DzActiviste.info Publié le mar 11 Déc 2012

الركيزة التي يتكئ عليها النظام ستنهار في غضون خمس إلى ست سنوات

Partager

أجرت يومية الخبر بالأمس استجوابا مع السيد أحمد بن بيتور رئيس الحكومة الأسبق، يتناول فيه الوضعية العامة للبلاد ومدى قابليتها للانهيار وشروطه. ومن أجل إفادة قرائنا ، نعرض هذا الاستجواب بكامله كما أوردته جريدة الخبر في عددها الصادر يوم 10 ديسمبر 2012، ثم نعلق عليه. وفيما يلي نقدم هذا الاستجواب، مرفوقا بالتعليقات الضرورية.

أولا: الاستجواب

س1: ما قراءتك لنتائج الانتخابات المحلية؟

ج1: سواء تعلَق الأمر بالانتخابات المحلية أو التشريعية السابقة، أذكَر بأنني قلت منذ زمن بأن الجزائر لا تسير وفق الحكم الراشد، وبهذه الوتيرة ستصل إلى مستوى دولة ضعيفة في العشرية 2010/2001 لتنزل إلى مستوى دولة مميعة في أفق 2010 / 2001. ونرى اليوم أن كل مؤشرات الدولة الضعيفة متواجدة، ونرى أيضا مظاهر التميع يوما بعد يوم.

س2: ماذا تقصد بـ »الدولة المميعة »؟

ج2: التميع يعني أن الدولة مسجلة في الأمم المتحدة كدولة، ولكنها غائبة في البلاد. ومثال ذلك دولة ليبريا في الثمانينيات. إذن عندما تصل الدولة إلى مرحلة التميع، لا ينبغي أن نستغرب تزوير الانتخابات وانسداد الأفق السياسي وتفتت السلطة والمعارضة. وفي ظل هذه المعاينة يصبح تقييم نتائج أي انتخابات لا جدوى منه، بل لا معنى له أصلا.

س3: ما رأيك في الطرح الذي يقول بأن الأفالان يجب أن يبقى في ريادة المشهد السياسي، مادام بوتفليقة في الحكم؟

ج3: عن أي أفالان نتحدث اليوم؟ هل الأفالان الذي كان الناس في الخارج يعودون من أجله إلى البلاد لتحريرها؟ أم الأفالان الذي في عهده يتدافع الشباب بغرض الهروب من البلاد؟ أصل القضية اليوم هو التغيير الذي أصبح حتمية لا مفر منها فهل نحضَر له ولوسائل إحداثه وتسييره لنصنع المستقبل الذي تترقبه الجزائر، أم نترك الحال على ما هو عليه فنسير إلى مزيد من المشاكل ولنا في العراق عبرة. إن حكام البلاد يرون بأن البلاد تتجه نحو الانهيار ومع ذلك يرفضون الإعداد للتغيير، ولكن التغيير سيفرض نفسه في النهاية وفي ظروف صعبة، وقد رأينا ماذا جرى في العراق وفي ليبيا وماذا يجري حاليا في سوريا وماذا يجري في مصر أيضا. إننا نشاهد حاليا كم هي صعبة عملية الانتقال، والسبب أنه لم يتم التحضير لها.

س4: هناك دعوة لترشح بوتفليقة لعهدة رابعة. هل تعتقد أن مصدرها الرئيس ومحيطه، أم أنها مجرد حركة من أشخاص متزلفين؟

ج4: نظام الحكم في بلادنا وراثي، بمعنى أن هناك مجموعة تحيط برئيس الدولة مستفيدة من عطاياه وهباته، وتستفيد أيضا من حالة الضعف في البلد. بعبارة أخرى، هناك اليوم مجموعة كبيرة من الأشخاص مستفيدة من الرشوة والفساد وسوء التسيير والبرامج الضخمة التي مصدرها المحروقات. هؤلاء الأشخاص يجنون الفائدة في استمرار الرئيس الحالي في الحكم فترة رابعة وخامسة بل مدى الحياة. ولكن إذا لم يفهم المسؤول الأول في البلاد أن من فائدته وفائدة البلاد أن يرحل قبل أن نصل إلى ما لا يحمد عقباه وإلى الخراب، معناه أنه غير واع بخطورة الأحداث والأوضاع. وهذه من سمات الأنظمة المتسلطة التي ترفض الإنصات إلى الرأي المضاد.

