DzActiviste.info Publié le jeu 28 Fév 2013

الجزائر: متى تعود ‘دولة سونطراك’ إلى سيادة دولة الشعب؟

Partager
د. رشيد زياني شريفSonatrach2
2013-02-26  القدس العربي


ما يحز في النفس ويدمي القلب أن الجزائر التي كانت رمزا للشموخ والبطولة، حيث علق بالذاكرة الجماعية العربية، صورة بلد المليون ونصف المليون شهيد، أو ما اصطلح عليه، فيتنام العرب، أصبحت منذ عقدين عنوانا لكل ما يوحي أو يشير إلى الفساد والفاسدين، واندثار أثرها ليس على المستوى العالمي فحسب، بل الإقليمي وحتى المغاربي، إذ لا يكاد يذكر اسم الجزائر إلا وتبعه تلقائيا خبر ذي صلة بفساد أو فشل أو رعب، يرتبط بالفضائح المتتالية التي لا تكاد تنتهي، وهو ما أكده المدير السابق لسونطراك، الشركة الوطنية للمحروقات، حسين مالطي، في رسالته الموجهة قبل أيام إلى الجنرال التوفيق، رئيس جهاز المخابرات منذ 1991، التي قال فيها السيد مالطي أن أوساط المال والأعمال في كافة أرجاء العالم عند ذكرهم الجزائر، يشيرون إلى ثلاث صفات: فساد الذمة، عدم الكفاءة والجريمة المنظمة، ولا عجب إذن أن تحتل جزائر العقدين الآخرين المرتبة 117 من أصل 183 دولة في ترتيب الفساد.
الفساد المستشري أضحى الميزة الملازمة للبلاد، إذ عمّ كافة قطاعات الدولة ولاسيما منذ تولي عبد العزيز بوتفليقة رئاسة البلاد في 1999، بما جعل البعض يقول أن الصناعة الوحيدة التي ازدهرت في عهده هي صناعة الفساد، وكلنا يتذكر فضيحة ‘مشروع القرن’، أي الطريق السريع شرق ـ غرب، الذي لا يكاد ينتهي، رغم قفز تكلفته إلى ضعف التكلفة المحددة، قبل حتى أن ينتهي إنجازه بشكل تام، دون أن ننسى زلزال إمبراطورية عبد المؤمن خليفة التي ابتلعت مليارات الدولارات من ثروات البلاد، وعندما افتضح أمر هذه الاختلاسات المهولة، تم التضحية بصغار الحيتان، ككبش فداء، والالقاء بهم في غياهب السجون، لتستمر الحيتان الكبيرة حرة طليقة تواصل نهبها، وما إلى ذلك من قضايا الفساد التي تزكم الأنوف، وما كان ليقع كل ذلك لولا اطمئنان الفاسدين النافذين وتأكدهم من الإفلات من المتابعة ، في جو لم يضمن لهم ذلك فقط بل شجعهم على التباهي بما نهبوه أمام الكاميرات مثلها شهدناه في حفلات البذخ لعبد المومن خليفة على سبيل المثال في ليالي باريس الحمراء محفوفا بنجوم السينما والغناء العالميين، وصرف مئات الملايين من الدولارات عليهم، لحضور تلك الحفلات المترفة المقتطعة من أموال الشعب المنهوب.
وفي هذا السياق تندرج الفضيحة التي فجرها مؤخرا القضاء الإيطالي، وأخطر ما في الأمر ليس حجم الضرر الناجم عنها، الذي اعتدنا عليه، ولا في ‘سطوة’ أسماء المتورطين فيها، بل في أن مفجر وكاشف الفضيحة هيئات أجنبية، مما يعني أن التكتم عليها، هو سلوك معتمد من طرف المكلفين قانونا بتسيير الشأن العام، نظرا لعدم استقلالية القضاء وهيمنة السلطة التنفيذية عليه وعلى كل السلطات الأخرى، ولولا أن القضاء الإيطالي كشف عن ذلك خلال تحقيقه مع مسؤولي شركتي سيبام وإني، لظلت هذه القضايا طي الكتمان، ولظل المسؤولون الجزائريون الذين تقاضوا تلك الرشاوى، قريري العين، إدراكا منهم أن القضاء في الجزائر لن تمتد يداه إليهم، مكتفيا بالزج بالسمكات الصغيرة، فضلا عن اطمئنان كبار المرتشين، أن وسائل الإعلام لن تتطرق إلى فضائحهم إلا بعد الحصول على موافقة فخامته أو جهاز المخابرات صاحبي الكلمة، ومن هذا المنطلق فقراءة المتتبع للشأن الجزائري يفسر كل ما تنقله هذه الصحف، بعد شيوع الفضائح، وتدرجه ضمن ‘أمر بفتح تحقيق معمق في القضية’، لا يعدو كونه ذررماد في العيون، وامتصاصا للغضب، ليس إلا. المعادلة في الجزائر جد بسيطة: الفاسدون فوق القانون، وفوق كل شيء. 
