DzActiviste.info Publié le lun 23 Juil 2012

التفجيرات الإرهابية الأخيرة في دمشق: النظام لن يسقط ،بل سيعزز مقاومته من أجل إفشال مخططات الإمبريالية و الرجعية العربية

Partager

لا أحد ينكر أن سوريا تلقت يوم الأربعاء الماضي (17 جويليية الحالي) ضربة إرهابية قاسية فقدت خلالها عددا من كبار قادتها العسكريين والأمنيين (وزير الدفاع داوود راجحة ونائبه آصف شوكت ومعاون نائب الرئيس السوري العماد حسن تركماني .. الخ)، خلال عدوان إرهابي على مكتب الأمن القومي. وما تزال الخسائر مرشحة للارتفاع حسب درجة خطورة الإصابات التي حلت بالعديد من قادة الأمن القومي.

يشكل هذا العمل الإرهابي الجبان فعلا نقطة تحول سياسية وعسكرية في الأحداث التي تشهدها سوريا منذ آذار (مارس) 2011، ولكن ليس تبعا لما تستخلصه الدوائر الإمبريالية والصهيوتية والدول العربية الرجعية، التي ذهب أحد صنائعها الذي يقدم نفسه على أنه خبير عسكري استراتيجي (مصري) إلى القول: بأن النظام السوري بعد هذه الضربة « القاتلة »‘ قد أصابه التفكك، وكثر المنشقون عنه، الذين يلتحقون بما يسمى ب »الجيش السوري الحر ». قلت ذهب هذا الخبير الديماغوجي المزيف، استنتاجا من قراءة الأحداث على طريقته الخاصة، إلى القول بأن النظام لن يستطيع الصمود وسيسقط بعد أيام. هذا الخبير العميل للإمبريالية والمهووس بدولارات دول الخليج الرجعية، أعمته نظرته التعصبية القاصرة وإيديولوجيته المتخلفة، عن استخلاص استنتاجات موضوعية مخالفة، بالنظر إلى موازين القوى الحالية التي تتميز بقوة النظام العسكري السوري نفسه وبالدعم الذي يحظى به من قبل عدد واسع من السوريين، وبقوة حلفائه الإقليميين (على الأقل إيران وحزب الله) وبصرامة حلفائه الدوليين (روسيا والصين). والغريب أن استنتاجات هؤلاء وأولئك من أعداء سوريا ومصالحها الوطنية الاستراتيجية تقوم على ترويج الافتراءات التي لا وجود لها إلا في أدمغتهم وخيالاتهم، ثم يصدقونها ويسوقونها إلى جماهير الشعب السوري نفسه وإلى الجماهير العربية على طريقة غوبلز وزير الدعاية في حكومة ألمانيا النازية « أكذب واكذب ثم اكذب فستجد في النهاية من يصدقك ». لكن هؤلاء الذين أعمتهم عمالتهم للإمبريالية لم يفترضوا العكس، فقد يؤدي الكذب إلى عكس ما أراده بالأمس غوبلز وما يريده عملاء الإمبريالية اليوم. وهو فقدان المصداقية وتعرية وجوههم ومعرفتهم الحقيقية. هناك مقولة كان يرددها الزعيمان الراحلان جمال عبد الناصر وهواري بومدين هي اصدق من مقولة غوبلز النازية الفاشية، (وليس هناك مجال للمقارنة بينهما)، هذه المقولة مؤداها هو « إذا مدحك الاستعمار الجديد والإمبريالية فلا تفرح، فأنت على خطأ، وإذا ذمك هؤلاء فاعلم أنك على حق »؛ لأنه لا يمكن أن تشتمك الإمبريالية ووسائل إعلامها وتلصق بك أقبح النعوت من أجل سواد عيون الشعوب، بل العكس، وكذلك لا يمكن للإمبرياليين وعملائهم أن يثنوا عليك عن صدق، وإنما العكس هو الصحيح أيضا. وهناك مقولة أخرى لأحد كبار قادة الحركة الشيوعية في البلدان العربية (الراحل خالد بكداش)، ما تزال تتردد بين الشيوعيين في المشرق العربي، وهي مقولة صحيحة، وهي قوله « إن إغضاب الاستعمار أسهل من إرضائه ». وسئل في هذا الصدد أحد زعماء الإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية، (ونستون تشرشل): من هم أصدقاء بريطانيا الدائمون، فأجاب على الفور: ليس هناك أصدقاء دائمون لبريطانيا، ولكن هناك مصالح دائمة لبريطانيا، وهي تصادق أو تعادي طبقا لمصالحها ».

