DzActiviste.info Publié le sam 3 Nov 2012

بأي حال عدت يا نوفمبر

Partager

بأي حال عدت يا نوفمبر؟ « نزّل راسك يا بّا »… لا عزة ولا كرامة في جزائر 2012

 

إيناس نجلاوي                                                 

 

أصيب جحا في عقله واعتقد انه حبة قمح. وكان كلما رأى دجاجة، أسرع خوفا من أن تأكله فأدخلته زوجته مستشفى للأمراض العقلية لعلاجه، وعندما تأكد الأطباء من شفائه سمحوا له بالخروج. وقبل أن يصل إلى منزله، رأى مجموعة من الدجاج في الشارع فعاد إلى تخوفه:

 

_ الدجاج.. يا الهي! الدجاج يريدون أكلي، أخفني يا امرأة.. خبئيني..

 

_ الزوجة: هل عدت إلى مرضك يا جحا؟ ألم تفهم بعد انك لست بحبة قمح؟

 

_جحا: ليس المهم أن افهم أنا. المهم أن يفهم الدجاج أنني لست حبة قمح!!

 

 

ليس المهم أن تفهم فرنسا الاستعمارية أننا نلنا استقلالنا منذ صيف 1962 بقوة الإيمان والسلاح، المهم أن يفهم نظامنا الحاكم بأننا مستقلون عن فرنسا منذ 50سنة، وأن يتوقف من يديرون شؤوننا عن التصرف كشلة مرتزقة يقدمون قرابين البترول ويقومون بكل المهام القذرة لترضى عنهم فرنسا وتطيل أمد وجودهم وبقاءهم فوق رؤوسنا. ليس المهم أن ترغب فرنسا بإقامة قاعدة في مالي كي تحُول دون استئثار أمريكا بالقارة السمراء، المهم أن يحافظ نظامنا على أمن الجزائر القومي وأن لا يزج بالجيش الجزائري ليحارب في صحراء قاحلة نيابة عن جيوش فرنسا وأمريكا وقوات الناتو الموزعة بين أفغانستان وليبيا. ليس مهما أن تترك هيلاري زوجها يعربد مع الشقراوات وتأتي في زيارة خاطفة للقاء مومياء الجزائر (الذي فقدت عيونه القدرة على أن ترمش) للاستفادة من خبراته في التعامل مع التوترات التي تشهدها القارة الإفريقية، المهم أن تتوقف دبلوماسيتنا المصابة بالانفصام التعنت حين يستلزم الحال التحرك الايجابي، والتراجع المخزي حين يستوجب الأمر الثبات على الموقف…

 

فجرّ ثورة نوفمبر المباركة 22 شابا؛ رأوا أن في مقدورهم مواجهة آلة الاستعمار الفرنسية الغاشمة و عرفوا أن مصير الجزائر الحرة لن يتقرر سوى عبر ثورة مسلحة شاملة. ألقى المغامرون الأشاوس الثورة للشارع، يقينا منهم أن الشعب الجزائري الأبي سوف يباركها ويحتضنها و ينضم إليها. وتحولت الفكرة إلى ملحمة تحررية تتداولها الصحائف جيلا بعد جيل. لكن النظام الحالي الذي يملك الحجر والشجر والعباد ويدير واحدة من أغنى الأراضي ويتحكم في أكبر جيش في شمال إفريقيا، يأبى الاعتراف باستقلالية الجزائر ويتصرف وفق منطق المسيّر لمستعمرة ويدين بالولاء والتبعية لفرنسا والغرب عموما ويربط استمراريته برضا القوى الكبرى عنه.

