DzActiviste.info Publié le lun 25 Mar 2013

بابا الفاتيكان الجديد في مواجهة أحرار أمريكا اللاتينية

Partager

في الثامن والعشرين من شهر أيلول عام 1978 وجد بابا روما يوحنا بولص الأول (وترتيبه المتسلسل 263 بين باباوات روما) ميتاً في غرفة نومه في الفاتيكان. والرواية الرسمية تحدثت أنه توفي نتيجة احتشاء في القلب عن عمر يناهز 67 عاماً (شاب نسبياً بالنسبة للعمر الوسطي للباباوات في الحقبة الحالية). ولكن فوراً انتشرت الشائعات بأنه قد اغتيل في يوم ولايته الثالث والثلاثين، وهي أقصر ولاية باباوية في الحقبة الحالية أيضاً. فلم يشهد الفاتيكان طريقا كانت ولايته بمثل هذه البرهة منذ عام 1605.

والإشاعات حول الوفاة القسرية للبابا يوحنا بولص الأول كانت لها أرضية، فلقد كان الكاردينال البينو لوتشاني، وهذا هو اسم البابا يوحنا بولص الأول، عند ولادته، يتميز بالديمقراطية في التعامل وبتوجهه بنأي الكنيسة عن الأمور الدنيوية. وهذا الشيء كان غير مقبول في معمعان الحرب الباردة، كما أن البينو لوتشاني انحدر من عائلة عامل بناء ذي ميول اشتراكية. وعند توليه الكرسي الرسولي، عندما سأله الصحفيون عن أحب الكتـّاب لديه ذكر أسماء مارك توين ووالتر سكوت وتشارلز ديكنز وفرانتشيسكو بتراركا وغيلبرت تشيسترتون. طبعاً هذا ذوق أدبي غير معتاد بالنسبة لباباوات الفاتيكان. فبين الكتاب المحببين الذين ذكرهم البابا يوحنا بولص الأول، من الممكن تصنيف فقط هيلبرت تشيسترتون كمؤمن صالح. وصحيح أن بتراركا كان كاثوليكياً إلا أنه وصف الفاتيكان بالماخور، ووالتر سكوت وتشارلز ديكنز كانا بروتيستانتيين (أتباع الكنيسة الإنجيلية) ومارك توين هذا الكاتب الأمريكي الساخر والكاره للرأسمالية، كان ملحداً وبكل صراحة.

إلى جانب ذلك فقد سمح الكاردينال لوتشاني (يوحنا بولص الأول لاحقاً) لرعيته أن تدخل الحزب الشيوعي الإيطالي، بشرط الحفاظ على الإيمان الكاثوليكي. هذا مع تحفظه المعلن والواضح على الخطة التي طرحها الشيوعيون الطليان في « المساومة التاريخية » مع البرجوازية. ربما كان المرحوم يريد أكثر من ذلك، كما أنه صرح في إحدى مقابلاته بأن الإلحاد جاء نتيجة الخلل بين الأقوال والأفعال للمسؤولين الكاثوليك. فإذاً كانت هناك كل التبريرات لإزاحته.

