DzActiviste.info Publié le sam 30 Mar 2013

الجنوب « الجديد » و العهدة الرابعة… الجزائر في منحدر الصعود !!

Partager

ايناس نجلاوي 30/03/2013 

كان جحا يعمل حمالا، فاستأجره رجل لحمل قفص فيه زجاجات على أن يعلم جحا ثلاث خصال ينتفع فيها فيbouteflika-algerie حياته، فحمل جحا القفص و لما بلغا ثلث الطريق، سأله جحا: – ماهي الخصلة الأولى؟

–         رد الرجل، الخصلة الأولى هي: من قال لك أن الجوع خير من الشبع فلا تصدقه.

 ولما بلغ ثلثي الطريق، قال جحا: – و ماهي الخصلة الثانية؟

 –         الخصلة الثانية: من قال لك أن المشي خير من الركوب، فلا تصدقه.

 فلما انتهيا إلى باب الدار، قال له جحا: – والآن .. هات الثالثة.

 –         أجاب الرجل: أما الثالثة، فمن قال لك انك ستأخذ أجرا على حملك لهذه الزجاجات فلا تصدقه.

 حينئذ رمى جحا القفص على الأرض، وقال: – ومن قال لك أن في هذا القفص زجاجة واحدة سليمة، فلا تصدقه!

من قال لك أن الجزائر بخير، فلا تصدقه. ومن قال أن الشعب شفي من هستيريا العشرية السوداء، فلا تصدقه. ومن قال لك أن « حراك » الجنوب يدشن لـ »ربيع » جزائري، فلا تصدقه. ومن قال لك أن البطالة و ارتفاع مستوى المعيشة ليسا منهجا ثابتا و متعمدا تتبناه السلطة الجزائرية منذ عهد الشاذلي، فلا تصدقه. ومن قال لك ان حراك البطالين في الجنوب منفصل عن عملية عين اميناس، فلا تصدقه. ومن قال لك أن الرئيس محبط وغير راض عن عهداته، فلا تصدقه. ومن قال لك أن التحضير لا يجري على قدم وساق للعهدة الرابعة لـ « سِيدي حْبيبي »، فلا تصدقه. ومن قال لك أن الهلوسة فلسفة وأن محمد مرسي يعي ما يقول، فلا تصدقه و لذلك حار الخلق –كما جرت العادة- في فهم و تفسير آخر جمله القذافية « منحدر الصعود »! وربما يجوز استعارة هذه العبارة المبهمة لوصف حال الجزائر!  

كرونولوجيا الأحداث:

 حين امتلأت كروش و جيوب بارونات التسعينات و فاضت، كان لابد لجنون الموت و الدم أن يهدأ و أن تغسل الذنوب باستقدام رجل يحمل بعض الإرث البومدينيي ولم يكن احد الوجوه المشاركة في العشرية السوداء بغية تبييض صورة الجزائر و النظام القاتل. كان اختيار عبد العزيز بوتفليقة بالنسبة لدفعة لاكوست صائبا، فلا يقدر على إخراج الجزائر من قائمة الدول الإرهابية سوى دبلوماسي محنك طليق اللسان ذو علاقات واسعة مع مراكز صنع القرار العالمية. أما الداخل فأمره مقدور عليه من منطلق « خوّفهم لتحكمهم »، فلأجل إيقاف نزيف الدم و رؤية الرؤوس المقطوعة كان الشعب مستعدا ليس فقط للتوقيع على ميثاق السلم والمصالحة، بل حتى لقبول إعلان خالد نزار الربوبية في مقابل أن يتوقف القتل والترويع اللذين داما عقدا كاملا. وهكذا انتقل المستشار السابق للأمير زايد من الإقامة في الفنادق الملكية بالإمارات إلى قصر المرادية بالجزائر العاصمة، و بدأت عهدة « المفقودون ليسوا في جيبي » و « سامح خوك الظالم » و « اسكت sinon  … »!!

اعتقد الجناح الاستئصالي، صاحب الفضل في استقدام بوتفليقة، أن الرئيس الجديد سيحفظ الجميل و لن يحيد عن صراطهم. وان لم تنفع الجزرة، فهناك دوما العصا المتمثلة في ملف فساد وسرقة وإهدار للمال العام حين كان بوتفليقة وزير خارجية بومدين. لكن الرئيس الذي جاء بمجموعة وجدة (وعلى رأسها شكيب خليل) لتسيطر وتسطو على المال العام، والذي ظهر في عهده اكبر محتال عرفه القرن (عبد المؤمن خليفة) و وقع له الاعتماد، لن يهتز لملف إدانة يعود للسبعينات و سقط بالتقادم، فكلنا لصوص يا عزيزي!

 كانت الحقيبة الدبلوماسية البوتفليقية التي عوّل عليها صناع الموت لتلميع صورة الجزائر والانفتاح على العالم سلاحا ذو حدين، تحمل العسل والسم في آن واحد. فقد نجح الرئيس في إعادة الجزائر إلى الحظيرة الدولية، لكنه تمكن في نفس الوقت من تعزيز موقعه كحاكم أول للبلاد على حساب الجنرالات 

الذين أتوا به. فحين كانت أسوار بغداد تدكدك و قلوبنا تنزف، شهدت الضفة الأخرى من الوطن العربي و بالتحديد الجزائر العاصمة إبرام اتفاقيات في مجال النفط بين شركة سونطاراك و شركة هالبيرتون الأمريكية، و رئيسها التنفيذي ليس سوى ديك تشيني أبرز المحافظين الجدد الذين أصدروا الأوامر بتدمير العراق. اليوم و في شهر بدء العدوان على العراق و بعد مرور عشر سنوات، يبدو جليا أن « ديكتاتورية » صدام كانت صمام الأمان و مصدر مركزية و وحدة العراق، و علينا الاعتراف أن العرب هم المتسبب الوحيد في انهيار بغداد، فبعضهم فتح الأجواء و المعابر البحرية و البرية، والبعض الآخر أمدّ المعتدي بالبترول لتشغيل آلته الحربية المصوبة نحو العراقيين.

كان شكيب خليل -وزير الطاقة والمناجم الجزائري الأسبق و الحاصل على دكتوراه في هندسة النفط من جامعة تكساس للزراعة والمناجم- همزة الوصل بين الرئيس وصقور البيت الأبيض المستثمرين في صحراء الجزائر. و ليكتمل مخطط رهن قطاع المحروقات الجزائري لبضع رعاة بقر من تكساس، قام شكيب خليل بتعطيل المعهد الجزائري للبترول المتخصص في البحث و التكوين في مجال المحروقات و في تأطير المهندسين و التقنيين في الميدان النفطي. و بذلك افتكت الشركات الأجنبية حقوق و منافع التنقيب في الصحراء الجزائرية بحجة عجز الجزائر التكنولوجي و انعدام الكفاءات الوطنية.

