DzActiviste.info Publié le lun 6 Mai 2013

حتى لا تتحول الخيانة إلى وجهة نظر

Partager

س.جindépendance3

على رغم الاختلاف الدائر في أوساط النخب والشعوب العربية اليوم عن طبيعة الهزات التي تشهدها الأنظمة والدول العربية، من متبن لنظرية المؤامرة الخارجية إلى الناظر إلى هذا الحراك على أنه ثورات شعبية قامت لاسترداد حقوق طبيعة طالما داستها هذه الأنظمة عبر عقود تحت شرعيات ومسميات مختلفة، فإن جميع الشرفاء متفقون على أن المنظومة الغربية الحاكمة في العالم اليوم لن تقبل بأن تعود لهذه الشعوب سيادتها الحقيقية وتصبح صاحبة السلطة والمتحكمة في مصادر ثرواتها وقرارها. فالأنظمة العربية القائمة طالما كنت مجرد أداة قمع لشعوبها وانتهاك لحرياتهم وكرامتهم وجميعها فاقدة لأية سيادة.

لهذا فإن الفرصة اليوم تاريخية أمام الشعوب وعلى رأسها النخب السياسية أن تعي طبيعة المعركة القائمة اليوم والتي يجب أن تدار على أساس واحد، وهو استعادة السيادة الحقيقية التي فشلت الشعوب في استعادتها عبر ما عرف بالاستقلال في فترات الخمسينيات والستينيات. فالأنظمة الاستعمارية أوكلت مهمة إدارة بلداننا إلى بني جلدتنا كمستعمرات أو حدائق خلفية دون أن تدفع بجندي واحد داخل هذه الأوطان.

بسط الدول الغربية لنفوذها وسيطرتها على الدول العربية تطورت من مجرد أنظمة سياسية تابعة إلى إنشاء منظومة اقتصادية متحالفة عضويا مع دوائر غربية تكون لوحدها كفيلة بكبح أية قيادة سياسية أو عرقلة أية عملية تحوّل ديمقراطي حقيقي أو استرجاع للسيادة داخل هذه الدول. وما يحدث في مصر وتونس لا يعدو كونه إفشال اقتصادي للبلدين من أجل إبقائهما تحت مظلة التبعية وفقدان السيادة أو إيصالهما إلى مرحلة الدول الفاشلة. أما القضايا الإيديولوجية فما هي إلا غطاء سياسي لهذا الصراع لأن الغرب سيقبل بأي تيار سياسي بغض النظر عن لونه طالما بقي داخل المنظومة.

بالعودة إلى الحالة الجزائرية فإن النظام الجزائري يعتبر نموذجا صارخا لفقدان السيادة والفساد المالي والسياسي، وليس هنا المجال لسرد الشواهد على ذلك لأنها أصبحت حديث العام والخاص، ولكن الأهم أن تعرف النخب ومن ورائها الشعب طبيعة الصراع في الجزائر ونواة هذا النظام وأذرعه.

كثيرا ما نسمع عن النظام الجزائري أنه نظام مخابراتي عسكري بواجهة مدنية تحت إمرة ضباط سابقين في الجيش الفرنسي ومن سار في ركبهم. هذا التعريف للنظام الجزائري وإن كان صالحا في فترة التسعينيات فإنه لم يعد صالحا أو كافيا اليوم لعدة أسباب.

أول هذه الأسباب أن معظم هؤلاء الضباط أو الجنرالات لم يعد لهم وجود، إما بسب الموت أو العجز البدني، والرسالة التي وجهت إلى  الجنرال توفيق والتي نشرتها جرائد على ارتباط عضوي بدوائر الحكم ما هي إلا نوع من العبث السياسي ومحاولة لتشتيت الأنظار عن التغيرات التي حدثت في طبيعة النظام الجزائري. طبعا ليس هذا طعنا في السيد مالطي بل طعنا في الدوائر التي سمحت بهذه التغطية الإعلامية للرسالة ونشرها في أحد أهم جرائد النخبة الفرانكفونية والمرتبطة بدوائر الحكم .

لمحاولة فهم طبيعة النظام الجزائري يجب أن نميز بين مفهومين سياسيين، وهما النظام السياسي والمنظومة الحاكمة في بلد مثل الجزائر. فالنظام الجزائري قبل 91 كان فيه الاقتصاد والإعلام ملكا للدولة، ما يعني أن عملية تغيير النظام السياسي ومؤسساته الدستورية كانت ستؤدي  مباشرة إلى  تغيير نظام الحكم ولن تكون هناك حاجة لتفكيك النظام أو على الأقل أن هذه العلمية كانت ستكون سهلة لعدم وجود نظام مواز أو دولة عميقة. بينما اليوم أصبح في الجزائر نظامان متوازيان : نظام سياسي رسمي ومنظومة سياسية- اقتصادية صنعت على أعين قادة انقلاب 92، وهي الأخطر.

هذه المنظومة أو المافيا السياسية- الاقتصادية ليست وليدة اليوم أو الصدفة بل حصيلة عمل ممنهج لاختطاف وطن بكامله. ففي فترة التسيعينيات، وبينما كانت آلة الموت تحصد آلاف الأبرياء والجزائريون يحصون قتلاهم، كان هناك من يضع يديه على مؤسسات الدولة وأراضيها ويشتريها بالدينار الرمزي، ويتموقع في أهم مؤسسات الدولة من سونطراك إلى البنوك.

وظل الأمر كذلك إلى أن استفاق الجزائريون بعد عقد من الزمن على مليارديرات الحرب، وهم يتحكمون في جميع منافذ الإقتصاد الجزائري من الغذاء إلى الدواء، وأصبحت مفاصل الدولة تحت أيديهم. وحتى يعرف المواطن مدى حجم الجريمة نذكر أنه بينما كانت الجزائر في سنوات التسعينيات بدمويتها وعنفها تبدو بلدا طاردا لكل استثمار فإن تلك الفترة، وفي بدايتها شهدت دخول عديد ممن أصبحوا مليارديرات اليوم بعد أن كانوا يعيشون في فرنسا التي ولد بعضهم فيها.

وكعينة عن سطوة هذه العصابة أذكر أن رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام طالب بشكل ودي أحدهم بدفع ما يفوق 200 مليون دولار ضرائب، ولكن كانت النتيجة هي إقالة رئيس الحكومة خلال أيام.

 هذه العصابة الاقتصادية-السياسية تتميز بكونها جماعة استئصالية متغربة ولا تنظر إلى الشعب الجزائري إلا بأعين فرنسية ولا تعدو كونها امتداد لهذا الاستعمار.

المؤسف في المشهد السياسي الجزائري اليوم أن كثيرا من النخب المعارضة مازالوا يتحدثون عن جماعة وجدة التي استولت عن الحكم  سنة 62 بينما جزائر اليوم تعدت مجموعة وجدة بأشواط كثيرة، على الرغم من أن هذه الجماعة تتحمل تاريخيا ما وصلت إليه الجزائر وكذلك وصول هذه العصابة للحكم.

إن عملية إسقاط أي نظام أو أي تغيير جذري اليوم لم تعد تعني تغيير النظام السياسي الرسمي (مؤسسات دستورية وأجهزة أمنية) بل إن المنظومة الحاكمة الموازية هي الأخطر، وهي التي تستطيع أن تدخل أية نظام شرعي منتخب والبلاد في موجة من العنف والفوضى عندما تصبح مصالحها مهددة.

