DzActiviste.info Publié le ven 1 Fév 2013

بيني وبين مالك بن نبي وطن مكلوم وشعب ضائع

Partager

محمود حمانه

عندما كان المرحوم مالك بن نبي يلقي محاضرة, وردت فيها عبارة “قابلية الشعب الجزائري للإستعباد” التي اثارت حفيظة المرحوم “مولود قاسم نايت بلقاسم” الذي ثار وعاب على المحاضر آنذاك هذا الكلام الذي رمى به الشعب في تصوره والحاضرين كونه يتعارض مع سمعة و مجد شعب لم بقصر في تلبية الواجب,فأنتفض وانتصر ولكن وجد نفسه لظروف وملابسات في مرحلة ما من تاريخه مجردا من هذه الإنتصارات ليتحول في النهاية الى شعب ما زال يبحث عن ذاته.

إلا أن مولود قاسم سرعان ما ادرك بخبرته صواب ما ذهب اليه بن نبي,فعدل عن سخطه وقدم إلإعتذار لأستاذه كما جاء في بيانه على عكس السواد الأعظم من الجزائريين الذين ظلوا على موقفهم من هذا التحدي الكبير الذي وضع امة بتاريخها وأمجادها امامه بجرأة المفكر الصادق مع نفسه ومع وطنه والذي يبدو فيه وكأنه يقسو على بني جلدته ويتنكر لماضيهم,إلا أنه كان ,من وجهة النظر السليمة والموضوعية ,اكثر حرسا على مستقبلهم واكثر حبا لوطنه من الذين لا يدركون معنى الوطنية إلا من حلال جملة من الشعارات الجوفاء التى روجت لها الدعاية الرسمية على مدى نصف قرن من الحكم الشمولي القائم على الفكر الستاليني المعادي للثقافة والمثقفين.

هذا التشخيص ,الذي يثبت بعد نظر صاحبه وإدراكه للكثير من الحقائق التى غفل عنها او أغفلها الناس وحالت كبرياؤهم المزعومة دون الإقرار بها ,والذي إعتبرته العامة مفرطا ومتحاملا في ذلك الوقت,ثبت فيما بعد أنه تشخيص سليم وغير مبالغ فيه لحالة الشعب الجزائري والذي كان اول من خاض فيها بهذه الصراحة لأنه كان يرى أن الموقف لا يحتمل المجاملة على حساب التاريخ وعلى حساب حتمية وضع الأمور في سياقها الحقيقي كما كان من المفروض ان تكون عليه لحماية الشعب من التغريب والمغالطات ومزايدات المغرضين من اشباه القادة والمفكرين ..وذلك لتأسيس الفكر النقدي كأحد مقومات المشروع المجتمعي الذي كان يعمل على قيامه من خلال الإرتقاء بالوعي القومي,وهو الأمر الذي اثار توجس السلطات التى كانت تخشى من أن يتمكن المواطن من كشف نواياها للتباين الصارخ بين طموحات المفكر ومساعي هذه الأخيرة في الأبقاء عليه في دائرة التبعية من خلال التعتيم الإعلامى الممارس.وهذا كان كافيا لدق إسفين بينه وبين” بوخروبة” المتنكر بفطرته للفكر النير ويخشى من المواطن الواعي لأن النهج الذي تبناه كأسلوب حكم,على الصعيد الثقافي على الخصوص ,لا يتفق مع ما كان يدعو اليه بن نبي.

هي طريقة فيها من الحزم والصراحة ما لم نتعود عليه.وإذا كان غيره من المحسوبين على الفكر النقدي قد آثروا أسلوب المجاملة في تشخصيهم للوقائع كونهم يفتقرون للشجاعة الأدبية لعدة أسباب رغم أنهم ليسوا اقل قناعة منه بهذا الطرح,فإن” بن نبي “تمسك,مثلما هو الحال بالنسبة لي اليوم, بطريقته في طرح المسائل كما هي دون مجاملة تتنافى مع المنطق من جهة بالإضافة لكونها مغالطة للنفس من جهة أخرى.