و ليس معلوما لحد الآن من أتى أولا: تغلغل المحافظين الجدد في حقول البترول الجزائرية أم إقامة القاعدة العسكرية الأمريكية في جنوبنا (و التي أزاح الستار عنها تقرير إخباري عرضته قناة CNN   منذ سنوات) لتأمين استثمارات الصقور و للتجسس على الجزائر؟ فالرئيس ليامين زروال بدوره كان يحافظ على علاقات جيدة مع أمريكا، و ربما قد بدا التأسيس للقاعدة العسكرية أثناء فترة حكمه. ففي ظل المجازر الجماعية التي كان الجزائري يصحا وينام على مناظرها الرهيبة، لم تكن ترد أي أخبار من الجنوب الذي ظل بعيدا عن ضربات الإرهاب. فليس أنسب من استغلال فوضى الموت و الخوف لاستعمار الجزائر من الجنوب. و لا ننسى أن السفيرة الأمريكية هي التي حالت دون انقلاب الاستئصاليين على زروال لتفضيله الحوار على استمرار القتل، و هددت بتحريك الأسطول الأمريكي! 

و سواء أكان زروال قد سمح بوجود القاعدة العسكرية أو خليفته بوتفليقة، فان استثمار المحافظين الجدد في صحراءنا تحت حماية القاعدة العسكرية الأمريكية هناك يشكلان مركز ثقل و مصدر قوة للرئيس بوتفليقة، لكنهما في نفس الوقت يعتبران تهديدا لاستقلالية الجزائر و استنزافا لثرواتها الطبيعية وتعطيلا لإمكاناتها البشرية. و بفضل هذا الدعم الأمريكي، فشل انقلاب الفريق محمد العماري على الرئيس في انتخابات 2004 حين طرح بن فليس كبديل لبوتفليقة. عندما أتى الجنرالات ببوتفليقة أرادوه ربع رئيس ليستمروا في لعب البطولة خلف الأضواء. لكن مع اقتراب نهاية عهدته الأولى، أصبح ثلاث أرباع رئيس و سحب البساط من تحت أولياء نعمته.

كان الرئيس من الذكاء بحيث فهم الدرس جيدا، فرغم عشق السلطة الجزائرية اللامتناهي لفرنسا ولكل ما يشتم منه عطر فرنسا، إلا أن التعويل المطلق عليها غير مجد لأنها تدعم كل أطراف الحكم في الجزائر و تؤلبهم ضد بعضهم من الحين إلى الآخر و تأوي الخائن فرحات مهني لتهددهم متى شاءت بفصل القبائل عن الجزائر. الدعم الفرنسي يؤدي إلى توازن القوى بين الأطراف المتصارعة داخل دواليب الحكم في الجزائر، أما التدخل الأمريكي فيفضي إلى ترجيح كفة على حساب الأخرى. ولذلك كانت نتيجة التحدي، مغادرة بن فليس للبلاد و استقالة محمد العماري. و في المقابل، نجح فخامته في اقتناص عهدة ثانية شعارها « المصالحة-جزء 2″، ثم افتكاك عهدة ثالثة أساسها « البناء ». فلا عدالة حققنا و لا تنمية رأينا…

القذف الجماعي لإخماد حركة الشعب:

ورد في كتاب « مافوق مبدأ اللذة » -لأشهر رواد علم التحليل النفسي سيغموند فرويد- أن ظروف و مصاعب الحياة تجبرنا غالبا على تأجيل تحقيق اللذة، و تحتم علينا استبدال مبدأ اللذة بمبدأ الواقع؛ وهذا الأخير يعني « التخلي عن عدد من احتمالات الوصول إلى الإشباع و التحمل الظرفي لللالذة كخطوة في درب طويل وغير مباشر للوصول إلى اللذة. » (صفحة 4 في الطبعة الانجليزية)

 و هذا بالضبط مايحدث في الجزائر منذ الاستقلال و ما نجم عنه من تولي رجالات يستمدون شرعيتهم من ثورة التحرير الحكم، وبطشهم و إلغائهم بعضهم البعض باسم « الشرعية الثورية ». تلك التصفية و شهوة السلطة و عدم تحصين الثورة أدى إلى تسلق دفعة لاكوست (الفرنسية التدريب و الانتماء) في المناصب العسكرية و بسط سيطرتها على مؤسسة الرئاسة الجزائرية.

و مازال الشعب يستعيض عن اللذة بمبدأ الواقع، فاضطر للقبول على مضض بقانون الوئام المدني ثم ميثاق السلم والمصالحة، وألغى حلم محاسبة عسكر فرنسا والفيس على الدماء التي سفكوها و على ضحايا

لعبتهم القذرة. بعد 20سنة، تأكد للشعب الجزائري استحالة الحساب فيما يتعلق بمن قتل الجزائريين في التسعينات و تحقيق العدالة في هذه الحياة الدنيا لأن ملك الموت اخذ الكثير من المجرمين في حق الجزائر سواء من العسكر أو من الإسلاميين. أما الذين يبدون استعدادهم للشهادة، فهم يبرؤون ساحة الفيس و يعلقون كل دماء الجزائريين على قميص الجيش الجزائري، وهو أمر أكثر إثارة للتقزز و التقيؤ من اللاحساب…

 

لكن ألا يؤدي هذا الحرمان الدائم من تحقيق اللذة و الكبت المستمر لتطلعات الشارع إلى الانفجار؟   !

تعد الرغبة في التزاوج –حسب فرويد- أهم من كونها غريزة طبيعية تحتاج إلى الإشباع، بل إن العملية الجنسية هي سبيل الجسد للبقاء و المحافظة على الحياة. اعتمادا على نظرية فرويد، فان عملية التزاوج لا تهدف فقط إلى التكاثر كما هو رائج، بل إن هدفها الأسمى هو البقاء على قيد الحياة و تجنب الخلل في وظائف المخ.