ولكن إلى جانب كل ما ذكر، فقد كان هناك سبب أكبر لغياب هذا البابا. فالأوساط المتطرفة في رجعيتها كانت تريد إيجاد بابا يسهم إسهاماً كبيراً في الحملة الصليبية المعلنة ضد الشيوعية، ساعية بالدرجة الأولى إلى توجيه الضربة إلى المعسكر الاشتراكي. وهكذا جرى تنصيب كارول يوزف فويتيلا، الكاردينال البولوني بابا لروما في 16 تشرين الأول عام 1978. ولم يكن تنصيبه صدفة، فقد عُرف فويتيلا ومنذ شبابه المبكر بكونه محافظاً وعدواً لدوداً للشيوعية. وأثناء الحرب العالمية الثانية عمل فويتيلا الشاب مع المخابرات البريطانية. ولا توجد أي دلائل أنه قطع علاقته هذه بعد انتهاء الحرب، وربما بسبب ذلك ترقى فويتيلا بسرعة في السلم الكهنوتي، حتى أصبح كاردينالاً وأسقفاً لكراكوف ثاني أكبر المدن البولونية. وبعد استلامه لكرسي الباباوات في روما، صب يوحنا بولص الثاني جل اهتمامه لإسقاط النظام الديمقراطي الشعبي في بولونيا، كما في الدول الأخرى من المعسكر الاشتراكي. يقول « ليش فاليسا » رئيس حركة التضامن المناهضة للاشتراكية، وأول رئيس لبولونيا الموالية للإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية، حرفياً ما يلي: « دون إسهام البابا يوحنا بولص الثاني ما كنا استطعنا القضاء على الشيوعية في بولونيا، أو على أقل تقدير، لكان حدث ذلك بشكل متأخر كثيراً ». نعم كان فويتيلا محباً لكل أعداء الاشتراكية من فاليسا إلى غورباتشوف. كما أن يوحنا بولص الثاني حارب بضراوة فلسفة « لاهوت التحرير » التي اعتنقها وسار على نهجها الكثير من رجال الدين في أمريكا اللاتينية. هذه الفلسفة التي تمزج بين تعاليم المسيح ومبادئ الماركسية وتدعو إلى مكافحة الاستعمار والطغيان الديكتاتوري وعدم العدالة المفجعة في توزيع الدخل التي تميزت بها دول أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. بل إن البابا يوحنا بولص الثاني لم يتوقف أمام طرد أنصار « لاهوت التحرير » من السلك الكنسي، كما حدث ذلك في نيكاراغوا، عندما دعمت الكنيسة هناك الثوار الساندينيين. وكان يوحنا بولص الثاني لا يخفي مشاعر المحبة والصداقة نحو أوغوستو بينوشية ديكتاتور تشيلي الدموي. وقد كانت تربط يوحنا بولص الثاني علاقات متميزة مع الحركة الصهيونية العالمية، وهذا الشيء طبيعي لمثل هكذا شخص. فقد قال ليهود روما عند زيارته لكنيسهم (وهي أول زيارة باباوبة في التاريخ)، قال لهم: أنتم أخواننا الكبار « هكذا! ». وفي نهاية عام 1993 أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الفاتيكان وإسرائيل. وعند وفاة البابا يوحنا بولص الثاني في 2 نيسان (أفريل) عام 2005 أبّنه (من التأبين) أرييل شارون بالكلمات التالية: « لقد كان يوحنا بولص الثاني صديقاً للشعب اليهودي، وكان معترفاً تماماً بحق اليهود في أرض إسرائيل ». أما جورج بوش الابن فأطلق على البابا المتوفي تسمية: « فارس الحرية ». طبعاً فإن الطيور على أشكالها تقع كما يقول المثل. على كل الأحوال خلفه في هذه المهمة الكاردينال الألماني يوزف راتسينغير الذي حمل اسم بينيديكتوس السادس عشر، ولم يختلف الخلف عن السلف بشيء جوهري، فلم يكن بينيديكتوس هذا، لا نصيراً للحرية ولا للأحرار في العالم، ولا صديقاً للعرب، كما روجت لذلك حتى بعض الصحف «اليسارية» (الأخبار البيروتية على سبيل المثال) ولا هم يحزنون. فإذاً لماذا استقال (ومن حسن حظه لم يغيب، كما حدث ذلك ليوحنا بولص الأول)، بينديكتوس (راتسينغير)؟
استقال لكي يقعد في مقعده بابا من أمريكا اللاتينية، فهذا ما تتطلبه مخططات القوى الرجعية في سعيها لضرب الحركة التحررية لشعوب هذه القارة الناهضة. والتوجه هذا غير مخفي. فبعد تنصيب خورخي ماريو برغوليو، ذي 76 حولاً (عاما)، الأرجنتيني من أصل إيطالي بابا لروما رقم 266، حاملاً اسم فرانسيس الأول، شرح فيتوريو ميسوري في جريدة « كوريري ديلاسيرا » الإيطالية اليمينية الأسباب الرئيسية لهذا الاختيار. والجدير بالذكر أن ميسوري يعتبر من أبرز الخبراء في شؤون الفاتيكان، وهو يقول: « إن مجلس الكرادلة (الكونكلاف) عزم على هذا الاختيار، كما كان سابقاً الحال مع كارول فويتيلا، لأسباب جيوسياسية. فلقد كان ذلك خياراً صحيحاً لنشر الذعر لدى أنصار الاتحاد السوفييتي. إنه كان شرخاً، الذي توسع باستمرار وأدى إلى انهيار « أسوار الإمبراطورية ». وفي حالنا يشير ميسوري، كان هناك خياران، إما انتخاب صيني، أو انتخاب أمريكي لاتيني، وجرى تفضيل الخيار الثاني، من أجل التركيز على الأزمة المتفاقمة في أمريكا اللاتينية. وربما في المرة الثانية سوف يجري اختيار الصيني، من أجل مواجهة العملاق الصاعد. طبعاً أهمل الكاتب أن غالبية سكان الصين، ليست من الكاثوليك، على عكس حال سكان أمريكا اللاتينية. فإذاً المسألة واضحة، الاختيار الديني له أرضية دنيوية وسياسية، وهي مواجهة الأخطار التي تهدد هيمنة القوى الإمبريالية – الأورو – أمريكية. وماذا حول تعاليم يسوع المسيح الذي أشار بوضوح أن ما لله لله وما للقيصر للقيصر؟.