 

الفرق بين مفجري الثورة والزمرة الحاكمة، أن الأوائل كانوا أحرارا من قيود العبودية، مؤمنين بإرادة الشعب الجزائري على الإنعتاق من الاحتلال ومتسلحين بالعزة والكرامة. أما الحاكمون اليوم فهم أسرى خوفهم وتجاهلهم للشعب، أسرى عمالتهم للاستعمار القديم، وأسرى ذنوبهم في حق الجزائر. الفرق بينهم وبين أبطال نوفمبر أنهم تبرؤوا من العزة والكرامة و ارتضوا تمريغ كرامة الجزائر في الوحل مقابل الجنسية المزدوجة و « الحصانة الفرنسية ». والخارجية « الجزائرية » (التي يتنصل منها كل الجزائريين) بوزيرها البليد هي لسان حال الزمرة الحاكمة ومصدر هوان الجزائر على الصعيدين الداخلي والعالمي. ولو كتب للشهداء العودة للحياة، لأصدر البطل بن بولعيد أمرا بإعدام مراد مدلسي بتهمة الخيانة العظمى…

 

الدبلوماسية الجزائرية (دبلوماسية الخزي و العصيان و تخشان الراس) تمثل للشعب الجزائري ما يمثله الولد العاق لأبيه! و كلما تمنى الشعب أمرا، سارت سفينة الخارجية « الجزائرية » في الاتجاه المخالف..

 

   لم تكن أزمة الجزائر-مصر سوى لعبة بين مخابرتي البلدين. أرادوا في مصر إشعال حرب كلامية ضروس تنتهي بفوز المنتخب المصري وتتويج جمال مبارك كولي عهد في خضم الفرحة و »نشوة الانتصار ». أما في الجزائر فرغبوا –كالعادة- في إلهاء الشعب، خصوصا وأن فوز الخضر في مباراة تصفية لكأس العالم يعتبر انجازا بوتفليقيا عظيما ونقطة في صالح النظام. وعوض غض الطرف عن تجاوزات الإعلام المصري الجاهل الذي لا يعلم أن العربية هي اللغة الأم والرسمية للجزائر ويحسب أن الجزائريين يقضون 11 شهرا في السنة يتسكعون في شوارع الشانزليزي، أشعلت صحف المخابرات « الشروق » و « النهار » نيران الفتنة وانساقت الخارجية عبر سفيرها في مصر آنذاك عبد القادر حجار. كان من الحكمة ومن العروبة السكوت عن خطأ الأخ الكبير حتى لا تتفاقم الأمور، فما وحدّه الدين والتاريخ والعروبة من السخف والعار أن تفرقه مباراة كرة قدم. أخذت الحمية نظامنا وقرر الثأر لإهانة الشهداء الأبرار وثورة المليون ونصف مليون شهيد، فأوقف إمدادات الغاز نحو مصر وتقلصت الرحلات الجوية من و إلى مصر وتعطلت الاستثمارات المصرية في الجزائر، واعتقد الشعبان أن الحرب قائمة لا محالة!

 

كان ذلك في نهاية 2009، واعتبر المطبلون للنظام الموقف بطوليا ورادعا ضد أي محاولات مستقبلية للتقليل من شأن أرض الشهداء. ويشاء القدر أن يتكرر السيناريو أواخر 2012، لكن هذه المرة فرنسا هي التي تتطاول على ثورة الجزائر وفي شهر الثورة! فهل أعلنت الحكومة الجزائرية التعبئة الشعبية وقطعت العلاقات الدبلوماسية وأوقفت المعاملات التجارية كما حدث مع الشقيقة مصر؟ أم أن السكوت حكمة حين يكون المعتدي فرنسا (أسد على مصر، فأر مع فرنسا)؟

تابعت بسخرية بهجة بعض الجزائريين وصحف النظام باعتراف سيد الايليزي الجديد هولاند لأول مرة بمجازر 17 أكتوبر 1961. تمادى الجزائريون في أحلام اليقظة وسوقت الصحف لبوادر اعتراف كامل بجرائم الاستعمار، وكأن الاعتراف سيعيد الشهداء ويمسح دموع الثكالى والأرامل واليتامى ويمحي كل مخلفات الاستعمار، وكـأن الاعتراف الشفوي سيكتب صك استقلال جديد ويخرج الجزائر من بوتقة فرنسا! ومنذ متى كان القوي المتكبر يرّق فيتنازل للضعيف ويعتذر له عن كل ما بدر منه من إساءات وتجاوزات (كانت عن سابق إصرار وترصد)؟