يخزن العقل موادا كيميائية يؤدي تراكمها الزائد إلى حدوث اضطرابات عقلية. و يهدف مبدأ اللذة إلى « تحرير الجهاز الدماغي كليا من الاستثارة أو المحافظة على مستوى الاستثارة فيه ثابتا أو تخفيضه قدر الإمكان » (ص 56). ويرى فرويد أن « الاتحاد الجنسي » يعتبر أفضل وسيلة لتحرير العقل من المواد الكيمائية المترسبة فيه و بالتالي تجديد دورة الحياة و تحقيق انتشاء مؤقت عقب التخلص من الضغط المرتفع و الاستثارة العالية في الدماغ.    

بنفس المنطلق الفرويدي يتعامل النظام الحاكم في الجزائر مع الشعب؛ كبت ثم استثارة فقذف فلذة فارتخاء. أي أن مثبط اللذة (السلطة) في هذه الحالة يوفر في فترات متباعدة سبل تحقيق اللذة الآنية، والتي تفضي إلى قذف جماعي شعبي يصاحبه شعور بزهو الانتصار و ارتخاء الأعصاب و سكون الحركة ثم الهدوء التام. و هذا بالضبط ما تصبو إليه السلطة لتجديد دورة استمراريتها.

السلطة و الشعب طرفا عملية جنسية سادية غير متكافئة، يسودها التسلط و الهيمنة و الأنانية المفرطة، فالسلطة هي الفاعل و الشعب هو المفعول به و عليه. تحصل السلطة على لذتها على حساب الشعب الذي يعجز عن الوصول إلى نقطة الذروة لشعوره الغالب بالاستغلال و الاستحقار و الاستعباد. لكن حين يبلغ الاحتقان من الظلم مداه، تلجا السلطة إلى قلب الوضع فتأخذ دور السالب و تترك المبادرة للشعب ليقود العملية و يحصل على لذته، وبمجرد أن يقذف و يحس بفعاليته، يرتخي و يخف غضبه. حينئذ تعود الأمور إلى سابق عهدها و تستعيد السلطة « حق » القيادة.

والتاريخ الجزائري المعاصر شاهد على صواب هذه النظرية و على أن الشعب لطالما اضطر للانسياق إلى ردود فعل على أفعال تعمدتها السلطة بغية تحريكه لامتصاص غضبه انطلاقا من مظاهرات أكتوبر 1988 مرورا باحتجاجات مطلع2011 وصولا إلى وقفات مارس 2013 التي يشهدها الجنوب الجزائري.

 الضغط الذي لا يولد الانفجار:

اقتصاد منهار، نهب منتظم للمال العام، رشوة مقننة، بيروقراطية بغيضة، فساد عام، منظومة تعليمية أنهكتها بدع بن بوزيد، جريمة منظمة، عدالة نائمة، لا تكافؤ اجتماعي، محسوبية و تهميش للشباب، بطالة متفشية، غلاء المعيشة… و كلها تتراكم منذ عقود داخل النسيج الاجتماعي فيحدث الضغط. تراقب السلطة الحاكمة اشتداد الضغط و حين يصل حدا معينا، تقوم بإحداث ثقوب في ذلك النسيج بغية تحرير الهواء المتجمع بتركيز عال لمنع وقوع الانفجار، أو الحد من أضراره و رقعته في أسوا الحالات..  

تداول الجزائريون على نطاق واسع إشاعة تحث العمال على الإضراب العام يوم الأربعاء 5 أكتوبر 1988، و بالفعل لاقت الدعوة المجهولة المصدر صدى ايجابيا في أوساط العمال و كانت المنطقة الصناعية شرارة الانطلاق. وبسرعة البرق تطور الإضراب إلى مظاهرات احتجاجية شملت العاصمة و القبائل و وهران وعنابة وقسنطينة وأصبحت تعرف عالميا بأحداث 5 أكتوبر.

بعد 5 أيام من تحطيم و تخريب و نهب كل ما يرمز إلى الدولة و بعد حصاد 500 روح بسلاح القوات الخاصة التي أطلقها نزار، استكان الشارع و صدر الأمر للرئيس الشاذلي بالظهور إعلاميا و وعد الشعب بحزمة إصلاحات سياسية و اقتصادية، كان الهدف منها إعلان التعددية السياسية. و تم تصدير الإصلاحي حمروش لرئاسة الحكومة و الشروع في الانفتاح السياسي و انزوى عسكر فرنسا ظاهريا ليعطوا الانطباع أن التغييرات الحاصلة جاءت إذعانا لإرادة الشارع و إثباتا لانتصار « ربيعه ». لكن في الخفاء، كان كل شيء يسير وفقا لتخطيط رجال الظل الذين اعدوا الساحة جيدا لظهور حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية (الفيس)؛ شريك المرحلة القادمة…

ثم حين شرع أواخر 2010 في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته إدارة بوش في مارس 2004 على مجموعة الدول الصناعية الثماني، و الذي اتخذ من حرق البوعزيزي لنفسه ضوء الانطلاق، وهو ما سمته و سائل الإعلام البريطانية والأمريكية « الربيع العربي »، ثم التقطت قناة الجزيرة المصطلح وظلت تكرره حتى راج بين العرب و صدقوا انه صناعة عربية.

و السذج من العرب الذين مازالوا يسمون مخطط سايكس بيكو 2 بـ « الربيع العربي » يسخرون من متبني نظرية المؤامرة بالقول أن البوعزيزي كان على اتصال مع الماسونية العالمية التي جندته لإحراق نفسه إيذانا بانطلاق الفوضى الهدامة في العالم العربي!!

اتخذت فرنسا قرار احتلال الجزائر مسبقا و لذلك تعمد قنصلها التقليل من احترام الداي الجزائري الذي رفع في وجهه المروحة ردا على سوء أدبه، وكانت تلك الحادث الذريعة لدخول الجزائر. و بالمثل، كان مخطط الفوضى الخلاقة جاهزا منذ عقود و تم الانتهاء من إعداد الشباب العربي (المنتقى منذ 2005) على التعامل المتقن مع تكنولوجيا الاتصالات الحديثة و التدرب على وسائل حرب اللاعنف و التغيير السلمي في مختبرات أدبور و بيت الحرية. و لم يتبقى سوى انتظار صدفة ما واستغلالها لتأليب الرأي العام و إعطاء الضوء الأخضر لبدء المخطط.   

