DzActiviste.info Publié le mer 24 Avr 2013

النضال في سبيل الديمقراطية لا يبرر حرب التدخل

Partager

منذ عامين وعلى هامش انتفاضات الشعبين المصري والتونسي اندلعت في سورية حملة احتجاجات شعبية، طغت عليها العفوية، طالت فئات واسعة من المجتمع السوري وخاصة فئة الشباب. احتجت بشكل أو بآخر على الإقصاء السياسي والفساد وسوء توزيع الثروة وعلى تردي الأوضاع الاقتصادية للجماهير الشعبية نتيجة السياسات الليبرالية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ إقرار ما يسمى باقتصاد السوق الاجتماعي في العام 2005 بديلاً عن الاقتصاد الاشتراكي المخطط. ما أدى إلى تقليص دور الدولة في إدارة الاقتصاد من ناحية، والتوجه نحو الدول الغربية والبنك الدولي للحصول على توصيات (راشيتات) جاهزة لإدارة الاقتصاد الوطني.
لم تكن حرب التدخل التي تعانيها سورية اليوم بادية المعالم آنذاك بسبب سوء إدارة الأزمة من قبل المسؤولين، إلا لمن آثر جدياً دراسة ما يحدث في ليبيا من تداعيات للحراك هناك، والذي تطور بزمن قياسي إلى حرب قذرة شنتها قوات حلف شمال الأطلسي على ليبيا، أدت إلى إسقاط حكم معمر القذافي، والذي جير إعلامياً كنصر لكومبارس (الثورة) أي الثوار الليبيين.

بعد ثلاثة أشهر على الأزمة السورية أعلن عن تأسيس (الجيش السوري الحر) إطاراً لكل من يحمل السلاح خارج إطار الدولة، فكان عماده أعداداً كبيرة من حملة السلاح المعارضين المدنيين، إضافة إلى منشقين عن الجيش العربي السوري. الإعلان الذي جاء ليؤكد ما لم نكن نصدقه في البداية من روايات الإعلام الرسمي عن « المجموعات الإرهابية المسلحة ». وهو الإعلان الذي تحولت سورية بموجبه وبالتدريج إلى ساحة حرب حقيقية طالت الاقتصاد الوطني والمدن الآمنة والآثار. بعد أن استعملت فيها غالبية صنوف الأسلحة التي يمتلكها الجيش من جهة، وما ورد إلى المعارضة المسلحة عبر « أصدقاء الشعب السوري » من أسلحة قاتلة وغير قاتلة، وإيديولوجية تكفيرية من جهة أخرى، طحنت المدنيين وشردتهم، وراح ضحيتها عشرات الألوف من مدنيين وعسكريين وشردت بضعة ملايين في دول الجوار وفي الداخل السوري.

منذ ذلك الوقت حتى اليوم وتحت شعار « حماية المظاهرات السلمية » شنت المعارضة المسلحة بجميع مكوناتها حرباً علنية واسعة على كل ما يمت إلى المقومات الأساسية للدولة بصلة، فقد استهدفت النقاط العسكرية والأمنية وشعب التجنيد ومخافر الشرطة المدنية والحراجية والمرور، إضافة إلى هيئات الإدارة المحلية ومقرات البلديات والمحاكم والبريد و…إلخ. ومن ناحية أخرى استهدفت أملاك الشعب السوري من بنى تحتية ومنشآت علمية وثروات باطنية، فبحجة الثورة على الظلم والطغيان تم تدمير واستهداف كل ما طالته أيديهم من مطاحن للحبوب « 24 من أصل 27 » ومخزونات سورية الاستراتيجية والموسمية من القمح والقطن، ونهب مستودعات المحروقات التابعة للوزارات والمديريات وبيعها، والاستهداف اليومي لمحطات توليد الطاقة الكهربائية وتفجير خطوط نقل المشتقات النفطية وسرقة وتخريب الآبار النفطية في المنطقة الشرقية، والمثابرة على محاولات الاعتداء على مصافي التكرير، خاصة مصفاة حمص، وتفكيك وسرقة المنشآت الصناعية الغذائية والدوائية والنسيجية في حلب وبيعها في تركيا « بيعت الآلات بالكيلو أحياناً »، التي وصل عددها إلى 1200 منشأة، واغتيال خيرة العقول والكفاءات العلمية، خاصة العاملين في مجال البحوث وأساتذة الجامعات، وأخيراً الاعتداء بالتخريب والسرقة على إرث سورية التاريخي. فقد سرقت كميات كبيرة من الآثار السورية المتناثرة في بلادنا طولاً وعرضاً ثم بيعت إلى تجار التاريخ في دول الجوار، واستهدفت دور العبادة الإسلامية والمسيحية واليهودية لأهداف إيديولوجية أو إعلامية أو لمجرد السرقة، كان آخرها سرقة محتويات الكنيس اليهودي في جوبر الذي بذل العدو الصهيوني ما بذل للسيطرة عليها ولم يستطع.