 

لم يكن ذاك الاعتراف الشفوي الهزيل المنخفض الصوت سوى مسّكنا لحظيا يقدمه النظام للشعب –المتعطش لبطولة- في مقابل تمرير التحول الجذري في موقف الخارجية الجزائرية من تبني الحل الدبلوماسي في مالي إلى قبول التدخل العسكري. وربما قد يكون أيضا في نية هولاند إعادة فتح ملف الأقدام السوداء أي الاعتراف بمجازر أكتوبر 1961 مقابل طي صفحة الاستعمار وعودة الحركى إلى التراب الجزائري واستعادة أملاكهم أو تعويضهم من الدولة الجزائرية!

 

يبدو لي أن مشاكل العرب من الماء إلى الماء تتلخص في عدم استعمال العقل والاستعاضة عن نعمة التفكير بتقبل كل ما تطرحه أنظمتنا على ساحة (اللإدراك). وكأننا منومون مغناطيسيا؛ نساق كالنعاج ونركن إلى إلغاء المنطق، وإلا فلماذا يسعى الجزائريون لافتكاك اعتراف واعتذار من فرنسا إذا كانت ثورتهم واستقلالهم قد كتبا بدماء الشهداء الطاهرة؟ فلتقض فرنسا بحقدها وحسرة هزيمتها ولتمض سفينة الجزائر نحو مستقبل أفضل بلا عملاء لفرنسا…

 

استبشر نظامنا خيرا بالفتات التي تكرم هولاند برميه علينا، ما دفع وزير المجاهدين –محمد الشريف عباس- إلى دعوة فرنسا لتقديم اعتذارها وندمها إلى الجزائريين عن كل جرائمها من 1830 إلى 1962. ولم يتأخر الرد الفرنسي العاجل في الوصول ومن جهات متعددة تتفق في تباهيها باحتلال فرنسا للجزائر واعتزازها بماضي بلادها الاستعماري الدموي وجسارة قادتها الذين شنوا الحرب على الجزائر. فقد ورد في خطاب لوزير الصناعة الفرنسي السابق –كريستيان أستروز- عبارة « الجزائر الفرنسية ». وعشية الاحتفال بالذكرى الـ58 لحرب التحرير، رد وزير الدفاع الفرنسي السابق –جيرارد لونغيت- على مطالب وزير المجاهدين بـ « ذراع اللاشرف »؛ بحركة غير لائقة وغير أخلاقية على المباشر في قناة تلفزية خاصة بمجلس الشيوخ. و برّر لونغيت سوء أدبه بالتصريح أن « فرنسا لا تشعر بالندم بأي حال من الأحوال على تواجدها بالجزائر خلال الفترة الاستعمارية ».

 

ويوم الخميس 1نوفمبر2012 الموافق لاندلاع ثورة التحرير سئل نائب الجبهة الوطنية الفرنسي –جلبرت كولار- عن تصرف السيناتور لونغيت المشين فرفع يده وأعاد نفس الإشارة الفاضحة كتعبير عن تضامنه مع مواطنه، ثم زاد فقال: « لقد فعل حسنا، وهو في الأخير يملك بعض الشرف على امتداد ذراعه. وأنا أضيف ذراعا آخر إلى ذراع السيد لونغيت ثم ننتقل إلى مواضيع جدية. (…) ثم أنه أبلى جيدا وآمل أن وسائل الإعلام قد ضخمت وركزت على ذراع الشرف بحيث يستقبله أولئك الذين يطالبوننا بالتوبة في وجههم بشكل مباشر »!!!

 

 

ياللعار! في ظرف اقل من 24 ساعة تستقبل الجزائر ذراعي لاشرف من المستعمر السابق إحتفاءا بذكرى مرور 58سنة على تفجير ثورة التحرر المباركة التي ضاعت مع مرور الوقت وتلاشت نشوة الاستقلال بفعل الامتهان المستمر للكرامة الجزائرية وغطت على عزتنا رائحة الخيانة والعمالة العفنة.