وقع الاختيار على تونس لكونها دولة غير بترولية و صغيرة المساحة لاختبار التجربة قبل تصديرها إلى البلدان المستهدفة. و هنا نتساءل أين القرضاوي الذي أفتى بأن البوعزيزي المنتحر شهيد، ليفتينا في أمر الشاب التونسي عادل الخضيري العاطل عن العمل و الذي احرق نفسه بعد أن يأس من حكم النهضة الذي يدخل عامه الثالث. هل نعتبره شهيدا كالبوعزيزي؟! و هل يجوز اعتبار موته حجة للنهوض ضد حكم حزب النهضة في تونس أم أن الشيخة موزة لا يناسبها سقوط الإسلاميين قبل اكتمال مهمتهم؟!

حينما كان الشارع العربي مذهولا لما يجري على الساحة التونسية، استفاق المواطن الجزائري من وقع الصدمة على صاعقة رفع مفاجئ لأسعار المواد التموينية الأساسية دون إنذار مسبق. كان الأمر أشبه بصب الزيت على النار و ينذر بالانفجار. اندلعت الاحتجاجات الشعبية في الجزائر ضد التهاب الأسعار و الغلاء الفاحش و شرع المتظاهرون في تكسير المحلات و الاعتداء على المنشئات الحكومية و إغلاق الطرق الوطنية الرئيسية و إحراق العجلات المطاطية و غيرها من التجاوزات التي لم تستثن الخواص و لا القطاع العام. و كانت الاشتباكات لا تنقطع مع قوات مكافحة الشغب. ثم قررت التنسيقية الوطنية من اجل التغيير و الديمقراطية تنظيم مسيرات في قلب العاصمة كل سبت للمطالبة بالإصلاحات و بمزيد من الحرية. و امتد التمرد على انخفاض الأجور و غلاء المعيشة و أزمة السكن ليضم إليه القطاع التعليمي و الحرس البلدي و عناصر الجيش و الأمن المسرحين و عمال البلديات و سونطاراك ومؤسسة البريد والاتصالات و المؤسسات الصناعية و موظفي القضاء بل و حتى موظفي قصر الرئاسة.

كانت الاحتجاجات شعبية وشاملة بأتم معنى الكلمة و خاصة في العاصمة، وقد مست تقريبا جل القطاعات و تراوحت المطالب بين الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي. و الملاحظ أن السلطة التي تعمدت استفزاز الشعب في وقت غاية في الحساسية تماطلت في الحل و امتصاص احتقان الشارع و تركت الأمر بيد الشرطة و قوات مكافحة الشغب. وكان يسبق كل خطوة من الدولة تردد أقاويل رسمية و غير رسمية حول نية الحكومة تنفيذ مطلب ما و بعدها بأيام أو أسابيع يصدر مرسوم رئاسي بخصوص ذلك. 

دامت الاحتجاجات المتقطعة 5 أشهر كاملة من مطلع جانفي إلى منتصف ماي 2011، و نجحت في تحقيق جملة من المطالب، أهمها: إلغاء الزيادة في أسعار المواد الغذائية و إلغاء العمل بقانون الطوارئ و فتح المجال السياسي و اعتماد الداخلية أحزابا جديدة واستفادة الشباب من قروض مصغرة في إطار مشروع ANSEJ   بالإضافة إلى استحداث موازنة إضافية ضمن قانون المالية التكميلي لتغطية تكاليف تنفيذ مطالب فئات المحتجين.

و بذلك خمد الشارع و عاد إلى طبيعته بعد ما يقرب من 5 أشهر عاصفة. و قد كان بإمكان الدولة الرضوخ للمطالب التي كانت مشروعة و قابلة للتنفيذ منذ الأيام الأولى، لكنها تعمدت إقحام قوى الأمن لمواجهة الشعب و إطالة عمر الأزمة، و ذلك بهدف استنزاف طاقة الشارع و استعراض بطش القوى الأمنية و أيضا لربح الوقت خاصة مع التهديد الذي يشكله « الربيع العربي » المتاخم للحدود، ومنح القوى الشبابية و أحزاب المعارضة جرعات ثقة في النفس و في مقدرتها على حشد الشارع و الضغط للحصول على مكاسب و إصلاحات. و الأهم أنها نجحت في استثارة الشعب في الوقت الذي رأته مناسبا لها و نفست  

عن احتقانه بطريقة لا تضرها. و في هذه الحالة أيضا، نتج عن تحقق اللذة ارتخاء و عودة الأوضاع إلى نصابها…

الجنوب « الجديد »:

 لم يعد خافيا أن جهاز المخابرات ضاق ذرعا من أطول رؤساء الجزائر حكما و أن تضارب المصالح بين المعسكرين يتناسب طرديا مع كل يوم إضافي يقضيه بوتفليقة في مؤسسة الرئاسة. لكن الرجل الذي جاء إلى قصر المرادية بدعوة من بلخير و شركائه من الصعب بل من المستحيل أن يجمع أغراضه و يرحل بأمر من توفيق و نائبه.

يبدو كذلك أن الرئيس يستميت في البقاء رغم أن صحته لا تخوله بذلك، بدليل انه منح حكومة هولاند ترخيصا شخصيا وسريا لعبور سماء البلاد و نقل عتاد شديد الخطورة لضرب بلاد جارة، و هو ما يفسر الطريقة التي جرى بها تهريب عبد المومن خليفة محملا بحقائب اليورو والدولار و كذلك استعادة خالد نزار من فرنسا. لكن الأمر لا يتعلق هذه المرة بمنح تصريح لدخول أو خروج شخصية سيادية، و إنما بعبور طائرات مقاتلة تحمل أقوى الأسلحة لضرب الجيران الذين يموتون يوميا بسبب المجاعة و الجفاف.

عبد العزيز بوتفليقة الذي كلف عام 1960 بقيادة جبهة المالي، ومنها اخذ كنية عبد القادر المالي لم يتردد في التضحية بمالي مطلع 2013 و لم يتردد في فتح السماء الجزائرية من تلقاء نفسه وكأنها جزء من ممتلكات السيد الوالد!

و لم يسمع الجزائريون عن تلك الخطوة سوى من وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، حين أعلن لشعبه أن « الجزائر أعطتنا رخصة للتحليق فوق أجوائها و بدون حدود »!!! وكانت تلك الخطوة القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين المؤسسة العسكرية و مؤسسة الرئاسة، بدليل التزام مؤسسة الدفاع الصمت (الذي يسبق العاصفة) رغم أن القضية عسكرية بحتة.  