س5: هل ستطلب الرئاسة في 2014 سواء ترشّح بوتفليقة أم لم يترشح؟

ج5: من السابق لأوانه الحديث اليوم عمن سيترشح. النقاش ينبغي أن ينصبّ على الأهداف التي نريدها من تنظيم انتخابات رئاسية في 2014، وما هي المواصفات المطلوبة في الراغبين في الرئاسة لتجسيد هذه الأهداف. اليوم هناك جزائر جديدة، لذلك على مستوى المؤسسات ينبغي إعادة بناء الدولة.. أقصد إعادة تأهيل المؤسسات المدنية والعسكرية، وإعادة بناء المدرسة لتكون في مستوى التطور التكنولوجي الجديد، إذ ليس خافيا على متتبعي الثورة التكنولوجية في العالم، بأن الرصيد العلمي يتضاعف في أقل من سبع سنوات. وفي ظرف سنوات قليلة سيتضاعف كل ثلاثة أشهر. وينبغي ثالثا إعادة تأهيل الاقتصاد للخروج من التبعية للمحروقات وإعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية لمسايرة التطور التكنولوجي. وينبغي أيضا مكافحة الرشوة والفساد والأمراض التي تنخر المجتمع. كل هذه المعطيات ينبغي أن يأخذها بعين الاعتبار مرشح الرئاسيات، الذي يجب أن يمتلك الكفاءة التي تؤهله لإعادة الاعتبار للدولة وتكوين عال في تسيير المؤسسات والاقتصاد، وأن يكون ذا مستوى تعليم عال، زيادة على تحليه بالنزاهة ونظافة اليد والقدرة على تحسس مشاكل المجتمع.

س6: هل تعتقد أن منظومة الحكم مستعدة للتخلي عن ترتيب انتخابات رئاسية وفق النتيجة التي تريدها؟

ج6: طبعا لا، وهذا التوجه لا يمكن أن يأتي إلا بضغط سلمي قوي من المجتمع على نظام الحكم، الذي لا يرفض أن تكون له آذان تسمع وعيون ترى. والضغط الشعبي المطلوب اليوم ينبغي أن يحمله مشروع حتى يكون مؤطرا.

س7: هل توافق الطرح القائل بأن السلطة تصبح صماء لمطلب التغيير عندما تكون متحكمة في مصادر المال الغزير الذي بفضله يمكن أن تشتري سلما ولو ظرفيا؟

ج7: هذا ما يدور في أذهان الموجودين في السلطة الذين لم يتعظوا بأحداث الربيع العربي، ولكن الريع النفطي الذي يتحكمون فيه تضبطه اليوم معطيات جديدة. فاليوم نحن في حالة انخفاض في إنتاج المحروقات مقابل ارتفاع قوي للطلب على الطاقة. ففي 2011 مثلا تم إنفاق 70 دولارا على ميزانية التسيير وليس التجهيز من كل برميل نفط صدّرته البلاد، وبالتالي الركيزة التي يتكئ عليها النظام ستنهار في غضون خمس إلى ست سنوات. هم يقولون إن الغاز غير التقليدي متوفر بكثرة، ولكنه موجود في كل بلدان العالم وليس في الجزائر فقط، هو موجود في أوروبا والصين والولايات المتحدة التي أصبحت مكتفية ذاتيا بل ولديها القدرة على التصدير. إذن كل هذه التحديات ستتجه بنا إلى مستوى إنتاج منخفض من النفط وإلى سعر منخفض.