 

وبالحديث عن الثورة، نذكر جيدا أن حادثة مماثلة كانت سببا في تحريك الأسطول الفرنسي وإعلان الحرب على الجزائر حين لوّح الداي حسين بمروحته في وجه القنصل الفرنسي المتغطرس الذي قلل من احترام حاكم الجزائر. حادثة المروحة تلك كلفتنا احتلالا دام لأزيد من 130 سنة، أما حادثة الذراع فأسقطت آخر أوراق التوت عن عزة وكرامة الجزائر. حكومتنا مررت الأمر مرور الضعاف معتقدة أن تجاهله يعني عدم حصوله. وفي منتصف ليلة الثورة، انطلق صوت الرصاص من الثكنات ورفع العلم وسمع النشيد الوطني من مقام الشهيد وكأن شيئا لم يكن. لكن الجزائري لم يحتفل ولم يشعر بالفخر بل غمرته الحسرة على تضحيات الشهداء التي ذهبت في مهب الرياح اللاكوستية.

 

بأي حال عدت يا نوفمبر؟ وماذا صار يمثل نوفمبر للجزائريين؟ نوفمبر أصبح شهرا عاديا لايختلف عن بقية الأشهر التي لم نعد نحس بمرورها. ننتظر كل عام الفاتح من نوفمبر لأخذ عطلة، للاستراحة من الدراسة أو العمل باعتباره يوم عطلة رسمي! نعيب نظامنا والعيب فينا أيضا!

 يقول منظر الحضارة مالك بني نبي: « إن التعاون بين الدولة والفرد على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، هو العامل الرئيسي في تكوين سياسة تؤثر حقيقة في واقع الوطن. وإذا ما تعذر هذا العامل، فإن القطيعة المعنوية سوف تعزل الدولة عن الوطن وتشل الطاقات الاجتماعية. » هذه القطيعة الدائمة بين الدولة الجزائرية والفرد الجزائري شلت النخوة الجزائرية وضيّعت الثورة وقيمة الوطن ومفهوم الجهاد لحفظ التراب الجزائري من كل سوء وشر محدق به. الثورة سُرقت، تلوثت في مستنقعات الخيانة ونسبت زورا لأسماء بلا هوية تخرجت من الأكاديميات العسكرية الفرنسية وعملت تحت لواء جيش الاستدمار الفرنسي. تشوهت ثورة أبهرت العالم بفعل خطب عصماء يلقيها منافقون –من مخلفات الثورة- يمجدون فيها انتصارات لم نلمسها في حياتنا، ويفخرون بحرية لم نستنشق رحيقها…

 

أشعر بالخزي من النشيد الوطني الذي كتب في زنزانة بدماء مفدي زكريا، وبالخيبة حين نتداول صور شهداءنا الذين اعدموا ليمنحونا غدا أفضل وجزائر حرة لم نحافظ على استقلالها ولم نقدر غلاوة ترابها المروي بدماء رجال ونساء عشقوا كل شبر من الجزائر وضحوا لأجلها بالغالي والنفيس…  

 

في الذكرى الـ58 لحرب نوفمبر ستعود فرنسا عبر جسر جوي يمتد إلى مالي، وسنحتفي بقوات الناتو في صحراءنا وسيزج بجيشنا بأمر من أمريكا في حرب حدودية لا أحد قادر على تحديد نهايتها. قيل لنا « فوطو ولا الناتو » (ترجمة لإخواننا العرب: « اخرجوا للانتخاب أو يأتي الناتو »). أما اليوم بإمكاننا أن نردد بحسرة « نوفمبر جاب الناتو » و « نزل راسك يا بّا » لأن كفاح نوفمبر تحول إلى خدعة بصرية وخرافة شعبية!!

 

كل نوفمبر وانتم أحرار، كل ثورة وانتم أحفاد زبانة وبن بولعيد و بن مهيدي، كل استقلال والجزائر في عزة وكرامة!!

 

                                                                                                                                                                             بقلم: إيناس نجلاوي– خنشلة

                                                                                                                                                                              أستاذة بجامعة تبسة- الجزائر           


Nombre de lectures: 182 Views
Embed This