DzActiviste.info Publié le dim 25 Mai 2014

التعليم : لغة الأهالي أم لغة الكولون

Partager

جمــال ضـوFafa

 أثارت حادثة منع الوزير السابق علي بن محمد من إلقاء محاضرته حول تعليم اللغة العربية إبان الحقبة الاستعمارية جدلا في الأوساط الإعلامية المختلفة واصطفت معظم الجرائد الناطقة بالفرنسية وكذالك بعض الجرائد المعربة الإستئصالية في حملة دفاع منظمة عن الوزيرة ومشاريعها وأفكارها « النيرة ». وعاد الحديث بقوة عن الصراع بين اللغة العربية والفرنسية وموقع كل منهما بعد أن توارى لفترة طويلة، ليس لأنه حُسِم، بل بسبب موت الحياة الفكرية والسياسية في الجزائر واستيلاء أنصار الفرنسية على جميع مواقع القرار. فالصراع بين اللغة الفرنسية واللغة الوطنية (بما فيها الأمازيغية) هو تعبير عن وضع شاذ سائد في الجزائر منذ الاستقلال وأزداد شذوذا منذ 92 وسيظل هذا الصراع قائما ما لم يستقم الوضع وتأخذ كل لغة مكانها الطبيعي.

اللافت للانتباه أن الجرائد التي قادت حملة معارضة العهدة الرابعة هي نفسها تقريبا الجرائد التي تقود حملة الدفاع عن هذه الوزيرة في تناقض صارخ. فالوزيرة المعنية ما هي إلا ثمرة  أول حكومة  للعهدة الرابعة ، وهو الأمر الذي لا يعتبره الكاتب غريبا أو مفاجئا.

في هذه المقالة سنحاول تفنيد جملة مغالطات استطاعت « نخب » سياسية وفكرية لها قناعاتها وأجندتها الخاصة أن تصدرها للمجتمع على أنها حقائق عملية. ونظرا لحالة الحصار الفكري التي يعاني منها المجتمع الجزائري وكذلك بحكم ارتباط هذه النخب بدوائر القرار وامتلاكها لوسائل التنفيذ تم تغييب الرأي الآخر ومحاصرته وتحولت هذه المغالطات إلى شبه مسلمات أصبح كثيرون يرددونها. 

قبل أن أبدأ في حصر المغالطات والرد عليها لا بد من أن أسجل بأن ما قامت به الوزيرة من منع لمواطن جزائري (أيًا كان) من إلقاء محاضرة يعتبر إرهابا فكريا طالما وصفت  به هذه النخب فئات أخرى من الشعب ولكنها اليوم تمارسه (في الحقيقة طالما مارسته فكريا وجسديا). وربما على السيدة الوزيرة أن تتذكر أنه ليس من حقها أن تمنع أحرار وشرفاء الجزائر من أن يعبروا عن آرائهم، وإذا لم يكن بمقدورها أن ترد على الفكرة بفكرة والمقال بمقال والمحاضرة بمحاضرة فهي حتما غير مؤهلة بأن تكون على رأس وزارة من   المفترض أن تربي الأجيال عن الحوار والفكر والنقاش العلمي، ومن يعتقد أن المنع والإقصاء في سنة 2014 ما زال سلاحا مجديا لن يستطيع إصلاح الوضع المنهار في التعليم بل سيفسده أكثر مما أفسده بن بوزيد، وسيخرج لنا جيل لا يؤمن لا بالحوار ولا بالفكر، ولا يعرف إلا لغة المنع والاستبداد والإرهاب الفكري.