لقد تجلى التدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية بحصار جائر على الشعب السوري، وبالدعم غير المحدود لمجموعات الإجرام والتكفير في سورية والذي قدمته وبكل الوسائل جميع الدول المستعمرة سابقاً، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثلة بتركيا ودول حلف شمال الأطلسي، وأذنابهم في المنطقة العربية كقطر والسعودية، تحت شعارات ديمقراطية مثل « حق الشعب السوري في تقرير مصيره »، أو « وقف انتهاكات حقوق الإنسان » …إلخ. تمثل بداية، ومنذ اللحظات الأولى، بالدعم المشبوه الذي قدمه الإعلام العربي الرجعي من تحريض على العنف بشكل عام، والطائفي منه بشكل خاص، إلى الدور القيادي الذي لعبه الإعلام عن طريق تصدير شخصيات مشبوهة تدعي الثورية، مكونة بشكل أساسي من قيادات في تنظيم « الإخوان المسلمين »، لتلعب دور البديل المستقبلي للحكم في سورية مع قطيع من مدعي اليسار – المرتدين أو المأجورين – لتغطية الوجه القبيح للإخوان بطبقات وطبقات من المكياج، لتضليل الجمهور المحتج وحرف الحراك السياسي في سورية عن الخط السلمي للاحتجاجات، وعن الطرح المعقول المعتدل للتغيير الديمقراطي. ثم محاولات عدة في مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات على سورية تحت الفصل السابع والتي سقطت بالفيتو الروسي الصيني المزدوج المتكرر، ثم بعقد اجتماعات شبه دورية للجوقة الاستعمارية القديمة – الحديثة ذاتها تحت ما يسمى بـ « أصدقاء الشعب السوري »، والتي أسقطت الشرعية عن النظام الحاكم في سورية، ومنحت الشرعية لمن تراه مقبولاً ويحقق مصالحها، ثم تقديم الدعم المادي مراراً للحراك المسلح. وتجلى هذا التدخل المباشر أيضا بإطلاق يد المخابرات الخليجية والتركية للعبث، فقد دخل سورية بتدبير من أجهزة المخابرات المذكورة قطعان من المقاتلين التكفيريين، جاؤوا من شتى أصقاع الأرض عبر كامل الحدود السورية، من تركيا المتآمرة والأردن العميل ولبنان النائي بنفسه عن المواقف المشرفة فقط، ومن كردستان العراق التابع سياسياً واقتصادياً لتركيا، وبتواطؤ كامل من « الجيش الحر » استقروا في سورية، وتموضعوا، وشكلوا وحداتهم العسكرية، وابتلعوا تدريجياً المعارضة المسلحة السورية، وعملوا على تصفية بعض قيادات « الجيش الحر »، إلى أن أصبحت تنظيمات مثل « جبهة النصرة » و »لواء التوحيد » و »غرباء الشام » و »أحفاد الرسول » و…إلخ من تنظيمات وهابية مأجورة صاحبة المبادرة واليد العليا في الساحة السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، وباتت « مفخرة الكفاح المسلح ضد الظلم والفساد والاستبداد »، و »حامية حمى الشعب السوري المظلوم ». وشرعت بتأسيس أسس لخلافة إسلامية مزعومة، فنصبت « أمراء للمؤمنين » وأسست مجالس شورى ومحاكم شرعية ومجالس إفتاء، فمارست إرهاباً على من يخالفهم الرأي، أو ينتقد الشكل الإسلامي للتغيير. وضيقت الخناق على المرأة وأصدرت فتاوى بالقتل والزكاة على بعض الأقليات ضمن نطاق سيطرتهم. كما وصل الأمر في بعض الأحيان إلى مشاركة بعض دول الجوار في المساعدة المباشرة لميليشيات « الجيش الحر ». فقد شاركت قوات المدفعية التركية عدة مرات في تغطية مقاتلي المعارضة، وقدمت تركيا والكيان الصهيوني وتقدم خدمات الإسعاف والعلاج لمقاتلي « الجيش الحر »، ما يذكرنا بالحنان الذي كانت تبديه اليد الصهيونية للميليشيات اللحدية العميلة « جيش لبنان الحر ».

