغال وحمير وكثير من الدواب كرموز وطنية تطبع على النقود، فهل بقيت إهانة أكبر من هذه.  كأن التاريخ الثوري المجيد للشعب الجزائري في جهاده ضد المستعمر الفرنسي لأكثر من قرن لم يترك لنا رموزا تاريخية. ويبدو أيضا أنه في نظر هؤلاء أن سي الحواس، وعميروش، وعبان رمضان، والعربي بن مهيدي، وبن باديس، والمقراني، ولاله فاطمة وغيرهم من الرموز التاريخية لم يرقوا بعد إلى مرتبة الحصان! أما تصريح وزير خارجيتنا  في بروكسل ولغة خطابات مسئولينا الرسميين من رأس الهرم إلى قاعدته في المحافل الرسمية وعندما يخاطبون الشعب فهو  لا يعدو كونه تحصيل حاصل.

عندما نجد المؤسسات الرسمية للدولة تراسل مواطنيها عبر رسائل نصية في هواتفهم المحمولة حصريا باللغة الفرنسية، ونجد أن جميع المعاملات والمراسلات الإدارية ، من فواتير وثائق متعلقة بالمواطن، ترسل بالفرنسية،  فإنه يحق لنا فعلا أن نسأل هل الجزائر فرنسية أم جزائرية؟

كل هذه التصرفات انعكست على قناعات وثقافة كثير من المواطنين العاديين الذين لحقت بهم العدوى- أولم يقل رئيس الجمهورية أن لغة سيبويه ليست لغة الأنترنيت-، فالمتجول في شوارع العاصمة والولايات المجاورة لها وحتى مدن كبرى أخرى يلاحظ طغيان اللغة الفرنسية على لافتات المحلات وكثير من التعاملات وغياب شبه تام للعربية والأمازيغية، على الرغم من أن أغلبهم لا يجيد الفرنسية .  هذه المظاهر إن دلت على شيء فإنما تدل على هزيمة ثقافية واختلال في الهوية لا نجده في أي دولة أخرى (بما فيها جارتينا تونس والمغرب).

الصراع الوهمي

كما اشرنا في المقدمة فإن موضوع اللغة في الجزائر موضوع حساس ولا يخلو نقاشه من المطبات والأشواك لارتباطه بصراعات تمت صناعتها صنعا ومن إذكاء نار الفتنة فيها عبر عقود. صراعات ناتجة عن تركة استعمارية وسياسات متعاقبة  فاشلة وأياد داخلية وخارجية عابثة جعلت الصراع يبدو في ظاهره على أنه صراع بين العربية والأمازيغية بينما في حقيقته طمس للهوية الجزائرية بشقيها العربي والأمازيغي لتنتصر وتتسيد الفرنسية… لأن التاريخ يشهد على تعايش هاتين اللغتين بل وتكاملهما.

إن هيمنة الفرنسية إلى غاية اليوم له جذور تاريخية عديدة، ربما من أهمها أن جزائر ما بعد الاستقلال لم ترث المنظومة الإدارية الفرنسية فحسب، بل ورثت الطاقم الإداري الفرنسي المشكل في معظمه من جزائريين ارتبطوا ارتباطا وثيقا بالوجود الفرنسي وربما مازالوا يحنون له إلى يومنا. هذا الطاقم الذي سيطر على دواليب الإدارة الجزائرية وكان له الدور الرئيس في عرقلة وإفشال وتشويه محاولات التعريب إلى أن انتهى الأمر بسيطرة هذا الطابور على مقدرات البلاد وسلطة القرار فيها.

لا يجب أن ننكر هنا أن عملية التعريب في الجزائر كان فيها كثير من الارتجال والأخطاء وتم تسييسها واستغلالها من بعض الأطراف ، ولكن الأكيد أيضا أن اغلب من كانوا في الدوائر الحساسة للسلطة لم يكونوا يؤمنون بالمشروع، بل كانوا معادين له أصلا وعملوا على إبقاء الجزائر تابعة لفرنسا علميا وثقافيا. فهذه التبعية لوحدها كفيلة برهن باقي الجزائر… وما نشهده اليوم بعد خمسين سنة من الاستقلال إلا دليل على نجاح هذه السياسة.