ونعتقد أن التصعيدات الإرهابية ليست دليلا على قوة هذه المجموعات الإرهابية ، وليست دليلا عل ضعف النظام، بل هي عملية انتحارية ستكون الضربة الجوابية أعنف، ولن تؤدي إلى إسقاط النظام بل إلى قوته، وهناك تجارب وقعت في التاريخ القريب تؤكد هذا الاستنتاج. ففي إيران التي قضت فيها « الثورة الإسلامية » على نظام الشاه العميل للإمبريالية، حملت منظمة مجاهدي خلق راية معارضة مسلحة ضد ديكتاتورية واستبدادية نظام الخميني الجديد، وقامت بتفجيرات مسلحة أدت إلى مقتل جميع وزراء حكومة محمد علي رجائي رئيس الجمهورية آنذاك، بما فيها هو نفسه، وكان لتفجير مقر الحكومة الإيرانية صدى كبير على النظام الإسلاموي في إيران، ولكنها لم تؤد إلى إسقاطه، لأن منظمة مجاهدي خلق المسلحة التي لعبت دورا كبيرا في إسقاط نظام الشاه لم تكن تعبر بعمق عن مصالح الشعب الإيراني بهذا العمل المسلح، ولأن موازين القوى لم يكن في صالحها. كما وقعت تفجيرات إرهابية أعنف في الولايات المتحدة نفسها في 11 سبتمبر 2001 وتم تبنيها من قبل منظمة القاعدة الإرهابية، وكانت الخسائر جسيمة مادية وبشرية ولكنها لم تسقط الولايات المتحدة، بل كانت هناك إدانة عالمية لهذا الفعل الإرهابي الفظيع، بغض النظر عن ظلوع أوساط على مستوى أعلى في النظام الأمريكي نفسه. كذلك وقعت تفجيرات في روسيا من قبل الجماعات الإرهابية في الشيشان، وكانت النتيجة في نهاية المطاف هزيمة هذه المجموعات الإرهابية، لأنها كانت منظمات رجعية مناهضة لمصالح الشعب الشيشاني نفسه ولكادحيه. وهناك تفجيرات حدثت في الماضي في بلادنا شبيهة بما حدث في سوريا في الآونة الأخيرة. وقعت هذه الأحداث في شارع عميروش بالجزائر في التسعينات من القرن الماضي، وراح ضحيتها عشرات الأشخاص، وفي الدار البيضاء بالمغرب وقعت تفجيرات فادحة، وكذا في القطار بأسبانيا وفير ميترو فرنسا وغيرها، ولم تسقط هذه الأنظمة، لأن هذا العمل كان إرهابيا وليس ثوريا، وهو يستهدف إما القيام بعمل انتقامي وتسجيل بريق إعلامي، وإما إقامة أنظمة ثيوقراطية أكثر رجعية وظلامية من تلك الأنظمة القائمة أوهما معا. ونفس الشيء ما حدث يوم الأربعاء الماضي في سوريا، فهو عمل إرهابي مؤلم وليس له علاقة بمصالح الشعب السوري وقواه الشعبية والتقدمية، ولذلك لن يؤدي إلى إسقاط النظام بل العكس هو الصحيح، فقد عرت هذه العمليات الإرهابية المتوالية وجوه مدبريها ومنفذيها على حقيقتهم وأدت إلى فقدان مصداقيتهم تماما. صحيح أن ظروف وقوع هذه الأحداث الإجرامية مختلفة، وفي دول تخنلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقوتها، ولكن رغم هذا الاختلاف فإن هذه الأنظمة لم تضعف ولم تسقط، لأن التفجيرات أدت إلى سقوط ضحايا أبرياء، ولم تكن هذه الأفعال تخدم مصالح الشعوب، بل تخدم مصالح أنظمة إمبريالية وأنظمة عميلة وشركات متعددة الجنسيات، ومزيد من الفوائد والأرباح الفاحشة للرأسماليين والمهربين والمفسدين من كل الأصناف.

