DzActiviste.info Publié le sam 5 Jan 2013

بعض مسائل استراتيجية الحركة الشيوعية المستقاة من تجربة الحزب الشيوعي اليوناني

Partager

تمهيد:
يكتب هذا المقال يورغوس مارينوس، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني، لمجلة MARXISTISCHE BLÄTTER. ونظرا لأهميته النظرية والسياسية الآنية والاستراتيجية، يسر « الجزائر الجمهورية » تقديمه لقرائها الكرام، فإليكم نص المقالة:

« في الحقيقة، يَتطلب تطرقنا لمشاكل معقدة تشغل الحركة الشيوعية والعمالية وخصوصا تلك المتعلقة باستراتيجية الأحزاب الشيوعية وسياسة التحالفات، رفع مستوى النقاش الإيديولوجي- السياسي في قضايا تسجل تجاهها مقاربات مختلفة وخلافات، أي رفع المستوى ليبلغ إيداع حجج واختبار موضوعات وأطروحات مختلفة على أساس الواقع الذي نعيشه وعلى أساس مبادئ الماركسية اللينينية وتجربة الحركة الشيوعية والعمالية.

وعبر هذا الطريق، سيجري تجنب التحريمات الإقصائية لكي يسهم كل من النقاش والتجادل في استخلاص الاستنتاجات، وتعزيز العناصر الإيجابية المتواجدة في استراتيجية وتكتيك الأحزاب الشيوعية ورفض الموضوعات والأطروحات الخاطئة وتصحيحها.

وكل ذلك في سبيل هدفٍ واحد، يتمثل بوضع الحركة الشيوعية لأسس ثورية متينة وبتجاوز أزمتها، لتصبح مقتدرة على الكفاح من أجل تنظيم الطبقة العاملة، ومن أجل بناء التحالف الاجتماعي السياسي الضروري و امتلاك مستوى أعلى في محاولة تحشيد القوى بهدف تصعيد الصدام مع قوى رأس المال، من أجل إسقاط بربرية الرأسمالية، ومن أجل الاشتراكية.

مما لا شك فيه، أن كافة الأحزاب الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية، وكذا الأحزاب التي ارتدت عن مبادئ النظرية الكونية الماركسية اللينينية عبر الانحدار نحو الوفاق الطبقي والانتهازية، تقوم باتخاذ خياراتها الخاصة. فهي قد اختارت طريق إدارة الرأسمالية والدفاع عنها وذلك في استقلالية عن ذرائعها ومبرراتها المستخدمة.

إن مطلب الأحزاب الشيوعية المؤمنة بمبادئ الصراع الطبقي، وبالضرورة التاريخية للنضال من أجل إسقاط نظام استغلال الإنسان للإنسان وبناء المجتمع الجديد مجتمع الاشتراكية- الشيوعية، يتجلى في تكييف استراتيجيتها وتكتيكها مع الأهداف المذكورة المعبرة عن جوهر وسبب وجود الحزب الشيوعي، أي تقديمه أعظم مساهمة ممكنة لمصالح الطبقة العاملة والشرائح الشعبية.

1- لقد تحمل الحزب الشيوعي اليوناني المسؤولية المترتبة عليه، متقدماً عبر خطوات محسوبة ومدروسة في طريق شديد الوعورة، مع استخلاصه للخبرة من مسيرته التاريخية، ومع كفاحه لمعالجة نقاط ضعفه وتكييف استراتيجيته وتكتيكه، (على أساس استراتيجيته) مع حاجات تعبئة وتربية وتنظيم قوى عمالية شعبية في مواقع العمل والسكن في سبيل هدف غير قابل للتفاوض.

هو هدف القطيعة مع رأس المال الكبير والاتحادات الامبريالية من أجل إسقاط سلطة الاحتكارات، وإسقاط علاقات الإنتاج الاستغلالية واستبدالها بسلطة اشتراكية عمالية شعبية وعلاقات إنتاج اشتراكية.

هذا، وكان الحزب الشيوعي اليوناني قد قام منذ سنوات عديدة، في عام 1996 بتعديل استراتيجيته وتكتيكه في مؤتمره الـ 15 في توافق مع احتياجات جديدة منبثقة من تطور الرأسمالية وسيطرة وتعزيز رأس المال الاحتكاري، وكذا من اندماج اليونان في منظمتي الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الإمبرياليتين، حيث خلص الحزب من خلال دراسة الحالة الموضوعية، للتقدير بوجود تطور (أبعد) في علاقات الإنتاج الرأسمالية في اليونان، وبأن الرأسمالية في اليونان هي في أعلى مراحلها (الاحتكارية) الإمبريالية، متوصلاً إلى الاستنتاج بأن الشروط المادية للاشتراكية ازدادت نضوجا. كما ذكر المؤتمر المذكور أن عصرنا هذا، هو عصر الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، حيث تَوجه الصراع الطبقي هو نحو حل التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل، وبأن التغيير الثوري في اليونان سيكون اشتراكياً، حيث ستكون القوى المحركة للثورة الاشتراكية هي الطبقة العاملة كقوة قيادية مع أنصاف البروليتاريين وفقراء المزارعين والشرائح الشعبية البرجوازية الصغيرة المتعرضة لأشد الاضطهاد في المدينة.

وعلى هذا الأساس تم تحديد خط تعبئة ونضال معاد للاحتكارات والإمبريالية كأداة، وكوسيلة لحشد القوى، وأساس لسياسة تحالفات الحزب ونشاطه ضمن الحركة العمالية الشعبية، بهدف حل مشكلة السلطة، المركزية الطابع، والظفر بالسلطة الشعبية التي ستعيد بدورها تشكيل قاعدة اقتصادية ذات عنصر أساسي متمثل بالتملك الاجتماعي لوسائل الإنتاج المتمركزة وبالتخطيط المركزي.