إن أطفال سورية خصوصاً، والشعب السوري عموماً، والذين يحتلون مكانة مرموقة من الخطاب « الديمقراطي الإنساني » ل « أصدقاء الشعب السوري » يعانون حصاراً جائراً أذاقهم مرارة حروب العصور الوسطى، فرضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض من منظمات الأمم المتحدة على سورية، دون أي أثر يذكر على رموز النظام الحاكم. فقد منعت منظمة الصحة العالمية عن سورية حصتها من الأدوية شبه المجانية التي كانت تقدم بشكل دوري، وعلى رأسها الأدوية التي تعالج الأورام والأمراض المزمنة والسارية ولقاحات الأطفال. حتى إن سورية اليوم ممنوعة من استيراد أبسط المواد الطبية، كالسيروم (المحلولات الملحية والسكرية). وفرض حظر على التعامل مع البنك المركزي السوري ما حرم الدولة إمكانية شراء الحاجات الأساسية للمواطنين التي لا تنتج في سورية عادة أو التي عطل إنتاجها. كما فرض حظر على شراء المشتقات النفطية من الخارج وعلى رأسها مادة المازوت والفيول. كما قطعت الطرقات على الشاحنات التي تنقل هذه المادة إلى سورية عبر الأراضي اللبنانية على أيدي مناصري تيار 14 آذار العميل. ولولا المساعدات التي قدمتها إلى سورية بعض الدول الصديقة كروسيا وفنزويلا وإيران وكوبا وغيرها، لسمع العالم على وسائل الإعلام أن السوريين يموتون من البرد والجوع وأبسط الأمراض. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نحن اليوم نعتمد على الغاز الروسي لتلبية الحاجات اليومية، ونأكل الدقيق الإيراني في الخبز، ونحرق الفيول والمازوت الفنزويلي لإنتاج الكهرباء والتدفئة. وفي حين تمنع منظمة الصحة العالمية ذات الميزانية الهائلة هباتها لسورية من العلاج الكيماوي لأمراض السرطان، تقدم لنا كوبا المحاصرة بدلاً من الأدوية، معملاً لإنتاج العلاج الكيماوي وأدوية السرطان محلياً.

إن هذا الاستهداف المبرمج لسورية والذي يعتمد على وزن دول عظمى ودول نفطية وجيش من وسائل الإعلام وآلاف الوهابيين – المحليين والمستوردين – المجانين الطموحين بالجنة وشريحة كبيرة من طالبي الثأر وكميات كبيرة من المثقفين، ومخنثي اليسار على وجه التحديد، يدعمهم أيضاً ضمن قوى الموالاة بشكل غير مباشر تجار الأزمات وضباط الأزمات وصف ضباط الأزمات وموظفو وإداريو الأزمات وإعلاميو الأزمات وكبار رموز الفساد من مصاصي دماء الشعب السوري ممن ترعرعوا في حقبة الفساد التي نخرت بنيان الدولة والمجتمع، يهدف إلى إخراج سورية عن دورها المحوري المؤثر في المنطقة كدولة تتمتع بالسيادة الوطنية وتمتلك جيشاً وطنياً يؤمن بالعداء المطلق للعدو الصهيوني، وكجزء من حركة التحرر العالمية، وهي حليف صلب للتيار العالمي الوليد المناهض للإمبريالية الأمريكية ودول الناتو، والمتمثل بدول بريكس ومجموعة ألبا. فلم يكن مستغرباً أن قام برهان غليون، رأس ما يسمى ب « المجلس الوطني السوري » في يوم 14 شباط (فيفري) 2012 بتوجيه رسالة إلى قوى الرابع عشر من آذار (مارس) مفادها أن سورية (الجديدة) ما بعد سقوط نظام بشار الأسد ستقطع العلاقات مع إيران، وستقطع خط الإمداد على المقاومة في لبنان المتمثلة في حزب الله، ولم يكن غريباً أيضاً أن قامت ميليشيات « الجيش الحر » الخائنة بتقديم خدمات لا تقدر بثمن للعدو الصهيوني بضربها البنى العسكرية الاستراتيجية التي يمتلكها الجيش العربي السوري، والتي يستحيل استخدامها في النزاع الدائر في سورية كمرابض ال م/د على الجبهة مع العدو الصهيوني، أو استهداف منصات إطلاق صواريخ ال م/ط في كل مكان تصل أيديهم القذرة إليه، وأيضاً لم يكن مستغرباً من جامعة الدول العربية في قمتها الأخيرة – والتي خلا فيها مقعد سورية من الدور المستقل المقاوم، وحل محله الدور العميل المطالب بزرع صواريخ الباتريوت على الأراضي السورية – أن قامت نهائياً بتصفية ثقافة « دعم الشعب الفلسطيني في صراعه مع العدو الصهيوني » واستبدال الثقافة الخائنة القائلة ب « دعم السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين »، وصولاً إلى تطبيع علني شامل قريب بين العرب والكيان الصهيوني.