من المعروف أن حوالي نصف عدد الكاثوليك، والبالغ تعدادهم في كل أنحاء المعمورة، قرابة 1.1 مليار شخص، يعيش في أمريكا اللاتينية. فتسعين بالمئة من سكان هذه القارة هم إما كاثوليك أو من أصول كاثوليكية. ولكن إلى جانب ذلك، من المعروف أن أمريكا اللاتينية والتي كانت تعتبر « الحديقة الخلفية » للولايات المتحدة الأمريكية، عانت كثيراً من الفقر والاضطهاد وسياسة « العصا الغليظة » التي كان يطبقها الجار الشمالي، وما زال يسعى إلى ذلك. فقد أحصى المؤرخون أن الولايات المتحدة الأمريكية أدخلت قواتها العسكرية أكثر من مئة مرة إلى دول أمريكا اللاتينية. هذا عدا دعمها، بل تنظيمها لانقلابات عسكرية دموية، ضد الأنظمة التي تجرأت على مواجهة الإمبريالية الأمريكية، كما حدث ذلك في غواتيمالا عام 1954 والبرازيل عام 1964 والتشيلي عام 1973 والأرجنتين عام 1976. وهنا نذكر على الهامش أن خورخي بيرغوليو – البابا الجديد- كانت له علاقات جيدة مع الطغمة العسكرية الدموية التي حكمت الأرجنتين، ومن ثم مع حكم كارلوس منعم المتميز بالفساد والتوجهات الليبرالية الاقتصادية. أما حول علاقته مع الحكومات التي أتت في العشرية الأولى من القرن الحالي، وذات التوجه الشعبوي، المناهض في بعض الجوانب للإمبريالية الأمريكية، فكانت علاقة أسقف بوينس أيرس ــ برغوليو معها تتميز بالفتور. لقد اشترك الكثير من رجال الدين الكاثوليكي في الحركات التحررية ضد الهيمنة الإمبريالية الأمريكية وطغيان طغاة المال وحكم العملاء الدموي. هؤلاء كانوا من أنصار « لاهوت التحرير ». ولكن خورخي برغولوليو، لم يكن منهم، بل كان لهم بالمرصاد. فالراهب المنتمي للرهبانية اليسوعية بقي وفياً لتقاليدها، منذ تأسيسها على يد اغناطيوس لويولا عام 1534، في مكافحة أي توجه تقدمي في المجتمع وبكل الأساليب. وهنا نشير إلى أن مقولة غوبلز التي نعرفها في عصرنا الحديث: « اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا فلابد أن يعلق شيء من هذا في أذهان الناس »، تعود جذورها إلى اغناطيوس لويولا الذي قال في حينه: « افتروا ثم افتروا، فلابد أن يصدقكم الناس في النهاية ». لاشك أن عامة الجمهور في أمريكا اللاتينية، والمتميز بحماسه الكبير لتشجيع فرق كرة القدم المحلية، استقبل بتهليل انتخاب أول بابا من أمريكا اللاتينية، وهو في الوقت نفسه أول بابا يسوعي معلن. ولم تأتِ صيحات الترحيب فقط من اليمين ومن الجمهور غير المسيس، بل أتت من بعض أطراف اليسار أيضاً. إذ أشاد بهذا الحدث نيكولاس مادورو، القائم بأعمال رئاسة الجمهورية في فنزويلا، الذي خمن أن هوغو تشافيز الذي وصل إلى السماء، أثرّ هناك في اختيار أمريكي لاتيني كبابا جديد للفاتيكان. ويطرح مادورو روايته على الشكل التالي: « نحن نعرف أن قائدنا (كوماندانتي) تشافيز وصل إلى السماء وهو موجود أمام المسيح. وهو فعل شيئاً لكي يأتي البابا من أمريكا اللاتينية، واستجاب المسيح ». قد تكون هذه الأقوال تعبيراً عن السذاجة، ولكن من الأرجح أن تكون خطوة شعبوية أثناء الحملة الانتخابية. لقد كان هوغو تشافيز كاثوليكياً مؤمناً واشتراكياً مخلصاً في الآن نفسه. ولو استطاع لصب جل جهده من أجل توجيه الكنيسة لصالح قضية التحرر والعدالة الاجتماعية. فالقناعة بوجود الجنة في السماء، ليست عائقاً أبداً، في السعي لبناء مثل هذه الجنة على الأرض.

هنري حداد

عن صحيفة صوت الشعب السورية

العدد 308 مارس 2013


Nombre de lectures: 116 Views
Embed This