وفي سياق هذا الاتجاه أجريت التعديلات اللازمة في المؤتمرات الثلاث التي تلت المؤتمر الخامس عشر، لإثراء استراتيجية وتكتيك الحزب. ويبرز هذا العنصر خصوصاً في المؤتمر اﻟـ 18 المنعقد عام 2009 حيث أثريت استراتيجية الحزب الشيوعي اليوناني عبر تثمين قرار خاص للمؤتمر موضوعه الأسباب والعوامل التي أدت إلى إسقاط الاشتراكية، اعتمد بشكل أساسي على تجربة الاتحاد السوفييتي.

فمن الجلي أن تكييف الحزب الشيوعي اليوناني لاستراتيجيته مع الاحتياجات الجديدة للصراع الطبقي، هو تكييف أخرج الحزب من منطق « المراحل » الذي كان سمة مميزة لاستراتيجية الحركة الشيوعية في العقود الماضية، وهو منطق ما يزال موجوداً في برامج العديد من الأحزاب الشيوعية.

يستند إثبات القرار المذكور للحزب الشيوعي اليوناني على الواقع الموضوعي الذي يؤكد انتفاء وجود نظام اجتماعي اقتصادي وسيط (بين الرأسمالية والاشتراكية- الشيوعية)، وبالتالي انتفاء وجود سلطة وسيطة، ذلك أن منطق منطق المرحلة الوسيطة يقود إلى وجود حالة انتقالية تعجز عن حل مشكلتين أساسيتين متعلقتين بالسلطة وملكية وسائل الإنتاج. وذلك بغض النظر عن موازين القوى التي من المحتمل تجليها عبر تحسن موقع حزب شيوعي معين في الانتخابات البرلمانية.

مما لا شك فيه أنه وفي حال غياب الانقلاب الثوري يبقى كل من السلطة ووسائل الإنتاج والثروة التي ينتجها الكادحون في أيدي البرجوازية، حيث سينتفي (موضوعياً) وجود الشروط اللازمة لتلبية الحاجات الشعبية، مع تأبيد الاستغلال الرأسمالي، وبالتالي فمثل هذا الوضع لا يذهب بعيداً، فهو سيراكم المشاكل الشعبية وسيفضح الحزب الشيوعي واضعاً إياه في حلقة مفرغة من الاندماج في النظام.

لقد شكلت الاستراتيجية الجديدة للحزب الشيوعي زخما معتبرا في نضاله، وذلك على الرغم من الصعوبات التي نجمت عن فترة الثورة المضادة وإعادة تنصيب الرأسمالية في الاتحاد السوفيتي وفي غيره من الدول الاشتراكية، وكذا على الرغم من تبعات أزمة الحزب الداخلية وانقسامه في فترة 1990- 1991، حيث احتل الحزب مواقع جديدة في النقابات العمالية وفي غيرها من حوامل الحركة العمالية الشعبية، وطور علاقاته مع الطبقة العاملة، والمزارعين، والشرائح الوسطى في المدينة، محققا خطوات هامة في مجال البناء الحزبي، وتطوير نشاطه في صفوف الشباب، حيث تعززت الشبيبة الشيوعية اليونانية، وامتلك الحزب حضوراً برلمانياً جوهرياً، وكان له إسهام كبير في محاولات إعادة بناء الحركة الشيوعية الأممية وفي مواجهة أزمتها الفكرية السياسية والتنظيمية.

نحن نعلم جيدا ماهية النهج المعارض للتوجه الاستراتيجي للحزب الشيوعي اليوناني ومجموعة الحجج التي يستخدمها ونقوم بطرح حججنا لنقاش وتمحيص في محاولة إبراز العناصر الموضوعية التي قادتنا نحو توجهنا المذكور. إن الرأسمالية هي نظام عفا عنه الزمن تاريخيا، ويستحيل على أي أسلوب إدارة إكسابه وجهاً إنسانياً. نحن نتحدث هنا عن الإدارة التقليدية الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية، وكذا أيضا عن تلك المتمظهرة بعباءة « يسارية » أو « يسارية جديدة » أو « تقدمية »، أو غيرها، التي أثارت بدورها نقاشات داخل صفوف الحركة الشيوعية.

نحن لا نبحث هنا في النوايا، بل أكثر من ذلك بكثير، لا نبحث حالات ساهمت فيها أحزاب شيوعية تربطها بحزبنا علاقات ثنائية جيدة، في كتل تتحمل مسؤوليات الحكم في بلدانها.

فنحن نركز على قوانين النظام عينها، وعلى القانون الأساسي لتملك فائض القيمة، والعمل غير المدفوع الأجر والربح من قبل الاحتكارات التي تشكِّل جوهر الطبيعة الاستغلالية للرأسمالية وليست بقابلة للتغيير عبر أية إدارة مهما كانت تسميتها، ما دام سريان عمل هذا القانون يحدد الطابع الاستغلالي للاقتصاد في استقلالية عن خلائط السياسات المطبقة.
كما نركز اهتمامنا على احتدام التناقض الرئيسي، أي التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والعمل الذي يشمل حركة الملايين من العمال منتجي الثروة (من جهة)، وبين التملك الفردي الرأسمالي لنتائج هذه العملية التي تسير في الوقت الحاضر في مستويات أعلى من ذي قبل، نظرا لاستحواذ رأس المال على كل من السلطة ووسائل الإنتاج (من جهة أخرى).

يقود هذا التناقض عينه إلى الأزمات الرأسمالية، وإلى اطراد عدوانية النظام ورجعيته، وهو أمر تبرزه تحديداً الخبرة الأخيرة من الأزمة الرأسمالية التي تضرب اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وايرلندا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان والدول الرأسمالية الأخرى وفقا لمرحلة دورة الأزمة في كل بلد.

إنه لمن غير الممكن تجاوز التناقض المذكور، عبر استخدام أي من خلائط إدارة النظام أو عبر التقليل من قيمة التناقض الأساسي تحت ذريعة « الخصوصيات الوطنية » التي تأسر أحزاباً شيوعية في مواقف مخطئة.