كانت الجماعات الإرهابية المدعومة من القوى الإمبريالية ومن دول عربية وغير عربية رجعية في المنطقة تزعم أنها تريد إصلاحات في سوريا بطريقة سلمية، وتدعي أن النظام هو الذي يلجأ إلى القوة لقمع « المظاهرات السلمية »، وكانت تدعي أنها تجابه نعسف النظام سلميا وتطالب برحيله لأنه غير شرعي، فإذا هي تعاقب الجماهير السورية لأنها لم تقف إلى جانبها في جرائمها المعادية للشعب والوطن، بل اتخذتها دروعا لحماية نفسها من ضربات القوة العسكرية السورية التي تتحمل مسؤولية حماية مواطنينها ولو افتراضيا. كانت الجماعات الإرهابية ترتكب الجرائم تلو الأخرى ضد المواطنين وتنسبها للنظام، وهاهي اليوم تتسابق إلى إعلان مسؤولياتها عن ارتكاب هذه الجرائم.

صحيح أن النظام السوري ليس ديمقراطيا، هذا أمر مفروغ منه، وتحليل الوضع الحالي لا يعني الدفاع عن هذا النظام، ولكنه تحليل موضوعي أو أقرب إلى الموضوعية. وفي هذا السياق يجب القول بأنه لا يمكن مقارنة النظام السوري بالدول الثيوقراطية القروسطية الخليجية الموالية للإمبريالية ولا بالدولة الثيوقراطية التي تتوخى المجموعات الإرهابية ومن وراءها، إقامتها كبديل للنظام القائم. إن سوريا هي البلد الوحيد في المنطقة التي ما تزال تحمي وتدعم المقاومة ضد الإمبريالية والصهيونية، من العراق إلى لبنان إلى فلسطين، وهي دولة معادية للإمبريالية ومخططاتها العدوانية (تفتيت دول المنطقة ونهب ثرواتها وتطبيق مخططها مشروع الشرق الأوسط الجديد)، لهذه الأسباب وشبهها تسعى القوى الإمبريالية وبيادقها في المنطقة ليس لمنح الحرية والديمقراطية للشعب السوري وتحريره من النظام البعثي الاستبدادي، ولكن من أجل استعباده مرة أخرى، بتطبيق مخطط سايكس بيكو جديد الذي فضحته ثورة أكتوبر الاشتراكية في سنة 1917 في حينه في إطار فضح الديبلوماسية الإمبريالية السرية. إن ما تفعله القوى الإمبريالية وأعوانها في المنطقة هو عبارة عن سايكس بيكو جديد، والعديد من دول المنطقة متورط في هذا المخطط، ولكن اتضح للإمبريالية أنه ليس من السهل تطبيق هذا المخطط على سوريا وإسقاط نظامها الذي يقف حجر عثرة ضد هذه المخططات، لا عن طريق المظاهرات السلمية، خداعا ونفاقا، ولا عن طريق استخدام العنف من قبل مرتزقيها، ولا عن طريق ترسانة وسائل إعلامها التضليلية والافترائية، ولا بتدخل أعوانها مثل تركيا (العضو في الحلف الأطلسي، والتي تطمح إلى إقامة نفوذ عثماني جديد، يخلف النفوذ المنهار منذ عشرات السنين للرجل المريض في المنطقة)، ومثل السعودية وقطر ودول الخليج الثيوقراطية القروسطية التي تدعو إلى التدخل العسكري لحماية ما يسمى بالمدنيين، ولا بدول أخرى مثل إسرائيل التي تقتل بلا حساب الفلسطينيين لتنفيذ المشروع الصهيوني. كل هذه الوسائل التدخلية تجري تحت ستار دعم الشعب السوري من أجل التخلص من نظام استبدادي رهيب. ونسيت هذه الدول أن ما تدعو إليه ممنوع منعا باتا في بلدانها. ففي البحرين تدخلت قوات درع شبه الجزيرة لقمع الانتفاضة الشعبية فيها، وتحركت للي ذراع الجماهير اليمنية المطالبة برحيل النظام الرجعي لعلي عبد الله صالح وزبانيته، وتستخدم القمع الشرس لقمع أية حركة جماهيرية كما في السعودية والكويت وقطر وغيرها، ولا تحرك القوى الإمبريالية ساكنا لحماية المدنيين الأبرياء، بينما تتحرك لإسقاط النظام الليبي بقوة طائرات الحلف الأطلسي، تحت ذريعة حماية المدنيين الأبرياء، فإذا هي تقترف إبادة الآلاف من المدنيين الأبرياء في صراعها مع قوات المرحوم العقيد القذافي. ولماذا نكتفي بهذه الأمثلة من التاريخ القريب ولا نتوغل في الماضي