DzActiviste.info Publié le dim 24 Août 2014

بيير بورديو: المجتمع الجزائري مسرح لميلاد النظريات

Partager

المفكر الفرنسي عالج في مؤلفاته قضية المرأة في المجتمع الأمازيغي الجزائري على نحو مختلف عن المعالجات التي كرستها الأكاديميات الأوروبية الغربية.

alarabonline.org أزراج عمر [نُشر في 24/08/2014، العدد: 9658، ص(12)]

بورديو اعتبر أن خطأ البنيوية أنها نظرت إلى الحوادث من خلال الملاحظين بدلا من النظر إليها من خلال عيون السكان

يعتبر المفكر الفرنسي الراحل بيير بورديو (1930-2002) من المفكرين البارزين في الساحة الفكرية الفرنسية والعالمية المعاصرة. من مؤلفاته نذكر: 1- سوسيولوجيا الجزائر (1961) 2- الجزائريون (1962)، 3- العمل والعمال في الجزائر (1963)، 4- نزع الجذور، أزمة الفلاحة التقليدية في الجزائر (1964)، 5- الطلاب وتعليمهم (1964)، الورثة، الطلاب والثقافة (1964)، 6- حب الفن، المتاحف وجمهورها (1966)، 7- إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم (1970)، 8- مختصر نظرية الممارسة (1972)، 9- السيطرة الذكورية (2002) وغيرها من الكتب الكثيرة التي تشكل في مجموعها إرثا نظريا وتطبيقيا مهمَا تركه بورديو خلفه للساحة الفكرية الإنسانية.

يعتبر المفكر الفرنسي الراحل بيير بورديو (1930-2002) من المفكرين البارزين في الساحة الفكرية الفرنسية والعالمية المعاصرة. من مؤلفاته نذكر: 1- سوسيولوجيا الجزائر (1961) 2- الجزائريون (1962)، 3- العمل والعمال في الجزائر (1963)، 4- نزع الجذور، أزمة الفلاحة التقليدية في الجزائر (1964)، 5- الطلاب وتعليمهم (1964)، الورثة، الطلاب والثقافة (1964)، 6- حب الفن، المتاحف وجمهورها (1966)، 7- إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم (1970)، 8- مختصر نظرية الممارسة (1972)، 9- السيطرة الذكورية (2002) وغيرها من الكتب الكثيرة التي تشكل في مجموعها إرثا نظريا وتطبيقيا مهمَا تركه بورديو خلفه للساحة الفكرية الإنسانية.

كما نرى من عناوين مؤلفات بورديو، فإن فضاء الجزائر يمثل لعمله الفكري ركيزة أساسية. وبالفعل لقد تمكَن هذا المفكر وعالم الإثنوغرافيا وعلم الاجتماع، الذي أجرى أبحاثه الإثنوغرافية الأنتروبولوجية المتميزة في جزء من المنطقة الأمازيغية “القبائل الكبرى” بالجزائر أثناء الحقبة الاستعمارية الفرنسية للجزائر وبعدها، من إدخال تعديلات وتغييرات حاسمة على مفاهيم الحقل السوسيولوجي والإثنوغرافي وجهازيهما النظريين.

من هذا الفضاء استخلص بيير بورديو عدة مفاهيم ونظريات متميزة منها “الهابتوس” و”العنف الرمزي” و”الرأسمال الرمزي”، و”الحقول الاجتماعية” و”الانعكاسية”، ومن ثمّ سحب هذه المفاهيم إلى منطقة النقاش الفكري في الغرب، لتصويب النظريات الفلسفية للبنيوية في الفكر الفرنسي والغربي أيضا.

بالنسبة لـ”بيير بورديو” فإن النظريات السوسيولوجية المؤسسة على التمركز الغربي، في حاجة ماسة إلى التفكيك النقدي، وهكذا نجده يعلن، مثلا، موقفه بشأن الجهاز النظري للبنيوية، الذي طبقه علماء الإثنوغرافيا وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الغربيين على مجتمعات العالم الثالث المختلفة من حيث التاريخ والثقافة والمعتقدات كما يلي: “إن خطأ البنيوية هو أنها كانت تنظر إلى الحوادث من خلال الملاحظين بدلا من النظر إليها من خلال عيون السكان الأهالي”.