س8: يرى البعض بأن الرئيس يتماطل في تعديل الدستور بعد 20 شهرا من التعهد به. هل هذا صحيح ؟

ج8: ينتج النظام في كل مرحلة فكرة لإثارة الرغبة في ترقب تنفيذها، مرة يلهي الناس بقرب موعد الانتخابات ومرة أخرى بقرب موعد التغيير الحكومي، ثم التعديل الدستوري، وفي النهاية تكون النتيجة عكس ما يتطلع إليه المواطن.. وبرأيي، فإن أي تعديل للدستور في الوقت الحالي ينبغي أن ينص على العودة إلى وثيقة 1996 التي صوّت عليها الشعب، وإذا كنا نريد فعلا دستورا لبناء دولة حقيقية، فذاك يتطلّب نقاشا طويلا تشارك فيه كل فئات المجتمع.

الاثنين 10 ديسمبر 2012

الجزائر: حاوره: حميد يس

ثانيا: التعليقات

أجرت يومية الخبر استجوابا مع السيد بن بيتور رئيس الحكمة السابق يوم الاثنين 10 ديسمبر الحالي، حول الوضعية العامة للبلاد، قدم فيه تحليلا يتماشى مع نهجه الليبرالي، معتقدا أن البلاء يكمن في عدم الاختيار المناسب للرجال وللكفاءات التي تزخر بها البلاد. وبذلك يعبر عن طبيعة سياسته المعارضة التي تكمن في الاختلاف مع الحكم في أدوات التطبيق، وليس في النهج الليبرالي الذي رهن ويرهن البلاد للدول الرأسمالية والإمبريالية العظمى. إذن في نظر ابن بيتور يوجد الخلل في التطبيق وليس في المبادئ والتوجهات.

ومع احترامنا للرجل وقناعاته السياسية، فإننا نختلف معه على طول الخط في طبيعة التغيير الذي تريده البلاد، إذ أننا نرى أن الخلل يكمن في المبادئ وتطبيقاتها في آن واحد، والمسألة تغدو أصعب حينما تأتي التطبيقات متماشية مع التوجهات، وهو ما يحرص عليه الحكم البرجوازري الكمبرادوري. ويمكن أن نتساءل في هذا السياق، ماذا يمكن أن تنتج سياسة خاضعة للإمبريالية ولمؤسساتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والمالية والتجارية غير الوبال والخراب على البلاد والعباد، رغم توفر الإرادة الحسنة التي يعبر عنها ابن بيتور وأمثاله من المعارضة الليبرالية؟.

إننا قد نتفق مع ابن بيتور في تشخيص بعض النتائج التي آلت إليها الأمور نتيجة لتطبيق التوجهات الإمبريالية من قبل حكم برجوازي كمبرادوري لا تهمه سوى مصلحة فئاته الطبقية ومصالح الشركات متعددة الجنسيات والإسراع بالخوصصة وحكاية نضوب المحروقات وغيرها من أشباه المشاكل التي تبعد أصحاب المصلحة الحقيقية في الإقلاع الاقتصادي والتنمية المنسجمة وغير ذلك وهم العمال والجماهير الكادحة.

لا نستطيع في هذه التعليقات الموجزة أن نعرض لكل المشاكل التي تحدث عنها ابن بيتور التي ستؤدي بالبلاد إلى الإفلاس، والتي يرى أنه  »من فائدة الجزائر أن يرحل بوتفليقة قبل أن تصل إلى الخراب »، لأن « الركيزة التي يتكئ عليها النظام ستنهار في غضون خمس أو ست سنوات »، وأن أي تعديل دستوري ينبغي أن ينص على العودة إلى وثيقة 1996 والتي نختلف معه في هذا التشخيص كما سنرى. ولأننا لا نستطيع الإحاطة بالتفصيل في هذه المعضلات كما اشرنا، فمن الضروري التركيز على بعض منها التي تعتبر مفصلية ومنها.

