DzActiviste.info Publié le ven 25 Jan 2013

بين البارح و اليوم.. تاريخ الجزائر: »مكانك سر »..

Partager

وجهة نظر ..

علي عباس فضيلي

بين البارح و اليوم..  تاريخ الجزائر: »مكانك سر »..

 

كثر الحديث منذ فترة عن خلافة الرئيس بو تفليقة.. و ازدادت وتيرة الانتقاد و السخط مع زيارة هولاند.. لتبلغ ذروتها بعد الحرب التي تشنها فرنسا على مالي بالتعاون مع النظام الجزائري.. محاولات لشيطنة الرئيس.. و تسليط الأضواء عليه هو وعصابته.. في عمل ممنهج و خبيث يخفي ماهو أخطر..
ثم هكذا فجأة.. و في شبه « عودة للروح ».. أو استيقاظ للوعي..  تأتي مبادرة 14 حزبا سياسيا كرتونيا.. ممن « عَلِفُوا » حَد التخمة – كل حسب عمالته و انبطاحه-.. و كلهم نتاج هذا النظام تأسيسا أو توجيها.. ليجتمعوا و يصدروا بيانا لم يكونوا ليصدروه لولا حصوله على ضوء أخضر من عُرّابيهم داخل النظام نفسه..

 
منذ بداية هذه « الحملة » ساورتني شكوك في مصادرها و أهدافها الحقيقية.. بالرغم من الأمر محسوم لدي بشأن هذا

النظام.. و هذا الرئيس بالذات الذي فرضته المخابرات في يوم ما على الجزائريين.. كما جرت العادة في الجزائر منذ أكثر من خمسة عقود..
الحملة ضد الرئيس- المنتهية صلاحياته فعليا بسبب عجزه و مرضه- مهدت لها  مواقع و صحف كثيرة.. و خاض فيها الخائضون على شبكة التواصل الإجتماعي.. أغلبها ليست محسوبة على المعارضة الحقيقية للنظام؟؟..

و هناك مواقع و صحف الكترونية كثيرة  تقدم نفسها على أنها حيادية و مستقلة..  تظهر بعض الأحداث.. و تسرب معلومات.. لتوهم القارئ أنها على مسافة من السلطة.. لكن المتابعة الدقيقة.. و تحليل مضمون ما تنشره هذه الصحف.. يكشف حقيقتها و أهدافها.. هي جزء لا يتجزأ من منظومة « السلطة/النظام » الذي تخوض أجنحته  حربا إعلامية شرسة فيما بينها.. و لتضليل « الشعب » و التلاعب بعقول القراء.. إما بالمعلومات المغلوطة المُضَلِّلة.. أو بالتوجيه الى الوجهة التي يريدون هم أن تتوجه اليها الأنظار.. أو بإلهائه بسفاسف الأمور.. و عندما تشترك صحيفة « ليبرتي » المعروف ممولها و عُرّاَبيه.. فإن الأمر يتأكد بأن الأمر دبر بليل و أن المخطط جاهز لإسقاط فريق الرئاسة.. و الإبقاء على النظام و السلطة الفعلية التي « تمسك بتلابيب » هذه البلاد منذ أزمة « حزب الشعب » في منتصف الخمسينيات.. فالذين يطالبون اليوم برحيل بوتفليقة يعيدوننا للمربع الأول.. بإشراف فرنسي خدمة لمصالحها و إبقائها للجزائر مستعمرة فرنسية للأبد..

  

إن الصراع بين الفصائل ليس وليد اليوم.. تاريخ الجزائر المعاصر يحتفظ في ذاكرته بأحداث كثيرة.. اختلفت فيها الفصائل « الوطنية » من الحركة الوطنية الجزائرية في نضالها ضد الإستعمار الفرنسي.. بعضها كان مفهوما أو فلنقل مبررا.. البعض لم نكن لنجد له تفسيرا في حينه أو بعد مرور سنين من « انسحاب فرنسا  » من الجزائر.. لكننا اليوم، و مع كثرة البحوث التاريخية.. و فتح الأرشيفات (خصوصا الفرنسي).. أصبحت لدينا وثائق ومعلومات و حقائق لم تكن متوفرة في السابق.. و مازالت بعض الأحداث يكتنفها الغموض وعدم الدقة.. و لن يدوم هذا الى الأبد..

إن التاريخ الذي كتبه المنتصرون.. تاريخ حتى لا نقول بأنه مزور.. هو تاريخ مغلوط و انتقائي و يخدم الحكومات المتعاقبة بعد وقف اطلاق النار في 62 ..
إن أزمة حزب « الشعب الجزائري » كانت تحت « دائرة الضوء الإستعمارية ».. و لم تكن المخابرات الفرنسية و أجهزتها بعيدة عن التحولات التي ستشهدها الجزائر المستعمرة فيما بعد.. بل كانت لها يد في تأجيج الصراع و توجيهه.. و لم تكن لتعدم الوسائل.. لأن المخطط له كان أكثر مما تتصوره بعض العقول أو تفهمه بعض الأذهان..