لا ينبغي فرض النظرية التي انبثقت من بيئة ثقافية معينة ومغايرة على بيئة أخرى لها وضعها وشروطها المختلفة

يعني بورديو بهذا أن النظريات البنيوية ترتكب خطأ جسيما ويتمثل في فرض قواعد ومفاهيم مسبقة من طرف دارسين ومنظرين أجانب، لدراسة مجتمعات لا تنطبق عليها تلك القواعد والمفاهيم.

في دراساته المكرسة للمجتمع القبائلي (الأمازيغي) بالجزائر تمكن “بورديو” من تقديم مفاهيم ونظريات لها تأثير متميز على الدراسات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية وعلى علم الاجتماع في عصرنا. من بين هذه المفاهيم التي يلح على ضرورة استخدامها في دراسة الظواهر الثقافية والاجتماعية، مفهوم الممارسة الذي يعني به “أن الفاعل الإنساني يتخذ القرارات ويحركه جسده بارتجال منظم وذلك مثلما هو الحال في موسيقى الجاز”.

المركزية الأوروبية

وهذا يحيلنا إلى مفهوم الممارسة عند المفكر بورديو ومدى تناقضها مع النظرية. يعتبر المفكر أن الفاعل الإنساني يتخذ القرارات التي يكتسب الإنسان بواسطتها صفة الفاعل التاريخي الذي يغير التاريخ ويغيره التاريخ أيضا. يفهم بورديو “الممارسة ” على أنها النظرية، وهي تعمل في الميدان، وتصحح أو تعدل نفسها أثناء ذلك. في هذا السياق يحاجج أنه لا ينبغي فرض النظرية التي انبثقت من بيئة ثقافية معينة ومغايرة على بيئة أخرى لها وضعها وشروطها المختلفة على واقع متميز ومختلف.

بهذا الموقف الفكري يبتعد بورديو عن الإقحام التعسفي للفرضيات والنظريات التي يتأسس عليها الفكر الفرنسي/الغربي في مجال علم الاجتماع والإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا. وهنا نفهم أنّ بورديو يقف ضد المعيارية الجاهزة مسبقا.

مفكر قلب النظرية الماركسية رأسا عل

في هذا السياق نستطيع القول بأن تجربة “بورديو” الجزائرية قد منحته أفقا فكريا نظريا جديدا استعمله لنقد بعض المسلمات النظرية لعصر التنوير الأوروبي التي تزعم أن فكر السكان الأهالي في الفضاء المستعمر فكر غير عقلاني. وبالفعل فإن نقد بورديو للأحكام التعسفية المتمركزة غربيا، وخاصة في ظل الاحتلال، يعد نقلة نوعية داخل خطابي الإثنوغرافيا والسوسيولوجيا الغربيين.

الدراسة الميدانية

لا شك أن الكثير من المفاهيم والأفكار الجديدة المذكورة آنفا قد استقاها “بيير بورديو” من دراساته الميدانية للمجتمع الجزائري، ولكن هذا لا يعني أنه غير مشبع بتقاليد الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع النابعة من الثقافات الأوروبية الغربية، بل هو مستوعب لها ومتمرس عليها، بل طالع من صلبها.

أستطرد هنا قائلا إن تجربته الثقافية الميدانية في الجزائر، قد لعبت دوراً بارزا في تزويده بمنظورات جديدة غير معتادة في فضاء تقاليد التيارات الفكرية الفرنسية الأوروبية. وفي هذا الصدد توضح الدارسة “بريجيت فولر” في كتابها “بيير بورديو والنظرية الثقافية”، أن “إدراك أعمال بورديو حول الفن والاستقبال الثقافي ممكن فقط إذا قمنا بالتحليل المقارن الذي تتكئ عليه كل أعماله. إن طفولته في المنطقة الفلاحية بمقاطعة “سبييرن” في فرنسا، وكذلك الزمن الذي قضاه كمتخصص في الأنثروبولوجيا في منطقة القبائل بالجزائر، قد شكلت تحليله لعمليات الانتقال من الأشكال ما قبل الرأسمالية إلى الأشكال الرأسمالية وأنماط تمايزات سيطرة الحداثة”.

