DzActiviste.info Publié le mer 27 Mar 2013

الربيع العربي وثورة الوعي

Partager

الحركة التي انطلقت من تونس ليست مجرد ثورة للإطاحة بالأنظمة وتغييرها، فجذورها أعمق بكثير، هي ثورة لتغيير كل شيئ، لبناء دولة جديدة ورسم خريطة جديدة وصياغة نظام جديد، هي ثورة لوعي الذات. الشرارة التونسية لم يطلقها الانكليز، والحراك الذي لم ينضج لتغيير التشكيلة الاجتماعية واستبدالها بأخرى أكثر تقدمية، يقوم بمهمة أخرى. ليس من الواضح إلى أين تتجه دول المنطقة؟. الأنظمة القديمة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية لا تتغيّر رغم الركود والبطالة والإحباط الاجتماعي. ومنذ اندلاع شرارة الثورات في تونس، شهدت ست دول عربية موجات من الاضطرابات قضت في ليبيا فقط على النظام الحاكم بتدخل خارجي، وأزاحت في مصر وتونس واليمن رؤوس النظام دون تغييره، وتحولت إلى حرب في سوريا، بينما تم احتواؤها في البحرين. لماذا لم تنتقل الثورة إلى بقية الدول العربية؟. الممالك الغنية بالنفط استعانت بالمال في مواجهة الاحتجاجات، ونجحت المملكة العربية السعودية في إخماد التذمر، بتوزيع أكثر من 36 مليار دولار، بينما سارع الأردن والمغرب إلى تلبية طموحات الشعب دون انتظار تفاقم الاحتجاجات. أما العراق ولبنان والجزائر والسودان والأراضي الفلسطينية فربما حصّنتها تجربتها السابقة بمناعة ضد اضطرابات جديدة. مصطلح الثورة في اللغة العربية مستعار من ظواهر الطبيعة والسلوك الانفعالي. يقول « لسان العرب »: ثار الشيء هاج، ثورة الغضب حدته. فالثورة هي التمرد الانفعالي الذي لا يحمل أي مشروع اجتماعي. الكلمة دارجة في الاستخدام اليومي، وأطلقت على عدد كبير من الظواهر المختلفة، من تحركات احتجاجية وانقلابات وإسقاط أنظمة. واستخدمها عرب القرن العشرين لفهم الماضي بمصطلحات الحاضر، فقالوا « ثورة الزنج »، و »ثورة القرامطة »، كما قالوا ثورة عمر المختار وثورة الجزائر والثورة الفلسطينية. هذا المعنى للثورة لا يمكن استخدامه لوصف الثورة العباسية التي نقلت الحكم من تحالف القبائل القيسية واليمنية الذي كان قاعدة الخلافة الأموية، إلى تحالف الأرستقراطيتين العربية والفارسية. علما أن العرب القدماء استخدموا كلمة « فتنة » لوصف العنف الذي يزعزع التوازن السياسي الاجتماعي وكلمة « الخروج » بمعنى الاحتجاج طلبا للعدالة ودفعا للظلم. الثورة منذ « سان سيمون » هي مرحلة في التطور التاريخي، شكل للانتقال، ومنذ « ماركس » صارت تعبر عن قفزة من تشكيلة اقتصادية اجتماعية إلى تشكيلة أكثر تقدما. أرجع « هوبزباوم » أسبابها إلى عامل التراكم الذي يولّد ضغطا يؤدي إلى الانفجار. بينما ترى المادية التاريخية في التناقض سببا للتطور، ويعتبر « ماركس » أن الصراع الطبقي هو الموضوع الرئيسي للتاريخ ينتهي بالثورة، حين تدخل القوى الإنتاجية في المجتمع خلال تطورها في صراع مع علاقات الملكية، التي تصبح معيقة للإنتاج، وحين لا تستطيع الطبقات الحاكمة، ولا تريد الطبقات المستغلة أن تعيشا معا في ظل الظروف القائمة.

