DzActiviste.info Publié le mer 31 Oct 2012

الذكرى الثامنة والخمسون لثورة نوفمبر المجيدة. ما الذي تحقق من نوفمبر وما الذي ينتظر التحقيق؟

Partager

غدا تحل الذكرى الـ 58 لثورة نوفمبر 1954 التي حققت نقلة نوعية في نضالات شعبنا من أجل الاستقلال عن فرنسا التي كانت تعتبر الجزائر قطعة منها منذ أن وطئت أقدامها أرض الجزائر سنة 1830.

في كل عام، حيث تحل الذكرى، يتساءل الكثير من المواطنين، ماذا بقي من نوفمبر؟ معبرين عن تشاؤمهم بأن لا شيء بقي من هذا الإنجاز التاريخي الذي حقق الهدف الكبير المشترك لثورتنا التحريرية (الاستقلال). ولأننا لا نشاطر الكثير من المواطنين وحتى السياسيين، آراءهم حول طرح السؤال على هذا النحو، فإننا نورد تساؤلات مغايرة لما اعتدنا سماعه، بالقول ماذا تحقق من الاستقلال؟. ومن الواضح أن هذا السؤال يعني أن ثمة شيئا ما تحقق مما ورد في أول نوفمبر بعد مرور 58 سنة من الثورة التحريرية وحوالي 50 سنة من الاستقلال، كما يعني أن ثمة أهدافا لم تتحقق بعد، وأن ثمة أهدافا لم ترد في البيان صراحة كان ينبغي أن تنجز، ولكن لم تعرف طريقها إلى التجسيد، بينما السؤال الشائع ينطلق من أنه لم يبق شيء يذكر من مكاسب نوفمبر.

وهدفنا من هذه المقالة بيان ثلاثة أمور:

1- ما هي الأهداف التي أنجزت

2- ما هي تلك الأهداف التي أنجزت وتم التراجع عنها

3- ما هي الأهداف الأخرى ذات الطابع النوعي التي تنتظر التحقيق

تتطلب مقاربة هذه الأمور أولا، الحديث عن ظروف انتفاضة أول نوفمبر التي تسمح لنا بإبراز ما تحقق من الأهداف وما لم يتحقق.

في سياق تصاعد المد التحرري في العالم بعد الهزيمة الساحقة التي منيت بها الفاشية والنازية في الحرب العالمية الثانية والدور الرئيسي الذي لعبه الاتحاد السوفياتي في إلحاق الهزيمة بهذه القوى المعادية للشعوب، وبعد الانتصارات التي أحرزتها شعوب الهند الصينية وتونس والمغرب، وشعوب العالم قاطبة، صار من غير الممكن أن يبقى الشعب الجزائري مكتوف الأيدي وهو يسمع هدير الموجات التحررية القوية تعم البلدان المجاورة وبلدان العالم. صحيح أن الشعب الجزائري قد عرف هدوءا ظاهريا بعد الجرائم البشعة التي ارتكبتها القوى الاستعمارية في 8 ماي 1945، ولكن الواقع أن روح النضال ظلت تختمر في النفوس مثل النار تحت الرماد، كان يجري في تلك الفترة القصيرة التحضير لمرحلة أخرى من النضال على قدم وساق، لكن في حذر ويقظة، بهدف التحرر من الهيمنة الاستعمارية عن طريق الكفاح المسلح، حيث اقتنعت القوى الوطنية الثورية على اختلاف مشاربها وبدرجات متفاوتة وخاصة في حزب الشعب الجزائري/ حركات انتصار الحريات الديمقراطية، بأن مرحلة النضال السياسي السلمي قد استنفدت كل طاقاتها بسبب تنكر فرنسا لوعودها بمنح الاستقلال للجزائريين لقاء مشاركتهم في الحرب العالمية الثانية ضد النازية والفاشية. ونتيجة لهذا التنكر كان لا بد للشعب الجزائري من الانتقال إلى مرحلة نوعية من النضال، هو النضال المسلح من أجل انتزاع حريته واستقلاله.

