DzActiviste.info Publié le lun 25 Mar 2013

القبارصة بين فكي أوروبا وصندوق النقد الدولي

Partager

ربما كانت الدوائر المسيطرة في الاتحاد الأوروبي ومن ورائها صندوق النقد الدولي تنتظر نتائج الانتخابات القبرصية التي جاءت بالمرشح المحافظ نيكوس أناستاسياديس إلى سدة الرئاسة، من أجل الشروع بتنفيذ خطة إنقاذ مالي لهذه الدولة المهددة بالإفلاس وبوضع اقتصادي كارثي. الخطة أقرت يوم السبت الماضي بعد أشهر طويلة من المفاوضات، حيث كانت الحكومة السابقة تتحفظ على الكثير من الشروط الأوروبية، فكما جرت العادة في الدول المأزومة في أوروبا والتي حصلت على أموال إنقاذ، كانت الشروط تحابي كبار المصرفيين على حساب غالبية شعوب هذه البلدان. وهذا الشيء طبيعي، فالهم الأساسي لدوائر القرار الأوروبي هو الحفاظ على هذه الوحدة النقدية « اليورو » كونها تعزز من مركز أوروبا قطباً إمبريالياً، يدلل كبار محتكريه، ويجافي غالبية كادحيه كما يضطهد شعوباً أخرى. وهذا ما جرى بعد دفع مبالغ مهولة للبلدان الأوروبية المأزومة بعدما ضربت الأزمة الاقتصادية الدورية الاقتصاد الرأسمالي. كذلك أيضاً فإن أوروبا لا تنظر بعين واحدة إلى جميع دولها، فهناك أيضاً الكبير والصغير، وهناك من لا يهدد إفلاسه بشكل كبير عملية النهب الإمبريالي من قبل الاحتكارات.

أسطع وأقرب مثال على هذا الكلام النظري، هو خطة الإنقاذ الأخيرة لقبرص، حيث فرضت عليها شروط غير مسبوقة مقابل أموال الإنقاذ، وهذا ليس بسبب أن القبارصة يقودون سياراتهم من اليمين (كما في بريطانيا)، بل بسبب قلة مساهمة قبرص في الناتج الإجمالي لمنطقة اليورو 0.2%، وبسبب عوامل سياسية تتعلق بإيداعات مصرفية كبيرة لمواطنين روس في هذه الجزيرة.

فبعد تعرضها الكبير لأزمة ديون اليونان ولمغامرات سيئة من جانب بنوكها، قالت الحكومة القبرصية الشهر الماضي إن أموالها قد تنفد بحلول نيسان (أفريل) المقبل، ما لم تتلق إنقاذا من الاتحاد الأوروبي. وكانت قبرص – إحدى أصغر دول منطقة اليورو- قد تقدمت بطلب للحصول على مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في حزيران الماضي، بعد أن تضررت بنوكها بشدة بقرار الاتحاد شطب ديون اليونان المستحقة للمستثمرين من القطاع الخاص.

ويطالب مسؤولون بالاتحاد الأوروبي أن تقلص قبرص قطاعها المصرفي وتخصخص الشركات الحكومية وتجري إصلاحات اقتصادية كشروط للمساعدة. وجاء طلب قبرص بمساعدة أوروبية بعدما طلب مصرفاها الرئيسيان من الحكومة مد يد المساعدة إليهما بنحو عشرة مليارات يورو بسبب انكشافهما الكبير على الديون اليونانية.

وبالفعل فقد اتفق وزراء مالية مجموعة اليورو وصندوق النقد الدولي في وقت مبكر يوم السبت الماضي على منح قبرص حزمة إنقاذ بقيمة 10 مليار يورو (13 مليار دولار) لمساعدتها على الخروج من أزمتها المالية والاقتصادية. وتم التوصل إلى هذا الاتفاق بعد مفاوضات لمدة ستة شهور, وبعد محادثات في بروكسل استغرقت عشر ساعات، شارك فيها الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسياديس ومدير البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي. وبهذا الاتفاق، تكون قبرص خامس دولة أوروبية تحصل على حزمة إنقاذ بعد اليونان وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا. وقال وزير المالية الألماني فولفغانغ شوبيليه إنه يتعين وضع شروط لتقديم مساعدة مالية من الاتحاد الأوروبي إلى قبرص. وكان يشير إلى إصلاحات مصرفية وضريبية اشترطتها ألمانيا ودول أوروبية أخرى. وقال الرئيس القبرصي على هامش المفاوضات إن بلاده ستلتزم بأي شروط مرفقة ببرنامج الإنقاذ المالي. ويتعين أن توافق برلمانات الدول الـ 17 الأعضاء في منطقة اليورو على حزمة الإنقاذ حتى يبدأ تحويلها إلى المصارف القبرصية. وكانت قبرص طلبت في الأصل 17 مليار يورو (22 مليار دولار) لدعم موازنتها وقطاعها البنكي المتعثر. وقال مصدر دبلوماسي إن صندوق النقد الدولي يسهم في القروض المقدمة لقبرص بواقع 1.7 مليار دولار. يشار إلى أن اقتصاد قبرص لا يمثل سوى 0.2% من حجم اقتصاد منطقة اليورو, ولا يتجاوز حجم ناتجها الإجمالي 22 مليار دولار, وهو ما أثار مخاوف لدى صندوق النقد الدولي من أن ترفع حزمة الإنقاذ التي أُعلن عنها مديونية هذا البلد إلى مستوى لا يستطيع تحمله.