إننا نركز انتباهنا على العدوانية الامبريالية واحتدام النزاعات الإمبريالية الجارية من أجل السيطرة على المواد الأولية، وتقاسم الأسواق ومناطق النفوذ التي تشكل أساساً لنشوب الحروب الإمبريالية. وهذا لا ينطبق فحسب على الخبرة التاريخية من الحرب العالمية الأولى والثانية، بل ينطبق على غيرها من عشرات الحروب المحلية والإقليمية، والحروب التي نعيشها في أيامنا، كحروب يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا، كما ينطبق على التدخل الجاري في شؤون سوريا الداخلية، والتهديدات الموجهة ضد إيران، وخطر الحرب الإمبريالية الشاملة في شرق المتوسط والخليج والمنطقة المحيطة.

ولا سبيل لتجاوز هذه التناقضات والنزاعات عبر أية إدارة برجوازية، بل على الأكثر، تقود مواجهة العلاقات الدولية بنظرة لا طبقية ضارة إلى الارتهان لأفكار مسدودة الأفق حول « دمقرطة » التكتلات والمنظمات الامبريالية، كمنظمة حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، وإلى سراب ما يسمى بـ « عالم متعدد الأقطاب »، أو إلى الانحدار حتى المشاركة في حكومات شنت حروباً إمبريالية (كما هو الحال في الحرب ضد يوغوسلافيا) كان آخرها قد تجلى في تبرير ودعم الحرب الإمبريالية على ليبيا (انظروا إلى موقف شريحة من نواب المجموعة الكونفدرالية المتحدة لليسار الأوروبي / واليسار الأخضر الشمالي، في البرلمان الأوروبي).

إن الموضوعة القائلة أن الرأسمالية هي نظام عفا عليه الزمن تاريخيا لا تتعلق فقط باليونان، بل تنطبق على دول رأسمالية أخرى ذات موقع وسيط في النظام الإمبريالي، هي دول ضربتها الأزمة بشدة. وهي منطبقة على النظام بجملته بما في ذلك أقوى الدول الرأسمالية المتقدمة، التي يميزها وجود عنصر درجة عالية لاستغلال قوة العمل (نظراً لزيادة إنتاجية العمل) وربحية الاحتكارات العالية. ويستحيل في هذه الدول (كالولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وغيرها) إنكار واقع العجز عن تحقيق الحاجات الشعبية، عند بقاء معدل عالٍ للبطالة، وإلغاء حقوق العمل والضمان الاجتماعي مع تقليص الأجور والمعاشات وتسليع الخدمات الاجتماعية.

فيما يتمثل إذاً، الرد على الوضع المذكور من زاوية مصالح الطبقة العاملة والشرائح الشعبية من زاوية التقدم الاجتماعي؟.

يتمثل الرد عبر تطوير الصراع الطبقي، وتطوير النضال الإيديولوجي السياسي الجماهيري من أجل إسقاط همجية الرأسمالية، والأزمات والحروب والبطالة والفقر، التي يعاني منها ملايين العمال.

أي بتطوير الصراع الطبقي، أولا وقبل كل شيء على المستوى الوطني، حيث يتجلى بوضوح مباشر، تناقض رأس المال- العمل، وكذا بالتنسيق الفعال على المستوى الأممي مع الطليعة المتمثلة بالأحزاب الشيوعية والثورية، والقوى الاجتماعية التي لها مصلحة في النضال ضد الاحتكارات والرأسمالية، والتكتلات الإمبريالية.

إن الرد هو في النضال من أجل الاشتراكية. وهذا ليس مطلباً أكاديمياً، فهو ليس بمطلب في جملة غيره. إنه مطلب أساسي مسيطر يُحدِّد جملة باقي المطالب. أي أنه من غير الكافي وجود إشارة إلى مفهوم الاشتراكية في برنامج ووثائق حزب شيوعي معين، أو وجود قبول ضرورة وراهنية الاشتراكية. ويتم هذا عادة، ولكن له قيمة صغيرة عندما يطغى ظل الخيارات البرنامجية الأخرى على النضال من أجل الاشتراكية حيث يتصف التكتيك المعتمد بالتقطع لكونه ناجما عن تبني هدف وسيط إداري. و الأساسي هنا هو النضال من أجل الاشتراكية ومتطلبات هذا النضال.

لكيما يحدد هذا النضال وبالوجه العملي التوجه نحو الحركة العمالية، ونحو الإطار السياسي الذي يخوض الشيوعيون ضمنه المعركة ضد الاستغلال الرأسمالي، نحو مطالب وأهداف النضال وبناء الوحدة الطبقية للطبقة العاملة، ونحو سياسة التحالفات ومعالجات الحزب للمشاكل الشعبية، وذلك من أجل وضع النظام الاستغلالي وقوى رأس المال وتعابيره السياسية على كرسي الاتهام، ولإبراز حل بديل ليس بـ « تنمية » و »ديمقراطية » و »تقدم اجتماعي » بشكل عام غير محدد بل تنمية (اشتراكية) وفقاً لمعيار تلبية احتياجات الشعب دون الرأسماليين والربح الرأسمالي عبر مرور الثروة التي ينتجها العمال إلى أيديهم.

وفي هذه الحالة حصراً، في بيئة معادية جدا، حيث يستخدم الرأسماليون والدولة البرجوازية أحدث وسائل التضليل والقمع والتخويف، وحيث تنهمك الانتهازية في إفساد الضمائر، يمكنك تغذية تنمية الوعي العمالي الشعبي وأن يقوم العامل الذاتي بالاستعداد والنضوج والتناسب (قدر الإمكان) مع حاجات الصراع الطبقي، وأن يعطي ذلك دفعاً لنضال العمال لكي يقرروا مشاركتهم في النشاط في أصعب الظروف، وليصطدموا مع خصومهم الطبقيين كرديف للحزب الثوري.

خلافاً لذلك (أي دون خوض هذه المعركة)، ستتقبل الطبقة العاملة، والشرائح الفقيرة الشعبية التي تتواجد مصالحها (موضوعياً) على النقيض تماماً مع الرأسمالية، النظام الاستغلالي باعتباره حلاً وحيداً حيث ستنسحب من النشاط وستكون عرضة لكل تبعات نسخ الإدارة.

