DzActiviste.info Publié le sam 4 Août 2012

تركة "مانديلا"

Partager

« إن الجميع سيموتون ». هذا ما بدأ يقوله نيلسون مانديلا لمساعديه المشدوهين قبل سنوات، وهو مبتهج للقدر المحتم مع ذلك. وكان مانديلا قد تقاعد أول مرة في 1999، عندما تنحى عن السلطة كأول رئيس لجنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد نظام التمييز العنصري « الأبارتايد ».

وفي 2004 أعلن أنه « سيتقاعد من التقاعد »، وكانت تلك طريقته الذكية للتأشير على أنه هذه المرة يقصد حقا التنحي عن الدور الكبير الذي لعبه في البلاد لأكثر من 60 عاماً. وقال في تلك المناسبة: « لا تتصلوا بي، أنا سأتصل بكم ».

بدا مانديلا مرتاحاً ومتصالحاً مع ذلك القرار خلال السنوات التي أعقبت ذلك الإعلان، حيث استمتع بقربه من عائلته في منطقة « كونو » الريفية، وظل بعيداً عن السياسة الداخلية وشجونها بشكل عام. غير أنه مع احتفاله بعيد ميلاده الرابع والتسعين الأسبوع الماضي، بدا الكثير من مواطنيه قلقين من أفق رحيله.

ففي السنوات الأخيرة، أثارت تقارير تفيد بأن مانديلا في حالة صحية سيئة – مهما كانت وعكته الصحية صغيرة- نوبات هستيريا عامة، ومن ذلك تجمهر دوري لوسائل الإعلام خارج المستشفيات حيث كان يتلقى العلاج.

وذهبت بعض مواقع الإنترنت التي يديرها بيض يمينيون إلى حد إعلان وفاة مانديلا على مواقعها الإلكترونية، محذرةً من مخططات سرية لحمام دم عرقي. وهو ما يعكس سيطرته على مخيلات حتى أكثر البيض عنصرية في البلاد لدرجة أنهم يعتقدون أن استمرار وجود مانديلا مهم وأساسي من أجل حمايتهم من الإبادة.

أما بالنسبة للأغلبية الساحقة من مواطني جنوب أفريقيا، وهم في معظمهم سود وفقراء، فإن رفض التخلي عن « ماديبا » (اسمه القبلي) أو « تاتا » (الجد)، مثلما هو معروف على نطاق واسع، أمر يمكن تفهمه. إنه عبارة مجازية، في نهاية المطاف، لنسب « المعجزة » المفترضة للانتقال السلمي عموما في 1994 إلى « سحر ماديبا ». غير أنه تحت مشاعر القلق والجزع من احتمال وفاة مانديلا – من قبل السود والبيض على حد سواء – توجد حقيقة مزعجة: أن الوعد الذي قطعه مانديلا على نفسه بشأن المساعدة على تأسيس مجتمع غير عنصري، قائم على المساواة في الجزء الجنوبي من القارة الأفريقية قد انهار خلال العقد الأخير.

فجنوب أفريقيا، وعلى الرغم من كل التقدم الذي حققته، مازالت بلداً لا وجود فيه للمعجزات. فمدنها الحديثة محاطة بأحياء فقيرة مترامية الأطراف؛ والمناطق الريفية، حيث تعيش نسبة مهمة من السكان، غارقة في الفقر، وتفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط البنى التحتية. كما أن البلاد تعاني من بطالة مرتفعة بين الشباب، ومعدلات مدمرة من الجريمة، وموت الملايين من الإيدز.

غير أنه مما يحسب لمانديلا، هو أنه بعد بضع سنوات في منصبه كرئيس للدولة، أعلن أنه سيتنحى عن السلطة بشكل طوعي بعد ولاية واحدة فقط. وربما يدوي هذا القرار بقوة كبيرة جدا لأنه جد نادر، وليس في أفريقيا فقط.
ذلك أن الزعماء عبر العالم كله يعتبرون أنفسهم عملاء لا يمكن الاستغناء عنهم بعد وقت طويل على ما يشير إليه مواطنو جنوب أفريقيا باعتباره « تاريخ انتهاء صلاحيتهم ».
وفي العالم الخاص لزعماء العالم، فإن الكثير من السياسيين يؤثرون إحراق البيت على تسليم المفاتيح. ولعل هدية مانديلا الكبيرة كانت هي تشديده على أنه شخص يمكن الاستغناء عنه. ولذلك، وأشياء أخرى كثيرة، فإنه سيظل دائما محبوبا.

عن مجلة الحرية

25 يوليو 2012


Nombre de lectures: 237 Views
Embed This