العبودية الواردة في محاضرة” بن نبي” ليست العبودية بمفهومها التقليدي المتمثلة في الأغلال المكبلة للأجساد بل في بعدها الفكري في صورتها الجديدة على نحو الإسترقاق الفكري الذي خلف في عرف الشيوعية الأسلوب التقليدي المثير للحساسية والجدل من جهة ولا يخدم دعاة هذه الأيديولوجية من جهة اخرى كونه مكلفا ولا يحقق النتائج المتوخاة من ورائه بسبب سهولة مناهظته,خلافا للعبودية في ثوبها الجديد التى تمكن المروجين لها من التستر عليها نظرا لسهولة تسويقها للعامة تحت جملة من المسميات والذي تقبلها الشعب لإعتبارات كثيرة تاريخية وأجتماعية وسياسية في النهاية للصعوبة التى يجدها الناس في تقدير مخاطرها بسبب التظليل الذي تعرضوا له والذي رافق نشر هذا النمط من الفكر الهدام.وتتراوح هذه الإعتبارات من المادية المتمثلة في المصالح التى كانت وراء إنحياز النخب للأنظمة بصورة غير مشروطة,عقائدية تعنى اتباع الطرق الصوفية الذين يذهب ولاءهم لشيوخها اكثر من السلطة القائمة ونفسية تبرر نزوع انصار هذا التيار الى البحث الدائم عن الرموزللتعلق بهذا المنحى تعلقا مرضيا يؤكد ضعف شخصية اصحابه حتى لو كانت الرموز المعنية قد بنت لنفسها مجدا مزيفا بالسطو على منجزات غيرهم ونسبوها لأنفسهم زورا وتطاولا للتغطية عن ماضيهم المشين لما لهذا الإرتباط من خطورة كونه يحجب الرؤية عن مساوئهم بسبب الإعتقاد فيهم كمنزهين عن الخطأ ويمنح بالتالي هؤلاء هامشا للمناورة غير محدود تمكنوا بسببه من بناء لأنفسهم امجادا على حساب الثورة التى إقترنت بهم والتى لم تعد تعني شيئا في تقدير العامة إلا من خلال رموزها ومدى إعتقاد الناس فيهم ,فلم يعد من الممكن سرد تاريخها من دون الإشارة اليهم والى أفظالهم عليها.وعليه,كان وما يزال من الصعب على الكثير من الجزائريين تصور الجزائر من غير الجزار والخائن بومدين الذي تبثت عمالته لفرنسا ومعاداته للثورة من خلال الدور الذي لعبه في تصفية ابطالها تماشيا مع ما اراده الجنرال “دي غول’ وما تضمنته إتفاقية إفيان من مؤامرات بدأ الكشف عنها مؤخرا .وعليه,عندما أسقط قناع القداسة عنهم بفعل الإعترافات المتتالية لؤلائك الذين عاشوا احداثها بل وصنعوها,سقطت بالتالي الأوهام التى قامت عليها ليجد الشعب نفسه بلا تاريخ وبلا ماضي.وبذلك,اصبح المجتمع سهل الإختراق كونه فاقد للحصانة التاريخية ومهيأ لتقبل أطروحات النظام لأنه يجهل المحطات الهامة في تاريخه بسبب الصمت المريب الذي لاذوا به من يمتلكون الحقائق التى حجبوها عن الناس بدافع الجبن والطمع والخيانة المتأصلة فيهم وتحت ذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية الواهية كلما اراد الشرفاء الخوض فيها.يقول”توماس جفرسون”رئيس الولايات المتحدة الأسبق:”كل ما يتطلبه الطغيان هو بقاء ذوي الضمير الحي صامتين”.وهو نفس ما ذهب اليه”شي غيفارا”إذ يقول:المثقف الذي يلوذ بالصمت اكثر خرابا من النظام الدكتاتوري,القمعي الذي يمارس القتل ضد ابناء شعبه”.

وهي الدوافع التى ساهمت بشكل كبير في محاصرة العقل الجزائري وجعلت الشعب يشكل من غير وعي منه العمق الإستعماري وتقف وراء إحجامه عن المطالبة بحقه في تقصي الحقائق ومعرفة المحطات الغامضة من تاريخه وأدت الى الإفلاس الفكري الذي كان وراء الإتجاه التكفيري للتيار الإسلامي الذى إنبثق عن الإصلاحات التى فرضتها إضطرابات اكتوبر 1988 في مناخ سياسي وإجنماعي إنعدمت فيه الضوابط الأخلاقية والفكرية.