ويقول بعض الرفاق: « إن ميزان القوى القائم سلبي، ولا يمكننا الحديث عن إسقاط النظام، وعن الاشتراكية. »
ونجيبهم بحسم. إن المقاربة المذكورة هي مخطئة. فالثورة الاشتراكية بالطبع ليست على جدول الأعمال في الوقت الحالي، حيث لم تتشكل شروط الحالة الثورية التي هي تطور موضوعي يتعلق بأزمة سياسية عميقة ستُعبر بالضبط عما أشار إليه لينين في « إفلاس الأممية الثانية » حيث لا يستطيع من هم في « الأعلى » أن يحكموا على غرار الماضي، و أن لا يحتمل من هم في « الأسفل » أن يُحكموا كما في السابق.

ولكن هذا لا يعني أن الشيوعيين سوف  » يكتفون أيديهم »، بل سيسعون نحو بدائل إدارية ضمن منطق »أهون الشرين ». إن واجب الشيوعيين هو بذل محاولة كفاحية مستمرة لتنظيم الطبقة العاملة ولتغيير ميزان القوى في المقام الأول ضمن الحركة العمالية الشعبية، وليس فقط ضمن الإجراءات البرلمانية. وهذا بدوره تغيير لميزان القوى، مع إضفاء عناصر نوعية طبقية عليه، وهي عناصر الحل البديل الحقيقي الذي سيعد الطبقة العاملة لمعارك قاسية.

وفي كل الأحوال، لا تتحدد ضرورة الاشتراكية من ميزان القوى، ولا تتغير سمة عصرنا كعصر الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بسبب التغيرات المؤلمة الناجمة عن تحولات الثورة المضادة، بل إن ما يحكم وما حكم على مصير النظم الاجتماعية والاقتصادية التي سبقت الرأسمالية، هو نضوج الشروط المادية لبناء نظام اجتماعي اقتصادي أعلى في كل مرة، واحتدام التناقضات التي تتخلل النظام القديم، وهو احتدام تناقضي بين قوى الإنتاج وبين علاقات الإنتاج البالية التي تدمرها و تعيق تطورها.

إن الأمر المصيري في حاضرنا هو تناسب الطابع الاجتماعي للإنتاج والعمل مع الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج. وهذا هو الأساس الذي تنبثق منه ضرورة النضال من أجل الاشتراكية.

لا يستهين الحزب الشيوعي اليوناني بصعوبات الصراع الطبقي والتطورات المعقدة التي تواجهها الأحزاب الشيوعية عالمياً. وهو يرصد بعناية خاصة على سبيل المثال التطورات في أمريكا اللاتينية، معربا بثبات عن تضامنه مع نضال أحزابها الشيوعية، كما يدرس التفاعلات الجارية ضمن الشعوب، ومسار الحكومات المنتخبة بشعارات حل المشاكل الشعبية ويستخلص من هذه التجربة استنتاجات على أساس معيار السياسة المطبقة وطابعها الطبقي وبالطبع من موقفها تجاه مسألتين رئيسيتين: تجاه طبيعة السلطة وطبيعة ملكية وسائل الإنتاج.

وعلى هذا الأساس، نُسجِّل أن تشويه هاتين المسألتين الأساسيتين والتقليل من أهميتهما مع الاستعاضة عن الاشتراكية العلمية بمنطق ما يسمى بـ « اشتراكية القرن 21″، الذي تروِّج له قوى الاشتراكية الديمقراطية هو أمر يعني الانحباس في إطار وهم « أنسنة الرأسمالية » الذي ينزع سلاح كفاح الطبقة العاملة.

هذا وتُطرح ضرورة إسقاط الرأسمالية من قبل كلاسيكيي نظريتنا الكونية حتى من خلال « البيان الشيوعي ». وهم يطرحونه أكثر من ذلك بكثير، في السنوات اللاحقة عبر تقييمهم لتجربة »كومونة باريس » باعتبارها أول ثورة بروليتارية.

و يُعبر عن ذلك المقتطف التالي من المقدمة التي كتبها إنجلز عام 1888 لخطاب ماركس حول التجارة الحرة: « إن تبئيس الجماهير العريضة من الشعب هو نتيجة لفرط الإنتاج، الذي يولد إما أزمات دورية أو ركوداً مزمناً في التجارة، إن انقسام المجتمع إلى طبقة صغيرة من كبار الرأسماليين وطبقة كبيرة من العبيد المأجورين جوهرياً بالوراثة، هم بروليتارييون يتزايد عددهم بشكل مطرد، في حين يغدون وباطراد أيضاَ زائدين نظراً للآلات الجديدة التي توفر من استهلاك العمل البشري، أي أنه يولد بكلام مختصر الاصطدام بنهاية طريق مسدود، ليس له من مخرجٍ سوى إجراء تحول جذري في البنية الاقتصادية بأكملها المتواجدة كأساس لهذا المجتمع ».

لقد قدمت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، عبر طابعها الاشتراكي رداً عملياً على تساؤلات ثوار تلك الفترة وكذبت حوامل الانتهازية، وذلك في بداية القرن اﻟـ 20 حينها، في بلد متخلف رأسمالياً ذي سكان كُثرٍ من فلاحين وصغار البرجوازيين، حيث تم التصدي لهزيمة ثورة 1905 وكذا للهجمة والقمع القيصريين بشكل حاسم. وجرت إعادة تشكيل الحزب البلشفي تحت قيادة لينين، واكتسب الحزب الاستراتيجية الضرورية وتكتيكها، وتابع في ظل ظروف غير مواتية التحضير للانقلاب الثوري ليس فقط على الاستبداد الإقطاعي بل أيضاً على السلطة البرجوازية.

لم يقم لينين والبلاشفة باختيار « الشر الأهون » ولم « يتوهوا » في بحثٍ عن حلول إدارية، كما لم يسلموا بصورة مطلقة بسلبية موازين القوى الذي كان ضدهم ولصالح الانتهازيين ضمن السوفييتات والجمعية التأسيسية قبل ثورة أكتوبر بقليل.