لطالما تبنت الجزائر جيشا وشعبا و حكومة، منذ انتقال الإرهابيين الجزائريين إلى مالي، موقف الرفض القاطع للتدخل الغربي في منطقة الساحل. و حتى بعد إعلان فرنسا نية التدخل في مالي، ظلت الخارجية الجزائرية تصر على ثبات موقف الجزائر. و فجأة نسمع من الوزير الفرنسي عن مرور الطائرات الحربية أجواءنا و بدء العدوان على مالي. فيخرج مدلسي لينفي أي تناقض في مواقف الدولة الجزائرية، و يبرر ذاك التراجع المخزي عن قرار رفض الحرب بحجة أن مجلس الأمن أقره بالأغلبية! هل يخالنا أغبياء هذا العبد الفرنسي؟؟ أولا، مجلس الأمن منحاز و غير معصوم و يحكمه الخمسة الكبار و بدرجة اكبر أمريكا وفرنسا و بريطانيا. ثانيا، كان الأجدر تسميته مجلس الحرب فهو لا يجتمع إلا ليشن الحرب على الضعفاء أو لينكر حق الفلسطينيين في أرضهم. ثالثا، سبق لهذا المجلس بتحريض من فرنسا أن أمر بضرب ليبيا و مع ذلك لم ترضخ الجزائر لقراراته و ظلت متمسكة بموقفها الداعم للقذافي و أسرته و الرافض لتواجد الناتو. فما بالها حين تعلق الأمر بمالي تحتضن الطائرات المهاجمة و تفتح الحدود الجنوبية لمرور العتاد القتالي؟ أم لان الأمر في مالي ليس فيه شبهة « الربيع العربي »؟؟؟

لم تغفر المؤسسة العسكرية للرئيس التراجع عن المبادئ الثابتة للدولة واستغلاله السيئ لمناصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة و وزير للدفاع، و جاء الرد الانتقامي بأسرع مما تصورنا. فبعيد 5 أيام من بدء العملية العسكرية في مالي، أفادت وكالات الأنباء الجزائرية و العالمية عن توغل مجموعة إرهابية قادمة من مالي في صحراء الجزائر و سيطرتها على مجمع تيقنتورين البترولي و احتجاز الجزائر. بالتأكيد لم تكن الحادثة مفاجئة للمخابرات و ربما لقيادات الجيش كذلك، لكنها أربكت الرئيس و أخرجت الأمور عن سيطرته.  

لم يشهد الصراع بين أطراف الحكم في الجزائر في كل تاريخه المغامرة بحقول النفط و تعريضها للخطر، وهو مؤشر إلى انتقال الحرب الباردة من طاقارين والمرادية إلى الجنوب الجزائري. ومن خلال عملية عين أميناس رد العسكر الصاع صاعين للرئاسة و أخرسوها و أشاد العالم و الداخل ببراعة وحرفية القوات الخاصة للجيش الجزائري، أما الرئيس فقد عزل تماما ولم تجر استشارته. فلم يكن يملك سوى اعتكاف الكلام و انتظار ما سيسفر عنه قرار الجيش بالهجوم المضاد السريع و اقتحام الموقع.

ارتفع بعض الغبار ثم انقشع ليخرج الترميناتور الجزائري بكامل عافيته يجر خلفه أشلاء الإرهابيين و ليعلن عن إتمام المهمة و تأمين الموقع، تماما كما يحدث في أفلام الخيال العلمي، ثم انتهى العرض. كانت العملية رسالة إلى الرئيس مفاداها أن الجيش قادر على السيطرة والتدخل في أي وقت و زمان، وأن المخابرات ما زالت قادرة على تحريك خيوط اللعبة. خسر بوتفليقة الجولة، لكنه خصم عنيد لا يستسلم بسهولة. ابتلع مرارة الهزيمة و شرع يعد للجولة القادمة للحرب في الجنوب « الجديد »…

تمثل الصحراء الجزائرية ما يقارب 80% من المساحة الإجمالية للبلاد بكثافة سكانية تبلغ 10% من تعداد السكان في الجزائر، وكانت لوقت طويل جزءا مهملا من الجغرافيا الجزائرية، و اقترن اسمها بالتجارب النووية الفرنسية و بمعسكرات التعذيب الاستعمارية، وخلال فترة   التسعينات استغلها نزار و دفعته لفتح محتشدات اعتقال تلت إيقاف المسار الانتخابي.

منذ اكتشاف البترول هناك، أصبحت الصحراء البقرة الحلوب الغزيرة الإنتاج، وجرى مد أنابيب لإيصال حليبها إلى صناع القرار في العاصمة و إلى أسيادهم فيما وراء البحر المتوسط. و ظلت البقرة تحلب و خيرها يذهب إلى خزائن من لم يشاركوا في حلبها و لا علفها و تحرير أرضها. لكن التنمية هناك ظلت غائبة والحياة بدائية. و لا يذكر أن أهل الجنوب تسببوا في الكثير من القلاقل للحكومات المتعاقبة (فيما عدا بعض الفتن الطائفية في غرداية والتي تمت السيطرة عليها)، و لم يكن يرد ذكر الجنوب و أهله سوى في المواعيد الانتخابية أو أثناء الزيارات الرسمية التفقدية.

لكن الحرب على ليبيا ثم قرار فرنسا شن العدوان على مالي أدخلا الجنوب الجزائري بؤرة الأضواء، ثم كان الهجوم على عين أميناس و أخيرا دعوات « اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق البطالين » لمسيرات في مدن الجنوب بشرقه وغربه للمطالبة باستعادة الكرامة المسلوبة و حق الشباب في التوظيف المباشر. و لنا أن نتسآل: لماذا الجنوب بالذات و في هذا التوقيت؟ فقد كنا ننتظر أن ينتفض الطوارق في الصحراء على قرار الرئيس دعم ضرب طوارق مالي، بل وان يطالبوا بحمل السلاح لنصرة إخوتهم في إقليم أزواد. و قد تصل الأمور حد المطالبة بالانفصال انتقاما من السلطة التي خذلتهم. لكن لا شيء من ذلك حدث و لم تمتد الحرب على مالي إلى الجزائر، على الأقل لحد الآن.

و على العكس من ذلك ومخالفة لكل التوقعات فان شباب الجنوب البطال هو الذي قرر التحرك بدعوى من لجنته الوطنية. البطالة ليست جديدة، بل قد تكون مستشرية بين السواد الأعظم لشباب الجزائر بكل أقطارها. و الحديث عن الجهوية و لا تكافؤ الفرص ليس حكرا على الجنوب، بل إن الشرق أسوأ حالا بكثافته السكانية المرتفعة و انعدام التنمية فيه. لكن شباب الجنوب بالتأكيد « أفضل » حالا، لأن شظف العيش لم يسلبهم تربيتهم الحسنة و طيبتهم المكتسبة من بساطة و نقاوة الحياة في الصحراء. أما في مناطق الجزائر الأخرى، فتقترن البطالة بالآفات الاجتماعية والانحراف و كل صنوف الجرائم والمعاصي.