وهذه الفئة التى تظم السواد الأعظم من الجزائريين هي التى تراهن عليها السلطة لسهولة إستقطابها والتى تعوق اليوم ,عن قصد او عن غير قصد, اي حراك او مسعى تحرري ترى فيه, جراء ذلك,خيانة للوطن من طرف المناهضين للسلطة ودلك بسبب عجزهم وعزوفهم عن تقدير الأمور بشكل واع ,رغم ما يبذله الشرفاء من هذه الأمة من جهود لحملهم على التبصر والتدبر دون جدوى.

هذا الموقف العدواني تجاه العناصر المخلصة ادى الى بروز طبقة من الوصوليين إتسعت رقعتها,بشكل متزائد يبعث على القلق على مستقبل الأمة , والذين غفل الناس عنهم بسبب إنشغالهم الغير مبرر بالطعن في ذمم الشرفاء والتشكيك قي وطنيتهم, والمأساة هي أنهم اصبحوا على العكس يرون في ثرائهم عن طريق الكسب الغير مشروع امرا طبيعيا وضربا من الحصافة وعبطا من طرف الذين يعارضونهم الساعين الى التنبيه الى خطورتهم على المجتمع وما يترتب عليها من ضرب للقيم وهدم للأخلاق.ولهذا,يقول الكاتب الأمريكي”مارك توين”-”خداع الناس اسهل من إقناعهم بأنهم خدعوا فعلا”-

وإذا عدنا الى مصطلح العبودية في حد ذاته,نجد أنه كان المقصود منه الزنوج بحكم تاريخ الرق إلا أنه لم يحدث فيهم تلك الآثار المدمرة لأن القيود شملت الجسد ولم تعطل العقل وتحول دون إعمال التفكير.صحيح أن سباتهم عمر طويلا ولكن تمكنوا في النهاية من النهوض من كبوتهم ولم يكن تعثرهم على النحو الذي عشناه وما زلنا نعيشه الى اليوم لأن المواطن اصيب في ذهنه واصبح بالتالي اعجز ما يكون عن تقدير الأمور ووضعها في سياقها الصحيح وذلك لأن تصرفاته باتت اكثر إنسجاما مع الطرح الرسمي منه الى ما يقتضيه المنطق والنظرة المستقبلية.ومن هنا,كانت قناعتي بانه جاء بهذا المصطلح ليعبر على الواقع الجزائري للأسباب التى ذكرتها سابقا.وهي ذات الأسباب التى جعلت معاناتنا طويلة ومسارنا متعثر بقدر التشويه الذي طال العقل الجزائري الذي سعى المستعمر الى تدميره ليجعله سهل الإنقياد مستجيبا من غير رد فعل لأطروحاته ,وذلك كأهم مراحل مخططه الرامي الىإبقائنا في دائرة التبعية.

ما عشناه من ويلات منذ الإنعطاف التاريخي الخطير لسنة 1958 والصراعات الطاحنة التى رافقته وما واجهناه بعد ذلك من نكسات كان تجسيدا عمليا لهذا التصور وإستكانة المواطن للواقع المفروض عليه نتيجة القصور الفكري الذي مكن العملاء من العبث بعقولنا قبل السطو على مقدرات البلاد,لأن ديدننا كان دائما الأخذ بظاهر الأمور وإغفال التدبر في بواطنها.وكان هذا كافيا للمتسببين فيها للإفلات من المساءلة التاريخية.

فلا غرابة إذا أن نرى إهتمام الناس منصبا اليوم على ازمة الرهائن والحرب على مالي التى هي إحدى النتائج المنطقية لتداعيات الإستيلاب الفكري الذي تعرض ولا يزال يتعرض له المواطن في وقت كان من المفروض الا نهمل الأسباب التاريخية التى كانت وراء هذه الأزمة التى تضاف الى سلسلة الأزمات التى تعود عليها الجزائريون كونها الطريقة التى تبناها النظام لتصريف شؤون البلاد من خلالها والتى يتعاطى بها مع المواطن.لأن الغفلة عن مراعاة هذه الأسباب هو في حد ذاته دليلا إضافيا على إهمالنا لقضايانا المصيرية ومشاكلنا ومناقشة تبعاتها دون التطرق للمسببات.