لقد حسم البلاشفة أمرهم بشكل مطلق: « لا تقديم لأي دعم للحكومة المؤقتة »، كما ذكر لينين في موضوعات أبريل عام 1917 « إن انتقال سلطة الدولة من أيدي طبقة معينة إلى أيدي طبقة أخرى هي أول سمة رئيسية من سمات الثورة، وذلك على حد سواء من الجانب العلمي الصارم لمفهومها وعملياً من الجانب السياسي لمفهوم الثورة ».

إننا نذكر هذا آخذين في اعتبارنا النقاش الجاري ضمن الحركة الشيوعية في هذه الفترة، ونكرر أن العامل الحاسم هو تغيير الطبقة المتواجدة في السلطة وأن هذا التغيير ممكن الحصول عليه حصرياً من خلال الطريق الثوري كما ثَبُت من خلال التجربة التاريخية الطويلة القادرة على الحماية من الأوهام البرلمانية. آخذين في الاعتبار لحقيقة انعدام سقوط نظام الاستغلال في أي زمان ومكان من خلال العمليات البرلمانية.

لقد تكلم الكلاسيكيون عن إسقاط الرأسمالية وضرورة الاشتراكية في أواخر القرن الـ 19 وبداية القرن اﻟـ 20، وقد نضجت الشروط المادية في حاضرنا لدرجة لا تقارن مع حينها، لذا يستحيل علينا وليس لنا الحق في العودة للوراء.

يقول بعض الرفاق:  » إن ظروف هذا البلد مختلفة عن غيره ». نعم بالطبع، إن فاعلية قانون التطور غير المتكافئ يؤدي إلى نشوء اختلافات في مستوى تطور الرأسمالية، حيث من الممكن وجود اختلافات في البنية الاجتماعية لكل مجتمع رأسمالي، وفي مستوى نضج وعي الطبقة العاملة وفي ميزان القوى. يأخذ كل حزب شيوعي في اعتباره لهذه العناصر (ينبغي أخذها في الحسبان) أثناء رسم استراتيجيته وتكتيكه وسياسة تحالفاته، ولكن هناك بعض القواعد العامة والمبادئ الأساسية التي أدت حين انتهاكها إلى الانحراف وحتى الوصول إلى ما يسمى بـ « الشيوعية الأوروبية » التي داست وألغت كل مبدأ ثوري بذريعة الخصوصية القومية. إن تطور الرأسمالية، وظهور الاحتكارات الشامل هي المسألة الرئيسية التي تحدد تواجد النظام في آخر مراحله أي في مرحلته الإمبريالية وتُشدد على حقيقة نضوج الشروط المادية لبناء النظام الجديد، لبناء الاشتراكية- الشيوعية.

لقد تكلم كلاسيكيو نظريتنا الكونية ومنذ العديد من السنوات عن جوهر مسألة الخصوصيات القومية، حيث من المفيدٌ جداً تطرق إنجلز الكلاسيكي، حيث شدَّد في سياق مقدمة الطبعة الأمريكية لعمله « وضع الطبقة العاملة في إنجلترا » على ما يلي: « إن أسباب نشوء فجوة لا يمكن ردمها بين الطبقة العاملة وطبقة الرأسماليين هي عينها في أمريكا وأوروبا، كما أن وسائل التغلب على هذه الفجوة هي مشتركة أيضا. وبالتالي يتوجب على برنامج البروليتاريا الأمريكية أن يتماشى باطراد مع تطور الحركة ومع البرنامج المقبول عموما من البروليتاريا الأوروبية الكفؤ للكفاح، وهو برنامج كان نتيجة ستين عاما من المعارك والسجالات، حيث يجب أن يعلن على غرار البرنامج الأوروبي، كهدف نهائي له، الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة كوسيلة لفرض التملك الاجتماعي المباشر لجميع وسائل الإنتاج كالأرض والسكك الحديدية والمناجم والآلات، وغيرها. ومن أجل استغلال جماعي لوسائل الإنتاج لحساب ومصلحة الجميع ».

2- يعمل الحزب الشيوعي اليوناني على دراسة التجربة الأممية للحركة العمالية الشيوعية واستخلاص الدروس منها، وكذا من تاريخه الخاص، حيث هي كلفة هائلة الأخطاء الأكثر مصيرية التي تتعلق بالتخلي عن استقلال الحزب الثوري فكرياً وتنظيمياً لصالح تشكيلات تعاون و تحالف. ولدينا أمثلة كثيرة من هذا القبيل ضمن الحركة الشيوعية، وهي أمثلة قادت إلى حدوث تأخير واندماج مزمن كما أدت إلى تفكك أحزاب شيوعية.

إن سياسة التحالفات هي سياسة ذات أهمية استراتيجية وتتحدد من الخط الأساسي الاستراتيجي، وهذا هو عنصر هام جدا يتطلب دقة وثباتاً ثورياً. حيث يقهقرك أي انحراف عن هذا الواجب بذريعة المناورات أو المكاسب المؤقتة الانتخابية، إلخ، نحو الوراء ملغياً ما اكتسبه الحزب الشيوعي في الفترة السابقة ويضع في موضع الخطر وجودك الثوري عينه.

إننا نُسجِّل هذا مع أخذنا في الاعتبار للنقاش والسجال الذي جرى حول موقف الحزب الشيوعي اليوناني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في شهري مايو ويونيو 2012 في اليونان.

نحن لن نتوقف عند الحديث عن التشهير الزاعم بانعزالية حزبنا. فالحزب الشيوعي اليوناني كان قد رد على ذلك عبر نشاطه اليومي وعبر المواقع الهامة التي اكتسبها في صفوف الحركة العمالية الشعبية، وعبر دوره الرائد في العديد من المواجهات الطبقية في عشرات الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات. وعبر صدى مواقفه وهيبته ودوره في حياة البلاد السياسية الذي يفوق بكثير تأثيره الانتخابي.