ولكن المشكلة الأكبر هو الضريبة الاستثنائية التي فرضت على القبارصة. فمن أجل خفض قيمة القرض الذي كانت نيقوسيا قدرت قيمته بـ17 مليار يورو، طلبت الجهات المانحة من الحكومة القبرصية فرض ضريبة استثنائية بنسبة 6.75% على كل الودائع المصرفية التي تقل عن مائة ألف يورو، و9.9% على الودائع التي تزيد على هذا الحد، وخصم من المنبع على فوائد هذه الودائع.

وهذه الاقتطاعات التي يفترض أن تؤمن 5.8 مليارات يورو ستطبق على جميع المقيمين في الجزيرة.
وعلى إثر الإعلان عن الخطة، عمت حالة من الذعر والغضب الشارع القبرصي، وهرع العديد من المودعين إلى المصارف أو الصرافات الآلية لسحب ما تيسر لهم من أموال، في حين دعا البعض إلى التظاهر تعبيرا عن رفضهم لهذه الخطة. وستتخذ قبرص خطوات عاجلة لمنع التحويلات الإلكترونية للأموال لتجنب هروب رؤوس الأموال. وتنتهك الضريبة أحد المحرمات التي تفرضها منطقة اليورو بتحميل المودعين خسائر.

ووصف بنك قبرص – أول مصرف في الجزيرة والمتأثر خصوصا بانكشافه على أزمة الديون اليونانية – شروط بروكسل بأنها « مؤلمة ومفاجئة »، معتبرا أن « قلق الرأي العام مبرر تماما ».

من جانبه قال وزير المالية القبرصي ميخاليس ساريس « إن قبرص اختارت أقل الحلول إيلاما »، مذكرا بأن فشل الاتفاق كان يمكن أن يؤدي إلى إعلان إفلاس الجزيرة، لكنه أوضح أيضا أن الضريبة على الودائع وفوائدها ستعوض بتوزيع أسهم.

وكان الوزير نفسه قد أكد قبل عشرة أيام من هذه الاتفاقية أن فرض ضريبة على الودائع سيكون كارثياً على قبرص في الوقت الذي كانت فيه الجزيرة ما زالت تعتبره خطا أحمر في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

قد يفهم من هذه الضريبة أيضاً ما يمكن وصفه ضغطاً على روسيا في اتجاهين: أولاً محاولة استمالة روسيا للمساهمة في عملية إنقاذ قبرص من خلال زيادة كمية قرض كانت قد أقرته روسيا لقبرص في العام 2011 وقيمته 2,5 مليار يورو، خاصة أن المبلغ الأساس الذي طلبته قبرص (17 مليار يورو) يساوي الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وبالتالي هناك تخوف أوروبي كبير من إمكانيتها على السداد. الأمر الثاني يكمن في إقرار هذه الضريبة التي تجاوزت فيها أوروبا خطوطها الحمراء، ليشمل كل المودعين في البنوك القبرصية، بمن فيهم الرعايا الروس الذين يقدر حجم ما يملكونه في البنوك القبرصية بحوالي 26 مليار يورو. وما يؤكد هذا الكلام هو ما قاله جاكوب فونك كيركيغارد من معهد بيترسون الأميركي للاقتصاد الدولي، قبيل توقيع الاتفاق، « يسود شعور سياسي عام بأنه غير مقبول تقديم حزمة إنقاذ لإحدى الدول، ومن ثم المخاطرة بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين، من أجل حماية المودعين الروس في الأساس داخل البنوك القبرصية ».

كما أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل كانت قد صرحت خلال الاجتماع في بروكسل قائلة: « يتوجب على الأشخاص الذين لديهم المال في البنوك القبرصية أن يساهموا في إنقاذ قبرص، ولهذا فرضت ضريبة 10 % على كل شخص لديه أكثر من مئة ألف يورو في حسابه، يجب على الجميع المشاركة بدفع الضرائب حتى الأجانب المقيمين، لأنهم يشكلون جزءا مهما من الأزمة الاقتصادية في قبرص ».

كما جرت العادة، تأتي خطط الإنقاذ الأوروبية على حساب مواطني هذه الدول. والمفاعيل الاجتماعية لخطة الإنقاذ الأخيرة لقبرص لم تظهر بعد، إلا أن حالة الاستياء الشعبي بدأت فور الإعلان عنها. تقول إحدى المواطنات القبرصيات: « لماذا يأخذون أموالنا، فقد عملنا طوال حياتنا لندخر البعض منها، هذا ليس عدلا ».

ويقول مواطن آخر: « هذه حقيقة شنيعة، والوضع لا يطاق ». إن الإجراءات الأوروبية من خلال خطط إنقاذها المالي، والتقشف والضرائب القاسية التي فرضتها على الشعوب، خاصة أن الشروط التي فرضت على قبرص لم تكن مسبوقة، حيث لم يكن هناك أي شيء مماثل فرض على جميع الدول الأخرى التي أخذت أموال إنقاذ من أوروبا وصندوق النقد (اليونان وايرلندا والبرتغال واسبانيا) وهذا يدلل على أن الليبرالية الاقتصادية وما تحمله من شعارات « وردية » ومنها: « دعه يعمل، دعه يمر »، ليست إلا « خيار وفقوس ».

بدر الكردي

عن صحيفة صوت الشعب السورية

العدد 308 مارس 2013


Nombre de lectures: 165 Views
Embed This