DzActiviste.info Publié le mer 7 Août 2013

التوافق بين الوهم والحقيقة

Partager


Drapeau1جمـــــال ضو

 

المبرر الرئيس  الذي يتم تسويقه هذه الأيام  لتعثر التحول الديمقراطي في بعض دول الربيع العربي، وخاصة في مصر وتونس،  هو غياب التوافق و فشل من حصلوا على أغلبية في الانتخابات بإيجاد شراكة سياسية وأن المراحل الانتقالية لا يجب أن تدار بمنطق الأقلية والأغلبية. وإذا أردنا التدقيق أكثر فإن الصراع  يدور في ظاهره بين التيار الإسلامي،  مع تحفظ الكاتب على هذا المصطلح، والتيار المدني أو الحداثي  أو ما يمكن أن نسميه   اليوم بتيار استدعاء العسكر والانقلابات . تجدر الإشارة أن أنصار الانقلاب على الديمقراطية والخيار الشعبي ليسوا فقط من التيار الحداثي أو الديمقراطي بل هم أيضا ممن ينتمون للتيار الإسلامي، كما هو الحال في مصر مع حزب النور السلفي الخاضع للإملاءات السعودية والذي يعتبره الكثيرون صنيعة أمن الدولة وكذلك حمس في الجزائر التي لعبت دورا مشابها تماما لدور حزب النور في مصر اليوم  وذلك سنة 92 عندما أدعى رئيسها أن الدبابات هي التي حمت الجمهورية، عدا طبعا التيارات الجهادية التي ترفض المنهج الديمقراطي برمته والتي قد تستقطب  أنصارا جدد بسبب أحداث مصر وتونس .

الجزائر ليست  في منأى عن هذه التجاذبات وحتما سيأتي يوم  يجد الشعب الجزائري نفسه يعيش نفس المعركة المغطاة بغطاء الإيديولوجية والهوية وربما أكثر، لأن الجزائر تعاني من مشكلة هوية لغوية ثلاثية الأبعاد.  في الحقيقة المتتبع الدقيق للشأن المصري والتونسي يجد أن قضية التوافق السياسي التي يجب أن تدار على أساسها المراحل الانتقالية ما هي إلا أكذوبة  يتخفى ورائها أعداء إعادة الكلمة للشعب وحماة الفساد ومن يعلمون علم اليقين أن أية تحول ديمقراطي لن يكون في صالحهم وهذا لعدة أسباب، مع بعض الاستثناءات القليلة لعدد من الشرفاء.

حتى  تكون مناقشة موضوع التوافق علمية يجب أن نحدد أولا معنى المصطلحات المستعملة،  من مفهوم التوافق  إلى نوع النظام السياسي الذي يراد بناءه ، لأن كثيرا من التدليس يتخندق خلف هذه المصطلحات.

أعتقد أن سبب  وقوف أغلب الشعوب في صف الثورات العربية على حكامها هو الأمل أن تفتح هذه الثورات الباب للشعوب  لبناء أنظمة جديدة تستعيد من خلالها الشعوب إرادتها وسيادتها المفقودة وتعيد لها كرامتها المداسة، وليس المقصود هنا بناء نظام ديمقراطي واختيار من يحكم  فقط  بل استرداد الشعوب لسيادتها الحقيقية على ثرواتها واستقلال قرارها السياسي بما يخدم المصلحة العليا لهذه الشعوب ، وفي الحقيقة هذا هو عصب ومكمن الصراع  وسر الوفود الغربية والعربية التي تغزوا مصر هذه الأيام . 