إن التسطيح و التوجيه الممنهج لكتابة تاريخنا.. جعلنا نغفل عن الأسباب الحقيقة التي جعلت من بعض المناضلين

يتمردون على الزعيم الوطني « مصالي الحاج » و يستعجلوا قيام ما سمي ب « حرب التحرير ».. إن القطيعة بين « المركزيين » و « المصاليين » مهدت لها أحداث ا فتعلتها الإدارة الإستعمارية.. تزوير انتخابات48 .. حل « المنظمة السرية » و حملة الإعتقالات في صفوف المناضلين.. اعتقال مصالي الحاج ونفيه في 52.. و غيرها من الأحداث كانت مقدمات للإستفراد ببعض عناصر حزب الشعب.. و بداية عزل مصالي..  الذي بقي في الحقيقة مسيطرا على القاعدة الحزبية الشعبية العريضة التي كانت تؤمن ببرنامج « حزب الشعب » و زعيمه.. الشيء الذي كان يزعج فرنسا و يفسد خططها بعد زيادة الوعي بضرورة الثورة و استقلال الجزائر.. و انتشار مبدأ « تقرير المصير ».. حيث أدركت فرنسا أن مغادرتها أو تخليها عن  الجزائر أمر حتمي.. و أن القضية قضية وقت فقط.. الشيء الذي جعلها تفكر منذ أحداث 8 ماي 45 على بديل يضمن لها مصالحها في الجزائر..
إن العامل الإجتماعي – بمعنى الجذور الإجتماعية و الثقافية- للمناضلين المنتمين لكلا الطرفين.. قد يفيدنا و يساعدنا لفهم هذه الأزمة.. و يكفي أن ندقق في قوائم الشخصيات و الإطارات – أصولهم، تكوينهم الفكري…- ليتبين لنا بشكل واضح أن « المصاليين » في معظمهم كانوا من المناضلين في « حزب الشعب » و قبله « نجم شمال افريقيا » و تلقو ا تكوينهم الفكري و الأيديولوجي داخل خلايا الحزب و كانوا جميعهم من العمال و الفلاحين و التجار.. و قلة قليلة جدا كانت تمتهن المهن الحرة كالمحاماة.. أو التعليم أو وظائف حكومية.. و أغلبيتهم الساحقة من المدن.. يِؤمنون بالعمل المباشر، الفوري و لا يثقون في المثقفين لأسباب معروفة..
في المقابل نجد أن « المركزيين »  تجمعهم ثقافتهم الفرنسية و ينتمون نوعا ما للنخبة المفرنسة*.. و ينحدرون في معظمهم من الجزائر العاصمة و ضواحيها و منطقة القبائل الكبرى.. لم يكن بينهم الا قلة قليلة جدا من العمال أو الفلاحين.. كانوا ككل النخب لا يحبون كثيرا الحشود الشعبية و التجمعات.. و يفضلون النقاشات الخاصة و المحدودة في الغرف المغلقة..

لهذا بقي المناضلون »المصاليون » على وفائهم لمبادئ الحزب و برنامجه التحرري.. لكن الأحداث التي تسارعت قبل الإنقسام  و أدت للأزمة  وفي غياب مصالي و اعتقال الكثير من إإطارات الحزب.. أعطت الفرصة « للمركزيين » لتكريس هذه الأزمة.. و زيادة التنافر بين فصيلين لم يعد يجمعهما شيء.. اللهم الا فكرة « الإستقلال ».. كل حسب فهمه للمصطلح و تبعاته..

هذه الأزمة ستلقي بظلالها على كل ما حدث فيما بعد.. من التوقيت « للثورة » الى وقف اطلاق النار.. مرورا بالحرب التي عرفها « الإخوة الأعداء ».. و الإقتتال و التصفيات لكثير من المناضلين الوطنيين المخلصين.. و الجرائم التي اقترفت تجاه مواطنين أبرياء لا ذنب لهم الا أنهم ينتمون لهذا الطرف دون ذاك –وليس بالضرورة ضده-.. في ظروف قاسية.. تنعدم فيها الإتصالات و نشر المعلومات.. جرائم نفذت بإشراف من » جهاز المعلومات » الذي أصبح معروفا ب »المالغ »( وزارة التسليح و الإتصالات العامة).. وهو الجهاز الذي حكم و يحكم الجزائر إلى اليوم.. بمسميات مختلفة.. عناصر هذا الجهاز تلقوا تدريباتهم في الإتحاد السوفياتي السابق على يد ال « كا جي بي ».. و هي مدرسة يشهد لها بالتفن في الإجرام والقتل و تصفية المعارضين و البروباغندا المضادة و التلاعب بالعقول..