لقد كشف القضاء الإيطالي أن مسؤولي شركة إيني الإيطالية قدموا لمسؤولين جزائريين عن طريق وسطاء وشبكات دولية وحسابات مصرفية في الخارج رشاوى وعمولات بـ197 مليون أورو، لقاء الظفر بصفقات في مجال النفط والطاقة تناهز قيمتها الأحد عشر مليار دولار، مع الملاحظة أن حتى هذه العمولات التي يدفعها الجانب الإيطالي إلى المسؤولين الجزائريين، لن تكلفهم مليما، لأنها تضاف إلى القيمة الإجمالية للصفقة. ويرى عدد من العارفين بخبايا هذه القضية أن النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر قد تحرك بناء على أوامر من الحكام الفعليين للجزائر عقب فضح الصحافة والقضاء الإيطاليين لتفاصيلها كما يرى هؤلاء أن النظام الجزائري قد دخل في سباق مع الساعة لإحتواء هذه القضية والوصول إلى إعتقال شكيب خليل ومحاكمته ولو بطريقة شكلية وصورية قبل أن يصدر القضاء الإيطالي مذكرة إعتقال دولية له ومحاكمته على الأراضي الإيطالية وهو ما قد يجعل شكيب خليل في هذه الحالة يطلق للسانه العنان ويورط شخصيات سياسية وعسكرية من العيار الثقيل داخل النظام الحاكم في الجزائر.
حتى الآن، لا جديد في عالم الفساد، لكن السؤال المؤرق المطروح، لماذا رغم تفشي ظاهرة الفساد وتكشف تفاصيله و حجمه وسعة نطاقه والمتورطين فيه، يظل مع ذلك يتفاقم أمام أعين المواطنين باستفزاز، في حين تتعامل معه الجهات المسؤولة المعنية، وكأنه أمر تقني عابر؟. الجواب بصراحة، أن النظام القائم صاحب القرار، يقع في لب الفقاعة، ويتحمل المسؤولية الرئيسية في تفشي الظاهرة، ولذا نراه يعمل جهاد على إظهار هذه الفضائح وكأنها أمور معزولة، لا تخص إلا بعض ألافراد، أي أمور تقنية اقتصادية بسيطة، وذلك للتستر على عمق هذه الظاهرة وأسسها الدالة على الفساد السياسي والمؤسسي، الذي ينخر كافة الأصعدة والمستويات، وهو ما يفسر طريقة ‘معالجته’ السطحية والمجزأة التي سرعان ما يلفها النسيان ويلقى بها جانبا إلى أن تأتي قضية عظمى أخرى لتذكر بسابقاتها، وطالما استمر التعامل مع هذه الآفة السرطانية على هذا النحو، في تدليس حقيقة الأمر، ومحاولة تضليل فئات الشعب المختلفة، سيظل الفساد سيد الوضع دون عقاب ودون أمل في حله، لأنه يرتبط ارتباطا وثيقا بنظام الحكم وبإدارة الشأن العام. 
وبما أن هذه القضية تشمل إيطاليا والجزائر، من المفيد تقديم مقارنة بسيطة تفسر لنا البون الشاسع بين الطرفين في تعاملهما مع القضية، ففي حين يتم استدعاء المدير العام السابق لفرع سايبام الإيطالي في الجزائر، توليو أورسي، من قبل النيابة العامة بميلانو، ويتعاون معها تعاونا كاملا مثلما كشفت عنه صحيفة  »إيل موندو » لبحث تفاصيل قضية الرشاوى التي قدمت لوسطاء جزائريين، لم نسمع يوما استدعاء مسؤول من هذا الوزن أو مدير عام أو سفير أو وزير للتحقيق معه بخصوص قضايا الفساد رغم سعة نطاقها وجسامة جرائمها، هذا رغم أن رئيس الجمهورية نفسه كان قد دعا في بداية عهدته الثالثة، الصحافة إلى محاربة الفساد والرشوة والمحسوبية، اعترافا منه بأن هذه الظواهر أصبحت مفضوحة، يتجاوز حجمها كل الحدود وتتسبب في تدمير مؤسسات الدولة، ولا نراه اليوم ينبس ببنت شفاه رغم شيوع هذه الظاهرة بل ويذهب إلى حد اتهام كل من يتحدث عن هذا الفساد المستشري.