الصراع اللغوي في الجزائر هو صراع له جذور، وليس الهدف هنا التعرض لتفاصيله فلقد سبق للكاتب التعرض لبعض أوجهه في مقالة سابقة حول الشذوذ اللغوي في الجزائر، ولكن الذين يناصبون اللغة العربية العداء ويعملون على إقصائها وتحقيرها ينقسمون إلى فئات متعددة. منهم من هو ضحية سياسيات خاطئة استغلتها بعض النخب للترويج لمشروع لا علاقة له بقضيته، ولكن هناك فئة تناصب الإسلام واللغة العربية والحضارة الإسلامية والعربية العداء بسبب قناعات فكرية خاصة لا تخفيها وهدفها الرئيس هو الإبقاء على الفرنسية في الجزائر كلغة سيدة إما نكاية في العربية أو خدمة لمصالح متشابكة ونوع من امتداد للاستعمار الفرنسي الذي لم يغادر الجزائر إلا شكلا، والوزيرة الجديدة للتربية تنتمي لهذه الفئة بحسب كتاباتها.

لست هنا بصدد محاكمة الوزيرة بسبب أفكارها وقناعتها فهي حرة في اعتناق الأفكار التي تشاء، ولا أعتبر جهلها التام للعربية أمرا مستغربا. فالحكومات الجزائرية أفتقر معظم وزرائها ورؤسائها لأدني معرفة باللغة العربية، وارتكبوا مجازر وهم يتحدثونها بشكل يفوق مجازر الوزيرة الحالية، وعلى رأسهم الوزير الأول الحالي. ولكن المشكلة في هذه الوزيرة هي أنها بدل أن تبدأ مشوارها بطرح أفكار يمكنها أن تصلح وضع التعليم المنهار وتفتح حوارا مجتمعيا حقيقيا حول أزمة التعليم  بدأت بتكميم الأفواه وفتح صراع أيديولوجي ولغوي خطير. ويبدو أن مهمة الوزيرة لا تعدو كونها إكمال مهمة الإجهاز على البقية الباقية من المنظومة التربوية والتي مازال بها شيء من العلاقة بجزء أصيل من هويتنا تم الإبقاء عليه على استحياء. أشير هنا أن ما يتم تدريسه لأبنائنا في كتب إصلاحات بن زاغو أن هوية الشعب الجزائري هي بحر متوسطية بالدرجة الأولى، أما الإسلام والعربية فهما في المرتبة الرابعة والأخيرة. ومن أراد أن يتأكد فليراجع كتب التربية المدنية لتلاميذ الابتدائي، أي أن ما يجمعنا حضاريا وثقافيا مع فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، إلخ… أكثر بكثير مما يجمعنا مع ليبيا ومصر وفلسطين وسوريا والخليج، وهو أمر يعكس حتما رؤية الأقلية الفكرية النافذة في الجزائر ولا يعكس رأي الأغلبية الساحقة للشعب.

أيضا عندما تأتي وزيرة للتربية وتشكل فريقا متخصصا كي يترجم وثائق الوزارة من اللغة العربية إلى الفرنسية فنحن فعلا أمام عودة للاستعمار الفرنسي بشكل رسمي وأن هذه الوزيرة ستخاطب أغلب الشعب عبر المترجمين كما كان يفعل الكولون. 

في الحقيقة المشكلة مع الوزيرة ولجنة بن زاغو التي هي إحدى مهندسيها ليست فيما يتعلق بالهوية بالدرجة الأولى، لأنني على قناعة أن ما فشلت فيه فرنسا عبر ما يقارب القرن ونصف لن ينجح فيه آخرون. ولكن تمنيت أنهم نجحوا في رفع مستوى التعليم بدل تدمير ما تم إنجازه خلال ثلاثين سنة وتحويل أبنائنا إلى حقل تجارب لبرامج تعليمية لا تمت للعلم بصلة وإثقال ظهور أطفال أعمارهم لا تتعدى الثماني سنوات بحمولة 12 كتابا. إنني على يقين أن مشروع إصلاحات بن زاغو الذي مازال طي الكتمان لغاية اليوم لا هدف له سوى تحويل التعليم في الجزائر إلى مجرد تعليم موجه لأبناء الأهالي يمنحهم شهادات ولا يعطيهم علما، لأنه من غير المعقول أن يستمر مسلسل انهيار التعليم بشكل لا تخطئه عين لمدة عقدين تقريبا ولا نرى أي اعتراف بمأساوية الوضع.