1- مسألة الحكم الراشد:

السيد ابن بيتور يرى بأن « الجزائر لا تسير وفق الحكم الراشد، وبهذه الوتيرة ستصل إلى مستوى دولة ضعيفة في العشرية الأولى من هذا القرن لتنزل إلى مستوى دولة مميعة في أفق ما بعد هذه العشرية.

ويشرح معنى دولة مميعة جوابا على تساؤل الصحفي، فيجيب بان التميع يعني « أن الدولة مسجلة في الأمم المتحدة كدولة، ولكنها غائبة في البلاد ». والمثال على ذلك دولة ليبريا في الثمانينيات. بيد أننا لا نتفق معه في المصطلح نفسه وفي استخدامه، فالجزائر ليست دولة مميعة، ولكنها دولة قائمة وهي دولة طبقية معادية للعمال والفئات الشعبية وتحتمي بالإمبريالية وتسعى إلى إرضائها بالتنازلات والامتيازات وبتنفيذ الأوامر والتعليمات، وهذا ما لم يتحدث عنه ابن بيتور. مما يدل على أنه لا يعارض هذه التنازلات والتوصيات والأوامر، و لو كان في السلطة لحرص أشد الحرص على تنفيذها مبررا ضرورتها، كما فعل البعض في تبرير سياسة الدخول في الجدولة في السنوات الماضية. نعم قد يطبقها بأسلوب مختلف، ولكن في كل الأحوال سيطبقها وستؤدي إلى نتائج مماثلة أو قريبة من النتائج الحالية. إن بن بيتور شخصية معارضة جادة، ولكنه ابن مخلص للطبقة التي ينتمي إليها ويدافع عن مصالحها ويرى البلاد من خلال هذه المصالح، وبالتالي لن يقترح من حلول للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد سوى تلك التي تخدم مصالح طبقته البرجوازية، وهذا ما يتناقض جذريا مع مصلحة العمال والإطارات الوطنية النزيهة والكفؤة. والباقي هو مجرد تفاصيل، فمن الطبيعي أن تلجأ البرجوازية الحاكمة إلى تزوير الانتخابات بما يتوافق مع توجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية.

2- التغيير حتمي:

ابن بيتور يعتقد أن أصل القضية اليوم يعود إلى التغيير الذي أصبح حتمية لا مفر منها، ونحن نوافقه على التشخيص، ولكننا نختلف معه جذريا في وجهة التغيير. وبعد أن يلفت نظرنا إلى ما حدث للعراق وبلدان أخرى، يستخلص أن حكامنا « يرون بأن البلاد تتجه نحو الانهيار، ومع ذلك يرفضون الإعداد للتغيير »، ويضيف « أن التغيير سيفرض نفسه في النهاية وفي ظروف صعبة، وقد رأينا ماذا جرى في العراق وفي ليبيا وماذا يجري حاليا في سوريا وماذا يجري في مصر أيضا. إننا نشاهد حاليا كم هي صعبة عملية الانتقال، والسبب أنه لم يتم التحضير لها ». وهنا مربط الفرس كما يقال، فنحن نوافقه على أن التغيير آت لا محالة، ولكن نختلف معه في طبيعة هذا التغيير، فهو يرى بأنه يكون ذا طبيعة ليبرالية جديدة، بينما نحن نرى أن التغيير الحقيقي سيكون في اتجاه يتناقض مع هذه الوجهة، أي تغيير مناقض للتغيير الليبرالي ومعاد له ولمصالح أنصاره ومصالح القوى الإمبريالية التي تسعى لفرضه.