البعيد نسبيا، حيث نجد سجل الإمبريالية حافلا بالجرائم الوحشية والبربرية، فالإمبريالية الأمريكية هي الدولة الإمبريالية الوحيدة في العالم التي استعملت السلاح النووي لتركيع النظام العسكري الفاشي الياباني، فألقت قنابلها الذرية على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، وكان ضحايا هذه المجزرة الرهيبة والبربرية عشرات الألوف من المدنيين، وما يزال الشعب الياباني يعاني من آثار الإشعاع النووي وما يسببه من تشويهات وأمراض حتى الآن بعد مرور أكثر من 60 عاما على اقتراف هذه الجريمة الفظيعة بهذا السلاح الجهنمي الرهيب لأول مرة في التاريخ. والحلف الأطلسي الإمبريالي العدواني، هو الذي حطم جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية، تحت ستارحماية سكان البوسنة والهرسك، والتحالف الدولي الإمبريالي هو الذي غزا أفغانستان وسبب مآسي كبرى للشعب الأفغاني تحت ذريعة القضاء على أسامة بن لادن الذي أعلن مسؤوليته، أو لم يعلن، عن أحداث سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة، مع العلم أن أسامة بن لادن كان عميل المخابرات الأمريكية في الحرب التي أعلنتها الإمبريالية الأمريكية بالوكالة ضد النظام التقدمي لنجيب الله في أفغانستان. والقوى الإمبريالية الأمريكية البريطانية هي التي قامت بالعدوان ضد العراق حتى خارج قرارات مجلس الأمن تحت ذريعة القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي تزعم أن نظام صدام حسين يملكه، ثم تبين لها أنها أخطأت في تقدير وجود هذا السلاح، بينما هي تعرف مسبقا أنه لا يوجد سلاح دمار شامل في العراق وأن الجيش العراقي قد تحطم في حرب الخليج الأولى، وهي التي تعلم أن صدام حسين كان عميلا لها، وأنها هي التي زودته بالسلاح الكيميائي لضرب إيران وإرغامها على إيقاف الحرب والقبول بالحل الوسط. والأمثلة لا تكاد تقع تحت الحصر، فماذا فعلت القوى الإمبريالية للجم الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى سوى التصريح بأن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها، والأصح لها الحق في حماية مكاسبها العدوانية؟، بل إنه على الرغم من كل ما حدث ويحدث، يجدد أوباما دوما تعهد الولايات المتحدة بحماية أمن إسرائيل الذي يعني تكريس احتلالها للأراضي العربية المحتلة سنة 1967 ومنع تكوين الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية تطبيقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وحرمان إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية والتلويح بإمكانية التدخل العسكري لمنعها من هذا الحق، في حين تتعامى أمريكا وغيرها من الدول الإمبريالية الغربية عن عجرفة إسرائيل التي هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك 200 رأس نووي دون أن تعترف بذلك، وهي التي رفضت مرارا تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إذن لماذا تزن القوى الإمبريالية الأمور بمكيالين؟، إنها تمارس هذا الفعل المتحيز لحليفتها إسرائيل، لأنها تريد الاستيلاء على خيرات شعوب المنطقة ونهبها وتفتيتها إلى كيانات مجهرية، والوقوف ضد القوى الصاعدة التي باتت تشكل خطرا على النظام العالمي الواحد وتسعى إلى إنشاء عالم جديد متعدد الأقطاب الذي يتناقض مع مصالح الإمبريالية الغربية، وخاصة محاصرة روسيا والصين. أما الديمقراطية وحقوق الإنسان فهي لا تستعمل سوى لمجرد خداع الشعوب، تماما كما كانت القوى الاستعمارية القديمة تتحجج لتبرير نشاطها الاستعماري بالتصريح بأن نشاطها يهدف إلى تحضير الشعوب المتوحشة !.