وتضيف بريجيت فولر قائلة: “إن بورديو في دراساته الجزائرية يبيّن الشروط القبلية التاريخية الضرورية للحقول الثقافية المتخصصة والمستقلة”. وتعني هذه الدارسة أن أعمال بورديو المكرسة للجزائر قد أبرزت مجالا ومنطلقا فكريين جديدين بعيدين عن المادية الميكانيكية وعن المادية التاريخية المغرقة في التفسير المادي أحاديّ البعد. وهكذا تصنف هذه الدارسة كتابات بورديو على أنها تقف خارج “التقليد الاستشراقي لمكسيم رودنسون”، ومن هنا يمكن القول إن الإنجازات التي حققها بورديو قد ساهمت في نقد مواقف التمركز الأوروبي الغربي في مجالات علم الاجتماع، والأنتروبولوجيا والإثنوغرافيا.

المرأة الأمازيغية

إلى جانب ما تقدم تلاحظ “بريجيت فولر” أن بورديو قد عالج في مؤلفاته قضية المرأة في المجتمع الأمازيغي الجزائري على نحو مختلف عن المعالجات التي كرستها الأكاديميات الأوروبية الغربية. وبهذا الخصوص نجد بيير بورديو يحاجج أنه “رغم أن موقع النساء في داخل قبيلة الشاوية (منطقة الأوراس) كان موقع التابعة على نحو متطرف، غير أنهن يمتلكن تأثيراً مشتقاً من تضامنهن الرائع″. وحين يناقش بورديو مسألة الحجاب نراه يصرَح: “إن الذي فرض الحجاب، والعزل على النساء داخل المنزل، لا يعود إلى الأعراف التقليدية، وإنما يعود إلى الممارسات الحضرية الجديدة والزحزحة الثقافي

فضاء الجزائر يمثل لعمل بورديو الفكري ركيزة أسا

مما تقدم يتضح لنا أن بورديو يلقي باللوم جزئيا على علاقات الاستعمار التي همشت المرأة في هذا المجتمع. وهذا يظهر جليا أن المفاهيم وشبكة الجهاز النظري التي استخلصها بورديو من تجربته الجزائرية تمثل إضافة نوعية تضاف إلى المتن النظري والفكري وإلى الحقل المعرفي، وفضلا عن ذلك فإنه يمكن القول إن إنجاز بورديو يعتبر قفزة نوعية في داخل النسق العام للعلوم الإنسانية، وعلم الاجتماع المعاصرين وفي المشهد الثقافي الغربي ككل.

التأثير المعاكس

بناء على هذا الاستنتاج نلاحظ أن “بريجيت فولر” التي تقتفي تأثير المجتمع الجزائري على فكر بيير بورديو تلفت الانتباه إلى أن مفاهيم كثيرة منها مفهوم “الرأسمال الرمزي” و”الشرف الاجتماعي” قد لعبت دورا محوريا في بناء عمارته الفكرية داخل الأفق العام للفكر الفرنسي المعاصر. وهكذا ندرك أيضا أنّ مؤلفات بورديو وإلى جانبها عدد كبير من الكتابات الأخرى التي تأثرت بالمجتمع الجزائري المستعمر، وهي لمفكرين فرنسيين معاصرين أمثال “جاك بيرك”، و”فيدال نتاكيت” و”روجيه غارودي”، و”جان بول سارتر”، و”جان فرنسوا ليوطار”، و”هيلين سيكسو”، و”لوي ألتوسير”، و”جاك دريدا”، كل هذه الأعمال توفر وتفتح في مجملها آفاقا وإمكانيات نظرية جديدة للنقاش الفكري/الفلسفي في عصرنا، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتحدث عن التأثير المعاكس الذي مارسه المجتمع الجزائري على الثقافة الفرنسية ضمن شرطي الكولونيالية وما بعد الكولونيالية.

الرأسمال الرمزي

أنظر الآن في مفهوم “الرأسمال الرمزي” الذي ابتكره وكرسه “بيير بورديو” في كتاباته عن الحياة الاجتماعية والثقافية الجزائرية، وأصبح فيما بعد جزءا أساسيا في القاموس النقدي والفكري والثقافي لديه، ولدى عدد كبير من الدارسين والنقاد الغربيين والعرب، أمثال الدكتور محمد أركون.

