DzActiviste.info Publié le mer 21 Nov 2012

الشريعة في الدستور تتناقض مع الدولة الحديثة

Partager

هناك سطحية بالغة في النقاش والحملة الهائلة التي يتزعمها الاسلامويون، وخاصة سلفيوهم، إزاء فكرة فرض الشريعة في الدساتير الحديثة بكونها المصدر الأساس للتشريع.

هذه القضية برمتها مفتعلة وليس لها أساس موضوعي. المجتمعات العربية والإسلامية تدير طرائق معيشتها وحيواتها منذ قرون من دون دساتير ومن دون نصوص علوية تفرض على الناس كيف تفكر وكيف تعيش.

افتعال هذه القضية من قبل التيارات الإسلاموية فيه ادعاء باحتكار النطق باسم الدين، أي سحب للدين من واقع الناس الاعتيادي ليكون في يد الأحزاب والحركات السياسية وبدعوى الدفاع عنه. وافتعال هذه القضية يعكس توترا وعدم ثقة في النفس وكأن حماية الدين لا تتأتى إلا عن طريق فرض النصوص الدستورية والقانونية. قوة أي دين أو عقيدة أو إيديولوجيا تنبع من اعتمادها على الاختيار المحض، وليس الفرض القسري. كل إيديولوجيا ترافقها أدوات الحكم والسلطة والقانون لفرضها تعمل على هزيمة نفسها بنفسها، وعلى تنفير الناس منها، وحتى لو كانوا أكثرهم قربا وإتباعا لها. المجتمعات العربية الحديثة التي نشأت في سياقات الدول الوطنية في حقبة ما بعد الاستقلال ظلت مجتمعات متدينة إلى هذه الدرجة أو تلك، لكن تدينها كان سمحاً وتعايشياً وعفويا ومن دون أي تنظيرات ادعائية عن التعايش والتسامح كما هي الادعاءات التي نسمعها اليوم. تكرار الحديث الادعائي والتظاهري عن التعايش والتسامح من قبل أي حزب أو حكومة أو جماعة يكشف غياب التعايش والتسامح أكثر مما يؤكد حضورهما. كيف نصدق الادعاءات السلفية عن « التسامح الديني » مع المسيحيين ثم نقرأ تحريمهم المتكرر لرد السلام على المسيحيين، أو تهنئتهم في أعيادهم، أو مشاركتهم في مناسباتهم. كيف نصدق أي ادعاءت حول عدم الرغبة في فرض أية ممارسة دينية على الناس، وحكايات الفرض وإقامة لجان الردع الديني تنتشر هنا وهناك، فتقفل محلاً، وتمنع قيام عرس، وتحبط اجتماعا، أو تقص شعر طالبة مدرسة ابتدائية لأنها غير محجبة، والى آخر الحكايات التي لا آخر لها.

كل ذلك جديد على مزاج مجتمعات المنطقة وغريب عليها لكنه يصبح يوما بعد يوم الإطار الذي مع الأسف يصوغ ثقافة الأجيال الجديدة. كبار السن في المنطقة من مشرقها إلى مغربها وهم المؤرخون الحقيقيون للتعايش الشعبي العفوي والبعيد عن الادعائية والتظاهرية، ينقلون لنا صورا أخرى لهذه المجتمعات كانت تخلو من كل الممارسات السلفوية التي ذكرت أعلاه وغيرها كثير. الحياة الاجتماعية التي عاشها هؤلاء « المؤرخون » كان ينخرط فيها المسلمون والمسيحيون واليهود (قبل قيام إسرائيل) في الشرق، والسنة والشيعة حيثما تواجدوا، وكذا ينخرط فيها اليهود في دول المغرب العربي، ناهيك عن الأمازيغ والعرب. ذلك كله أصبح الآن من الماضي ويتحمل التيار الإسلامي بحركاته المختلفة المسؤولية التاريخية إزاء القضاء على هذا التعايش العفوي، وقولبته في إطار الادعائية الحزبية. أصبحت الحدود المعرفة لـ « المسلم » أو « المسيحي »، أو « الشيعي »، أو « السني »، أو « اليهودي » بطبيعة الحال عميقة وسميكة، وانحدر جزء كبير من مجتمعاتنا الراهنة إلى مستنقعات طائفية في نظرتها للآخر، وسيطر على العقل الجمعي التفكير الإقصائي والتحوصلي، وشطر كبير من هذا التحول كان نتيجة الحزبية الاسلاموية. الآن تريد هذه الحزبية الاسلاموية نقل الدمار الذي أحدثته في المجتمع خلال العقود القليلة الماضية إلى سدة الدستور لشرعنة كل التقسيمات الطائفية، وكل النظرة التجزيئية والانشطارية تجاه مكونات المجتمعات.