من ناحية أخرى، عملية بناء هذا النظام تقوم بالأساس على  منظومة أمنية وعسكرية سليمة و منظومة قضاء عادلة وشفافة وفصل بين هذه السلطات وصيانة كرامة وحرية كل مواطن وهذا يعني صياغة دستور يؤسس  لهذه المبادئ وعملية تطهير حقيقية لمؤسسات الدولة ليس من المفترض أن يكون عليها خلاف .  ولو عدنا إلى الحالة المصرية والتونسية فإننا نجد أن جميع هذه الأسس تم وضعها في الدستور بما يؤسس لدول ديمقراطية  تحفظ فيها كرامة المواطن وحريته وفصل بين السلطات ولكن هذا لم يمنع عملية الانقلاب في مصر وتخندق من يسمون ديمقراطيين أو أنصار الدولة المدنية ( على حد قولهم)  في صف الدولة العسكرية بل وتبريرهم لجرائم ضد الإنسانية يندى لها الجبين. وبشكل مشابه يتم دفع الحالة التونسية إلى السيناريو المصري وربما ما يعطله هو توقف حالة الانقلاب المصري عند نقطة البداية  وترنحه أمام أرادة شعبية عارمة ورافضة لا يمكن الاستهانة بها وأصبحت عملية فشل هذا الانقلاب هاجسا  يقض مضجع الكثيرين.

ما يحدث في مصر وتونس يدفعنا تلقائيا إلى السؤال الأصلي حول معنى التوافق والشراكة السياسية التي يدعو لها البعض. لأن كم التدليس الإعلامي والفكري بلغ مبلغا خطيرا وجميع الشواهد تدل على رفض من دعموا انقلاب مصر أو من يسعون للانقلاب في تونس لأية شراكة وإصرارهم المستمر على سياسية لي الذراع والإستقواء بأطراف داخلية وخارجية. وما أثبتته الأيام أن المعارضة في مصر كانت منذ البداية تدرك أن الانقلاب قادم لا محالة وأن ما عليها سوى رفض كل مبادرة أو شراكة سياسية من شأنها حلحلة الوضع السياسي.

 

 ما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد أن ما حدث فيما يسمى دول الربيع العربي لا يمكن أن نسميه ثورات لأن الثورات بطبيعتها  تهدم  نظاما وتبني نظاما جديدا، والمقصود بالنظام هنا هو كل المنظومة  بما فيها الأمنية والقضائية والعسكرية  وبناء منظومة جديدة تتبنى مطالب الثورة ولكن ما حدث في الدول العربية هو شيء أقرب إلى انتفاضة شعبية أتت على رأس النظام بينما  أبقت على كل أدوات النظام كما هي ودخلت مرحلة التحول الديمقراطي في ظل منظومة أمنية وعسكرية وقضائية معادية لجميع مطالب الشعوب التي انتفضت وتعمل لصالح النظام الذي قامت عليه الثورة، وهو  أحد الأسباب الرئيسة في تعثر هذه الثورات والذي فتح الباب على مصرعيه للثورات المضادة ، ثورة 30 يونيو مثالا أو ثورة الست ساعات.

إن الكلام عن التوافق  في ظل حالات تحول ديمقراطي تتبع انتفاضات شبيهة بالتي حدثت في مصر وتونس يجب أن يضع في الحسبان عدة أشياء.

فإذا كان المقصود بالتوافق هو عدم وجود حالة انقسام داخل المجتمع فهذا أمر مستحيل، لأن الثورات ومراحل التحول الكبرى هي تعبير عن حالة انقسام داخل المجتمع، لأنه مهما كان استبداد وفساد النظام الذي انتفضت في وجهه الشعوب فإن له أنصارا  وله منظومة  سياسية ومجتمعية واقتصادية وإعلامية هي الأقوى، هذه المنظومة أطلق عليها الأتراك الدولة العميقة. قوة وانتشار الدولة العميقة يختلف من دولة إلى أخرى ولكنها تصل إلى ثلث المجتمع السياسي في كثير من الدول.  هذا الجزء من المجتمع يدرك جيدا أن أية تحول نحو دولة القانون والحريات والديمقراطية سيقضي عن مصالحه المختلفة وأن الخيار الوحيد أمامه هو استمرار الاستبداد الذي يعتبر الحاضنة الطبيعية للفساد وليس مهما هنا استعادة النظام السابق بقدر استنساخ منظومة الفساد .

إن هذا الجزء من المجتمع والذي يتشكل في معظمه ممن احتكروا السلطة والمال والجاه  وكذاك قطاع عريض من عامة الشعب الذي وقع تحت التأثير الإعلامي  لعقود سيقف عائقا أمام إحداث أية توافق مجتمعي يكون منتهاه إرساء دولة القانون.