الثورة أداة للتقدم الحتمي، شرطها الموضوعي وجود التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج، والشكل الاحتكاري للملكية، وهو تناقض يوسع الشعور بالظلم والاستغلال. ومن الواضح أن استبدال العلاقات الاجتماعية القديمة بعلاقات جديدة لايجري تلقائيا، بل يتطلب تدخّل القوى التقدمية للقضاء على النظام الاجتماعي القديم. كل ما تقدّم يشير إلى عدم نضوج شروط الثورة الاجتماعية في أي بلد عربي، وما سمّي بالربيع العربي غير قادر على تغيير نظم اجتماعية، وأقصى الممكن هو استبدال نظام بنظام لا يفتح آفاقا أوسع للتطور، بل يعيد المنطقة عقودا إلى الوراء نتيجة التدخل الخارجي من قبل دول الاستعمار التقليدية التي تحاول إقناع الشعوب العربية أنها حريصة على مصالحها ضد الأنظمة القديمة الظالمة. لقد سبق وخدعنا الانكليز حين طلبوا منا الثورة على الباب العالي العثماني، قدموا لنا الوعود بالاستقلال وبدولة عربية موحدة، لنكتشف لاحقا وعد بلفور وتقاسم المنطقة بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني وفق مؤامرة سايكس بيكو. لكن الشرارة التونسية لم يطلقها الانكليز، والحراك الذي لم ينضج لتغيير التشكيلة الاجتماعية واستبدالها بأخرى أكثر تقدمية، يقوم بمهمة أخرى. الحركة التي انطلقت من تونس ليست مجرد ثورة للإطاحة بالأنظمة وتغييرها، فجذورها أعمق بكثير، هي ثورة لتغيير كل شيئ، لبناء دولة جديدة ورسم خريطة جديدة وصياغة نظام جديد، هي ثورة لوعي الذات. شهدت المنطقة العربية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ظاهرة أحدثت تغيرا نوعيا في حياتها هي القنوات الفضائية التي كانت نتيجتها ثورة في الخطاب الفكري والثقافي والسياسي. جهاز التلفزيون بتقنيات البث الفضائي تجاوز حدود التأثير المحلي ليخاطب جمهورا عربيا واسعا، وهو ما أتاح لبعض الدول العربية والقوى وبعض الفاعلين السياسيين إمكانية الخروج عن الدوائر التقليدية للتأثير. كانت الدول والحكومات تحتكر البث التلفزيوني جاعلة منه أداة طيعة للتأثير على الشعب وتمرير بضاعتها الرسمية. ومع التطور التقني وبداية عصر الفضائيات، دخلت على قاموس الخطاب التلفزيوني الفضائي جرعات من الحوار والنقد والرأي الآخر، مهّدت لظهور الفضائيات الخاصة التي تمردت على الخطاب الرسمي المعهود. أول الغيث كان مع قناة MBC عام 1991 وهي بداية الخروج من الدائرة القطرية الضيقة إلى دائرة عربية واسعة وبمحتوى خرج عما يعرف بالإعلام الموجه. ثم ظهرت مجموعة من القنوات المشاكسة، كما اصطلح على تسميتها، وبعمل قنوات ART و اقرأ ودبي الفضائية وANN والمستقلة وأبو ظبي والشارقة ثم ظهور الجزيرة على المشهد الإعلامي العربي والدولي عام 1999 ,أصبحت المنطقة العربية أمام واقع إعلامي جديد مؤثر حطّم أركان عصر الإعلام الرسمي. الإنسان العربي كان تواقا إلى مصدر إعلامي مختلف عن الإعلام الرسمي الجامد، وكان منذ الستينات وحتى التسعينات يسمع الأخبار من إذاعتي الـ « بي بي سي » وإسرائيل. وفي ظل غياب الديمقراطية والأحزاب السياسية راحت الفضائيات، في بداية التسعينات وبالتزامن مع حرب الخليج، تخلق المزاج الشعبي العام. ورغم أن للفضائيات، وفق كثير من الإعلاميين، تأثيرا مهما في تكوين تفكير العرب وسلوكهم وفي تغيير طبيعة الوعي، إلا أن إنجازها التقني لم يترافق بإنجاز فكري، ومازال الخطاب الإعلامي أسير الفكر السياسي الجامد. عرف لبنان إبان الحرب الأهلية عددا كبيرا من المحطات الإذاعية، وتكررت هذه الظاهرة بعد سنوات بصورة تعدد القنوات التلفزيونية الفضائية في بلد يعيش الحرب الأهلية، هذا البلد هو الصومال الذي كان لفترة متصدرا بعدد القنوات الفضائية قبل تكاثر الفضائيات العربية الخاصة. الفضائيات العربية مثل الإذاعات اللبنانية سابقا مضطرة لاستخدام لغة يفهمها الجميع، وبذلك تسهم في توحيد اللغة الإعلامية. اللغة التي أسس لها الصحافيون اللبنانيون إبان الحرب الأهلية، لتصبح لغة قريش المفهومة من الجميع، كالمسلسلات السورية التي تبكي وتضحك من المحيط إلى الخليج، مقدمة بذلك خدمة كبيرة في تحقيق ترابط فكري وحضاري بين الشعوب العربية. يوجد قانون علمي يقول إن ما جرى في الماضي سيجري في المستقبل، وبناء عليه أود الغوص في تاريخ المنطقة العربية، وتحديدا الفترة المعروفة بالجاهلية، أي الفترة التي انتهت بظهور النبي عليه الصلاة والسلام، وبتوحيد المنطقة في دولة. ما يهمني هنا ليس البحث العلمي التاريخي، ولا الديني، بل بعض السمات الأساسية لتلك المرحلة والتي كانت إرهاصات لانقلاب ثوري تبلور في النبوة. كانت الجزيرة العربية تعيش على هامش التاريخ العالمي الذي كانت تكتبه حضارتان (البيزنطية والفارسية)، تتصارع القبائل فيها على المراعي وموارد المياه، ما يدلّ أيضا على كثافة سكانية كبيرة نسبيا في ظل أسلوب الإنتاج السائد وهو الرعي. الصراعات القبلية جعلت نقل أخبار المعارك وأنباء الحرب والسلم ضرورة اجتماعية، تصدّى الشعراء للقيام بها، فصار الشعر ديوان العرب، والشعراء الجاهليون أول صحفيين في المنطقة العربية. طبيعي أن تبنى المحطات الإعلامية في تلك الفترة على الطرق التجارية، أي في الأسواق، وهكذا ساهم الشعراء في وضع لغة يفهمها الجميع، ومع أنهم لم يستطيعوا تجاوز الخطاب الجاهلي القديم، إلا أن الإنسان العربي بات قادرا على فهم اللغة الثورية المقبلة للقرآن. الخدمة التي قدمتها الجاهلية هي التطور التدريجي للوعي، حتى استطاع الدين الجديد توحيد القبائل المتحاربة في أمة، وبوعيها ذاتها انتقلت من الهامش إلى المتن، وأصبحت دولة فاعلة مؤثرة في التاريخ والحضارة. العملية التي جرت في الماضي لابد أن تجري في المستقبل، وتلك السمات التي رافقت الزمن الجاهلي تظهر بوضوح في عصرنا الراهن، فالكثافة السكانية أكبر من أن تتحملها المنطقة العربية في ظل أسلوب الإنتاج السائد، لذلك تتواصل الهجرة إلى الشمال منذ عقود كثيرة، محفزّة بعدم قدرة القوى المنتجة على التطور نتيجة جمود الأنظمة السياسية. كذلك تعيش المنطقة منذ قرون على هامش التاريخ، واعتادت أن يكون الحلّ والربط بيد قوتين عالميتين أو محورين على المستوى الإقليمي. وقد شجع زرع دولة إسرائيل في قلب المنطقة العربية قيام صراعات عربية – عربية لا تختلف كثيرا عن الصراعات القبلية في الجاهلية. لعل الاختلاف الوحيد هو أن الإعلاميين اليوم لا يقرضون الشعر، لكن لا حاجة اليوم إلى الكلام المعسول والموزون لإيصال الخبر، فقد روّض الإعلام فنون الصورة، وراح يقدم الخبر جميلا ممنتجا بأحدث الوسائل وأسرعها، ويستخدم من التقنيات ما يمكّنه من صناعة الخبر وليس مجرد نقله، ما لا يثير لدى صحفيي الماضي غير الحسد، فكم من الوقت أضاع شعراء الماضي يحكّون رؤوسهم لصياغة قصائد توهمنا بأن قصة داحس والغبراء التي استمرت أربعين سنة هي حرب شعواء خرج منها أبطال أشداء تغنّى الشعراء بمآثرهم، ولا يذكرون أنه سقط في هذه الحرب ثلاثة قتلى. كيف لا يحسد هؤلاء زملاءهم من قناة الجزيرة الذين يلفّقون خبرا مصورا خلال دقائق، ويرمونه على الهواء ليحرّض بنفسه.