هذه المنظومة الحاكمة اليوم ترتبط بشبكة مصالح داخلية وخارجية تم بناؤها على أساس سياسات تخدم في نهايتها وتلتقي مع مصالح دول خارجية وتأتي على رأسها المصالح الفرنسية في الحالة الجزائرية، وبدرجة ثانية وغير متنافية المصالح الأمريكية، كي تبقي على الجزائر رهينة لا تقوم لها قائمة. لهذا فإن تغيير هذه السياسات سيصبح عاملا يؤدي إلى إهدار مصالح شبكة الحكم بأطرافها داخل وخارج البلاد. وما يحدث في مصر وتونس إلا محاولة للإبقاء على نفس المنظومة بغض النظر عن النظام السياسي.

إن المتمعن في الحالة المصرية سيجد أن الأمر وصل إلى الحد الذي نجد فيه جماعات وشخصيات سياسية، إما شاركت في الثورة أو تحسب على معارضة مبارك، تضع اليوم يدها في يد رجال أعمال مبارك وأصبحت تخوض حرب الدفاع عن قضاة طالما كانوا أداة من أدوات نظام مبارك… والذين يوزعون البراءات اليوم على رجالاته.

رجال أعمال نظام مبارك والذين اختطفوا دولة بحجم مصر ورهنوا مقدراتها، بشكل يشبه ما حدث ويحدث في الجزائر، تحولوا اليوم إلى متكلمين باسم الثورة ولهم قنواتهم التلفزيونية وجرائدهم التي غدا كثير ممن يسمون ثوارا ضيوفا دائمين عليها ليدافعوا عن قضاة مبارك الفاسدين ورجالات أعماله بمنطق ميكافيليي يجعل الحليم حيران.

المشهد في تونس لا يكاد يختلف، فعندما نجد الحداثيين يضعون أيديهم في يد الإتحاد العام للشغل ورئيسه وأصبح هذا الإتحاد هو الناطق باسم الثورة التونسية لا يسعنا  إلا أن نتساءل عن مدى استخفاف هؤلاء بذاكرة الشعوب. وحتى أقرب الفكرة للقارئ أدعوه أن يتصور معي أن الشعب  الجزائري استطاع يوما إسقاط العصابة الحاكمة وأنتخب مجلسا تأسيسيا لكتابة دستور وشكل حكومة انتقالية ولكن الطرف الرئيس الذي أصبح يقود المعارضة  هو الإتحاد العام للعمال الجزائريين برئاسة سيدي السعيد وتحول هذا الأخير إلى مدافع عن الدولة الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق العمال وأصبح هو حامل أهداف الثورة التي  قامت لإسقاط النظام الذي طالما كان هذا الإتحاد ورئيسه ركنا من أركانه.

والواقع أن المشهد السياسي في الجزائر اليوم يعتبر أكثر ريبة حتى قبل التغيير، لأننا لا نكاد نسمع  في صفوف المعارضة من يأتي على ذكر هذه العصابة الاقتصادية وتحكمها في مفاصل الدولة والاقتصاد، بل الأمر تعدى ذلك، فكثيرا ما نجد من يدافع عنهم بحجة أنهم مستثمرون ورجال أعمال يقدمون خدمة للشعب ويوفرون فرص عمل في مشهد عبثي كمن يقول أن الملياديرات المصريين حسين سالم ونجيب ساويرس وأحمد بهجت ومجدي راسخ، ..إلخ هم رجال أعمال شرفاء ومستثمرين، بينما القاصي والداني يعلم أن هؤلاء ما جمعوا أموالهم إلا على حساب الشعب وعبر الاستيلاء على أراضي الدولة ومؤسساتها تحت غطاء الخوصصة وتسهيلات نظام مبارك. والجميع يعلم اليوم أنهم هم وقود الفتنة والفوضى في مصر ليس دفاعا عن مصالحهم فقط بل مصالح دوائر إقليمية، والأمر شبيه في تونس. 

عندما نتكلم عن العصابة الاقتصادية في الجزائر لا نقصد رجال الأعمال أو الوزراء الفاسدين الذين يسترزقون من فساد هذا النظام وهم يمثلون حالة عابرة وجزءا من الواجهة أو القشرة الفاسدة ويتم من حين لآخر فتح ملفات بعضهم والتخلص منهم، ولكن نتكلم عن عصابة اقتصادية تمثل نواة النظام وهي التي اختطفت وطنا ورهنت مقدراته وأصبحت هي الدولة.

 أما للمعارضين المدافعين عن هذه العصابة أو المتغاضين عنها فأقول : إذا كان النظام الجزائري يسمح للشرفاء والوطنيين بأن يتحولوا إلى مليارديرات وتسن التشريعات لأجلهم وتباع أراضي الدولة لهم بالدينار الرمزي ويتحكمون في غذاء الشعب ودواءه، فهو إذن نظام وطني ولا يستحق المعارضة وما على الشرفاء إلا أن يلتفوا حوله كي يبنوا الجزائر.

إن حالة السكوت التي تميز المعارضة الجزائرية عن حقيقة هذه المافيا الاقتصادية يجعل المرء يتوقع أن تشهد الجزائر، في حالة سقوط هذا النظام أو بعد دخول الجزائر مرحلة تغيير سياسي جذري بشكل أو بآخر، حالة من التدليس والميكافيلية السياسية أسوأ مما تشهده مصر وتونس وأن تتحول مسألة الدفاع والتحالف مع من اختطفوا الجزائر بثرواتها وشعبها إلى مجرد وجهة نظر. وهنا لا أجد من بد إلا تذكر مقولة الرسام الفلسطيني ناجي العلي « أخشى ما أخشاه أن تتحول الخيانة إلى مجرد وجهة نظر ».

 

 

 

 

 


Nombre de lectures: 228 Views
Embed This
DzActiviste.info Publié le lun 6 Mai 2013

حتى لا تتحول الخيانة إلى وجهة نظر

Partager

س.جindépendance3

على رغم الاختلاف الدائر في أوساط النخب والشعوب العربية اليوم عن طبيعة الهزات التي تشهدها الأنظمة والدول العربية، من متبن لنظرية المؤامرة الخارجية إلى الناظر إلى هذا الحراك على أنه ثورات شعبية قامت لاسترداد حقوق طبيعة طالما داستها هذه الأنظمة عبر عقود تحت شرعيات ومسميات مختلفة، فإن جميع الشرفاء متفقون على أن المنظومة الغربية الحاكمة في العالم اليوم لن تقبل بأن تعود لهذه الشعوب سيادتها الحقيقية وتصبح صاحبة السلطة والمتحكمة في مصادر ثرواتها وقرارها. فالأنظمة العربية القائمة طالما كنت مجرد أداة قمع لشعوبها وانتهاك لحرياتهم وكرامتهم وجميعها فاقدة لأية سيادة.

لهذا فإن الفرصة اليوم تاريخية أمام الشعوب وعلى رأسها النخب السياسية أن تعي طبيعة المعركة القائمة اليوم والتي يجب أن تدار على أساس واحد، وهو استعادة السيادة الحقيقية التي فشلت الشعوب في استعادتها عبر ما عرف بالاستقلال في فترات الخمسينيات والستينيات. فالأنظمة الاستعمارية أوكلت مهمة إدارة بلداننا إلى بني جلدتنا كمستعمرات أو حدائق خلفية دون أن تدفع بجندي واحد داخل هذه الأوطان.