كما أشرت فإنه لا أحد يعرف لغاية اليوم المحتوى الحقيقي لوثيقة بن زاغو التي يتم تطبيق توصياتها على أبنائنا، ولكن مما نعرفه أن من توصياتها هو الاهتمام باللغات الأجنبية وهو الأمر نفسه الذي أوصت به لجنة بن عاشور لنظام ل.م.د الجامعي والتي كنت ممن حضروا بعض اجتماعاتها. واذكر أنه  عندما تساءل بعض الأساتذة عن معنى اللغات الأجنبية أُتِهِمُوا من طرف زملائهم بأنهم ممن درسوا في بريطانيا! نعم هذا هو مستوى تفكير كثير من الأساتذة الجامعيين! لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : ما المقصود بالاهتمام باللغات  الأجنبية؟

الإجابة عن هذا السؤال وعلى رغم من بساطته ظاهريا إلا أنها تخفي في ثناياها جوهر الصراع. فالمنطق يقتضي أن يتعلم أبناؤنا اللغات الحية بجانب لغتهم الأم، وبالدرجة الأولى لغة التواصل العلمي والتكنولوجي، وهي اللغة الانجليزية. إلا أن في الجزائر هناك من له رأي آخر ويعتبر الفرنسية هي اللغات الأجنبية (وليس لغة) ويفرض رأيه على أغلبية الشعب ويقدم حججا تجعل الحليم حيران. وحتى يتخيل المرء طبيعة الصراع  نذكر أن الوزير السابق علي بن محمد قام بتجربة فتح مدارس ابتدائية تدرس الانجليزية كلغة ثانية بدل الفرنسية وترك  للأولياء اختيار اللغة الثانية التي يودون تدريسها لأبنائهم. وكانت هذه المحاولة الجادة لوضع الانجليزية في مكانها الطبيعي وترك الفرنسية كخيار ثان مثلها مثل الانجليزية كافية لإقصاء الوزير من منصبه عبر مؤامرة دنيئة دناءة مخططات من قاموا بها. ويبدو أن من أجبروا الرجل على الرحيل من الوزارة لم يغفروا له اقترابه من لغة أسيادهم على الرغم من مرور أزيد من عشرين سنة.

التناقض السائد في الجزائر والذي لا يمكن استساغته (على الأقل الكاتب) هو أن هناك من يدعي أن العربية لا تصلح للعلوم وهي سبب تخلفنا (كما كتبت الوزيرة) وما علينا إلا التمسك بالفرنسية. هذا الإدعاء يمكن الرد عليه على عدة مستويات.

 دعنا نسلم أولا بأن العربية غير صالحة، فلما لا ندرس أبنائنا لغة العلم والتكنولوجيا بشكل مباشر بدل تعليمهم لغة لا مصير لها واضحا اليوم بين اللغات، إذ لم يعد لها من نفوذ سوى في دول المغرب وأدغال إفريقيا؟ وأي منطق هذا الذي يجعل شخص يحتاج للدولار يغير عملته أولا للفرنك ثم من الفرنك إلى الدولار؟ !!

المستوى الثاني هو أنه لو لاحظنا الأمم التي نهضت اقتصاديا وعلميا من العدم فسنجد أنها تستعمل واستعملت لغاتها والتي تعتبر أضعف من العربية بكل المقاييس، فكوريا بالكورية ، وتركيا تدرس بالتركية، وإيران بالفارسية، والصين، والفيتنام..إلخ. وأما إسرائيل فلقد أحيت لغة كادت أن تندثر، وأصبحت لغة التعليم في أرقى معاهدهم وجامعاتهم، ويدرس بها الطب والفيزياء والرياضيات ويحصلون على جوائز نوبل. بينما جميع الدول التي تستعمل لغة غير اللغة الوطنية مثل الدول العربية والدول الإفريقية الفرانكفونية والأنجلوساكسونية مازالت تعيش في الظلمات، ولم تحقق أية إنجازات علمية أو اقتصادية تذكر. وهو أمر منطقي لأن الدراسات أثبتت أنه كلما اختلفت لغة التعليم عن لغة العمل والشعب فإن الدولة تفشل اقتصاديا وعلميا. وهذا قد يفسر تعثر الهند اقتصاديا مقارنة بالصين لأن اغلب  الشعب بقي خارج الحياة العلمية والاقتصادية، طبعا بالإضافة إلى كون الديمقراطية الهندية هي ديمقراطية برجوازية رأسية بامتياز، وهو أمر مرتبط أيضا بمشكلة اللغة. 