3- هل رحيل المسؤول الأول الحالي ف يجنب البلاد الخراب؟:

يقول ابن بيتور في معرض كلامه عن بداية حل الأزمة، إنه يجب أن « يفهم المسؤول الأول في البلاد أن من فائدته وفائدة البلاد أن يرحل قبل أن نصل إلى ما لا يحمد عقباه وإلى الخراب ». وإذا لم يفهم ذلك فمعناه « أنه غير واع بخطورة الأحداث والأوضاع، وهذه من سمات الأنظمة المتسلطة التي ترفض الإنصات إلى الرأي المضاد ».

فهل المشكلة فعلا تكمن في رحيل بوتفليقة؟ لو كان الأمر كذلك لنهض الجميع وطالبوا منه الرحيل، إننا نرى، على عكس ما يقول ابن بيتور، إن رحيل بوتفليقة، لا يحل المشكل، فمات الملك، يحيى الملك، وبوتفليقة رمز النظام، ويمكن تغيير الرمز والإتيان برمز آخر أكثر ملاءمة للطبقة أو الائتلاف الطبقي الذي يمثله. لكن الذي يؤدي إلى الحل أو يفتح الطريق إليه هو رحيل النظام وتغييره، أما تغيير الأدوات والأشخاص والمسؤولين فلن ينتج سوى نفس النظام. وفي هذه الحالة، لن يتغير شيء جوهري، وإنما قد تتغير صورة الواجهة فقط، أما النظام وطبيعته الطبقية فسيبقى على حاله.

قد يكون المسؤول القادم أكثر قدرة وكفاءة على التسيير وعلى تنفيذ متطلبات النظام وحلفائه الداخليين والخارجيين، ولكن يبقى نفس النظام الطبقي البرجوازري الأقل كمبورادورية أو الأكثر أو نفس الطابع، ولذلك إذا كنا نتفق في مطلب التغيير، فإن مضمونه يختلف جذريا باختلاف الطبيعة الطبقية للحكم. ولا شك أن التغيير الذي يطالب به ابن بيتور هو نفس النظام الطبقي البرجوازي الليبرالي، بدليل أنه كان هو نفسه في وقت مضى أحد قادته ومسيريه، وإذا كان قد اختلف مع مسيريه المتنفذين وقدم استقالته، فإنه قد اختلف من حيث الأدوات والوسائل وليس من حيث المضمون والهدف.

4- هل مسايرة الثورة التكنولوجية في العالم وارتفاع رصيدنا منها هي الحل؟

يعتقد ابن بيتور أن هناك جزائر جديدة اليوم، ولذلك يرى أنه ينبغي إعادة بناء مؤسسات الدولة، مثل إعادة بناء المدرسة لتكون في مستوى التطور التكنولوجي الجديد، وإعادة تأهيل الاقتصاد للخروج من التبعية للمحروقات وإعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية لمسايرة التطور التكنولوجي. ويواصل في هذا السياق قائلا إنه « ليس خافيا على متتبعي الثورة التكنولوجية في العالم، بأن الرصيد العلمي يتضاعف في أقل من سبع سنوات، وفي ظرف سنوات قليلة سيتضاعف كل ثلاثة أشهر. وينبغي أيضا مكافحة الرشوة والفساد والأمراض التي تنخر المجتمع. كل هذه المعطيات ينبغي أن يأخذها بعين الاعتبار مرشح الرئاسيات القادم، الذي يجب أن يمتلك الكفاءة التي تؤهله لإعادة الاعتبار للدولة والتكوين الحقيقي لتسيير المؤسسات والاقتصاد، زيادة على تحليه بالنزاهة ونظافة اليد والقدرة على تحسس مشاكل المجتمع. وقد أشرنا إلى أن التغيير الحقيق ليس تغيير الأفراد والأشخاص، أو التحلي بأخلاقيات مثالية، بل تغيير النظام برمته وتغيير بنيته وهياكله وتوجهاته، ونقول نفس الشيء بالنسبة للثورة التكنولوجية التي تعصف بالعالم وتسرع في وثيرة إيقاعاته. صحيح أن هناك ثورة تكنولوجية نوعية تجري في العالم المعاصر بمن نتائجها تضاعف الإنتاج العلمي كما ونوعا كل سبع سنوات وسيختزل الزمن على مر الأيام إلى أقل من ذلك بكثير، وأن رصيدنا من هذه الثورة قليل جدا. ولكن يبقى السؤال الجوهري بعد كل هذا لصالح من هذه الثورة؟، وهل تحقق هذه الثورة التكنولوجية اليسر والرخاء للشعب في ظل نظام برجوازي عميل للإمبريالية وتابع لشركاتها متعددة الجنسيات، وفي ظل مواصفات وخصائص النظام الرأسمالي؟. الواقع أن دار لقمان ستبقى على حالها، وأن الأغنياء سيزدادون غنى والفقراء سيزدادون فقرا. ومن ثم فالعبرة ليس في التطور العلمي التكنولوجي والأخذ به، ولكن في مضمونه والمصالح التي يخدمها. لكن هذا التفكير بعيد عن عقل ابن بيتور، لأنه يفكر تفكيرا طبقيا يخدم مصالح الطبقة التي ينتمي إلها. ومن المعروف أنه أكثر حماسة لتطبيق معايير صندوق النقد الدولي ومؤسسات الإمبريالية، وأنه كان إطارا في صندوق النقد الدولي على ما أعتقد.