حتى تعطي السلطة الانطباع بان الأوضاع انفلتت منها، قامت باحتجاز علي بن حاج الذي كان في طريقه نحو ورقلة للمشاركة في أول « مليونية »، و كأنها تخشى انعكاسات تواجده بين الشباب الغاضب. وهي بذلك تواصل تسويق كذبتها بأن بن حاج ملهم الانتفاضات الشعبية ومصدر إزعاج حقيقي لنظام الحكم في الجزائر. من الأفضل لأصحاب القرار في العاصمة أن يلتف بعض شباب الجزائر حول رجل تحت السيطرة وسبق أن التقى مع نزار مرارا حين كان وزيرا للدفاع بغية التنسيق للحرب القذرة على الجزائر.

وعلى أي حال، فان حراك الجنوب اخف ضررا على النظام من حراك باقي المناطق لقلة الكثافة السكانية هناك و لتميزه بالسلمية، على عكس انتفاضات الشمال و الشرق و الغرب والتي عادة ما تتسم بالعنف، و احتجاجات 2011 خير دليل. والغالب أن لجنة الدفاع عن حقوق البطالين ستحذو حذو التنسيقية لأجل التغيير مطلع 2011، و تدعو إلى تنظيم وقفات كل أسبوع (كل جمعة) إلى غاية تنفيذ مطالبها.    

و ليس أفضل من هذا الحدث ليتم توظيفه سياسيا من طرف معسكر الرئيس لتسجيل هدف ضد المخابرات و محو « نصر » عين أميناس و إثبات أن السياسي هو القادر على التعامل مع الشارع و ليس العسكري. و بسرعة، تحرك موكب الطاقم الحكومي نحو مدن الجنوب للوقوف عند واقع تنفيذ « برامج التنمية » في الجنوب و صدرت الأوامر بتوزيع عقود ماقبل التشغيل و إدماج المستفيدين من تلك العقود، كما أعلن وزير المالية عن تخصيص مشروع قانون المالية التكميلي لهذه السنة لشباب الجنوب. و قد فند الوزير الأول وصف بطالي الجنوب بـ »الشرذمة » و أكد من ولاية بشار الجنوبية على مشروعية مطالب المحتجين وحقهم بالحصول على مناصب شغل و حياة كريمة في دولة « النيف ». وقال في كلمته المرتجلة « اللي شاد السما علينا يخليها اتطيح »، و هي رسالة بوتفليقية إلى الرافضين لاستمراره خصوصا قيادة المخابرات و الجيش بأنهم لم يعودوا يملكون من قرار بقاءه شيئا. فالرئيس قرر أخيرا إحراق الورقة التي يبتزونه بها من خلال إعلانه « المكتوب! » الحرب على الفساد كأساس للعهدة الرابعة…

العهدة الرابعة:

يمضي الرئيس قدما نحو العهدة الرابعة و إن قرأت عكس ذلك في صحفنا الميمونة، فلا تصدق. يلجأ الرئيس لحل مشكلة التهميش إلى ضخ الكثير من الأموال، دون المساس بالإدارة المحلية القائمة (أساس المشكل) و دون التأسيس لبنية تحتية صلبة. الحل السحري لتهدئة المناطق الثائرة يكمن في ضخ الأموال و المزيد من الأموال لاستعادة الشعبية تمهيدا لرئاسيات 2014. ومن الجهة الأخرى، يتعهد الرئيس بتعقب الفاسدين ومحاسبتهم مهما علا شأنهم.

جاء في مضمون رسالة الرئيس بمناسبة إحياء ذكرى عيد النصر و التي قرأها أحد مستشاريه بأنه، أي  الرئيس، محبط من حجم الفساد الذي استشرى في هياكل الدولة، و عاقد العزم على إعلاء سلطان القانون لتتبع الضالعين في الفساد و استعادة الحقوق المغتصبة فيما يخص تبديد المال العام. و عبرت الرسالة عن أمنية الرئيس إيجاد كفاءات مسؤولة مخلصة و أياد بيضاء نظيفة لتقود المرحلة المقبلة و تساعده في سعيه لتحقيق العدالة و حماية ممتلكات الدولة و تنفيذ المشاريع الكبرى التي وردت في برنامجه الرئاسي و التي ستعود بالخير على الوطن والمواطن!!!

أيام بعد ذلك تطالعنا جريدة الخبر نقلا عن مسؤول سام في مكتب الرئاسة أن الرئيس مستاء من الأخبار السيئة التي ترده يوميا وأن فضائح سونطاراك المتوالية أثرت كثيرا على صحته، و لذلك فهو لا يرغب في عهدة رابعة لعدم رضاه عن أداء وزراءه و عما تحقق خلال عهده الذي دخل عامه الـ14!

لم يصدق الجزائريون عزم رئيسهم استئصال الفساد و الفاسدين من الجذور، فلم يسبق أن سمعنا عن سارق يمدد جسده بمحض إرادته على خط السكة الحديدية و يضع ساقيه و ذراعيه على المحورين المتعامدين للسكة، حتى إذا مر القطار عليه فصل أطرافه الأربع عن الجسد. مما لا شك فيه أن الرئيس لن يقدم على بتر أعضائه باعتباره المسؤول المباشر عن الفساد أمام الشعب. لكنه سيستأصل هذا الفساد على طريقته الخاصة، بأن يضحي برجاله الذين أتى بهم و مكنهم من موارد المال العام لنهبه و تحويله إلى حسابات خاصة في بنوك سويسرا. الرئيس الذي يقوم الآن بحملة بحث عن أشخاص نزهاء تغلب عليهم الروح الوطنية هو نفسه الذي أعلا من شان مزدوجي الجنسية و جعل منهم وزراء خربوا الاقتصاد و التعليم الوطنيين.

اهتدى الرئيس للتطهر من ذنوبه إلى التنصل من اختياراته السابقة، فقدم معاونيه (المعروفين إعلاميا) كقرابين للشعب. و بدأ حملة التطهر والتطهير بالتخلص من بعض الوزراء في آخر تشكيل حكومي ثم إزاحة الوفيين أويحيى وبلخادم من على رأسي أحزاب التحالف الرئاسي، وصولا إلى فتح ملفات فساد طاقمه الحكومي عبر سلسلة فضائح طالت عمار غول و شكيب خليل و شريف رحماني. 