ونعود إلى المشكلة السورية. لم تتمكن القوى الإمبريالية أن تفعل ما فعلته في ليبيا التي قضت على كل المكاسب التي حققتها ليبيا في ظل نظام، مهما تكن أخطاؤه، فهو نظام معاد للإمبريالية، ووضعت يدها على ثروات هذه البلاد النفطية وأعادتها إلى الوراء عشرات السنين، ومزقتها شر تمزيق‘ حيث توجد اليوم في ليبيا أكثر من ثلاث كيانات إسلاموية وقبلية تتصارع فيما بينها على اضطهاد الشعب الليبي تحت سمع وبصر القوى الإمبريالية، بينما هي تتنعم بخيرات الشعب الليبي. هذا ما أراده الإمبرياليون وعملاؤهم أن يتكرر في سوريا. ولكن المشروع الإمبريالي الرجعي في سوريا اصطدم بجملة من العوامل يبدو أنه لم يضعها في الحساب. وهذه العوامل هي بالتأكيد في صالح النظام السوري. لنبدأ بردود الفعل الدولية:

ردود الفعل الدولية:

اختلفت ردود الفعل إزاء تفجيرات دمشق، فبينما نجد العديد من الدول والهيئات تدين الفعل الإجرامي، تلوذ بعضها بالسكوت، بل تعلن أخرى عن ارتياحها مثل دول الخليج والإمبرياليات الغربية وحليفتها إسرائيل. فقد أدانت التفجير روسيا، مشيرة إلى أن « معركة حاسمة » تدور في دمشق، ومحذرة من دعم الغربيين لما أسمته بـ « الحركة الثورية »، ومؤكدة أنه يتوجب على مجلس الأمن الدولي ألا يتدخل في دعم طرف سوري ضد آخر، كما أكدت رفضها لإصدار أي قرار عن مجلس الأمن يدين سوريا أو يضعها ضمن الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وبالفعل أكدت مواقفها باستخدام حق الفيتو بمعية الصين لإبطال قرار مجلس الأمن والبند السامع. كما أن كلا من فرنسا وبريطانيا قد أدانتا التفجير ووصمته باريس بالإرهابي، ولكنهما من جهة أخرى أكدتا ضرورة إصدار قرار دولي حول سوريا ضمن الفصل السابع لتسريع «العملية السياسية» حسب رأيهما المزعوم.

وفسر البيت الأبيض التفجير – دون إدانة – بأنه يدل على أن الرئيس بشار الأسد « قد فقد السيطرة » على الوضع. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي تومي فيتور »من الواضح أن نظام الأسد يفقد السيطرة على سوريا »، مؤكدا ضرورة حدوث انتقال سياسي في سوريا لتجنب « حرب طائفية وأهلية طويلة ودموية ».

وصرح المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني بأن « الفرصة تضيق ونحتاج إلى التحرك بشكل موحد للمساعدة في تحقيق عملية الانتقال التي يستحقها الشعب السوري ». وبحث الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما في اتصال هاتفي حول النزاع الدائر في سوريا، دون أن يتمكنا من تذليل الخلافات « المستمرة » بينهما حول هذا الملف. وقالت الرئاسة الروسية في بيان أوردته وكالة « ريا نوفوستي » إنه: « في المحصلة أظهرت المحادثة توافقا في النظرة التحليلية للوضع في سوريا وهدف التوصل إلى حل، وفي الوقت نفسه فالخلافات ما تزال مستمرة حول الطريقة العملية للتوصل إلى حـل كهذا ».

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف « لقد أعلنت حاليا عمليات بركان دمشق ومعركة العاصمة والمعركة الحاسمة، وعلى هذه الخلفية يكون اتخاذ قرار من جانب واحد يمنع الحكومة من القيام بأعمال محددة، هو دعم مباشر « لحركة ثورية ». وتساءل « إذا كانت هذه ثورة فما علاقة الأمم المتحدة بالوضع؟ »، مضيفا قوله « سنرى، فالمحادثات مستمرة، ولكننا لن نقبل استخدام الفصل السابع وفرض العقوبات ».