بسط الدول الغربية لنفوذها وسيطرتها على الدول العربية تطورت من مجرد أنظمة سياسية تابعة إلى إنشاء منظومة اقتصادية متحالفة عضويا مع دوائر غربية تكون لوحدها كفيلة بكبح أية قيادة سياسية أو عرقلة أية عملية تحوّل ديمقراطي حقيقي أو استرجاع للسيادة داخل هذه الدول. وما يحدث في مصر وتونس لا يعدو كونه إفشال اقتصادي للبلدين من أجل إبقائهما تحت مظلة التبعية وفقدان السيادة أو إيصالهما إلى مرحلة الدول الفاشلة. أما القضايا الإيديولوجية فما هي إلا غطاء سياسي لهذا الصراع لأن الغرب سيقبل بأي تيار سياسي بغض النظر عن لونه طالما بقي داخل المنظومة.

بالعودة إلى الحالة الجزائرية فإن النظام الجزائري يعتبر نموذجا صارخا لفقدان السيادة والفساد المالي والسياسي، وليس هنا المجال لسرد الشواهد على ذلك لأنها أصبحت حديث العام والخاص، ولكن الأهم أن تعرف النخب ومن ورائها الشعب طبيعة الصراع في الجزائر ونواة هذا النظام وأذرعه.

كثيرا ما نسمع عن النظام الجزائري أنه نظام مخابراتي عسكري بواجهة مدنية تحت إمرة ضباط سابقين في الجيش الفرنسي ومن سار في ركبهم. هذا التعريف للنظام الجزائري وإن كان صالحا في فترة التسعينيات فإنه لم يعد صالحا أو كافيا اليوم لعدة أسباب.

أول هذه الأسباب أن معظم هؤلاء الضباط أو الجنرالات لم يعد لهم وجود، إما بسب الموت أو العجز البدني، والرسالة التي وجهت إلى  الجنرال توفيق والتي نشرتها جرائد على ارتباط عضوي بدوائر الحكم ما هي إلا نوع من العبث السياسي ومحاولة لتشتيت الأنظار عن التغيرات التي حدثت في طبيعة النظام الجزائري. طبعا ليس هذا طعنا في السيد مالطي بل طعنا في الدوائر التي سمحت بهذه التغطية الإعلامية للرسالة ونشرها في أحد أهم جرائد النخبة الفرانكفونية والمرتبطة بدوائر الحكم .

لمحاولة فهم طبيعة النظام الجزائري يجب أن نميز بين مفهومين سياسيين، وهما النظام السياسي والمنظومة الحاكمة في بلد مثل الجزائر. فالنظام الجزائري قبل 91 كان فيه الاقتصاد والإعلام ملكا للدولة، ما يعني أن عملية تغيير النظام السياسي ومؤسساته الدستورية كانت ستؤدي  مباشرة إلى  تغيير نظام الحكم ولن تكون هناك حاجة لتفكيك النظام أو على الأقل أن هذه العلمية كانت ستكون سهلة لعدم وجود نظام مواز أو دولة عميقة. بينما اليوم أصبح في الجزائر نظامان متوازيان : نظام سياسي رسمي ومنظومة سياسية- اقتصادية صنعت على أعين قادة انقلاب 92، وهي الأخطر.

هذه المنظومة أو المافيا السياسية- الاقتصادية ليست وليدة اليوم أو الصدفة بل حصيلة عمل ممنهج لاختطاف وطن بكامله. ففي فترة التسيعينيات، وبينما كانت آلة الموت تحصد آلاف الأبرياء والجزائريون يحصون قتلاهم، كان هناك من يضع يديه على مؤسسات الدولة وأراضيها ويشتريها بالدينار الرمزي، ويتموقع في أهم مؤسسات الدولة من سونطراك إلى البنوك.

وظل الأمر كذلك إلى أن استفاق الجزائريون بعد عقد من الزمن على مليارديرات الحرب، وهم يتحكمون في جميع منافذ الإقتصاد الجزائري من الغذاء إلى الدواء، وأصبحت مفاصل الدولة تحت أيديهم. وحتى يعرف المواطن مدى حجم الجريمة نذكر أنه بينما كانت الجزائر في سنوات التسعينيات بدمويتها وعنفها تبدو بلدا طاردا لكل استثمار فإن تلك الفترة، وفي بدايتها شهدت دخول عديد ممن أصبحوا مليارديرات اليوم بعد أن كانوا يعيشون في فرنسا التي ولد بعضهم فيها.

وكعينة عن سطوة هذه العصابة أذكر أن رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام طالب بشكل ودي أحدهم بدفع ما يفوق 200 مليون دولار ضرائب، ولكن كانت النتيجة هي إقالة رئيس الحكومة خلال أيام.

 هذه العصابة الاقتصادية-السياسية تتميز بكونها جماعة استئصالية متغربة ولا تنظر إلى الشعب الجزائري إلا بأعين فرنسية ولا تعدو كونها امتداد لهذا الاستعمار.

المؤسف في المشهد السياسي الجزائري اليوم أن كثيرا من النخب المعارضة مازالوا يتحدثون عن جماعة وجدة التي استولت عن الحكم  سنة 62 بينما جزائر اليوم تعدت مجموعة وجدة بأشواط كثيرة، على الرغم من أن هذه الجماعة تتحمل تاريخيا ما وصلت إليه الجزائر وكذلك وصول هذه العصابة للحكم.

إن عملية إسقاط أي نظام أو أي تغيير جذري اليوم لم تعد تعني تغيير النظام السياسي الرسمي (مؤسسات دستورية وأجهزة أمنية) بل إن المنظومة الحاكمة الموازية هي الأخطر، وهي التي تستطيع أن تدخل أية نظام شرعي منتخب والبلاد في موجة من العنف والفوضى عندما تصبح مصالحها مهددة.

هذه المنظومة الحاكمة اليوم ترتبط بشبكة مصالح داخلية وخارجية تم بناؤها على أساس سياسات تخدم في نهايتها وتلتقي مع مصالح دول خارجية وتأتي على رأسها المصالح الفرنسية في الحالة الجزائرية، وبدرجة ثانية وغير متنافية المصالح الأمريكية، كي تبقي على الجزائر رهينة لا تقوم لها قائمة. لهذا فإن تغيير هذه السياسات سيصبح عاملا يؤدي إلى إهدار مصالح شبكة الحكم بأطرافها داخل وخارج البلاد. وما يحدث في مصر وتونس إلا محاولة للإبقاء على نفس المنظومة بغض النظر عن النظام السياسي.

إن المتمعن في الحالة المصرية سيجد أن الأمر وصل إلى الحد الذي نجد فيه جماعات وشخصيات سياسية، إما شاركت في الثورة أو تحسب على معارضة مبارك، تضع اليوم يدها في يد رجال أعمال مبارك وأصبحت تخوض حرب الدفاع عن قضاة طالما كانوا أداة من أدوات نظام مبارك… والذين يوزعون البراءات اليوم على رجالاته.

رجال أعمال نظام مبارك والذين اختطفوا دولة بحجم مصر ورهنوا مقدراتها، بشكل يشبه ما حدث ويحدث في الجزائر، تحولوا اليوم إلى متكلمين باسم الثورة ولهم قنواتهم التلفزيونية وجرائدهم التي غدا كثير ممن يسمون ثوارا ضيوفا دائمين عليها ليدافعوا عن قضاة مبارك الفاسدين ورجالات أعماله بمنطق ميكافيليي يجعل الحليم حيران.