على ذلك فإن الدعوة إلى فرض الشريعة على أي دستور معاصر لا تتوقف عند كونها فكرة سطحية ومناقضة جوهريا لمعنى الدولة الحديثة، بل وتمتد إلى ما هو أبعد من ذلك وهو أن تعمل على المدى المتوسط والطويل على تدمير هذه المجتمعات والدول وإقحامها في صراعات داخلية ودينية وطائفية لا يمكن أن تنتهي. الدستور لائحة تنظم طبيعة علاقة الأفراد الموجودين في بقعة جغرافية معينة مع بعضهم البعض، وتنظم كيفية إدارتهم السياسية والقانونية لبعضهم البعض، وبحيث يتساوون في الحقوق والواجبات، ويقف كل منهم على قدم المساواة مع الآخر في الانتماء إلى الوطن والدولة التي يعيشون فيها. إقحام الشريعة لا يعني فقط أن المواطنين غير متساوين أمام القانون وان كل من هو غير مسلم يعتبر مواطنا من الدرجة الثانية، بل يخلق درجات متفاوتة بين المسلمين أنفسهم. كيف ستنظر التطبيقات القانونية للدستور المستند إلى الشريعة إلى المسلم غير المتدين، أو العلماني، أو حتى الملحد؟ هؤلاء جميعا سوف يكونون مواطنين درجة ثانية أيضا، إن لم يكن أسوأ. يصبح الدستور في هذه الحالة محكمة قيمية وأخلاقية بل ومحاسبية، بدل أن يكون أداة تنظيمية وقانونية همها الأكبر حماية حريات الأفراد وحماية حقوقهم.

والسؤال الكبير والخطير الذي يرتبط دوما بهذا النقاش هو من هو صاحب السلطة الدينية أو السياسية الذي سوف يقوم بتعريف الشريعة، ويحسم بين الآراء المختلفة إزاء كل قضية من القضايا. العبقرية التاريخية للشريعة كانت في تعدديتها الواسعة التي أتاحت للشعوب والمجتمعات والأفراد فضاءات الإبداع والانطلاق مع الانتماء والبقاء في الفضاء الذي يمنحهم المعنى والهوية. أي محاولة قسرية لإنهاء تلك التعددية، وهو المسار المحتوم لأية عملية لفرض الشريعة في الدستور، معناه إقامة سجون التكلس والجمود وحشر المجتمعات والأفراد فيها، وينحط الدستور والسياسة والقائمون على الاثنين إلى استنساخ تجربة اللاهوت المسيحي في قرون أوروبا المظلمة عندما زاحمت الكنيسة الخالق في منح العفو والغفران أو الطرد من الرحمة للأفراد والجماعات.

الإجابة التي يقدمها كثير من الإسلاميين هو أن الشريعة سوف تعتمد على « الإسلام الصحيح والنقي »، وأن أصول الدين والمستندة إلى علوم السنة والجماعة هي المحددة لمعنى الشريعة وسوى ذلك. لكن هذه الإجابة وهذه التعريفات تظل فضفاضة وليس عليها توافق. حتى في داخل الصف السلفي هناك جماعات وشرائح مختلفة وكل منها يستند إلى تفسيرات فقهية ويعتقد أن رأيه هو الأسلم. معنى ذلك أن الاختلاف في التفسيرات هو الأصل بينما الاتفاق هو المخالف للقاعدة، وهذا ما يتناسب مع البشر في نظرتهم لكل نص، وهذا هو أصل التعددية التي وسمت التاريخ والتجربة الإنسانية وأنجحتهما، وهو ما تريد الاسلاموية المعاصرة القضاء عليها.

عن مجلة الحرية

د. خالد الحروب

17 نوفمبر 2012


Nombre de lectures: 198 Views
Embed This