ما يجب أن يعيه المدافعون عن بقاء الفرنسية أنه لم يكن يوما العيب في اللغات أو الألسنة بل العيب هو في الحالة التي عليها الشعوب. فاللغة العربية هي اللغة التي نقلت جميع العلوم لأوروبا وكل الحضارة الإغريقية وإنتاجها وكل المساهمات العلمية والفكرية للحضارة الإسلامية كتبت بلسان عربي مبين، أكانت لعلماء عرب أو غير عرب، مسلمين أو غير مسلمين. كما أن اللغتين العربية والعبرية هما اللغتان الوحيدتان اللتان لهما مناعة تامة من الاندثار لارتباط كل منهما بدين.

في الجزائر هناك طبعا مشكلة أخرى لا يمكن تغافلها أو إنكار وجودها، وهي إشكالية الأمازيغية. وهنا نجد مفارقة عجيبة أخرى جزائرية خالصة وهي أن معظم من يدافعون عن الثقافة واللغة الأمازيغية للأسف لا يجدون مشكلا في بقاء الفرنسية والاستمرار في استعمالها في الجزائر كلغة تعليم وإدارة وثقافة، ولكنهم يرفضون أن تحتل العربية  أو حتى الانجليزية مكانة الفرنسية .

من المغالطات الأخرى التي يتم الترويج لها وهي أن التعليم العالي تدهور بسبب التعريب.  هذا المغالطة  تحتاج لمقالات لوحدها، ولكن نقول إنه على الرغم من أن التعريب لم يمس التعليم العالي إلا فترة محدودة زمنيا وجغرافيا فإن هناك من يصر على الربط بين الأمرين بينما الحقيقة أن انهيار التعليم العالي بدأ بمجرد أن تم جزأرته في وقت لم تكن الجزائر تمتلك فيه أية مقومات لبناء منظومة تعليم عالٍ أو بحث علمي. والشاهد أن معظم الأساتذة الجامعيين في التخصصات العلمية في الجزائر لا يجيدون إلا الفرنسية، وقلة هم مزدوجو اللغة فعلا ، وهناك قلة قليلة جدا من المعربين. وأذكر هنا أن جامعة باب الزوار، والتي يرأسها بن زاغو تمنع مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه بلغة غير الفرنسية. ولقد مُنِع أحد طلبتي من مناقشة رسالته منذ سنتين بالانجليزية وأُلزم بترجمتها إلى الفرنسية، وهو أمر لا يحدث حتى في جامعات فرنسا نفسها.

أخيرا أقول إن إشكالية اللغة ومستوى التعليم في الجزائر ليست قضية منفصلة عن الأزمة السياسية في الجزائر (أزمة الشرعية)، وعلى من يدعوا لبناء نظام ديمقراطي وتغيير جذري أن يتذكر أن هذه المسائل الجوهرية لا يمكن البت فيها خارج الإرادة الشعبية. وأنا على يقين أننا اليوم نعيش بمنطق الأقلية، وبالرغم من التشوه اللغوي في الجزائر فإنه لو أجري استفتاء حر عن وضع الفرنسية فإن النتيجة ستكون حتما صادمة جدا للسيدة الوزيرة ومن يدافعون عن بقاء الفرنسية. 