 

الفرنسية ليست غنيمة حرب

المشهد اللغوي في الجزائر اليوم هو اقرب إلى المسخ اللغوي، وما الحال الذي عليه الجامعات اليوم إلا دليل صارخ. فلكل جامعة، بل ولكل أستاذ، لغتها أو لغته المفضلة في التدريس… حيث وصل الأمر إلى أن جامعات في الجزائر تنتصر للفرنسية أكثر مما ينتصر لها الفرنسيون أنفسهم. أقول هذا من خلال تجربة شخصية لي مع جامعة جزائرية تمثل رمزا للعلوم والتكنولوجيا في الجزائر.

فلقد كانت لي تجربة الإشراف على طالب ماجستير مسجل في هذه الجامعة، وخلال مرحلة تحضير الرسالة لم نستعن أبدا بأية مراجع مكتوبة باللغة الفرنسية (لأنه لا يوجد أصلا) وكل المراجع كانت حصريا باللغة الانجليزية. عندما كتب الطالب رسالته وقدمها باللغة الانجليزية تم رفضها من المجلس العلمي للكلية مما اضطرنا إلى إعادة كتابة الرسالة بالفرنسية!

 تجدر الإشارة هنا أن بقية الجامعات الجزائرية أو أغلبها تقبل الرسائل المكتوبة بالانجليزية والعربية دون معوقات تذكر، بل هناك من يشجع الكتابة بالانجليزية. ولكن يبدو أنه هناك في الجزائر من هو فرنسي أكثر من الفرنسيين، وهو من هو؟ فوق القانون وفوق الدستور!

هذه التجربة تدل على الانحراف التام للبوصلة اللغوية في الجزائر واختلال سلم الأولويات. فلا يمكن لعاقل اليوم أن يتصور إمكانية تقدم الجزائر في البحث العلمي واكتساب التكنولوجيا دون التمكن من لغة ووسيلة تحصيل العلوم، وهذا لا يتأتى إلا بتبني سياسة لغوية أخرى تراعى فيها الحقائق العلمية الجديدة.

في هذا الصدد، كثيرا ما نسمع من يجادل بأن الفرنسية هي غنيمة حرب ( كما قال كاتب ياسين)، لكن الواقع أن الفرنسية تحولت إلى تركة حرب، وفي أحسن الأحوال لا يمكن أن تكون إلا منفى اضطراريا كما قال مالك حداد. فلو كان للفرنسية نفس المكانة العلمية التي تحظى بها الأنجليزية لأمكن مناقشة كونها غنيمة من عدمها. ليس فقط لأن الفرنسية اليوم أقل شأنا من الألمانية والإسبانية ولغات أخرى، بل الأهم هو أن الفرنسية في الجزائر ليست فقط مجرد لغة ثانية (أولى في الحقيقة) بل تحولت إلى أداة سيطرة ثقافية وعلمية ومهددة لهويتنا.

إن اعتماد الجزائر لعقود على الفرنسية كلغة علم وتكنولوجيا جعل معظم الجامعيين والباحثين الجزائريين حبيسي ما تجود به النافذة الفرنسية، وأغلق عليهم أفاق العلم الحقيقي ومنابعه الواسعة والأصيلة، وهذا من بين الأسباب التي جعلت الجزائر تتذيل دول العربية في عدد ونوعية البحوث العلمية .

الأمر الآخر، أنه من الثابت تاريخيا وعلميا أن الأمم لا تنهض بغير لغتها. كما أن جميع الخبراء والباحثين الاجتماعين والاقتصاديين اجمعوا على أنه لا يمكن للأمم أن تنهض صناعيا واقتصاديا ما لم تكن لغة التعليم هي نفسها لغة الإدارة وسوق العمل، أي هي لغة العامل والمهندس والموظف، كما هو الحال في جميع الدول التي شهدت نهضات حقيقية.