ومع ذلك، وبغرض الإعلام سنقول أن تهمة الانعزالية تُطلق من قبل جميع خصومه الطبقيين والسياسيين، بمن فيهم حوامل الانتهازية العاجزة عن السيطرة على الحزب الشيوعي اليوناني وعن وضعه على درب « واقعية الخضوع » والوئام الطبقي.

إن القوى المذكورة كانت ستشيد بحزبنا في حال خيانته للطبقة العاملة ولشعبه، وانبطح زاحفاً على خط إنكار النضال من أجل الاشتراكية، كما لو توقف عن إدانة الاتحاد الأوروبي ولو تراجع عن موقفه المطالب بفك الارتباط من حلف الذئاب الأوروبي ومن الناتو. ولو قرر المشاركة في حكومة إدارة.
ولذلك لفتنا انتباه قوى تمثل أحزاباً شيوعية تفتح جبهة إيديولوجية سطحية جداً وضحلة ضد الحزب الشيوعي اليوناني، لإعادة التفكير بذلك لأنها ستنفضح.

نحن لا نتحدث عن نقد بالشواهد، ولا عن مواجهة إيديولوجية عبر الحجج. فهذا أمر مرغوب وضروري. بل نتحدث هنا عن ضربات غادرة وهجمات تشهيرية تشوِّه مواقف الحزب الشيوعي اليوناني وتستخدم مزاعم خصومنا لكي تُجرِّم النضال من أجل إسقاط الرأسمالية، ومن أجل الاشتراكية (لأن هذا هو جوهر ما تقوم به) عبر تشهيرها بانعزاليتنا المزعومة. فكل حزب و كل كادر يتحمل مسؤولياته.

لقد دعا حزبنا كل القوى التي دعمت سيريزا ضد الحزب الشيوعي اليوناني في الانتخابات إما علنا عبر زياراتها لليونان، أو في الخفاء، أن تُعلم أعضاء الأحزاب الشيوعية والعمال عموما عن الحقيقة كاملة.
على سبيل المثال:

فلتقل هذه القوى إن القاسم المشترك بين سياسة حزب الديمقراطية الجديدة والباسوك وسيريزا وغيره من الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعي اليوناني، يتمثل في دعم الاتحاد الأوروبي كاتحاد إمبريالي دولي ثبت تطبيقه لاستراتيجية غير شعبية، هو اتحاد يكمن معيار تشكله وتطوره في مصالح المجموعات الاحتكارية والشركات متعددة الجنسيات.

ولتذكر هذه القوى حقيقة مساندة قطاع من الطبقة البرجوازية ومجموعات اقتصادية قوية وصحف ووسائل حكومية مرئية ومسموعة، نحو حزب سيريزا، علماً بتوجيه رئيس رابطة الصناعيين اليونانيين دعوة لتشكيل حكومة ائتلافية تضم الحزب المذكور.

لتعترف هذه القوى بحقيقة تخلي سيريزا حتى عن شعاراته الشفهية القائلة بإلغاء المذكرة واتفاقية الاقتراض وإلغاء برنامج الخصخصة، وما إلى ذلك، التي طرحها في برنامجه الانتخابي عشية انتخابات 6 أيار/ مايو، وكذا تعديله لبرنامجه ليتوافق بشكل مطلق مع حاجات الإدارة البرجوازية.

ولتقل هذه القوى حقيقة تصدر قسم كبير من كوادر حزب الباسوك الأكثر فساداً في المقاطعات والبلديات والنقابات وجهاز الدولة، لعملية التلاعب بالقوى الشعبية وناخبي حزب الباسوك وتضليلهم، وعبر ممارسة الضغوط المتنوعة الأشكال لصالح حزب سيريزا، وأن حزب سيريزا يتواجد في نواة مخطط جارٍ لإعادة تشكيل الاشتراكية الديمقراطية التي أُثبتت للطبقة البرجوازية قيمة خدماتها، المتمثلة في تحوير الوعي الجذري لصالح « طريق الاتحاد الأوروبي الإجباري » وضرب الحركة العمالية والسيطرة عليها.

ولتعترف هذه القوى بحقيقة لقاء رئيس حزب سيريزا بالكادر الدبلوماسي لدول اﻟ G20 في أثينا قبل بضعة أيام من الانتخابات.

إن من حق أعضاء وأصدقاء الأحزاب الشيوعية أن يطَّلعوا على تطورات جرت في اليونان بعد الانتخابات الأخيرة.

أودع الحزب الشيوعي اليوناني في البرلمان مشروع قانون لإلغاء مذكرات اتفاقية الاقتراض وقوانينها التطبيقية من أجل إلغاء جملة القوانين غير الشعبية. حيث كان الطرح المذكور قد لقي دعماً واسعاً ضمن الحركة العمالية الشعبية. إن حزب سيريزا هو في موضع ارتباك لأنه انضم جوهرياً إلى معسكر قوى « إعادة التفاوض » مع الاتحاد الأوروبي تحت اسم واقعية الخضوع.

لا يفاجئنا هجوم قوى كِلا الانتهازية اليمينية واليسارية على الحزب الشيوعي اليوناني. فهو عنصر من المواجهة الإيديولوجية. وأبعد من ذلك بكثير لم يستغرب الحزب الشيوعي اليوناني موقف حزب اليسار الأوروبي، حيث أسس الحزب المذكور ضمن إطار المبادئ التوجيهية للاتحاد الأوروبي، و »معاهدة ماستريخت »، واستراتيجية رأس المال، وقبل بالشروط التي وضعها الاتحاد الأوروبي. وهو يدافع عن المركز الأوروبي الإمبريالي، ويؤيد التعاون الطبقي والتوافق الاجتماعي، ويرهب النضال من أجل الاشتراكية كما يرهب الشيطان البخور.

إن من واجب الشيوعيين والشيوعيات والعمال النظر في مواقف كل حزب واستخلاص استنتاجاتهم الخاصة. قامت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني عبر حس عالٍ بالمسؤولية بتحليل النتيجة السلبية للانتخابات على الحزب والشعب، فقد جرت نقاشات كبيرة سوءاً داخل الحزب ومع أصدقائه وناخبيه، حيث نوقشت تكتيكاته الانتخابية ونقاط الضعف والتأخر والنواقص التي سجلت مع إبداء العديد من الملاحظات المفيدة، وجرت صياغة خطة عمل للفترة المقبلة.