 


Nombre de lectures: 122 Views
Embed This
DzActiviste.info Publié le dim 25 Mai 2014

التعليم : لغة الأهالي أم لغة الكولون

Partager

جمــال ضـوFafa

 أثارت حادثة منع الوزير السابق علي بن محمد من إلقاء محاضرته حول تعليم اللغة العربية إبان الحقبة الاستعمارية جدلا في الأوساط الإعلامية المختلفة واصطفت معظم الجرائد الناطقة بالفرنسية وكذالك بعض الجرائد المعربة الإستئصالية في حملة دفاع منظمة عن الوزيرة ومشاريعها وأفكارها « النيرة ». وعاد الحديث بقوة عن الصراع بين اللغة العربية والفرنسية وموقع كل منهما بعد أن توارى لفترة طويلة، ليس لأنه حُسِم، بل بسبب موت الحياة الفكرية والسياسية في الجزائر واستيلاء أنصار الفرنسية على جميع مواقع القرار. فالصراع بين اللغة الفرنسية واللغة الوطنية (بما فيها الأمازيغية) هو تعبير عن وضع شاذ سائد في الجزائر منذ الاستقلال وأزداد شذوذا منذ 92 وسيظل هذا الصراع قائما ما لم يستقم الوضع وتأخذ كل لغة مكانها الطبيعي.

اللافت للانتباه أن الجرائد التي قادت حملة معارضة العهدة الرابعة هي نفسها تقريبا الجرائد التي تقود حملة الدفاع عن هذه الوزيرة في تناقض صارخ. فالوزيرة المعنية ما هي إلا ثمرة  أول حكومة  للعهدة الرابعة ، وهو الأمر الذي لا يعتبره الكاتب غريبا أو مفاجئا.

في هذه المقالة سنحاول تفنيد جملة مغالطات استطاعت « نخب » سياسية وفكرية لها قناعاتها وأجندتها الخاصة أن تصدرها للمجتمع على أنها حقائق عملية. ونظرا لحالة الحصار الفكري التي يعاني منها المجتمع الجزائري وكذلك بحكم ارتباط هذه النخب بدوائر القرار وامتلاكها لوسائل التنفيذ تم تغييب الرأي الآخر ومحاصرته وتحولت هذه المغالطات إلى شبه مسلمات أصبح كثيرون يرددونها. 

قبل أن أبدأ في حصر المغالطات والرد عليها لا بد من أن أسجل بأن ما قامت به الوزيرة من منع لمواطن جزائري (أيًا كان) من إلقاء محاضرة يعتبر إرهابا فكريا طالما وصفت  به هذه النخب فئات أخرى من الشعب ولكنها اليوم تمارسه (في الحقيقة طالما مارسته فكريا وجسديا). وربما على السيدة الوزيرة أن تتذكر أنه ليس من حقها أن تمنع أحرار وشرفاء الجزائر من أن يعبروا عن آرائهم، وإذا لم يكن بمقدورها أن ترد على الفكرة بفكرة والمقال بمقال والمحاضرة بمحاضرة فهي حتما غير مؤهلة بأن تكون على رأس وزارة من   المفترض أن تربي الأجيال عن الحوار والفكر والنقاش العلمي، ومن يعتقد أن المنع والإقصاء في سنة 2014 ما زال سلاحا مجديا لن يستطيع إصلاح الوضع المنهار في التعليم بل سيفسده أكثر مما أفسده بن بوزيد، وسيخرج لنا جيل لا يؤمن لا بالحوار ولا بالفكر، ولا يعرف إلا لغة المنع والاستبداد والإرهاب الفكري.