المشهد في تونس لا يكاد يختلف، فعندما نجد الحداثيين يضعون أيديهم في يد الإتحاد العام للشغل ورئيسه وأصبح هذا الإتحاد هو الناطق باسم الثورة التونسية لا يسعنا  إلا أن نتساءل عن مدى استخفاف هؤلاء بذاكرة الشعوب. وحتى أقرب الفكرة للقارئ أدعوه أن يتصور معي أن الشعب  الجزائري استطاع يوما إسقاط العصابة الحاكمة وأنتخب مجلسا تأسيسيا لكتابة دستور وشكل حكومة انتقالية ولكن الطرف الرئيس الذي أصبح يقود المعارضة  هو الإتحاد العام للعمال الجزائريين برئاسة سيدي السعيد وتحول هذا الأخير إلى مدافع عن الدولة الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق العمال وأصبح هو حامل أهداف الثورة التي  قامت لإسقاط النظام الذي طالما كان هذا الإتحاد ورئيسه ركنا من أركانه.

والواقع أن المشهد السياسي في الجزائر اليوم يعتبر أكثر ريبة حتى قبل التغيير، لأننا لا نكاد نسمع  في صفوف المعارضة من يأتي على ذكر هذه العصابة الاقتصادية وتحكمها في مفاصل الدولة والاقتصاد، بل الأمر تعدى ذلك، فكثيرا ما نجد من يدافع عنهم بحجة أنهم مستثمرون ورجال أعمال يقدمون خدمة للشعب ويوفرون فرص عمل في مشهد عبثي كمن يقول أن الملياديرات المصريين حسين سالم ونجيب ساويرس وأحمد بهجت ومجدي راسخ، ..إلخ هم رجال أعمال شرفاء ومستثمرين، بينما القاصي والداني يعلم أن هؤلاء ما جمعوا أموالهم إلا على حساب الشعب وعبر الاستيلاء على أراضي الدولة ومؤسساتها تحت غطاء الخوصصة وتسهيلات نظام مبارك. والجميع يعلم اليوم أنهم هم وقود الفتنة والفوضى في مصر ليس دفاعا عن مصالحهم فقط بل مصالح دوائر إقليمية، والأمر شبيه في تونس. 

عندما نتكلم عن العصابة الاقتصادية في الجزائر لا نقصد رجال الأعمال أو الوزراء الفاسدين الذين يسترزقون من فساد هذا النظام وهم يمثلون حالة عابرة وجزءا من الواجهة أو القشرة الفاسدة ويتم من حين لآخر فتح ملفات بعضهم والتخلص منهم، ولكن نتكلم عن عصابة اقتصادية تمثل نواة النظام وهي التي اختطفت وطنا ورهنت مقدراته وأصبحت هي الدولة.

 أما للمعارضين المدافعين عن هذه العصابة أو المتغاضين عنها فأقول : إذا كان النظام الجزائري يسمح للشرفاء والوطنيين بأن يتحولوا إلى مليارديرات وتسن التشريعات لأجلهم وتباع أراضي الدولة لهم بالدينار الرمزي ويتحكمون في غذاء الشعب ودواءه، فهو إذن نظام وطني ولا يستحق المعارضة وما على الشرفاء إلا أن يلتفوا حوله كي يبنوا الجزائر.

إن حالة السكوت التي تميز المعارضة الجزائرية عن حقيقة هذه المافيا الاقتصادية يجعل المرء يتوقع أن تشهد الجزائر، في حالة سقوط هذا النظام أو بعد دخول الجزائر مرحلة تغيير سياسي جذري بشكل أو بآخر، حالة من التدليس والميكافيلية السياسية أسوأ مما تشهده مصر وتونس وأن تتحول مسألة الدفاع والتحالف مع من اختطفوا الجزائر بثرواتها وشعبها إلى مجرد وجهة نظر. وهنا لا أجد من بد إلا تذكر مقولة الرسام الفلسطيني ناجي العلي « أخشى ما أخشاه أن تتحول الخيانة إلى مجرد وجهة نظر ».

 

 

 

 

 


Nombre de lectures: 225 Views
Embed This
DzActiviste.info Publié le lun 6 Mai 2013

حتى لا تتحول الخيانة إلى وجهة نظر

Partager

س.جindépendance3

على رغم الاختلاف الدائر في أوساط النخب والشعوب العربية اليوم عن طبيعة الهزات التي تشهدها الأنظمة والدول العربية، من متبن لنظرية المؤامرة الخارجية إلى الناظر إلى هذا الحراك على أنه ثورات شعبية قامت لاسترداد حقوق طبيعة طالما داستها هذه الأنظمة عبر عقود تحت شرعيات ومسميات مختلفة، فإن جميع الشرفاء متفقون على أن المنظومة الغربية الحاكمة في العالم اليوم لن تقبل بأن تعود لهذه الشعوب سيادتها الحقيقية وتصبح صاحبة السلطة والمتحكمة في مصادر ثرواتها وقرارها. فالأنظمة العربية القائمة طالما كنت مجرد أداة قمع لشعوبها وانتهاك لحرياتهم وكرامتهم وجميعها فاقدة لأية سيادة.

لهذا فإن الفرصة اليوم تاريخية أمام الشعوب وعلى رأسها النخب السياسية أن تعي طبيعة المعركة القائمة اليوم والتي يجب أن تدار على أساس واحد، وهو استعادة السيادة الحقيقية التي فشلت الشعوب في استعادتها عبر ما عرف بالاستقلال في فترات الخمسينيات والستينيات. فالأنظمة الاستعمارية أوكلت مهمة إدارة بلداننا إلى بني جلدتنا كمستعمرات أو حدائق خلفية دون أن تدفع بجندي واحد داخل هذه الأوطان.

بسط الدول الغربية لنفوذها وسيطرتها على الدول العربية تطورت من مجرد أنظمة سياسية تابعة إلى إنشاء منظومة اقتصادية متحالفة عضويا مع دوائر غربية تكون لوحدها كفيلة بكبح أية قيادة سياسية أو عرقلة أية عملية تحوّل ديمقراطي حقيقي أو استرجاع للسيادة داخل هذه الدول. وما يحدث في مصر وتونس لا يعدو كونه إفشال اقتصادي للبلدين من أجل إبقائهما تحت مظلة التبعية وفقدان السيادة أو إيصالهما إلى مرحلة الدول الفاشلة. أما القضايا الإيديولوجية فما هي إلا غطاء سياسي لهذا الصراع لأن الغرب سيقبل بأي تيار سياسي بغض النظر عن لونه طالما بقي داخل المنظومة.

بالعودة إلى الحالة الجزائرية فإن النظام الجزائري يعتبر نموذجا صارخا لفقدان السيادة والفساد المالي والسياسي، وليس هنا المجال لسرد الشواهد على ذلك لأنها أصبحت حديث العام والخاص، ولكن الأهم أن تعرف النخب ومن ورائها الشعب طبيعة الصراع في الجزائر ونواة هذا النظام وأذرعه.

كثيرا ما نسمع عن النظام الجزائري أنه نظام مخابراتي عسكري بواجهة مدنية تحت إمرة ضباط سابقين في الجيش الفرنسي ومن سار في ركبهم. هذا التعريف للنظام الجزائري وإن كان صالحا في فترة التسعينيات فإنه لم يعد صالحا أو كافيا اليوم لعدة أسباب.