هذا وأكدت اللجنة المركزية والهيئات القيادية للمنظمات الحزبية، وكذا أعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي اليوناني على ضرورة وصوابية موقف الحزب الرافض للمشاركة في حكومة إدارة برجوازية مع حزب سيريزا والقوى الأخرى
ودعمت القوى الحزبية وأصدقاء الحزب، الموقف الذي يؤكد استحالة امتلاك الحزب الثوري لوجهين. يعتمد أحدهما في نشاطه اليومي وثانيهما أثناء الانتخابات. فمن غير الممكن أن يكافح يومياً في سبيل حشد القوى من أجل انتزاع السلطة و بأن يقوم أثناء الانتخابات « بهدم ما بناه » وأن يتحدث عن حكومة إدارة لتلبية تطلعات الجماهير نحو حل « سهل » ذي طريق مسدود.

تدعم القوى الحزبية وأصدقاء الحزب الخط السياسي الذي خاض الحزب الشيوعي اليوناني وفقه معركة الانتخابات.
إنه الخط السياسي الذي يتضمن إدانة السياسة غير الشعبية، سياسة اتفاقيات الاقتراض والمذكرات، كما يتضمن فك الارتباط من الاتحاد الأوروبي وإلغاء الديون من جانب واحد مع سلطة شعبية. حيث يشكل هذا الموقف قلب نشاط الحزب ويجيب في هذه الفترة على التطورات الحاصلة، يجيب على احتياجات الصراع الطبقي من وجهة نظر مصالح الطبقة العاملة والشرائح الشعبية.

إن المسألة الرئيسية التي برزت والتي تُشكِّل تجربة مهمة بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية، هي مشاركة الحزب الشيوعي أو عدمها في حكومة إدارة برجوازية في استقلالية عن ظهورها بإسمٍ « يساري » أو « تقدمي » الخ.

لقد أخذ الخيار الذي تبناه الحزب الشيوعي اليوناني برفض المشاركة في حكومة إدارة الرأسمالية في الاعتبار أن ذلك سيكلفه فقدان أصوات في الانتخابات، وذلك لأن منطق « الشر الأهون » ينشط، في حين هناك سعي لقوى شعبية لحل فوري من شأنه أن يساعد على تخفيف حدة مشاكلها، في ظل أزمة رأسمالية عميقة ومعدلات عالية جدا للبطالة والفقر وانتشار اللايقين في ترافق مع هجمة منظمة للغاية ضد الحزب الشيوعي اليوناني.

وعلى الرغم من كل ذلك، حافظ الحزب الشيوعي اليوناني على مواقفه المبدئية، ونريد هنا أن نسجِّل التالي:

أولاً وقبل كل شيء، لا بد من محاربة منطق « الشر الأهون » الذي يمثل مشكلة خطيرة جداً دفع حزبنا (أيضاً) ثمنها باهظا في أوقات مختلفة حتى بداية عقد التسعينات بسبب أخطاء في سياسة تحالفاته مع قوى برجوازية « وسطية » من أجل مواجهة سياسة أحزاب ليبرالية و « يمينية » ذات طابع ضد شعبي. يقود منطق « الشر الأهون » بالحزب الشيوعي نحو سياسات خطرة تدعم الاشتراكية الديمقراطية تحت ذريعة الحد من قوى « اليمين » انتخابياً متحملاً مسؤوليات إدارة السياسة د غير الشعبية لأحزاب اشتراكية ديمقراطية.

وهو يقود الحزب الشيوعي إلى سياسات خطيرة يمثل فيها ذيلاً لأحزاب برجوازية عموما، في ذريعة مواجهة تشكيلات يمينية متطرفة أو فاشية، حيث هناك تجربة متعلقة سلبية للغاية.

ففي جوهر الأمر يجري تأبيد حلقة مفرغة تنزع أو تحد من استقلالية الأحزاب الشيوعية الإيديولوجية مبعدة إياها عن صياغة وتطبيق خط ثوري ثابت يستفيد من المعارك الانتخابية كشكل نضال غير منفصل عن الصراع الطبقي عموما، وعن النضال من أجل حشد القوى من أجل انتزاع السلطة.

إن هذه المشكلة ليست آنية ومن المهم بمكان أن نذكر الملاحظة اللينينية التي تحمي من ارتكاب الأخطاء: »…نحن مجبرون على الاختيار بين الشر القائم حاليا وأصغر تحسين له. لأن أغلبية المستائين من الشر القائم يؤيدون عموما هذا « التحسين الأصغر »، وعند تحقيقنا للتحسين الأصغر سيتسهل نضالنا من اجل تحقيق الأكبر. نعيد ونقول. هذا هو الاستدلال النموذجي الأساسي لجميع انتهازيي العالم أجمع. ما هي الخلاصة التي تنتج حتما من استدلال مماثل؟ إن الخلاصة الناتجة هي: ليس هناك من حاجة لبرنامج ثوري ولا لحزب ثوري ولا لتكتيك ثوري ». (لينين: « مرة أخرى بصدد الحكومة المنبثقة عن البرلمان – الدوما »).

ثانياً، ليس معيار الحكم على حزب ما هو تصريحه بكونه « يسارياً » أو »يمينيا أو « وسطياً » بل برنامجه وموقفه السياسي تجاه النظام الاستغلالي ورأس المال الكبير، والتكتلات الإمبريالية، وتجاه الصراع الطبقي ومنظوره. من غير الممكن للحزب الشيوعي اليوناني أن يقدم على تعاون سياسي أو برنامجي أو انتخابي مع أحزاب لا علاقة برنامجية له معها على غرار حزبي سيريزا و « اليسار الديمقراطي ».