الصراع اللغوي في الجزائر هو صراع له جذور، وليس الهدف هنا التعرض لتفاصيله فلقد سبق للكاتب التعرض لبعض أوجهه في مقالة سابقة حول الشذوذ اللغوي في الجزائر، ولكن الذين يناصبون اللغة العربية العداء ويعملون على إقصائها وتحقيرها ينقسمون إلى فئات متعددة. منهم من هو ضحية سياسيات خاطئة استغلتها بعض النخب للترويج لمشروع لا علاقة له بقضيته، ولكن هناك فئة تناصب الإسلام واللغة العربية والحضارة الإسلامية والعربية العداء بسبب قناعات فكرية خاصة لا تخفيها وهدفها الرئيس هو الإبقاء على الفرنسية في الجزائر كلغة سيدة إما نكاية في العربية أو خدمة لمصالح متشابكة ونوع من امتداد للاستعمار الفرنسي الذي لم يغادر الجزائر إلا شكلا، والوزيرة الجديدة للتربية تنتمي لهذه الفئة بحسب كتاباتها.

لست هنا بصدد محاكمة الوزيرة بسبب أفكارها وقناعتها فهي حرة في اعتناق الأفكار التي تشاء، ولا أعتبر جهلها التام للعربية أمرا مستغربا. فالحكومات الجزائرية أفتقر معظم وزرائها ورؤسائها لأدني معرفة باللغة العربية، وارتكبوا مجازر وهم يتحدثونها بشكل يفوق مجازر الوزيرة الحالية، وعلى رأسهم الوزير الأول الحالي. ولكن المشكلة في هذه الوزيرة هي أنها بدل أن تبدأ مشوارها بطرح أفكار يمكنها أن تصلح وضع التعليم المنهار وتفتح حوارا مجتمعيا حقيقيا حول أزمة التعليم  بدأت بتكميم الأفواه وفتح صراع أيديولوجي ولغوي خطير. ويبدو أن مهمة الوزيرة لا تعدو كونها إكمال مهمة الإجهاز على البقية الباقية من المنظومة التربوية والتي مازال بها شيء من العلاقة بجزء أصيل من هويتنا تم الإبقاء عليه على استحياء. أشير هنا أن ما يتم تدريسه لأبنائنا في كتب إصلاحات بن زاغو أن هوية الشعب الجزائري هي بحر متوسطية بالدرجة الأولى، أما الإسلام والعربية فهما في المرتبة الرابعة والأخيرة. ومن أراد أن يتأكد فليراجع كتب التربية المدنية لتلاميذ الابتدائي، أي أن ما يجمعنا حضاريا وثقافيا مع فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، إلخ… أكثر بكثير مما يجمعنا مع ليبيا ومصر وفلسطين وسوريا والخليج، وهو أمر يعكس حتما رؤية الأقلية الفكرية النافذة في الجزائر ولا يعكس رأي الأغلبية الساحقة للشعب.

أيضا عندما تأتي وزيرة للتربية وتشكل فريقا متخصصا كي يترجم وثائق الوزارة من اللغة العربية إلى الفرنسية فنحن فعلا أمام عودة للاستعمار الفرنسي بشكل رسمي وأن هذه الوزيرة ستخاطب أغلب الشعب عبر المترجمين كما كان يفعل الكولون. 

في الحقيقة المشكلة مع الوزيرة ولجنة بن زاغو التي هي إحدى مهندسيها ليست فيما يتعلق بالهوية بالدرجة الأولى، لأنني على قناعة أن ما فشلت فيه فرنسا عبر ما يقارب القرن ونصف لن ينجح فيه آخرون. ولكن تمنيت أنهم نجحوا في رفع مستوى التعليم بدل تدمير ما تم إنجازه خلال ثلاثين سنة وتحويل أبنائنا إلى حقل تجارب لبرامج تعليمية لا تمت للعلم بصلة وإثقال ظهور أطفال أعمارهم لا تتعدى الثماني سنوات بحمولة 12 كتابا. إنني على يقين أن مشروع إصلاحات بن زاغو الذي مازال طي الكتمان لغاية اليوم لا هدف له سوى تحويل التعليم في الجزائر إلى مجرد تعليم موجه لأبناء الأهالي يمنحهم شهادات ولا يعطيهم علما، لأنه من غير المعقول أن يستمر مسلسل انهيار التعليم بشكل لا تخطئه عين لمدة عقدين تقريبا ولا نرى أي اعتراف بمأساوية الوضع.