أول هذه الأسباب أن معظم هؤلاء الضباط أو الجنرالات لم يعد لهم وجود، إما بسب الموت أو العجز البدني، والرسالة التي وجهت إلى  الجنرال توفيق والتي نشرتها جرائد على ارتباط عضوي بدوائر الحكم ما هي إلا نوع من العبث السياسي ومحاولة لتشتيت الأنظار عن التغيرات التي حدثت في طبيعة النظام الجزائري. طبعا ليس هذا طعنا في السيد مالطي بل طعنا في الدوائر التي سمحت بهذه التغطية الإعلامية للرسالة ونشرها في أحد أهم جرائد النخبة الفرانكفونية والمرتبطة بدوائر الحكم .

لمحاولة فهم طبيعة النظام الجزائري يجب أن نميز بين مفهومين سياسيين، وهما النظام السياسي والمنظومة الحاكمة في بلد مثل الجزائر. فالنظام الجزائري قبل 91 كان فيه الاقتصاد والإعلام ملكا للدولة، ما يعني أن عملية تغيير النظام السياسي ومؤسساته الدستورية كانت ستؤدي  مباشرة إلى  تغيير نظام الحكم ولن تكون هناك حاجة لتفكيك النظام أو على الأقل أن هذه العلمية كانت ستكون سهلة لعدم وجود نظام مواز أو دولة عميقة. بينما اليوم أصبح في الجزائر نظامان متوازيان : نظام سياسي رسمي ومنظومة سياسية- اقتصادية صنعت على أعين قادة انقلاب 92، وهي الأخطر.

هذه المنظومة أو المافيا السياسية- الاقتصادية ليست وليدة اليوم أو الصدفة بل حصيلة عمل ممنهج لاختطاف وطن بكامله. ففي فترة التسيعينيات، وبينما كانت آلة الموت تحصد آلاف الأبرياء والجزائريون يحصون قتلاهم، كان هناك من يضع يديه على مؤسسات الدولة وأراضيها ويشتريها بالدينار الرمزي، ويتموقع في أهم مؤسسات الدولة من سونطراك إلى البنوك.

وظل الأمر كذلك إلى أن استفاق الجزائريون بعد عقد من الزمن على مليارديرات الحرب، وهم يتحكمون في جميع منافذ الإقتصاد الجزائري من الغذاء إلى الدواء، وأصبحت مفاصل الدولة تحت أيديهم. وحتى يعرف المواطن مدى حجم الجريمة نذكر أنه بينما كانت الجزائر في سنوات التسعينيات بدمويتها وعنفها تبدو بلدا طاردا لكل استثمار فإن تلك الفترة، وفي بدايتها شهدت دخول عديد ممن أصبحوا مليارديرات اليوم بعد أن كانوا يعيشون في فرنسا التي ولد بعضهم فيها.

وكعينة عن سطوة هذه العصابة أذكر أن رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام طالب بشكل ودي أحدهم بدفع ما يفوق 200 مليون دولار ضرائب، ولكن كانت النتيجة هي إقالة رئيس الحكومة خلال أيام.

 هذه العصابة الاقتصادية-السياسية تتميز بكونها جماعة استئصالية متغربة ولا تنظر إلى الشعب الجزائري إلا بأعين فرنسية ولا تعدو كونها امتداد لهذا الاستعمار.

المؤسف في المشهد السياسي الجزائري اليوم أن كثيرا من النخب المعارضة مازالوا يتحدثون عن جماعة وجدة التي استولت عن الحكم  سنة 62 بينما جزائر اليوم تعدت مجموعة وجدة بأشواط كثيرة، على الرغم من أن هذه الجماعة تتحمل تاريخيا ما وصلت إليه الجزائر وكذلك وصول هذه العصابة للحكم.

إن عملية إسقاط أي نظام أو أي تغيير جذري اليوم لم تعد تعني تغيير النظام السياسي الرسمي (مؤسسات دستورية وأجهزة أمنية) بل إن المنظومة الحاكمة الموازية هي الأخطر، وهي التي تستطيع أن تدخل أية نظام شرعي منتخب والبلاد في موجة من العنف والفوضى عندما تصبح مصالحها مهددة.

هذه المنظومة الحاكمة اليوم ترتبط بشبكة مصالح داخلية وخارجية تم بناؤها على أساس سياسات تخدم في نهايتها وتلتقي مع مصالح دول خارجية وتأتي على رأسها المصالح الفرنسية في الحالة الجزائرية، وبدرجة ثانية وغير متنافية المصالح الأمريكية، كي تبقي على الجزائر رهينة لا تقوم لها قائمة. لهذا فإن تغيير هذه السياسات سيصبح عاملا يؤدي إلى إهدار مصالح شبكة الحكم بأطرافها داخل وخارج البلاد. وما يحدث في مصر وتونس إلا محاولة للإبقاء على نفس المنظومة بغض النظر عن النظام السياسي.

إن المتمعن في الحالة المصرية سيجد أن الأمر وصل إلى الحد الذي نجد فيه جماعات وشخصيات سياسية، إما شاركت في الثورة أو تحسب على معارضة مبارك، تضع اليوم يدها في يد رجال أعمال مبارك وأصبحت تخوض حرب الدفاع عن قضاة طالما كانوا أداة من أدوات نظام مبارك… والذين يوزعون البراءات اليوم على رجالاته.

رجال أعمال نظام مبارك والذين اختطفوا دولة بحجم مصر ورهنوا مقدراتها، بشكل يشبه ما حدث ويحدث في الجزائر، تحولوا اليوم إلى متكلمين باسم الثورة ولهم قنواتهم التلفزيونية وجرائدهم التي غدا كثير ممن يسمون ثوارا ضيوفا دائمين عليها ليدافعوا عن قضاة مبارك الفاسدين ورجالات أعماله بمنطق ميكافيليي يجعل الحليم حيران.

المشهد في تونس لا يكاد يختلف، فعندما نجد الحداثيين يضعون أيديهم في يد الإتحاد العام للشغل ورئيسه وأصبح هذا الإتحاد هو الناطق باسم الثورة التونسية لا يسعنا  إلا أن نتساءل عن مدى استخفاف هؤلاء بذاكرة الشعوب. وحتى أقرب الفكرة للقارئ أدعوه أن يتصور معي أن الشعب  الجزائري استطاع يوما إسقاط العصابة الحاكمة وأنتخب مجلسا تأسيسيا لكتابة دستور وشكل حكومة انتقالية ولكن الطرف الرئيس الذي أصبح يقود المعارضة  هو الإتحاد العام للعمال الجزائريين برئاسة سيدي السعيد وتحول هذا الأخير إلى مدافع عن الدولة الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق العمال وأصبح هو حامل أهداف الثورة التي  قامت لإسقاط النظام الذي طالما كان هذا الإتحاد ورئيسه ركنا من أركانه.