فهذه الأحزاب لا تدافع عن الرأسمالية فحسب، بل تدافع عن اتحاد إمبريالي دولي هو الاتحاد الأوروبي ذو الاستراتيجية والسياسات والتدابير المتطابقة مع مصالح رأس المال الكبير والشركات متعددة الجنسيات. وهي أحزاب تعادي الشعوب وفقاً لثوابت دامغة، كما أن حلف الذئاب المذكور لا يتغير حتى لو زعمت ذلك هذه القوة الانتهازية أو غيرها في اليونان، أو عند زعم حزب اليسار الأوروبي الذي يغذي الأوهام ضد العمال من أجل احتباسهم ضمن منطق طريق الاتحاد الأوروبي الإجباري. يدعم حزب سيريزا و « اليسار الديمقراطي » التعايش السلمي بين رأس المال والعمل ويزرعان أوهام إمكانية تطبيق »تنمية » تُرضي كلا الطرفين اللذين من الثابت تعارض مصالحهما الطبقية.

نحن بصدد أحزاب معادية للاشتراكية العلمية، وتعمل على التشهير بالاشتراكية التي بنيت في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى.

لقد كذَّب حزب « اليسار الديمقراطي » المتشكل من انقسام عن حزب سيريزا، وبسرعة كبيرة أصدقاءنا خارج اليونان الذين صنفوه كحليف محتمل للحزب الشيوعي اليوناني. فبعد أن حصل هذا الحزب على تصويت الشعب تعاون بعد الانتخابات مع حزبي الديمقراطية الجديدة والباسوك ضمن حكومة ائتلافية ثلاثية مساهما في تنفيذ السياسة القاسية غير الشعبية الحالية.

وحول دور هذه الأحزاب. إن تصريحات لينين نموذجية ضمن مقدمة الترجمة الروسية لكتيِّب فيلهِلم ليبكنِخت في كانون الأول/ ديسمبر 1906 بعنوان: « لا لأي توافق، لا لأي اتفاق انتخابي »، حيث ذكر في سياقها ما يلي: « إن الحملة الحمقاء العنيفة للسياسات البوليسية والملاحقات بموجب قانون حظر الاشتراكيين، والقانون الصارم الذي يعادي الأحزاب الداعية إلى الانقلاب، من الممكن أن تسبب داخلنا شعورا بالاشمئزاز والشفقة، لكن خشيتنا يجب أن تكون من العدو الذي يمد لنا يده بغرض اتفاق انتخابي ويندس بيننا كصديق وأخ، من هذا العدو ينبغي أن نخشى حصرا » … وذلك يضيف لينين »لأن الوعي يُفسدُ من أصدقاء العمال المزيفين… »، حيث يُثبت عملياً من التجربة المستخلصة من سياسة الأحزاب السياسية والحكومات المشاركة في الإدارة البرجوازية وبغض النظر عن استخدامها لعنوان « يساري » أو « تقدمي »، ما يلي : ليس من حكومة تدير الرأسمالية، وسلطة الاحتكارات والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وتنفذ برنامجا يعتمد على أرباح الرأسماليين وعلى إنتاجية وتنافسية وربحية كبرى المجموعات الاقتصادية، وهي بقادرة على اتباع سياسة لصالح الطبقة العاملة والشرائح الشعبية.

لا يمكن لحكومة مماثلة السيطرة على قوانين النظام وتناقضاته لإحباط وقوع الأزمة الرأسمالية.

فعاجلا أم آجلا سيتكشف كذب الوعود المتعلقة ﺑ « إغاثة » الشعب، وسوف يتبعثر كلامهم في الهواء و سيحل مكان ترقب الشعب للأفضل وانتظاره، إحباط شعبي، وتراجع للحركة العمالية.

ولذلك فهناك أهمية كبيرة للمواقف المبدئية للحزب الشيوعي اليوناني ولرفضه لمنطق المشاركة في حكومة إدارة برجوازية، مواصلاً النضال الطبقي، في صدام مع الصعوبات، مُشدِّداً من نضاله من أجل حل كل مشكلة شعبية، لخلق الظروف الملائمة للتحرر من أغلال الاستغلال.

وبهذا الشكل نسير إلى الأمام عبر رمي المزيد من الثقل نحو إعادة تنظيم الحركة العمالية، وتعزيز الحركة ذات التوجه الطبقي المتمثلة في جبهة النضال العمالي « بامِه »، وتحسين النشاط والتوجه الكفاحي للنقابات، مع وضع المزيد من الثقل على سياسة التحالفات التي صاغها مؤتمر حزبنا الـ 15 والمؤتمرات اللاحقة حول بناء تحالف اجتماعي سياسي وبناء جبهة النضال المعادي للاحتكارات والإمبريالية على أساس تحالف الطبقة العاملة مع صغار ومتوسطي المزارعين وشرائح البرجوازية الصغيرة في المدن، مع مشاركة النساء والشباب. وذلك مع مواصلة الجهود لتهيئة الظروف الاجتماعية والسياسية التي من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد النضال من أجل السلطة الشعبية، وفك الارتباط عن الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي، وإلغاء الديون من جانب واحد، وفرض التملُّك الاجتماعي لوسائل الإنتاج المتمركزة وتخطيط تنمية في صالح الشعب.

إن نظريتنا وممارستنا تؤكدان علمياً إمكانية انفتاح الطريق أمام استغلال إمكانيات البلاد التنموية في سبيل تطوير الصناعة والإنتاج الزراعي وغيرها من المجالات الاقتصادية على أساس معيار مصالح الشعب. حصراً عند حل مسألتي السلطة وملكية وسائل الإنتاج المصيريتين وفقط عند تطوير الاقتصاد على أساس التخطيط المركزي.
وفي هذه الحالة حصراً، من الممكن حل مشكلة البطالة وتأمين خدمات اجتماعية بمستوى عالٍ وغذاء صحي للشعب وحماية البيئة، مع إلغاء أسس الأزمات الرأسمالية والنزاعات الإمبريالية.

هذا هو موقف الحزب الشيوعي اليوناني الذي يمنحه زخماً خلال كفاحه اليومي.

عن موقع الحزب الشيوعي اليوناني

(القسم العربي)

4 جانفي 2013


Nombre de lectures: 171 Views
Embed This