قدم الرئيس نفسه في دور الضحية التي استغل بعض الأشرار طيبتها و الثقة العمياء الموضوعة في شخوصهم للاستيلاء على مال الشعب على مدار أزيد من عقد كامل من الزمن. من الحمق تصديق أن المياه كانت تجري من تحت أقدام الرئيس لـ3 عهدات كاملة، وانه لم يطلع على حجم الخراب سوى حين أوشكت العهدة الثالثة أن تنتهي! أن يسكت المسؤول الأول للبلاد عن الفساد فتلك مصيبة، أما أن يزعم جهله بوجود الفساد فالمصيبة أكبر…

يعمد الرئيس منذ مدة إلى مخاطبة الشعب عن طريق « المراسلة »، يبعث برسائل مكتوبة تتلوها مذيعة/مذيع نشرة الثامنة أو احد مستشاريه. وهي وسيلة تكتيكية من سياسي مخضرم، على عكس ما يظن الكثير أن انسحابه من المشهد الإعلامي يعكس تدهور حالته الصحية. فحين يتكرم علينا مسؤول فرنسي من الدرجة التاسعة أو العاشرة بالزيارة، يحرص الرئيس على الظهور معه و التشاور حول العلاقات المصيرية بين البلدين و الوقوف أمام عدسات التصوير و الابتسام حتى « تطلع الصورة حلوة »!

لم تعبأ الكتلة الانتخابية لنداء الرئيس للتصويت بكثافة، فجاءت نتائج الانتخابات النيابية والمحلية هزيلة، غلبت عليها المقاطعة. ومنذ ذاك الحين اعتكف الرئيس محادثة شعبه مباشرة تعبيرا عن استياءه من عزوفهم على الانتخابات التي دعاهم إليها. و كان الاستثناء الوحيد احتفال عيد المرأة الذي شارك فيه، و الظهور وسط جمع من الحريم عادة مقدسة سنوية يحرص عليها. فغيابه المتعمد نوع من التمنع إلى أن يطلبه الشعب!

يهدف بوتفليقة عبر رسائله الأخيرة إلى إحداث حالة من الاستقطاب في الشارع الجزائري، لاستثارة التعاطف مع الرجل العجوز الذي كان بطيب نية يستقي معلوماته حول البلاد التي يديرها من تنقيط البنك الدولي و لجنة الشفافية والنزاهة الإفريقية!

وقد يقبل على تقديم ملفات الفساد أمام العدالة و إرسال مذكرة للانتربول لإعادة شكيب خليل الذي هربته

الدولة. سيستغرق الحال طويلا إلى أن ينسى الشعب ثم سينتهي إلى لا شيء كما جرى مع الخليفة وغيره. ففي بلادنا، كلما زاد عدد لجان تقصي الحقائق، ارتفعت نسبة الفساد و التجاوزات. لكن التحقيق ضروري في هذه المرحلة لتبرئة ساحة الرئيس الذي يستقدم السراق، يمنحهم الاعتمادات، وبعد أن يجمعوا مال الشعب يهربهم عبر طائرته الرئاسية و حين يستقرون في قصورهم في أوروبا و أمريكا، يصدر أمره للعدالة الجزائرية التي تعمل تحت الطلب بتحريك ملفاتهم…

بعد أشهر قليلة ستنقضي زوبعة الجنوب الحالية بإرضاء الجهات المنتفضة واعتقال المعاندين، ومع اقتراب فصل الصيف سيطفو الطفيليون على المشهد السياسي الراكد للمطالبة بتعديل الدستور و تجديد البيعة (التي طاب جنانها) للرئيس حتى يتسنى له تنفيذ برنامج « مكافحة الفساد ». و قد بدأ التطبيل مبكرا أثناء مباراة كرة قدم جمعت مولودية الجزائر بشباب قسنطينة حين توسطت لافتة كبيرة الملعب حملها بعض اللاعبين وظهرت فيها صورة بوتفليقة ومكتوب بجانبها بخط عريض « شعب مولودية الجزائر يريد عهدة رابعة لفخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ».

بحلول الصيف، سيعلن عن افتتاح دكان تخييط الدستور. و هناك احتمالان؛ إما العهدة الرابعة وإما استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، وذلك في حالة العجز الصحي الكامل لبوتفليقة أو في حال تغلب كفة المعسكر الرافض لاستمراره. و اختيار النائب الافتراضي يرتبط ارتباطا وثيقا بموازين القوى في المرحلة المقبلة، فإما أن يستفرد بوتفليقة بتنصيب خليفته (لضمان تحصين جماعته بعد خروجه من الحكم) و إما أن يجتمع صناع القرار في الجزائر على مرشح توافقي (قد يأتي من الخارج) لتولي منصب نائب الرئيس، ويخلفه في حال الدخول في غيبوبة أو الموت. و الشيء الوحيد المؤكد أن بوتفليقة ليس بالغباء الذي يجعله يفكر في ترشيح شقيقه السعيد الممقوت شعبيا و المرفوض جملة وتفصيلا في طاقارة. و علينا ألا ننسى أن ملف ترشيح السعيد لخلافة أخيه قد يكون السبب المباشر في اغتيال مدير الأمن علي تونسي و سلب زرهوني حقيبة الداخلية.

مالحــل؟!