أما اليوم، وفي حين يفترض بنا استقبال الذكرى السابعة والستين لجلاء المستعمر الفرنسي عن سورية بالفرح المعتاد، فإننا نذكرها بألم. فالجلاء على المحك، وسايكس – بيكو جديد يلوح في الأفق، والاستعمار القديم – الجديد يستخدم ألاعيبه القديمة ذاتها، يدق الإسفين تلو الآخر ضمن جسد المجتمع السوري، فيقوي الأخ على أخيه، ويروج للطائفية البغيضة، ويعمل على فرض وصاية حديثة على سورية كحكم الانتداب السيئ الذكر، ولا يوفر جهداً في الخداع والتدليس وقلب المفاهيم، ما أوصلنا إلى واقع منحط، يطلق فيه لقب الثائر على أبطال الجلاء الذين ساهموا في طرد الاحتلال الفرنسي، وفي الوقت نفسه على من يجهد لإعادة الوصاية الاستعمارية ذاتها على سورية.

واليوم وبعد مرور عامين على الاقتتال الداخلي وعلى التدخل الأجنبي السافر، فإننا في اتحاد الشباب الديمقراطي السوري، وفي هاتين المناسبتين « ذكرى الجلاء وذكرى تأسيس اتحاد الشباب »، نذكر جميع المواطنين الشرفاء بأن العام الثالث على الأزمة إذا ما استمرت الأمور كما هي عليه لن يجلب لسورية إلا مزيداً من القتل والدمار والتدخل الاستعماري، ونذكر أيضاً بأن الحل السياسي المتمثل بالحوار الوطني الشامل – بعد إخراج المعتقلين السياسيين ممن يتمتعون بكفاءات ستغني عملية الحوار – والذي وضعت أولى لبناته في شهر تموز 2011 هو المخرج الوحيد المعقول من هذه الأزمة التي تحيق بسورية، مهما تضاءلت فرصه أو صعب تنفيذه. فالحوار الذي نتكلم عنه هو الكفيل بتوحيد الجهود لإخراج وضرب العناصر الدخيلة على الأزمة السورية بقوة الجيش العربي السوري، والحل الفوري للأزمة التي يعانيها المهجرون وتحديداً الذين يعانون الأمرين في مخيمات اللجوء في دول الجوار وإعادتهم إلى منازلهم أو تأمين إقامة لائقة مؤقتة لمن لا منزل له، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، والشروع بوضع خطط لإعادة إعمار ما خرب أو تهدم من بنى تحتية صناعية وعلمية وسكنية، ومحاكمات علنية لكل من ثبت تورطه بجرائم حرب أو بجرائم اقتصادية أو اجتماعية طالت أمن الوطن والمواطن، مهما كانت الأطراف التي ينتمي إليها، وعقد مصالحة وطنية تلعب دوراً في رأب الصدع الذي طال جسد المجتمع السوري، وصولاً إلى العمل على سن دستور جديد للبلاد يتوافق عليه السوريون يضمن بشكل قاطع حقوق الكادحين والفئات الشعبية ويكرس علمانية الدولة ويطلق الحريات السياسية.

النور العدد 576

الثلاثاء 23 أفريل 2013


Nombre de lectures: 159 Views
Embed This