ما جرى في الماضي يجري اليوم، والمنطقة العربية تغلي كما كانت تغلي بانتظار الرسالة. كل الشروط كما في الماضي توفرت لظهور الكلمة، والكلمة هنا هي المبدأ، أو الإيديولوجيا التي ستنتصر في المجتمع، هي مشروع سياسي يكتسب شعبية واسعة ويبني دولة أو دولا عربية. الحركة التي انطلقت من تونس ليست مجرد ثورة للإطاحة بالأنظمة وتغييرها، فجذورها أعمق بكثير، هي ثورة لتغيير كل شيئ، لبناء دولة جديدة ورسم خريطة جديدة وصياغة نظام جديد، هي ثورة لوعي الذات. وليس مهما أين تتوقف ثورة هذا البلد أو ذاك؟، لأن هناك خطوطا تم تجاوزها بحيث ارتقى الصراع إلى مستوى صراع المشاريع، الصراع الفكري الذي يخلق الجديد من قلب القديم. وليس ما سمي بالربيع العربي إلا نقطة البدء، لحظة الصدمة التي تكسر الجليد لتبدأ الحركة.

رائد كشكية

ملاحظة:

المقالة لا تمثل الخط الافتتاحي لجريدة الجمهورية بالكامل، ولذلك، فإن هيئة تحريرها غير مسؤولة عن محتويات الأجزاء التي لا تعبر عنها.

عن روسيا اليوم 26 مارس 2013


Nombre de lectures: 181 Views
Embed This