أما الجامعة العربية « البائسة » فحذرت من توسع « دائرة العنف والدمار » ودعت إلى اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في الدوحة الأحد المقبل لبحث الملف السوري. ووصف الملك الأردني عبد الله الثاني، في مقابلة مع قناة « سي ان ان » الأميركية، التفجير الذي استهدف مبنى الأمن القومي في دمشق « بالضربة القوية للنظام » السوري، معتبراً أن « هذا يظهر بالتأكيد تصدعات في النظام، ولكن يجب ألا نتسرع في الاستنتاج ». وقال « لقد حاولنا جميعاً كمجتمع دولي التواصل مع النظام السوري لكي يتخذ خطوة الانتقال السياسي (للسلطة)، ولكننا لم نلمس أي تقدم في هذا الاتجاه على أرض الواقع. ولسوء الحظ هذا هو الحال الراهن، والمحصلة التي نشهدها منذ فترة هي استمرار تصاعد حدة العنف هناك ». (هذا الملك يرى حدبة الجمل أمامه ولا يرى بالطبع حدبته).

موقف مجلس الأمن:

قدم مجلس الأمن الدولي قرارا أعدته دول غربية يدعو إلى فرض عقوبات على سوريا طبقا للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك بناء على طلب تقدم به مبعوث الجامعة العربية والأمم المتحدة كوفي أنان.

وبعد تصريحات مؤيدة وتصريحات مضادة واقتراحات بتأجيل التصويت، تم رفض مشروع القرار بفضل الفيتو الروسي والصيني، لأنه قرار منحاز لطرف دون آخر ومن شأنه أن يزيد الطين بلة ولا يساعد على وقف إراقة الدماء، بل يؤدي إلى حرب أهلية واسعة.

وبالموازاة مع ذلك، بدأت ملامح خلق حجة جديدة للتدخل، تحت ذريعة منع النظام السوري من استخدام مخزونه الكيميائي ضد المعارضة المسلحة. ففي هذا النطاق، صرح البيت الأبيض بأنه يراقب عن كثب مخزون الأسلحة الكيميائية في سوريا و »هي لا تزال تحت سيطرة الحكومة »، في الوقت الذي أشارت مصادر عما يسمى بـ «الجيش الحر» إلى أن الجيش النظامي وزع على عناصره في دمشق ألف قناع مضاد للغاز.

وزعم نشطاء في منظمات « حقوق الإنسان » بأن مدفعية الجيش السوري قصفت حي المزة في دمشق وضاحية المعضمية في تصعيد للهجمات على المناطق التي يعمل فيها مقاتلو منظمات المعارضة المسلحة.

وشهدت أحياء عديدة من دمشق اشتباكات حادّة، من بينها حي القدم والقابون والميدان وكفر سوسة وغيرها. وأفاد « المرصد السوري لحقوق الإنسان » بمقتل أكثر من مئة شخص في سوريا على إثر وقوع التفجيرات واندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوري وعناصر « الجيش الحر ».

تلك باختصار ردود الفعل الدولية، وهي تدل على أن الوضع يجري لصالح النظام السوري، فلم يحظ قرار مجلس الأمن الذي يهدف إلى التدخل العسكري تحت تنفيذ البند السايع للأمم المتحدة بالقبول وتم إحباطه بواسطة الفيتو الروسي والصيني، كما تمت الموافقة على تمديد بعثة المراقبين الدوليين، وهي عملية في صالح سوريا. وأطلقت هذه العملية الموجعة يد النظام في قمع صارم للمنظمات الإرهابية و »الجيش السوري الحر » وتطهير مختلف أحياء دمشق والمدن السورية الأخرى من تواجد هذه المنظمات وتصرفاتها باتخاذ المواطنين الأيرياء كدروع بشرية.

موقف النظام السوري وحلفائه الإقليميين:

أثارت العملية الإرهابية غير المسبوقة عاصفة من الأكاذيب تروجها القنوات الفضائية التابعة للدول الثيوقراطية الخليجية الموالية للإمبريالية والصهيونية، وذلك بهدف الإيحاء بأن العملية ستعجل بإسقاط النظام، نظرا لأنها أصابته في مفاصله. لكن الواقع أن هذه الافتراءات تكشف عن الرغبة في إسقاط النظام الذي عز عليهم، أكثر من الواقع الموضوعي، وكانوا يتوقعون أن يكون السقوط على غرار طرابلس، في حين أن الحالتين مختلفتان، إلا من حيث الهدف المنشود.