الجزء الآخر من المجتمع أو الطبقة السياسية التي ستقف حتما حجرة عثرة في وجه التحول الديمقراطي هي الأقليات الفكرية والسياسية والتي لم توفق في الحصول على ثقة الشعب عبر الآليات الديمقراطية وتعلم يقينا انفصالها عن أغلب الشعب، هذه الأقليات السياسية والفكرية في الحقيقة كثيرا ما تعايشت مع أنظمة الاستبداد وتم تصديرها كنخبة سياسية وفكرية  سوى كمعارضة أو موالات، لهذا من الطبيعي أن تلتحم هذه التيارات مع الدولة العميقة أو النظام السابق من أجل الانقضاض على العملية الديمقراطية، وهذا ما تعيشه مصر وتونس بالفعل من تحالف بين رجالات الأنظمة السابقة  ومن يسمون بالحداثيين أو التيار المدني من أجل وئد العملية الديمقراطية بحجة التوافق.

مشكلة التحول الديمقراطي والرجوع إلى خيارات الشعب أنه صادم بالنسبة لكثير من النخب السياسية والفكرية التي  تصدرت  المشهد السياسي والفكري والثقافي طوال عقود الاستبداد،  لأن منح الشعوب حرية اختيار من يحكمها ويمثلها وفتح باب الحريات الإعلامية يُدخل على المشهد السياسي والفكري والثقافي قطاع آخر من الشعب طالما عان التهميش والاستبداد ويكشف مدى التزييف الذي مورس على هذه الشعوب عبر عقود والتي جعلت نخبة مزيفة وغير معبرة  لا عن هوية ولا ثقافة الشعب تتصدر المشهد.

إن ما تعيشه تونس ومصر هذه الأيام يعبر عن مدى عمق الأزمة وعسر عملية ولادة دولة الحرية والقانون ، لأنه وعلى الرغم من اتفاق جميع الأطراف بعد سقوط الأنظمة على خرائط طريق تمت فيها إعادة الكلمة للشعب إلا أن من أخفقوا في هذه العملية ويمثلهم أساسا الأطراف التي أشرنا إليها سابقا يصرون على قلب الطاولة والسير في طريق مجهول مدججين بأرمادة  إعلامية تفتقد أبسط الأخلاقيات المهنية مما قد يعصف باستقرار هذه البلدان  على الرغم من أن عملية إعادة الكلمة للشعب في كلتا البلدين على مرمى أسابيع مما يدلل على أن هذه الأطراف ترفض أية شكل من أشكال الديمقراطية لا تأت  بهم إلى سدة الحكم ويحفظ لها مصالحها.

السؤال الذي يجب طرحه هنا والذي يخص الإسلام السياسي ومحاولة البعض اتهام التيارات الإسلامية  التي حصلت على الأغلبية أو وصلت سدة الرئاسة بأنها فشلت في إحداث توافق سياسي لهذا فإن الانقلاب عليها مبرر، أقول السؤال المنطقي هنا هو ماذا لو أن الإسلاميين لم يحصلوا على أية أغلبية وأن من حصلوا على أغلبية الأصوات هم التيارات الحداثية ، كيف كانت ستكون ردة الفعل لو خرج أنصار التيارات الإسلامية للشارع للمطالبة بحل المجالس المنتخبة وعزل الرؤساء المنتخبين؟  لن أقدم إجابة على هذا السؤال ولكن أترك للقارئ تخيل ردة فعل التيارات الحداثية ومن ورائهم الأمن والعسكر وكم المذابح التي كانت سترتكب في حق أنصار الإسلاميين.

——————————

ملاحظة: مسودة هذه المقالة تم صياغتها منذ أسابيع ولكن ما دفعني إلى تنقيحها ونشرها في هذا التوقيت هو مقال أخي أحمد أمقران الأخير والذي جاء كرد على حوار دار بيني وبينه.

 


Nombre de lectures: 180 Views
Embed This