 كانت أول دفعة تحمل اسم « البساط الأحمر » تدربت على: » إرهاب الأجهزة »؟؟.. التي يدخل ضمنها فبركة المؤامرات الوقائية و الإستثارة.. لتحطيم العدو؟؟.. و العدو هو مصطلح مفتوح.. يدخل ضمنه كل من يمس بمصالح هذا الجهاز و من يحميهم لتحقيق مصالحه.. و مصالحه ليست بالتأكيد مصالح المجموعة الوطنية.. و الواقع شاهد على ذلك..

 

لقد أزيح مصالي الحاج بحرب » قذرة » و مناورات دنيئة..  شاركت فيها أطراف متعدة (مصر عبد الناصر، أجهزة مخابرات لدول مختلفة،جزائريون من داخل الحركة…)..  حتى لا تجد فرنسا الإستعمارية  نفسها أمام مفاوض قوي.. ذي حنكة سياسية و ماض نضالي.. و قواعد و كوادر حزبية منضبطة و منظمة.. والأهم برنامج وطني متكامل لفك الإرتباط مع الإستعمار و الإمبريالية العالمية.. و الحقيقة التي أضحت واضحة للعيان من خلال استقراء التاريخ.. هي أن محاولات فرنسا الكولونيالية  تحييد كل الوطنيين لم تنقطع.. هكذا فرض « سلم الأبطال » الموهوم.. ليتفاوض المفاوض الجزائري مع فرنسا على قضايا لحد الساعة لم تكشف خباياها.. فمفاوضات « إفيان « هي الصورة الأخرى للتلاعب بالتاريخ الجزائري.. و مازلنا بعد 50 سنة من وقف أطلاق النار لا نعلم عن ما تفاوض الطرفان؟؟.. أو بالأحرى ما تفاوضت عنه فرنسا مع نفسها.. لأن البنود السرية لن تكشف غدا.. و الوثيقة الموجودة بين أيدينا لا توحي بالإستقلال الكامل.. و هي مذيلة بلواحق لا يعلمها الا المفاوضون و قلة من قيادات تلك الفترة؟..
الرفقاء انقلبوا على أول حكومة مؤقتة « منتخبة ».. و نصبوا  بن بلا بعد صراع دموي لم تكشف كل فصوله أيضا.. ثم انقلبوا عليه و نصبوا بوخروبة و كان انقلابا دمويا هو الآخر سموه « تصحيحا ثوريا ».. و حاولوا جاهدين منذ ذلك التاريخ أن يكتبوا تاريخهم هم.. أرادوا أن ينسى الجزائريون مصالي الحاج، فرحات عباس، بن خدة بن يوسف، الحاج عبد القادر، عمار أوزقان و غيرهم.. ثم » بعثوا من الأجداث » من اغتالوهم أو ساهموا في قتلهم ليستعملوهم في محاولة سياسوية لإضفاء الشرعية على تسلطهم.. زيغود، بن بولعيد،عبان رمضان، عباس لغرور، الشيخ زيان، باجي المختار و آخرون.. و من لم يقتل في « ساحات الشرف ».. اغتيل في فرانكفورت او مدريد.. و هكذا آلة القتل و الإجرام لم و لن تتوقف ما دامت العصابة أو بعض منها.. لأن المنهج مُتَجَذِّر و يسري فيهم سريان الدم في العروق.. وقد فرَّخت لتنجب لنا طرطاق و مهنى و وحوش أخرى تربَّت على أيديهم و تَفنَّنَتْ أكثر منهم في الوسائل و الأساليب.. لتثبت ولاءها ولترتقي في مدارج القتلة و السفاحين..

من هنا فإن رحيل بوتفليقة الذي تروج له هذه العصابة.. والذي تريد أن تظهر عبر شخوص و دمى تحركها.. أنها تريد إنقاذ ما أفسدته.. و تلعب دور البطولة.. ما هو الا فصل من فصول مسرحية « مرعبة » تدوم منذ أكثر من 50 سنة.. فالأحداث المتعاقبة.. علمتنا أن « الغرفة السوداء » المرتبطة بمصالح فرنسا و الغرب.. هي المُخرِج و المُنتج و المُوَزِّع.. و أنه آن الأوان للجمهور »المتفرج » أن يتوقف عن التصفيق لهذا العرض العبثي.. وليخرج من ظلمات القاعات الحقيقة أو الإفتراضية.. الى ضوء الشمس.. كغيره من الشعوب.. لينتفض على سياسة « الإستحمار » و » البهامة » التي تمارس عليه.. بطريقته و بوسائل يبدعها هو.. ليقول « كفى » و « رانا افهمناكم »..

 

——————————

* هذا ليس همزا بالوطنيين المفرنسين..  لكن منهج البحث في قائمة كوادر الفصيلين تقود لهذه النتيجة.

 

 

علي عباس فضيلي

صحفي مستقل و باحث في التاريخ الجزائري المعاصر


Nombre de lectures: 190 Views
Embed This