ومن بين الافتراءات التي بثثها الوسائل الإعلامية الخليجية والأوربية المنحازة أن الرئيس بشار الأسد اختفى على إثر وقوع التفجيرات، وذلك من أجل الإيهام بأن النظام على وشك الانهيار، في حين نفى مصدر رسمي سوري هذا الخبر، وأكد أن الأسد يمارس نشاطه كالمعتاد. ويشارك في عملية متابعة المجموعات الإرهابية من أجل القضاء عليها. وجاء في بيان لوزير الدفاع الجديد العماد الفريج بعد ساعات قليلة من التفجير: « إن القيادة العامة للجيش تؤكد إصرارها على القضاء المبرم على عصابات القتل والإجرام وملاحقتهم أينما فروا وإخراجهم من أوكارهم العفنة وتطهير الوطن من شرورهم، مشيرا إلى أنه إذا كان هناك من يظن أنه باستهداف بعض القادة والمسؤولين العسكريين والأمنيين يستطيع تركيع سوريا فإنه واهم، لأن سوريا هي اليوم أكثر تصميما على التصدي للإرهاب بكل أشكاله وعلى بتر كل يد يفكر صاحبها بالمساس بأمن سوريا ».

وإذا تركنا التصريحات والبيانات جانبا، وحللنا الواقع وموازين القوى بين النظام وحلفائه، والمعارضة وندبريها، وجدنا أن ميزان القوى يميل لصالح النظام: فالمعارضة المسلحة الإرهابية ليست موحدة لا في الداخل ولا في الخارج، وهذا يشكل علامة ضعف كبير لها، فهي لا تملك برنامجا بديلا ولا تمثل طموحات الشعب السوري في التغيير الذي يخدم أهدافه ومصالحه. والدليل على ذلك أن هناك من المعارضة من يرفض التدخل الأجنبي ويقبل بالحوار السلمي مع الحكومة السورية، بينما قسم آخر من المعارضة لا يرى سوى في التدخل الأجنبي وسيلة لإسقاط النظام، بعد فشل تسليح المعارضة وقيامها بإسقاطه بالقوة. ولا يبدو في الأفق أية إمكانية لتوحد هذه المعارضة حول أرضية مشتركة تمثل البديل الذي يعوض النظام الحالي، فالبديل الوحيد الذي تحمله المعارضة الخارجية هو قيام نظام عميل موال للإمبريالية والصهيونية ينفذ تعليماتها بالكامل.

أما النظام نفسه فقد أثبت قوته وبمواجهة قوية للعمليات العسكرية والضغوط الممارسة لتركيعه، بما في ذلك قوته المسلحة التي أسقطت طائرة عسكرية تركية تابعة للحلف الأطلسي، بما يؤكد وجود أسلحة روسية متطورة في يد الجيش السوري يستطيع بها مواجهة التدخل العسكري الخارجي، فضلا عن الوجود الفعلي لقاعدة عسكرية روسية في سوريا لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام محاولة التدخل العسكري الأجنبي في البلد.