كما أشرت فإنه لا أحد يعرف لغاية اليوم المحتوى الحقيقي لوثيقة بن زاغو التي يتم تطبيق توصياتها على أبنائنا، ولكن مما نعرفه أن من توصياتها هو الاهتمام باللغات الأجنبية وهو الأمر نفسه الذي أوصت به لجنة بن عاشور لنظام ل.م.د الجامعي والتي كنت ممن حضروا بعض اجتماعاتها. واذكر أنه  عندما تساءل بعض الأساتذة عن معنى اللغات الأجنبية أُتِهِمُوا من طرف زملائهم بأنهم ممن درسوا في بريطانيا! نعم هذا هو مستوى تفكير كثير من الأساتذة الجامعيين! لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : ما المقصود بالاهتمام باللغات  الأجنبية؟

الإجابة عن هذا السؤال وعلى رغم من بساطته ظاهريا إلا أنها تخفي في ثناياها جوهر الصراع. فالمنطق يقتضي أن يتعلم أبناؤنا اللغات الحية بجانب لغتهم الأم، وبالدرجة الأولى لغة التواصل العلمي والتكنولوجي، وهي اللغة الانجليزية. إلا أن في الجزائر هناك من له رأي آخر ويعتبر الفرنسية هي اللغات الأجنبية (وليس لغة) ويفرض رأيه على أغلبية الشعب ويقدم حججا تجعل الحليم حيران. وحتى يتخيل المرء طبيعة الصراع  نذكر أن الوزير السابق علي بن محمد قام بتجربة فتح مدارس ابتدائية تدرس الانجليزية كلغة ثانية بدل الفرنسية وترك  للأولياء اختيار اللغة الثانية التي يودون تدريسها لأبنائهم. وكانت هذه المحاولة الجادة لوضع الانجليزية في مكانها الطبيعي وترك الفرنسية كخيار ثان مثلها مثل الانجليزية كافية لإقصاء الوزير من منصبه عبر مؤامرة دنيئة دناءة مخططات من قاموا بها. ويبدو أن من أجبروا الرجل على الرحيل من الوزارة لم يغفروا له اقترابه من لغة أسيادهم على الرغم من مرور أزيد من عشرين سنة.

التناقض السائد في الجزائر والذي لا يمكن استساغته (على الأقل الكاتب) هو أن هناك من يدعي أن العربية لا تصلح للعلوم وهي سبب تخلفنا (كما كتبت الوزيرة) وما علينا إلا التمسك بالفرنسية. هذا الإدعاء يمكن الرد عليه على عدة مستويات.

 دعنا نسلم أولا بأن العربية غير صالحة، فلما لا ندرس أبنائنا لغة العلم والتكنولوجيا بشكل مباشر بدل تعليمهم لغة لا مصير لها واضحا اليوم بين اللغات، إذ لم يعد لها من نفوذ سوى في دول المغرب وأدغال إفريقيا؟ وأي منطق هذا الذي يجعل شخص يحتاج للدولار يغير عملته أولا للفرنك ثم من الفرنك إلى الدولار؟ !!

المستوى الثاني هو أنه لو لاحظنا الأمم التي نهضت اقتصاديا وعلميا من العدم فسنجد أنها تستعمل واستعملت لغاتها والتي تعتبر أضعف من العربية بكل المقاييس، فكوريا بالكورية ، وتركيا تدرس بالتركية، وإيران بالفارسية، والصين، والفيتنام..إلخ. وأما إسرائيل فلقد أحيت لغة كادت أن تندثر، وأصبحت لغة التعليم في أرقى معاهدهم وجامعاتهم، ويدرس بها الطب والفيزياء والرياضيات ويحصلون على جوائز نوبل. بينما جميع الدول التي تستعمل لغة غير اللغة الوطنية مثل الدول العربية والدول الإفريقية الفرانكفونية والأنجلوساكسونية مازالت تعيش في الظلمات، ولم تحقق أية إنجازات علمية أو اقتصادية تذكر. وهو أمر منطقي لأن الدراسات أثبتت أنه كلما اختلفت لغة التعليم عن لغة العمل والشعب فإن الدولة تفشل اقتصاديا وعلميا. وهذا قد يفسر تعثر الهند اقتصاديا مقارنة بالصين لأن اغلب  الشعب بقي خارج الحياة العلمية والاقتصادية، طبعا بالإضافة إلى كون الديمقراطية الهندية هي ديمقراطية برجوازية رأسية بامتياز، وهو أمر مرتبط أيضا بمشكلة اللغة. 