والواقع أن المشهد السياسي في الجزائر اليوم يعتبر أكثر ريبة حتى قبل التغيير، لأننا لا نكاد نسمع  في صفوف المعارضة من يأتي على ذكر هذه العصابة الاقتصادية وتحكمها في مفاصل الدولة والاقتصاد، بل الأمر تعدى ذلك، فكثيرا ما نجد من يدافع عنهم بحجة أنهم مستثمرون ورجال أعمال يقدمون خدمة للشعب ويوفرون فرص عمل في مشهد عبثي كمن يقول أن الملياديرات المصريين حسين سالم ونجيب ساويرس وأحمد بهجت ومجدي راسخ، ..إلخ هم رجال أعمال شرفاء ومستثمرين، بينما القاصي والداني يعلم أن هؤلاء ما جمعوا أموالهم إلا على حساب الشعب وعبر الاستيلاء على أراضي الدولة ومؤسساتها تحت غطاء الخوصصة وتسهيلات نظام مبارك. والجميع يعلم اليوم أنهم هم وقود الفتنة والفوضى في مصر ليس دفاعا عن مصالحهم فقط بل مصالح دوائر إقليمية، والأمر شبيه في تونس. 

عندما نتكلم عن العصابة الاقتصادية في الجزائر لا نقصد رجال الأعمال أو الوزراء الفاسدين الذين يسترزقون من فساد هذا النظام وهم يمثلون حالة عابرة وجزءا من الواجهة أو القشرة الفاسدة ويتم من حين لآخر فتح ملفات بعضهم والتخلص منهم، ولكن نتكلم عن عصابة اقتصادية تمثل نواة النظام وهي التي اختطفت وطنا ورهنت مقدراته وأصبحت هي الدولة.

 أما للمعارضين المدافعين عن هذه العصابة أو المتغاضين عنها فأقول : إذا كان النظام الجزائري يسمح للشرفاء والوطنيين بأن يتحولوا إلى مليارديرات وتسن التشريعات لأجلهم وتباع أراضي الدولة لهم بالدينار الرمزي ويتحكمون في غذاء الشعب ودواءه، فهو إذن نظام وطني ولا يستحق المعارضة وما على الشرفاء إلا أن يلتفوا حوله كي يبنوا الجزائر.

إن حالة السكوت التي تميز المعارضة الجزائرية عن حقيقة هذه المافيا الاقتصادية يجعل المرء يتوقع أن تشهد الجزائر، في حالة سقوط هذا النظام أو بعد دخول الجزائر مرحلة تغيير سياسي جذري بشكل أو بآخر، حالة من التدليس والميكافيلية السياسية أسوأ مما تشهده مصر وتونس وأن تتحول مسألة الدفاع والتحالف مع من اختطفوا الجزائر بثرواتها وشعبها إلى مجرد وجهة نظر. وهنا لا أجد من بد إلا تذكر مقولة الرسام الفلسطيني ناجي العلي « أخشى ما أخشاه أن تتحول الخيانة إلى مجرد وجهة نظر ».

 

 

 

 

 


Nombre de lectures: 225 Views
Embed This
DzActiviste.info Publié le lun 6 Mai 2013

حتى لا تتحول الخيانة إلى وجهة نظر

Partager

س.جindépendance3

على رغم الاختلاف الدائر في أوساط النخب والشعوب العربية اليوم عن طبيعة الهزات التي تشهدها الأنظمة والدول العربية، من متبن لنظرية المؤامرة الخارجية إلى الناظر إلى هذا الحراك على أنه ثورات شعبية قامت لاسترداد حقوق طبيعة طالما داستها هذه الأنظمة عبر عقود تحت شرعيات ومسميات مختلفة، فإن جميع الشرفاء متفقون على أن المنظومة الغربية الحاكمة في العالم اليوم لن تقبل بأن تعود لهذه الشعوب سيادتها الحقيقية وتصبح صاحبة السلطة والمتحكمة في مصادر ثرواتها وقرارها. فالأنظمة العربية القائمة طالما كنت مجرد أداة قمع لشعوبها وانتهاك لحرياتهم وكرامتهم وجميعها فاقدة لأية سيادة.

لهذا فإن الفرصة اليوم تاريخية أمام الشعوب وعلى رأسها النخب السياسية أن تعي طبيعة المعركة القائمة اليوم والتي يجب أن تدار على أساس واحد، وهو استعادة السيادة الحقيقية التي فشلت الشعوب في استعادتها عبر ما عرف بالاستقلال في فترات الخمسينيات والستينيات. فالأنظمة الاستعمارية أوكلت مهمة إدارة بلداننا إلى بني جلدتنا كمستعمرات أو حدائق خلفية دون أن تدفع بجندي واحد داخل هذه الأوطان.

بسط الدول الغربية لنفوذها وسيطرتها على الدول العربية تطورت من مجرد أنظمة سياسية تابعة إلى إنشاء منظومة اقتصادية متحالفة عضويا مع دوائر غربية تكون لوحدها كفيلة بكبح أية قيادة سياسية أو عرقلة أية عملية تحوّل ديمقراطي حقيقي أو استرجاع للسيادة داخل هذه الدول. وما يحدث في مصر وتونس لا يعدو كونه إفشال اقتصادي للبلدين من أجل إبقائهما تحت مظلة التبعية وفقدان السيادة أو إيصالهما إلى مرحلة الدول الفاشلة. أما القضايا الإيديولوجية فما هي إلا غطاء سياسي لهذا الصراع لأن الغرب سيقبل بأي تيار سياسي بغض النظر عن لونه طالما بقي داخل المنظومة.

بالعودة إلى الحالة الجزائرية فإن النظام الجزائري يعتبر نموذجا صارخا لفقدان السيادة والفساد المالي والسياسي، وليس هنا المجال لسرد الشواهد على ذلك لأنها أصبحت حديث العام والخاص، ولكن الأهم أن تعرف النخب ومن ورائها الشعب طبيعة الصراع في الجزائر ونواة هذا النظام وأذرعه.

كثيرا ما نسمع عن النظام الجزائري أنه نظام مخابراتي عسكري بواجهة مدنية تحت إمرة ضباط سابقين في الجيش الفرنسي ومن سار في ركبهم. هذا التعريف للنظام الجزائري وإن كان صالحا في فترة التسعينيات فإنه لم يعد صالحا أو كافيا اليوم لعدة أسباب.

أول هذه الأسباب أن معظم هؤلاء الضباط أو الجنرالات لم يعد لهم وجود، إما بسب الموت أو العجز البدني، والرسالة التي وجهت إلى  الجنرال توفيق والتي نشرتها جرائد على ارتباط عضوي بدوائر الحكم ما هي إلا نوع من العبث السياسي ومحاولة لتشتيت الأنظار عن التغيرات التي حدثت في طبيعة النظام الجزائري. طبعا ليس هذا طعنا في السيد مالطي بل طعنا في الدوائر التي سمحت بهذه التغطية الإعلامية للرسالة ونشرها في أحد أهم جرائد النخبة الفرانكفونية والمرتبطة بدوائر الحكم .

لمحاولة فهم طبيعة النظام الجزائري يجب أن نميز بين مفهومين سياسيين، وهما النظام السياسي والمنظومة الحاكمة في بلد مثل الجزائر. فالنظام الجزائري قبل 91 كان فيه الاقتصاد والإعلام ملكا للدولة، ما يعني أن عملية تغيير النظام السياسي ومؤسساته الدستورية كانت ستؤدي  مباشرة إلى  تغيير نظام الحكم ولن تكون هناك حاجة لتفكيك النظام أو على الأقل أن هذه العلمية كانت ستكون سهلة لعدم وجود نظام مواز أو دولة عميقة. بينما اليوم أصبح في الجزائر نظامان متوازيان : نظام سياسي رسمي ومنظومة سياسية- اقتصادية صنعت على أعين قادة انقلاب 92، وهي الأخطر.