5- أدوات التغيير:

يعتبر ابن بيتور أن « الموجودين في السلطة » لهم آذان صماء لمطلب التغيير، بسبب تحكمهم في مصادر المال المتدفق عليهم من البترول، وأنهم لذلك « لم يتعظوا بأحداث الربيع العربي ! ». صحيح أن البرجوازية لا يمكنها أن تقدم مطالب التغيير للجماهير على طبق من فضة، وأنها لن تسلم السلطة مجانا حتى ولو كانت على فراش الموت، لكن السيد ابن بيتور يعطي تفسيرا آخر لهذه المقولة، ويرى أن « الريع النفطي الذي يتحكمون فيه تضبطه اليوم معطيات جديدة. فاليوم – يقول- نحن في حالة انخفاض في إنتاج المحروقات مقابل ارتفاع قوي للطلب على الطاقة.. ». ويستخلص من هذا أن « الركيزة التي يتكئ عليها النظام ستنهار في غضون خمس إلى ست سنوات ». ولكن الواقع أن أي نظام لا يسقط من تلقاء نفسه، وعامل تناقص حجم ثروة البترول لا تشكل عاملا حاسما في المستقبل المنظور، إذ يمكن للنظام الكمبرادوري أن يعوض امتيازاته من الريع البترولي بالمزيد من اعتصار فائض القيمة الذي يسلبه من العمال والكادحين. ثم إنه ليس من المؤكد أن الثروة البترولية ستنضب خلال هذه الفترة القصيرة، وأن سعر المحروقات سينهار، لأن الطلب الدولي على البترول ما فتئ يزداد، والمادة البديلة المحتملة للمحروقات لم تتأكد على نطاق واسع، فضلا عن أنها باهظة الثمن حتى الآن، بدليل أن الولايات المتحدة نفسها، وهي أكثر الدول قدرة تكنولوجيا على إنتاج الطاقة البديلة، ما تزال تحتفظ بثرواتها البترولية، وتميل إلى احتكار الثروات البترولية في العالم لتمويل مخزونها الاستراتيجي، وبناء عليه فإن القول بانهيار الحكم نتيجة لنضوب الثروة البترولية أو انهيار أسعارها غير مؤكد، ولذلك فهذا العامل لا يشكل نتيجة حاسمة في إسقاط النظام، فضلا عن هذا الإسقاط في منظور ابن بيتور لا يؤدي إلى تغيير جذري للنظام وإنما إصلاحه ومحاولة تجميله فقط إن إسقاط النظام وتغييره جذريا – في نظرنا- يعتمد على توفر عوامل خارجية وداخلية تتمثل في تغيير ميزان القوى على الصعيد الخارجي لصالح القوى المعادية للإمبريالية بشكل حاسم، وهذا ما لم يتوفر بعد. أما العامل الداخلي الموضوعي فيكاد يتوفر، لكن العامل الداخلي الذاتي لم يتوفر بعد، وحينما يتوفر هذا العامل المتمثل في توفر قيادة ثورية لحزب ثوري ونظرية ثورية وفي تحشيد كل القوى الاجتماعية التي لها مصلحة في تغيير النظام عندئذ سيسقط النظام الحالي لا محالة وسيعوضه نظام ديمقراطي شعبي وثوري يمهد الطريق للانتقال إلى الاشتراكية. وإذا كانت هذه العوامل لم تتوفر بعد فليس ذلك يعني أن التغيير سيتأجل إلى مستقبل غير منظور، فالقوى الثورية الموحدة والتي تقود الأغلبية الساحقة من جماهير لا ترغب في هذا النظام ستنضج، وستعجل بهذا التغيير، ولذلك لا تكمن المسألة في التغيير السلمي أو غير السلمي، بل تكمن في توفر الشروط أو عدم توفرها.