ما يجب أن يعيه المدافعون عن بقاء الفرنسية أنه لم يكن يوما العيب في اللغات أو الألسنة بل العيب هو في الحالة التي عليها الشعوب. فاللغة العربية هي اللغة التي نقلت جميع العلوم لأوروبا وكل الحضارة الإغريقية وإنتاجها وكل المساهمات العلمية والفكرية للحضارة الإسلامية كتبت بلسان عربي مبين، أكانت لعلماء عرب أو غير عرب، مسلمين أو غير مسلمين. كما أن اللغتين العربية والعبرية هما اللغتان الوحيدتان اللتان لهما مناعة تامة من الاندثار لارتباط كل منهما بدين.

في الجزائر هناك طبعا مشكلة أخرى لا يمكن تغافلها أو إنكار وجودها، وهي إشكالية الأمازيغية. وهنا نجد مفارقة عجيبة أخرى جزائرية خالصة وهي أن معظم من يدافعون عن الثقافة واللغة الأمازيغية للأسف لا يجدون مشكلا في بقاء الفرنسية والاستمرار في استعمالها في الجزائر كلغة تعليم وإدارة وثقافة، ولكنهم يرفضون أن تحتل العربية  أو حتى الانجليزية مكانة الفرنسية .

من المغالطات الأخرى التي يتم الترويج لها وهي أن التعليم العالي تدهور بسبب التعريب.  هذا المغالطة  تحتاج لمقالات لوحدها، ولكن نقول إنه على الرغم من أن التعريب لم يمس التعليم العالي إلا فترة محدودة زمنيا وجغرافيا فإن هناك من يصر على الربط بين الأمرين بينما الحقيقة أن انهيار التعليم العالي بدأ بمجرد أن تم جزأرته في وقت لم تكن الجزائر تمتلك فيه أية مقومات لبناء منظومة تعليم عالٍ أو بحث علمي. والشاهد أن معظم الأساتذة الجامعيين في التخصصات العلمية في الجزائر لا يجيدون إلا الفرنسية، وقلة هم مزدوجو اللغة فعلا ، وهناك قلة قليلة جدا من المعربين. وأذكر هنا أن جامعة باب الزوار، والتي يرأسها بن زاغو تمنع مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه بلغة غير الفرنسية. ولقد مُنِع أحد طلبتي من مناقشة رسالته منذ سنتين بالانجليزية وأُلزم بترجمتها إلى الفرنسية، وهو أمر لا يحدث حتى في جامعات فرنسا نفسها.

أخيرا أقول إن إشكالية اللغة ومستوى التعليم في الجزائر ليست قضية منفصلة عن الأزمة السياسية في الجزائر (أزمة الشرعية)، وعلى من يدعوا لبناء نظام ديمقراطي وتغيير جذري أن يتذكر أن هذه المسائل الجوهرية لا يمكن البت فيها خارج الإرادة الشعبية. وأنا على يقين أننا اليوم نعيش بمنطق الأقلية، وبالرغم من التشوه اللغوي في الجزائر فإنه لو أجري استفتاء حر عن وضع الفرنسية فإن النتيجة ستكون حتما صادمة جدا للسيدة الوزيرة ومن يدافعون عن بقاء الفرنسية. 

 


Nombre de lectures: 122 Views
Embed This