هذه المنظومة أو المافيا السياسية- الاقتصادية ليست وليدة اليوم أو الصدفة بل حصيلة عمل ممنهج لاختطاف وطن بكامله. ففي فترة التسيعينيات، وبينما كانت آلة الموت تحصد آلاف الأبرياء والجزائريون يحصون قتلاهم، كان هناك من يضع يديه على مؤسسات الدولة وأراضيها ويشتريها بالدينار الرمزي، ويتموقع في أهم مؤسسات الدولة من سونطراك إلى البنوك.

وظل الأمر كذلك إلى أن استفاق الجزائريون بعد عقد من الزمن على مليارديرات الحرب، وهم يتحكمون في جميع منافذ الإقتصاد الجزائري من الغذاء إلى الدواء، وأصبحت مفاصل الدولة تحت أيديهم. وحتى يعرف المواطن مدى حجم الجريمة نذكر أنه بينما كانت الجزائر في سنوات التسعينيات بدمويتها وعنفها تبدو بلدا طاردا لكل استثمار فإن تلك الفترة، وفي بدايتها شهدت دخول عديد ممن أصبحوا مليارديرات اليوم بعد أن كانوا يعيشون في فرنسا التي ولد بعضهم فيها.

وكعينة عن سطوة هذه العصابة أذكر أن رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام طالب بشكل ودي أحدهم بدفع ما يفوق 200 مليون دولار ضرائب، ولكن كانت النتيجة هي إقالة رئيس الحكومة خلال أيام.

 هذه العصابة الاقتصادية-السياسية تتميز بكونها جماعة استئصالية متغربة ولا تنظر إلى الشعب الجزائري إلا بأعين فرنسية ولا تعدو كونها امتداد لهذا الاستعمار.

المؤسف في المشهد السياسي الجزائري اليوم أن كثيرا من النخب المعارضة مازالوا يتحدثون عن جماعة وجدة التي استولت عن الحكم  سنة 62 بينما جزائر اليوم تعدت مجموعة وجدة بأشواط كثيرة، على الرغم من أن هذه الجماعة تتحمل تاريخيا ما وصلت إليه الجزائر وكذلك وصول هذه العصابة للحكم.

إن عملية إسقاط أي نظام أو أي تغيير جذري اليوم لم تعد تعني تغيير النظام السياسي الرسمي (مؤسسات دستورية وأجهزة أمنية) بل إن المنظومة الحاكمة الموازية هي الأخطر، وهي التي تستطيع أن تدخل أية نظام شرعي منتخب والبلاد في موجة من العنف والفوضى عندما تصبح مصالحها مهددة.

هذه المنظومة الحاكمة اليوم ترتبط بشبكة مصالح داخلية وخارجية تم بناؤها على أساس سياسات تخدم في نهايتها وتلتقي مع مصالح دول خارجية وتأتي على رأسها المصالح الفرنسية في الحالة الجزائرية، وبدرجة ثانية وغير متنافية المصالح الأمريكية، كي تبقي على الجزائر رهينة لا تقوم لها قائمة. لهذا فإن تغيير هذه السياسات سيصبح عاملا يؤدي إلى إهدار مصالح شبكة الحكم بأطرافها داخل وخارج البلاد. وما يحدث في مصر وتونس إلا محاولة للإبقاء على نفس المنظومة بغض النظر عن النظام السياسي.

إن المتمعن في الحالة المصرية سيجد أن الأمر وصل إلى الحد الذي نجد فيه جماعات وشخصيات سياسية، إما شاركت في الثورة أو تحسب على معارضة مبارك، تضع اليوم يدها في يد رجال أعمال مبارك وأصبحت تخوض حرب الدفاع عن قضاة طالما كانوا أداة من أدوات نظام مبارك… والذين يوزعون البراءات اليوم على رجالاته.

رجال أعمال نظام مبارك والذين اختطفوا دولة بحجم مصر ورهنوا مقدراتها، بشكل يشبه ما حدث ويحدث في الجزائر، تحولوا اليوم إلى متكلمين باسم الثورة ولهم قنواتهم التلفزيونية وجرائدهم التي غدا كثير ممن يسمون ثوارا ضيوفا دائمين عليها ليدافعوا عن قضاة مبارك الفاسدين ورجالات أعماله بمنطق ميكافيليي يجعل الحليم حيران.

المشهد في تونس لا يكاد يختلف، فعندما نجد الحداثيين يضعون أيديهم في يد الإتحاد العام للشغل ورئيسه وأصبح هذا الإتحاد هو الناطق باسم الثورة التونسية لا يسعنا  إلا أن نتساءل عن مدى استخفاف هؤلاء بذاكرة الشعوب. وحتى أقرب الفكرة للقارئ أدعوه أن يتصور معي أن الشعب  الجزائري استطاع يوما إسقاط العصابة الحاكمة وأنتخب مجلسا تأسيسيا لكتابة دستور وشكل حكومة انتقالية ولكن الطرف الرئيس الذي أصبح يقود المعارضة  هو الإتحاد العام للعمال الجزائريين برئاسة سيدي السعيد وتحول هذا الأخير إلى مدافع عن الدولة الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق العمال وأصبح هو حامل أهداف الثورة التي  قامت لإسقاط النظام الذي طالما كان هذا الإتحاد ورئيسه ركنا من أركانه.

والواقع أن المشهد السياسي في الجزائر اليوم يعتبر أكثر ريبة حتى قبل التغيير، لأننا لا نكاد نسمع  في صفوف المعارضة من يأتي على ذكر هذه العصابة الاقتصادية وتحكمها في مفاصل الدولة والاقتصاد، بل الأمر تعدى ذلك، فكثيرا ما نجد من يدافع عنهم بحجة أنهم مستثمرون ورجال أعمال يقدمون خدمة للشعب ويوفرون فرص عمل في مشهد عبثي كمن يقول أن الملياديرات المصريين حسين سالم ونجيب ساويرس وأحمد بهجت ومجدي راسخ، ..إلخ هم رجال أعمال شرفاء ومستثمرين، بينما القاصي والداني يعلم أن هؤلاء ما جمعوا أموالهم إلا على حساب الشعب وعبر الاستيلاء على أراضي الدولة ومؤسساتها تحت غطاء الخوصصة وتسهيلات نظام مبارك. والجميع يعلم اليوم أنهم هم وقود الفتنة والفوضى في مصر ليس دفاعا عن مصالحهم فقط بل مصالح دوائر إقليمية، والأمر شبيه في تونس. 

عندما نتكلم عن العصابة الاقتصادية في الجزائر لا نقصد رجال الأعمال أو الوزراء الفاسدين الذين يسترزقون من فساد هذا النظام وهم يمثلون حالة عابرة وجزءا من الواجهة أو القشرة الفاسدة ويتم من حين لآخر فتح ملفات بعضهم والتخلص منهم، ولكن نتكلم عن عصابة اقتصادية تمثل نواة النظام وهي التي اختطفت وطنا ورهنت مقدراته وأصبحت هي الدولة.

 أما للمعارضين المدافعين عن هذه العصابة أو المتغاضين عنها فأقول : إذا كان النظام الجزائري يسمح للشرفاء والوطنيين بأن يتحولوا إلى مليارديرات وتسن التشريعات لأجلهم وتباع أراضي الدولة لهم بالدينار الرمزي ويتحكمون في غذاء الشعب ودواءه، فهو إذن نظام وطني ولا يستحق المعارضة وما على الشرفاء إلا أن يلتفوا حوله كي يبنوا الجزائر.