النظم تمكنت من شراء الذمم لأن الطمع, الذي هو حصيلة غياب الوعي,كان اقوى من كل المبادئ لدى السواد الأعظم من الناس الذين يلوذون بالشعارات للتغطية عن مواقفهم المشينة شانهم شان الأنظمة التى يقاسمونها التوجهات..ولذلك,قلت سابقا بأن النفط يشكل اكبر لعنة على الشعوب العربية نظرا لهامش المناورة الذي يوفره للسفهاء من جهة والأطماع الخارجية التى يثيرها من جهة اخرى والتى ما تزال سببا في وقوف القوى العظمى الى جانب الأنظمة المستبدة بحكم تقاطع المصالح في وقت تعيش فيه الشعوب في فقر مدقع.

النفط هو الذي مكن بوتفليقة من إغداق الأموال الطائلة لكسب الجماهير وبالتالي كسر جبهة الصمود داخل المجتمع الجزائري للحيلولة دون قيام إجماع معاد لخط النظام ليتعثر المسار الديمقراطي في كل مرة رغم الجهود المضنية التى يبذلها الخيرين من هذه الأمة الذين يعانون من جحود المواطن نفسه ومن مضايقات السلطة لهم بالتشكيك في مصداقيتهم ووطنيتهم من خلال بيادقها الذين تنفق عليهم بسخاء وبشكل إستفزازي مكرسة بذلك نمطا جديدا من انماط الصراع الطبقي الذى لم تفلح فرنسا في تحقيقه كأحد اهم اهدافها.وهذا تطابقا مع الفكر النازي,إذ بقول”ادولف هتلر”:
إذا اردت السيطرة على الناس,أخبرهم أنهم معرضون للخطر,ثم حذرهم أن أمنهم تحت التهديد,ثم خون معارضيك وشكك في ولائهم ووطنيتهم”.

وبناءا على ما سبق,فأنا ومالك بن نبى وفرحات عباس متفقون على أن الشعب لا وجود له ليس ككتلة بشرية بمفهومها الدستوري تفتقر الى اسباب النهظة وتحمل نخبها مسؤولية إخفاقها ,وإنما كقوة واعية بإمكانها التأثير على المسرح السياسي على الصعيدين الوطني والدولي ,لا تلك التى ترى أن وضعها قدرا محتوما لا تملك للخلاص منه سبيلا ,متناسين بأن الإعتماد على القدرات الذاتية هو وحده الكفيل بجلب الإنتصار .وفي هذا المقام,يقول”شي غيفارا”:-أنا لست محررا ,المحررين لا وجود لهم,فالشعوب وحدها هي من تحرر نفسها”.

متفقون وحزينون ايضا كغيرنا من الذين يحملون هموم الأمة ليس بسبب اوضاعنا السياسية التى هي نتائج لما اصاب العقيدة من تشويه ولكن بسبب إعراض المسلمين عن الله وسهولة تفريطهم في دينهم ومقدساتهم خدمة للصليب,لأنه لا شيئ أقسى على المفكر من ان يقرأ اللامبالاة والغفلة والضياع والجحود كذلك في عيون من يخاطبهم وما يقاسيه من أجلهم, لما آل اليه حالنا وكيف بلغنا هذا المستوى من التردي في حين أن الشعوب الأخرى تمكنت من الإنتصار لقضاياها وفرض نفسها كمصدر الشرعية وذادت عن كيانها.شعوبا لم يلتبس عليها الأمر بين إحترامها لأبطالها وتقديسها لثوراتها لأن وعيها بمصيرها وعزمها في الأبقاء على تارخها بعيدا عن الصراعات السياسية ,الذي هوسبب إنتصارها , كان اقوى من اي تحدى.

محمود حمانه,موظف متقاعد-الجزائر


Nombre de lectures: 229 Views
Embed This