وفي نفس الوقت يوجد حلفاء إقليميون لسوريا مستعدون لمواجهة التدخل العسكري الأجنبي، سواء أكان إسرائيليا بحجة وجود السلاح الكيمياوي لدى سوريا وخطورة استعماله وتضرر إسرائيل من آثار هذا السلاح، أو أطلسيا، رغم التصريحات بأنه لا يمكن للحلف أن يتدخل لإسقاط نظام الأسد بالقوة، أو تدخلا إمبرياليا أمريكيا، خارج قرارات مجلس الأمن المشلولة بالفيتو الروسي الصيني. أو تدخلا عربيا متعددا، وهو أضعف من جوف أم موسى. ومما يؤكد قوة الحلفاء الإقليميين، أن الأمين العام لحزب الله قد صرح في سياق الذكرى السادسة للعدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز (جويلية) 2006، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي أمام الضربات القوية للمقاومة اللبنانية المدعومة من دمشق وطهران، صرح نصر الله في خطابه بأن القوة العسكرية لحزب الله قد تضاعفت مرارا كما ونوعا، وأنه يملك حوالي ستين ألف صاروخ متنوع القوة والمدى ستشعل حريقا مهولا داخل إسرائيل إذا ما حاولت مرة أخرى الاعتداء على لبنان وسوريا، وأن قوته على درجة عالية من الجهوزية لمواجهة أسوأ الاحتمالات. وبالنسبة لإيران لا يمكن فصل قضية ملفها النووي عما يجري في سوريا. وخلال مقابلة وفد زار طهران، صرح علي خاميناي، بأننا سنتدخل إلى جانب سوريا إثر أي اعتداء عليها، تماما مثل مواجهة أي عدوان على مواقعنا النووية، سواء أكانت من جانب إسرائيل أو من جانب الإمبرياليين الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، أما إسرائيل إذا ما حاولت القيام باعتداءاتها فستكون نهايتها باستخدام الترسانة العسكرية الإيرانية الضاربة وفي مقدمتها آلاف الصواريخ المتطورة التي تملكها طهران.

ويبقى الحلفاء الدوليون. صحيح أنه لا يمكن استبعاد قيام مساومة بين روسيا وأمريكا لحل وسط يفيد المعارضة المسلحة ويبقي على مصالح روسيا في المنطقة وكذا الصين، ولكن العملية مشكوك فيها وليست مضمونة. ومقابل هذا يؤكد المسؤولون الروس بأنه لا يمكن السماح بالاعتداء على سوريا لفرض نظام عليها بالقوة. وأن الحل الوحيد المقبول هو الجلوس إلى طاولة الحوار بين النظام والمعارضة، وأن أي تغيير لا يحظى بدعم الشعب السوري لن يكتب له النجاح، بما في ذلك مصير الأسد ونظامه. وعندما نترجم هذه التصريحات إلى الأفعال نخلص إلى القول بأن نفوذ روسيا في المنطقة رهين ببقاء نظام سوري حليف لها بغض النظر عن بقاء الأسد أو رحيله، ومن ثم فإن الدفاع عنه هي مسألة حياة أو موت على حد تعبير أحد المحللين المختصين الروس. بالإضافة إلى أن روسيا ليست مستعدة لتكرار ما حدث في ليبيا، إضافة إلى أن مصالحها في سوريا أهم، وبأن سوريا ليست ليبيا.

ونفس الشيء بالنسبة للصين وإن بدرجة أقل. وإذا نظرنا إلى البعد الدولي للأزمة السورية، يمكن القول بأن الاستقرار في المنطقة وإقامة سلام دائم فيها طبقا للشرعية الدولية لا يمكن ان يقوم بدون نظام قوي فاعل في سوريا، وهو مالا ترغب فيه الإمبريالية وأعوانها في المنطقة وفي مقدمتهم إسرائيل ودول الخليج الرجعية والظلامية.

إذن كل العوامل تدل على أن ميزان القوى الراهن بالنسبة للأزمة السورية هي في صالح النظام السوري في صراعه مع الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، ولذلك لن يسقط. صحيح أن النظام السوري لن يحكم بالطريقة القديمة، لأن هذا الأمر قد تجاوزته الأحداث، وصحيح أن الشعب السوري والجماهير السورية الكادحة والقوى التقدمية في سوريا تسعى إلى تغيير لصالح نظام ديمقراطي تقدمي يعزز الصمود السوري ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية، ولكن هذا الحل هو ما ترفضه القوى الإمبريالية وعملاؤها الذين يريدون إقامة نظام ثيوقراطي رجعي عميل للإمبريالية ولإسرائيل. وإذا كانت مسألة إقامة نظام ديمقراطي شعبي معاد للإمبريالية والرجعية يمهد للانتقال إلى الاشتراكية بعيد المنال في الوقت الحاضر، فإن الحيلولة دون إقامة نظام ثيوقراطي عميل، هو مسألة ناضجة وواردة في جدول الأعمال، ولذلك فإن التغيير لا بد منه، لكن في صالح الشعب السوري وقواه الوطنية والتقدمية.

حامد ربيع

21 جويلية 2012


Nombre de lectures: 182 Views
Embed This