الخاتمة:

هكذا يتجلى أن وجهة نظر ابن بيتور هي وجهة نظر البرجوازية الليبرالية التي تطمح إلى إقامة نظام رأسمالي أقل فسادا ونهبا واستغلالا، يعني « حليلف صغير ». ونحن نقول إنه لا يبحث عن تغيير النظام، بل عن إصلاحه، بدليل أنه يضرب المثل بالحركات التي تجري حاليا في العالم العربي، التي برهنت الأيام أنها ليست ثورات بل إن بعضها هي أقرب إلى أن تكون ثورات مضادة، مثل ما حدث في ليبيا وما يجري الآن في سوريا، بينما البعض منها قد تم إجهاضه كما في البحرين وبعض بلدان الخليج. إذن هذه الحركات ليست موحدة، بعضها انخرطت فيها جماهير مخدوعة، وبعضها مخطط منذ زمن بعيد من قبل الإمبريالية والرجعية والظلامية، وبعضها عبارة عن انتفاضات مضادة تريد العودة بالبلدان العربية إلى العصور الوسطى. على أية حال ابن بيتور ليس ابن نظام قروسطي، ولكنه رمز نظام برجوازري موال للإمبريالية ومصالحها، وهو لا يبحث عن الديمقراطية الشعبية بقدر ما يبحث عن إشراكه في الكعكة.

باختصار التغيير على طريقة ابن بيتور قد يحدث، ولكنه بغرض إصلاح نفس النظام، أما التغيير الجذري لإسقاط النظام وتعويضه بنظام ديمقراطي شعبي ثوري يحقق التقدم الاجتماعي والمساواة والعدالة ويمهد الطريق لبديل اشتراكي فلا يفكر فيه ابن بيتور ومن على شاكلته. ولذا على قوى التغيير الحقيقية للعمال والمثقفين الثوريين والجماهير الكادحة أن تعتمد على نفسها وأن تعمل على توفير شروط التغيير الموضوعية والذاتية، ومن ثم يكون التغيير نتيجة ميزان قوى ملموس، قد يكون بمظاهرة عارمة أو بانتفاضة شعبية، أو بإضراب سياسي شامل، نستثني من وسائل التغيير الإرهاب الإسلاموي الفاشي أو الانقلاب الذي توظفه السلطة ويكون حبل النجاة لصالحها. ليس مطروحا أن يكون التغيير سلميا أم لا، وإنما هل التغير شرعيا أم لا. وهل هو لصالح الجماهير أم لصالح البرجوازية والرجعية.

كتب التعليق: محمد علي

يوم الثلاثاء 11 ديسمبر 2012


Nombre de lectures: 198 Views
Embed This