لقد انطلقت الانتفاضة المسلحة ليلة أول نوفمبر 1954 في العديد من جهات الوطن، قام بها مجموعة قليلة من المناضلين الوطنيين الثوريين الذين اقتنعوا بأن الوقت قد حان لإحداث قطيعة مع النضال السلمي المحض الذي لم يعد كافيا لبلوغ الهدف الكبير وهو الاستقلال. إلا أن هذه العمليات المسلحة الأولى التي قام بها بضع مئات من أنصار الكفاح المسلح سرعان ما تحولت إلى حرب تحريرية عمت كامل التراب الوطني، بفضل مساندة الأغلبية الساحقة من الشعب لها، الذي رفض الاستعباد والقهر والاستغلال، وأدت هذه الحرب إلى زعزعة أركان النظام الاستعماري الفرنسي الذي كان إفرازا حتميا للرأسمالية الفرنسية.

1- كان الكفاح المسلح يهدف إلى تحقيق الاستقلال بمفهومه الواسع. غير أن كل فئة أو شريحة أو طبقة من الشعب الجزائري كانت تضفي على هذا الهدف المشترك محتوى يتماشى مع هدفها الاجتماعي والطبقي. فالعمال الزراعيون الذين كانوا يكدون ويتعبون ليل نهار في المزارع الكبرى للمستوطنين بثمن بخس، والفلاحون الذين انتزعت منهم الإدارة الاستعمارية أراضيهم، والخماسون الذين وقعوا تحت وطأة استغلال الإقطاعيين الجزائريين، كل هؤلاء كانوا يضفون على الاستقلال مضمونا مرادفا لاستعادة أراضيهم المغتصبة والتمتع بمعيشة لائقة لهم ولأبنائهم. والعمال في مختلف المعامل والمصانع والورشات والمناجم والمواني الذين كانت تستغلهم البرجوازية الفرنسية وأرباب العمل الرأسماليين الأوربيين، كان الاستقلال بالنسبة إليهم يساوي تحسين ملموس لوضعهم الاجتماعي والمهني وإلغاء التمييز في الأجرة وطبيعة العمل. أما العمال الأكثر وعيا سياسيا وإيديولوجيا، والأكثر خبرة وتنظيما فقد كان الاستقلال عندهم يعني الخطوة الأولى نحو الاشتراكية. وبالمقابل هناك قسم من الجزائريين، كانوا يأملون بأن يحلوا محل الرأسماليين والمعمرين الفرنسيين، كانت دوافعهم السياسية والإيديولوجية مغايرة تماما لأهداف الطبقة العاملة والفلاحين الكادحين، على الرغم من أن العديد منهم كانوا وطنيين حقيقيين. لقد كانوا يرون بأن السير في الطريق الرأسمالي هو الحل الأفضل لبلادنا الفتية، لذلك حرصت جبهة التحرير الوطني، التي قادت الكفاح المسلح، على إعطاء محتوى واسع للجمهورية الديمقراطية والاجتماعية التي كان المكافحون الأساسيون يعتزمون إقامتها غداة الاستقلال.

وبسبب الطبيعة الطبقية المختلفة لمحتوى الاستقلال، ضمت هذه الجبهة كافة القوى الوطنية المناهضة للاستعمار، وكان لا بد لها من أن تأخذ بعين الاعتبار طموحات جميع هذه القوى السياسية التي تشكلت منها، بما في ذلك البرجوازية الجزائرية والعديد من القوى الإقطاعية التي انضمت إلى الثورة واتخذت موقفا معاديا للاستمعار.