في رواسب العقل الباطن للشعب الجزائري ما يخوله التمييز بين ثورة على الظلم تنبع من شعوب يحكمها العقل و فتنة حيكت خيوطها في بيوت الماسونية بغرض إعادة تقسيم العربي. استنبط الشعب الجزائري قاعدة من ربيع أمير المنبطحين حمد موزة مفاداها أن التضحية بالأمن و الاستقرار جراء دعوات مجهولة المصدر تؤدي في النهاية إلى زوال السلم و الطمأنينة و عدم الحصول على الحرية. و مصر خير دليل، و إلا فما سر اختفاء وائل غنيم عراب « الثورة » الذي أطلق دعاوي على الانترنت ليثور الشعب على الشرطة في عيدها الموافق لـ25جانفي؟ ما بالنا لم نعد نسمع عن الثوري الكبير الذي ترك ساحة الوغى و عاد إلى دبي بأكياس الدولارات ليرتمي مجددا في أحضان زوجته الأمريكية؟ ببساطة، لقد انتهى دوره بعد أن ساهم في تنحي مبارك ثم في تسليم المجلس العسكري البلاد لأهل و عشيرة مرسي. و أين أسماء محفوظ التي كانت تسب و تلعن العسكر صباحا مساءا؟

 بعد أن أسهمت الطبقة المثقفة من « عاصري الليمون » بتوجيه الأصوات نحو مرشح الإخوان، هاهي اليوم تعيب على الشعب اختياره و تترحم على أيام مبارك بعد أن وصل استبداد مرسي حد قتل المتظاهرين أمام قصره و إرهاب القضاة و محاصرة الإعلاميين في مدينة الإنتاج الإعلامي و البطش بشباب « الثورة » و إحالتهم للتحقيق. و أصبح المكان المحصن الوحيد في مصر هو قلعة مكتب الإرشاد، و لم يعد آمنا في مصر سوى أعضاء المكتب التنفيذي للإخوان و عشيرة بديع و الشاطر و مرسي الذين صادروا على حرية و حياة الشعب المصري.

باءت بالفشل كل المساعي لرمي الجزائريين في وحل فوضى « الربيع العربي »، خاصة بعد كل الدمار الذي جره على الدول العربية الشقيقة، فالمسيطر الوحيد على شوارع تونس و مصر و ليبيا و سوريا هو اللأمن و الموت و أسوأ أنواع الاعتداءات و صنوف التعذيب. و هذا الركون الجزائري العام إلى مبدأ التعايش مع الواقع لا يعتبر جبنا أو شلل إرادة بقدر ما ينم عن افتقار لميكانزمات تحقيق اللذة. يتابع الجزائري بلا مبالاة تصارع معسكرات الحكم و التصدع الحاصل في معبد الحكم اللاكوستي الذي سينهار إن عاجلا أم آجلا. فالشيء الوحيد الذي نجح فيه الرئيس و بامتياز تمثل في تكريس الفشل و الرداءة على كل المستويات. وحتى ورقة الأمن لم تعد مجدية في ظل تكرر ظاهرة خطف و اغتصاب و قتل الأطفال و بيع أعضائهم، و هي نتاج سياسة العفو البوتفليقية التي تصدر كل 5 جويلية و 1نوفمبر. يرتكب احدهم جنحة فيدخل السجن « مؤقتا » في انتظار أن يشمله العفو الرئاسي، و يتكرر الأمر فتتحول الجنحة إلى جريمة ضحاياها أطفال صغار شاءت لهم الأقدار أن يدفعوا ضريبة عدم تغيير الرعب لمعسكره،  خصوصا إذا علمنا أن تنفيذ عقوبة الإعدام مجمد في الجزائر منذ 1993 (بأمر من الجنرالات لإبعاد حبال المشانق عن رقابهم)…    

الشعب واع بكل ما يدور حوله حتى وان شغلوه في دوامة غلاء البطاطا و نقص الحليب، لكن يبدو انه يسير وفق قاعدة أخذ البعض خير من ترك الكل و يفضل أن يقضي أطراف الصراع بعضهم على بعض دون أن يتورط و يقدم 200000 ضحية جديدة في سبيل التخلص من حركى فرنسا ليحل محلهم في الأخير بقايا الفيس، في ظل غياب معارضة حقيقية، و تتجدد دورة الظلم باتخاذ شكل جديد.

مالحل إذا؟ هل يقف الشعب مكتوف الأيدي و يدعو أن يزور عزرائيل المرادية وطاقارة في حملة شاملة لقبض الأرواح الموبوءة أم ينتظر هبوط المسيح لإقامة دولة العدل و الحق؟!

على الشعب الجزائري، إن كان يرغب حقا في التغيير و التطور، أن يستغل ايجابيا الوقت المتبقي في عمر النظام المتهالك للتأسيس لمجتمع مدني قوي قادر على النهوض بجزائر الغد و تولي زمام الأمور. لأن التعويل على تفكيك جهاز المخابرات و التخلص من عصابة المرادية لا يعبر سوى عن انفصال عن الواقع و سطحية في الرؤية، فالفساد ضارب في عمق الإدارة الجزائرية و الأسرة الجزائرية و العقلية الجزائرية. كيف لمجتمع لا يلتزم برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها أن يكون جديرا بالتغيير؟ و كيف لشباب يتسلق عمود الإنارة لتشجيع فريقه فيهوي أرضا و يموت أن يحمل مشعل الغد؟ كيف يمكن التعويل على تلاميذ و طلبة ينجحون بالغش لبناء جزائر قوية؟

إن التغيير الفعلي لا يتمثل في استبدال نظام معتل مجرم بنظام آخر جاهز للفساد و مستعد للاستبداد. التغيير الحق يبدأ من القاعدة ليصل القمة، على عكس نموذج الربيع الهدام، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. و لو اهتم كل فريق بصنع التغيير حوله على مستوى الحي أو المدينة من خلال تكوين جمعيات تطوعية للإشراف على النظافة و التشجير في المنطقة و الحث على مكارم الأخلاق و محاربة السلبية المتفشية في بيئتنا، و الاهتمام بتربية النشء بدل تركه فريسة المنظومة التربوية الجزائرية المتعفنة و تجنيد الشباب للمطالبة بحقه في التشغيل في إطار سلمي كما فعل أهل الجنوب. أي بالمختصر، على كل من استطاع أن يشعل شمعة لإنارة طريق الآخرين عوض استغراق الوقت في لعن الظلام و النظام القائم. بالعزيمة وقوة الإرادة، يمكننا ألا نهوى في منحدر التعفن و نصنع سلما صلبا من الأمل و العمل الجاد للصعود نحو جزائر أفضل، حتى وان استغرق الأمر طويلا.  و كما جاء في المثل « إن كنت تخطط لعام واحد فازرع الأرز و إن كنت تخطط لعشرين عاما فازرع الشجر، وان كنت تخطط لمائة عام فعلم الناس ». و هكذا تبنى الأمم و يحدث التغيير، فليس علينا أن نموت جميعا لإثبات وطنيتنا، فلن يتبقى ساعتها في الأوطان سوى الأنقاض…

                                                                                بقلم: إيناس نجلاوي – خنشلة

                                                                        أستاذة بجامعة تبسة – الجزائر  


Nombre de lectures: 2176 Views
Embed This

Commentaire



Laisser un commentaire

Laisser un commentaire

XHTML: You can use these html tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>