في تحليلها لمفهوم الرأسمال الرمزي عند “بورديو” تؤكد الدارسة بريجيت فولر أن “كلا من المجتمعات ما قبل الرأسمالية والرأسمالية قد نظمت على أساس الرأسمال الرمزي”. أما بخصوص الجزائر فإننا نجدها تلخص استنتاجات بورديو كالتالي: “فالجزائريون يمتلكون إحساسا صارما بالشرف، والشهرة والكرامة، وهذه العناصر منظمة بواسطة التقسيم الجنسي للعمل. إن الشرف، وليس تراكم المال أو الرأسمال، هو الذي يدفع بهم ويحركهم”. إن هذا الاستنتاج نجد صداه في كتابات بورديو: ” إنّ إحدى خصائص المجتمع الجزائري تبدو في أن البنية الثقافية الفوقية وعنصر الإحساس بالشرف والكرامة جزء منها هي التي تحرك التاريخ داخل هذا المجتمع”.

يعني هذا أنّ بيير بورديو يريد بشكل غير مباشر أن يخالف النظرية الماركسية التقليدية، التي تعطي الصدارة في عملية تحريك التاريخ للبنية التحتية، ومن عناصرها كما نعرف الرأسمال الاقتصادي.

على ضوء هذا التحليل يدرج بيير بورديو مفهوم الرأسمال الرمزي المتمثل في البنية الثقافية المذكورة ضمن إطار القوة التاريخية التي تبني الذات في التاريخ. إنه بهذا يطرح مجددا علاقة تضافر البنيات التحتية والرأسمال الرمزي (الذي هو واحد من العناصر الأساسية للبنية الفوقية) للنقاش في ساحة الفكر المعاصر بعيدا عن الميكانيكية الماركسية التقليدية. على أية حال فإن هذا المفهوم (أي مفهوم الرأسمال الرمزي) الذي بلوره “بورديو” يحتاج إلى تحليل مفصل وخاصة في علاقته بالزمن والممارسة وأشكال المعمار وهي موضوعة مركزية ولها أهمية قصوى في فهم بنية المجتمع الجزائري.

مفهوم « الرأسمال الرمزي » كرسه بورديو في كتاباته عن الحياة الاجتماعية والثقافية ا 

الشرف الاجتماعي

في دراسته الشهيرة التي تحمل عنوان “المنزل القبائلي أو العالم معكوساً” يلاحظ “بورديو” أن النقص الذي كان يعاني منه المجتمع الجزائري بشأن التحكم في الطبيعة، قد تم تعويضه بالتنظيم الاجتماعي”، كما أبرز أن المجتمع القبائلي الجزائري يتميز “بالتنظيم الديمقراطي” وبخاصية “الشرف الاجتماعي”. ويسمى هذا الأخير نمطا من أنماط الرأسمال الرمزي.

حسب تحليل “بريجيت فولر” فإنّ “الشرف الاجتماعي” في المجتمع القبائلي الجزائري يأخذ مكان “تراكم الرأسمال الاقتصادي” كما هو “في نمط الإنتاج الرأسمالي، وعلاقات الإنتاج الرأسمالية في المجتمعات الحديثة والمعاصرة”.

وهكذا نفهم أنّ بورديو يلجأ إلى منظور نظري مركب من “البنية التحتية ” و”البنية الفوقية” لتفسير تاريخية ومحركات المجتمع القبائلي الجزائري ويعتبر هذا بمثابة قلب للنظرية الماركسية التقليدية التي تعطي الأولوية للبنية التحتية لتفسير تاريخ أيّ مجتمع بغض النظر عن خصائصه المختلفة وفرادته التي تتطلب وجهة نظرة نظرية متطابقة معه. وبهذا الصدد ينبغي التوضيح أن مصطلح ” الشرف الاجتماعي” عند “بيير بورديو” لا يعني المواقف والممارسات الأخلاقية فقط وإنما يعني كذلك المواقف الثقافية وعلاقات العمل وعلاقات الإنتاج في مجتمع جزائري يختلف كليا عن بنية منطق المجتمعات الرأسمالية الغربية وأسسها وفي المقدمة المجتمع الفرنسي.

نظرا إلى هذا الاختلاف نجد بيير بورديو لا يركز في تحليلاته على أولوية البنية الاقتصادية وتوابعها المادية فقط، وإنما يركز بقوة أيضا على البنية الفوقية منها الوازع الاجتماعي والروابط الثقافية باعتبارها بنية النسيج العام للمجتمع الجزائري، ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن بورديو يسقط في النزعة المثالية، لأنه لا يستبعد من تحليلاته القوة التأثيرية للعوامل المادية.


Nombre de lectures: 2428 Views
Embed This

Commentaire



Laisser un commentaire

Laisser un commentaire

XHTML: You can use these html tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>