هذا الذوبان والانصهار في جبهة واسعة، والتي كانت جبهة أفراد من الوجهة السياسية، لم يكن محل إجماع بسبب الطبيعة الطبقية للانتفاضة المسلحة، فالحزب الشيوعي الجزائري رفض الانصهار في هذه الجبهة بسبب شرط الانتماء الفردي إليها، إلا أنه كان معترفا بقيادتها للنضال ومؤيدا لها بشكل دائم، ولم يكن وجوده خارج هذه الجبهة في شكلها التنظيمي مصدر إضعاف لجبهة الكفاح، بل على العكس من ذلك أسهم بوسائله وإمكاناته في تغذية الأمل وتعزيز الكفاح في صفوف الفئات المحرومة في البلاد، التي تحملت أعباء وأهوال الحرب أكثر من غيرها، وأن تؤدي مشاركتها الحاسمة في النضال إلى نتائج حاسمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا غداة الاستقلال.

2- والواقع أن الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين وطلبة ونساء وفئات مثقفة ثورية قد لعبت دورا أكثر حسما في هذا الكفاح الذي توج بالنصر في جويلية 1962، ولولا مشاركة هذه الفئات وتضحياتها الجسيمة، ما كان يمكن للجزائر أن تظفر بالاستقلال، أو أن تنجز تطورات ومكتسبات اقتصادية واجتماعية وثقافية هامة خلال مرحلة البناء الوطني، مثل المركبات الصناعية، ومجانية التعليم والعلاج وتأميم المحروقات وأراضي المعمرين وإلغاء الخماسة وغير دلك من المنجزات.

وبالفعل تحققت مكاسب هامة بفضل الاستقلال الذي كلف الجزائر مئات الآلاف من الشهداء، حيث تم انتهاج سياسة تقدمية في الداخل والخارج. لكن منذ بداية الثمانينات وبعد رحيل بومدين في ديسمبر 1978 حدث الانعراج إلى اليمين وانتهجت قيادة البلاد طريقا آخر هو الطريق الليبرالي. وكنتيجة لهذا التوجه، الذي اعتبر انحرافا عن المسار التقدمي الذي سلكته البلاد بعد الاستقلال والمستوحى من أرضية نوفمبر وقرارات الصومام وبرنامج طرابلس وميثاق الجزائر،والميثاق الوطني سنة 1976، تم تفكيك الكثير من المكاسب في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، تحت شعار  » إعادة الهيكلة »، فتدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانخفض مستوى المعيشة بالنسبة للعمال والفئات الكادحة الأخرى، بما في ذلك الشرائح الوسطى، واستفحلت البطالة وازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، واتسعت الفوارق الاجتماعية والطبقية وتم تبديد ونهب المداخيل المتزايدة من ثرواتنا ومواردنا على أيدي الطبقات المحظوظة.

لقد تطورت مداخيلنا من المحروقات في هذه السنوات الأخيرة، بعد انهيار أسعارها منذ الثمانينات من القرن الماضي، وارتفعت بعد ذلك، ووصلت إلى سقف غير مسبوق منذ الاستقلال. ورغم ذلك، ونتيجة للسياسة اللاشعبية واللاوطنية التي تنتهجها السلطة الكمبرادورية الحالية، ونتيجة للضغوط التي تمارسها الهيئات الاقتصادية والمالية الدولية، وسياسة التفريط في ثرواتنا النفطية والتنازل عنها بأبخس الأثمان للشركات البترولية الأجنبية، نتيجة لكل هذا حرم شعبنا وجماهيرنا الكادحة من هذه الوفرة المالية التي لم توظف في تنمية حقيقية وفي استثمارات منتجة لتطوير القوى المنتجة وإنعاش صناعتنا الناشئة العمومية والخاصة وخلق مناصب شغل جديدة، بل استخدمت وتستخدم في مشاريع غير منتجة وفي مواد استهلاكية لصالح الطبقات المحظوظة.

