DzActiviste.info Publié le dim 19 Jan 2014

المثقف العضوي دُفن في حلق الطيور!

Partager
الفنان التشكيلى السودانى محمد بهنس الذي توفي بمصر بسبب البرد!

مات الشاعر والفنان التشكيلي محمد بهنس ولفظ أنفاسه الأخيرة على قارعة الطريق بمصر الأمّ، مات في صمت دفين وكأنّ شيئا لم يكن، مات متجمدا من البرد والثلج، مات بعيدا عن وطنه وأبناء جلدته، مات منسيّا ولم ينتبه إليه أحد، مات ولم يترك شيئا يندم عليه، مات وفيه ما يكفيه من مشاهدَ تراجيدية لفاجعة وطن عربي تاريخه خيط دماء من قابيل وهابيل إلى آخر جسد سقط بموس بارد أو برصاصة حامية، ربّما مات من حرقته وتمزقه وتشرذمه، ربّما من مشهده المحزن حقا، مشهد بائس فعلا صار الجار يقتل جاره ويعبث بجثته نكالا، مات ولم يعلم به أحد، لماذا لأنّه شاعر وروائي لم يمدّ يده لأحد، أو على أحد، يد بيضاء فعلا، كريم بن كريم على فلسفة جدّه وليس من عبدة السلطة والمال والجنس.

مات على قارعة الطريق، كما يموت المواطنون الأحرار لحظة انهزامهم، مات ولما تقرأ خبر موته تُصدم و تُصاب بسكة دماغية أو أقل شيء تغسل يديك على هذا العالم الأعرج الذي يقدّر اليد التي تنهب لا اليد التي تكتب، مات على قارعة الطريق، قارعة الطريق تعني الهامش بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى ومن وجع، والهامش ضد المركز، والمركز يرى الناس نقطا صغيرةً سوداءَ.

بعض أعمال الفنان التشكيلى السودانى محمد بهنس

إذن لا أحد همّشه إلا المركز والمركز كالنار إن أنت اقتربت منها تحرق وإن أنت ابتعدت تُهمش، هذا هو وضع المثقف في الجنوب، دول لا يأتي منها المطر والمطر محبّة ورمز الحضرة والوجه الحسن، دول لا تولي للمثقف أهمية ولا تزعجها كتاباته، لأنّ الكتابة في هذه الدول الكلّ أمنية لا تؤثر عليها ولا توقظها في نومها السباتي العميق، هذا من جهة ومن جهة مقابلة شركاؤه لا يقرؤونه، ففعل القراءة بارد كالذي يحرث في البحر لن يحصد شيئا، لذا تجد السلطة لا تشاركه في الأمر وليس مهمّا بالنسبة إليها، رقم أزرق مبهم لا يستحق أن يذكر أو يستشر في قرار ما أو استحقاق ما، المثقف في بلدان الجنوب كائن لغوي يُوظف في تمرير مشروع ما، في الوقت نفسه نجد المثقف في بلدان الشّمال أداة فاعلة متفاعلة، عضوية منسجمة وهذا العنصر هو الغائب المغيب عندنا، نحن نعيش الفوضى في التصوّر، الكاتب في الضفة الأخرى كرامته محفوظة ويحسب له حسابا، وهنا كتبت لهم كتب كثيرة وصيتهم كبير ولكنهم ضاعوا وضيّعوهم ولم يجدوا حتى مصروف الجيب.

وراء البحر لا يمكن أن تتصوّر حكومة إلا وهي محاطة بأربعمائة مثقف، ومن لديه حلم يحققه، ولا حرج في ذلك، الحرج كلّ الحرج في دول الجنوب، أملك يتبخر وحلمك يهرّب وحتى الجغرافية تزيده عزلة، لذا اتسعت الهوة بين المثقفين ولا أحد يسمع للآخر، ففعل التهميش لم يكن فقط من قبل السلطة وإنّما أسهم فيه هو بحد ذاته، لأنه غير قادر على تفعيل ساحته أو قل خُلق ليخاف لا ليخف الآخر، يخاف من شيء لم يقع ويحزن على شيء وقع، عاجز حتى على إقناع نفر من الناس بفكرة ما، لماذا لأنه لا يؤمن بأنّ الكتابة نضال.

هذا هو المثقف عندنا باختصار شديد، مثقف يبكي عن مجد ضاع منه أو انزلق كما ينزلق الماء بين مفاصل صخر، يريد أن يصل إلى سلطة القرار ولو على جماجم الآخرين، مثقف من نمط آخر غير قادر حتى على خلق سؤال يخلخل به عقل المتلقي.

مازال المثقف عندنا خائفا مركوبا وحدث له ما حدث لأحد الديكة حين رأى ألباز يحوم والكتاكيت هاربة ففر ّ معها، وهنا قال له كتكوت صغير:  وأنت لماذا تهرب منه، إنّه قدّك؟ أجابه الديك: لقد أدخل الخوف إلى قلبي منذ كنت صغيرا مثلك تماما.

عزالدين جعفري – قاص وشاعر
الأديب الفائز بجائزة ناجي نعمان الدولية
azedine-18@live.fr


Nombre de lectures: 212 Views
Embed This