إننا هنا لسنا بصدد الدعوة إلى إقصاء الفرنسية أو محاربتها أو اتخاذ موقف ضد التعدد اللغوي الصحي، لكن ما ندعو له هو أن تترك الفرنسية إلى حصانتها وعوامل بقائها الذاتية لا أن تسخر لها إمكانيات ومقدارات الأمة وأقلام ونفوذ بعض النخب للدفاع عنها، إما لمركب نقص أو تخوف من ضياع مواقع أو خدمة لمصالح أجنبية. وفي أفضل الأحوال لقناعات خاطئة. وما جريمة إقصاء الوزير السابق علي بن محمد من وزارة التربية إلا دليل صارخ لما يمكن أن يحصل لكل من تسول له نفسه الاقتراب من هذه المنطقة المحظورة أو حتى محاولة وضع الفرنسية في محك المنافسة الشريفة مع لغة العلم.

رسالة إلى النخب السياسية المخلصة

المتأمل في المشهد الجزائري اليوم يجد أنه لا يختلف كثيرا عن المشهد أبان أو قبل ثورة التحرير، فالنخب السياسية الجزائرية منقسمة بين معربة ومفرنسة وأخرى مزدوجة اللغة. ولكن ما يجب على الجميع إدراكه أن الالتحام مع الشعب، أكان على مستوى الفضاءات الإعلامية المختلفة -وأهمها اليوم الإنترنيت-  أو على مستوى الشارع يقتضي حتما استعمال اللغة التي يفهمها المواطن وخاصة شباب اليوم . هنا لا أظن أن عاقلا ينكر أن اللغة الأكثر استعمالا واتساعا ومقروئية اليوم، خاصة في أوساط الشباب وفي الجزائر العميقة، هي اللغة العربية. ربما استثني هنا بعض جهات الوطن التي من المفترض والأجدر أن تكون لغة الخطاب السياسي فيها هي اللغة الأمازيغية أو اللغتين معا.

على النخب السياسية الساعية إلى التغير السلمي والتي تصبو إلى تقديم نفسها كبديل سياسي أن تدرك نفسية أغلبية الشعب الجزائري وخاصة الشرائح الأكثر إيمانا ورغبة في التغير. ذلك أن اعتقادي هو أن هذه الشرائح ضعيفة أو منعدمة الارتباط بالفرنسية كثقافة وهوية. إن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه النخب السياسية هو أن تخطأ في قراءة المشهد ونفسية المجتمع الذي تخاطبه، لأن الجزائر لا يمكن حصرها في نطاق جغرافي ضيق أو اختصارها في نخب معزولة. إن التحام النخب مع الشعب لا يتأتى إلا إذا استطاعت هذه الأخيرة الغوص إلى الجذور العميقة في ذاتية الشعب ومخاطبته بلغة تلامس وجدانه ومعاناته. وهنا أجد اللغة الفرنسية لا تعدو كونها -كلغة خطاب سياسي- استحضارا لماض استعماري كئيب. إننا هنا لا ندعو إلى شعبوية الخطاب السياسي ولكن ندعو أن تكون لغة النضال السياسي نابعة من هويتنا الأمازيغية –العربية ومتناغمة مع أمال وآلام هذا الشعب.

أخيرا أقول، إن قناعتي أنه لا يمكن لأمة مهزومة ثقافيا أن تنتصر أو تتحرر سياسيا، ولا يمكن لنخبة  اجتثت من أصولها ومفصولة عن ثقافتها وشعبها أن تأخذ بيده أو تلتحم به، وهنا لا أجد بدا من استحضار مقولة للمرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم كختام لهذا المقال، حيث قال:  « إن الأمة التي لا تحافظ على الأساس والأصل، لن يكون لها في التاريخ فصل، تدخل المعارك بلا نصل، ولا تربطها بالأصل همزة وصل ».

 


Nombre de lectures: 223 Views
Embed This