وهكذا تكسرت خلال عشريتين مكاسب اقتصادية واجتماعية وثقافية كانت ثمرة للمشروع النوفمبري التقدمي، رغم أنه لم يتعرض لذكرها صراحة. وكل هذا يدعونا إلى القول بأن هناك ثمارا عديدة تحققت بفضل الاستقلال، ولكن تم التراجع عنها، إلى درجة جعلت الكثير من المتشائمين يتصورون أن هذا المشروع التحرري الكبير قد وصل إلى طريق مسدود في ظل حكم البرجوازية الكمبرادورية وحليفتها الإسلاموية؟. صحيح أن مواصلة السير في السياسة الليبرالية المتوحشة الموالية للإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والمالية قاد وسيقود بلادنا فعلا إلى طريق مسدود وإلى إفراغ استقلالنا من محتواه الاقتصادي والاجتماعي ومن ثم إخفاق المشروع النوفمبري. وهذا ما يجري في الواقع اليوم، فالقوى الإمبريالية تملي على حكامنا السياسة التي ينبغي عليها أن تنتهجها، والنتائج على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي تمثل كارثة حقيقية على البلاد والعمال والجماهير الكادحة.

3- ولذا يمكن القول بأنه لم يبق الآن سوى الشيء القليل من مكاسب نوفمبر. لقد انتكس المشروع أو أصابه ثلم كبير، لكن طموح العمال والفئات الكادحة من شعبنا في بناء مجتمع ديمقراطي تقدمي حقيقي يعمق المشروع النوفمبري، ويتجاوزه جدليا، ويقوم على المساواة والعدالة والتقدم الاجتماعي لم ينكسر ولن ينكسر. صحيح أنه تعرض ويتعرض اليوم لعملية تحطيم من قبل أولئك الذين تنكروا لمبادئ ومثل نوفمبر وانحرفوا عن أهدافه البعيدة وعادوا إلى أحضان التبعية والسيطرة الاستعمارية الجديدة، لكن الطبقة العاملة والجماهير الكادحة وقواها التقدمية تتصدى اليوم بحزم لعملية التحطيم وهذا التقهقر الذي يذكر بالعودة إلى العهد الاستعماري البغيض. فالعمال في الوحدات الإنتاجية، والفلاحون الفقراء في المزارع، والمعلمون والصحافيون والإطارات النزيهة والشبان العاطلون عن العمل والنساء اللواتي يعانين من الاضطهاد والتمييز يرفضون هذا التحطيم ويتصدون له، إذ لا يمكن لأحد أن ينسى بأنه بدون مشاركة الفئات الكادحة، وبدون تضحياتها وتضحيات أبنائها ما كان يمكن للجزائر أن تظفر الاستقلال. ولولا هذه الفئات أيضا لما استطاعت البلاد أبدا أن تنجز خلال مرحلة البناء مكاسب اقتصادية وتطورات اجتماعية وثقافية هامة.

ولذا فإنه إذا كان الكثير من المكاسب قد تمت تصفيتها بانتهاج النيوليبرالية والخوصصة والتبعية
للإمبريالية وهيئاتها الدولية، فإن طموح العمال والشرائح والفئات الكادحة لن يخبو ولن يتلاشى، سوف يتجدد هذا الطموح ويستأنف مسيرته، لكنه مرهون بتطور الوعي السياسي والإيديولوجي وبنضج الظروف التي تمكن العمال والقوى الوطنية والتقدمية من دحر أولئك الذين تنكروا لمثل نوفمبر وذلك باستلهام الدروس الحقيقية الإيجابية والسلبية من معارك الأمس وبناء وخلق الأدوات والوسائل النضالية الكفيلة بتحويل مبادئ ومثل نوفمبر إلى واقع نوعي ملموس.

صحيح أن النتائج الإيجابية بالنـسبة لشعبنا كان يمكن أن تكون أكثر أهمية لو أن النقائص السياسية والإيديولوجية والديمقراطية، قد جرى تصحيحها في ظرف محدود ومناسب. ولكن طالما أن هذا لم يحدث، لأسباب لا مجال للتعرض لها هنا، فالأمر الأكثر أهمية اليوم بالنسبة لثورة نوفمبر يتعلق باستخلاص الدروس الثمينة لمعركة الأمس والإفادة منها في التوجه نحو المهام التحررية المستقبلية الجديدة.

في 31/10/2012

حامد ربيع


Nombre de lectures: 191 Views
Embed This