ولفرط استفحال الوضع، واستحكام اليأس بنفوس المواطنين، اتهم رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد جيلالي حجاج، السلطات بمحاربة المنددين بالفساد أكثر من محاربتها الفساد نفسه، وحملها مسؤولية ما يجري كونها بدل ردع كل متورط في الفساد، تعمد على محاربة المنظمات والمناضلين المنددين بالفساد، على غرار ما حدث للجمركي رشيد عونين، الذي تم فصله عن عمله بعد تبليغه عن فضيحة تصدير الغاز إلى تونس، في عهد نظام بن علي الهارب، دون مراقبة من الجهات المخولة، ومتابعته قضائيا.
في الختام ليس سرا أن استمرار الوضع على حاله ناجم بالأساس عن التعتيم عن بعد وحقيقة الظاهرة وعدم جدية معالجتها لأن ‘محاربة الفساد، محاربة جادة وفاعلة، يقتضي في جملة أمور: 
ـ معالجة سياسية، لأن مصدر الفساد سياسي، وعندما تصبح إرادة الشعب هي مصدر السلطات في الدولة، يمكن عندئذ القضاء عليه قضاء مبرما.
ـ تكريس الشفافية والمراقبة، لأن محاربة الفساد تمر بالضرورة عبر محاسبة المسؤول الفاسد والفاشل، مع إخضاعه للمساءلة وفقا لمتطلبات العهدة التي انتخب من أجلها، لتليها المساءلة الشعبية بمعاقبته انتخابيا.
ـ مشاركة المواطنين في مراقبة الفاسدين وإشاعة ثقافة الشعور بالمسؤولية، في نفوس المواطنين، دون استثناء.
ـ تكريس الحريات وانفتاح السلطات على المجتمع.
ـ وضع حد للاحتكار السياسي، والإقرار بحق المجتمع، بكل أطيافه، في التغيير السلمي.
ـ الفصل بين السلطات، وإنهاء هيمنة السلطة التنفيذية على التشريعية، من خلال إصدارها قوانين عن طريق المراسيم الرئاسية، وعن طريق الثلث الرئاسي بمجلس الأمة، ومعروف في كل المجتمعات الديمقراطية أن التوازن بين السلطات ضروري لمنع هيمنة جهة معينة، 
ـ وبالنسبة للقضاء، رغم الزعم بأنه سلطة مستقلة بموجب الدستور، فإنه في الواقع يبقى تحت سلطة وتصرف رئيس الجمهورية، مع غياب تام للمجلس الأعلى للقضاء في هذا الجانب، ومع العلم أن النيابة تتبع لسلطة تنفيذية تتعامل مع ملفات الفساد حسب الظروف وحجم الأشخاص. 
هل هي مجرد صدفة، أن تنكشف الفضيحة الأخيرة ‘لدولة سونطراك’ على بعد أيام قليلة من الاحتفال بالذكرى 42 لتأميم المحروقات ، أم أن فضائح الفساد لم تعد بحاجة إلى مناسبات لتستفز المواطن، إلى درجة أصبح المواطن يطالب، بحتمية تأميم المحروقات من جديد، لكن هذه المرة ليس من القوى الاستعمارية وإنما من العصابات ‘الوطنية’ الفاسدة في أعلى هرم الدولة التي استنزفت طاقات البلاد وسخرتها لمصالحها على حساب الشعب الذي يعيش فقرا مدقعا في بلد ثري، مثلما سبق وأن عبر المواطن، بعد حسرة وإحباط دام خمسين سنة، عن خيبة أمله من حكام بلاده، واكتشافه مصادرة استقلا بلاده، معبرا عن ذلك بضرورة استعادة سيادة البلاد من المحتل الداخلي بعد استعادته من المستعمر الفرنسي، أي استكمال عملية التحرر من قبضة المستبد الفاشل المحلي.

‘ عضو المجلس الوطني لحركة رشادالجزائر


Nombre de lectures: 171 Views
Embed This