إن حالة السكوت التي تميز المعارضة الجزائرية عن حقيقة هذه المافيا الاقتصادية يجعل المرء يتوقع أن تشهد الجزائر، في حالة سقوط هذا النظام أو بعد دخول الجزائر مرحلة تغيير سياسي جذري بشكل أو بآخر، حالة من التدليس والميكافيلية السياسية أسوأ مما تشهده مصر وتونس وأن تتحول مسألة الدفاع والتحالف مع من اختطفوا الجزائر بثرواتها وشعبها إلى مجرد وجهة نظر. وهنا لا أجد من بد إلا تذكر مقولة الرسام الفلسطيني ناجي العلي « أخشى ما أخشاه أن تتحول الخيانة إلى مجرد وجهة نظر ».

 

 

 

 

 


Nombre de lectures: 225 Views
Embed This
DzActiviste.info Publié le lun 6 Mai 2013

حتى لا تتحول الخيانة إلى وجهة نظر

Partager

س.جindépendance3

على رغم الاختلاف الدائر في أوساط النخب والشعوب العربية اليوم عن طبيعة الهزات التي تشهدها الأنظمة والدول العربية، من متبن لنظرية المؤامرة الخارجية إلى الناظر إلى هذا الحراك على أنه ثورات شعبية قامت لاسترداد حقوق طبيعة طالما داستها هذه الأنظمة عبر عقود تحت شرعيات ومسميات مختلفة، فإن جميع الشرفاء متفقون على أن المنظومة الغربية الحاكمة في العالم اليوم لن تقبل بأن تعود لهذه الشعوب سيادتها الحقيقية وتصبح صاحبة السلطة والمتحكمة في مصادر ثرواتها وقرارها. فالأنظمة العربية القائمة طالما كنت مجرد أداة قمع لشعوبها وانتهاك لحرياتهم وكرامتهم وجميعها فاقدة لأية سيادة.

لهذا فإن الفرصة اليوم تاريخية أمام الشعوب وعلى رأسها النخب السياسية أن تعي طبيعة المعركة القائمة اليوم والتي يجب أن تدار على أساس واحد، وهو استعادة السيادة الحقيقية التي فشلت الشعوب في استعادتها عبر ما عرف بالاستقلال في فترات الخمسينيات والستينيات. فالأنظمة الاستعمارية أوكلت مهمة إدارة بلداننا إلى بني جلدتنا كمستعمرات أو حدائق خلفية دون أن تدفع بجندي واحد داخل هذه الأوطان.

بسط الدول الغربية لنفوذها وسيطرتها على الدول العربية تطورت من مجرد أنظمة سياسية تابعة إلى إنشاء منظومة اقتصادية متحالفة عضويا مع دوائر غربية تكون لوحدها كفيلة بكبح أية قيادة سياسية أو عرقلة أية عملية تحوّل ديمقراطي حقيقي أو استرجاع للسيادة داخل هذه الدول. وما يحدث في مصر وتونس لا يعدو كونه إفشال اقتصادي للبلدين من أجل إبقائهما تحت مظلة التبعية وفقدان السيادة أو إيصالهما إلى مرحلة الدول الفاشلة. أما القضايا الإيديولوجية فما هي إلا غطاء سياسي لهذا الصراع لأن الغرب سيقبل بأي تيار سياسي بغض النظر عن لونه طالما بقي داخل المنظومة.

بالعودة إلى الحالة الجزائرية فإن النظام الجزائري يعتبر نموذجا صارخا لفقدان السيادة والفساد المالي والسياسي، وليس هنا المجال لسرد الشواهد على ذلك لأنها أصبحت حديث العام والخاص، ولكن الأهم أن تعرف النخب ومن ورائها الشعب طبيعة الصراع في الجزائر ونواة هذا النظام وأذرعه.

كثيرا ما نسمع عن النظام الجزائري أنه نظام مخابراتي عسكري بواجهة مدنية تحت إمرة ضباط سابقين في الجيش الفرنسي ومن سار في ركبهم. هذا التعريف للنظام الجزائري وإن كان صالحا في فترة التسعينيات فإنه لم يعد صالحا أو كافيا اليوم لعدة أسباب.

أول هذه الأسباب أن معظم هؤلاء الضباط أو الجنرالات لم يعد لهم وجود، إما بسب الموت أو العجز البدني، والرسالة التي وجهت إلى  الجنرال توفيق والتي نشرتها جرائد على ارتباط عضوي بدوائر الحكم ما هي إلا نوع من العبث السياسي ومحاولة لتشتيت الأنظار عن التغيرات التي حدثت في طبيعة النظام الجزائري. طبعا ليس هذا طعنا في السيد مالطي بل طعنا في الدوائر التي سمحت بهذه التغطية الإعلامية للرسالة ونشرها في أحد أهم جرائد النخبة الفرانكفونية والمرتبطة بدوائر الحكم .

لمحاولة فهم طبيعة النظام الجزائري يجب أن نميز بين مفهومين سياسيين، وهما النظام السياسي والمنظومة الحاكمة في بلد مثل الجزائر. فالنظام الجزائري قبل 91 كان فيه الاقتصاد والإعلام ملكا للدولة، ما يعني أن عملية تغيير النظام السياسي ومؤسساته الدستورية كانت ستؤدي  مباشرة إلى  تغيير نظام الحكم ولن تكون هناك حاجة لتفكيك النظام أو على الأقل أن هذه العلمية كانت ستكون سهلة لعدم وجود نظام مواز أو دولة عميقة. بينما اليوم أصبح في الجزائر نظامان متوازيان : نظام سياسي رسمي ومنظومة سياسية- اقتصادية صنعت على أعين قادة انقلاب 92، وهي الأخطر.

هذه المنظومة أو المافيا السياسية- الاقتصادية ليست وليدة اليوم أو الصدفة بل حصيلة عمل ممنهج لاختطاف وطن بكامله. ففي فترة التسيعينيات، وبينما كانت آلة الموت تحصد آلاف الأبرياء والجزائريون يحصون قتلاهم، كان هناك من يضع يديه على مؤسسات الدولة وأراضيها ويشتريها بالدينار الرمزي، ويتموقع في أهم مؤسسات الدولة من سونطراك إلى البنوك.

وظل الأمر كذلك إلى أن استفاق الجزائريون بعد عقد من الزمن على مليارديرات الحرب، وهم يتحكمون في جميع منافذ الإقتصاد الجزائري من الغذاء إلى الدواء، وأصبحت مفاصل الدولة تحت أيديهم. وحتى يعرف المواطن مدى حجم الجريمة نذكر أنه بينما كانت الجزائر في سنوات التسعينيات بدمويتها وعنفها تبدو بلدا طاردا لكل استثمار فإن تلك الفترة، وفي بدايتها شهدت دخول عديد ممن أصبحوا مليارديرات اليوم بعد أن كانوا يعيشون في فرنسا التي ولد بعضهم فيها.

وكعينة عن سطوة هذه العصابة أذكر أن رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام طالب بشكل ودي أحدهم بدفع ما يفوق 200 مليون دولار ضرائب، ولكن كانت النتيجة هي إقالة رئيس الحكومة خلال أيام.

 هذه العصابة الاقتصادية-السياسية تتميز بكونها جماعة استئصالية متغربة ولا تنظر إلى الشعب الجزائري إلا بأعين فرنسية ولا تعدو كونها امتداد لهذا الاستعمار.

المؤسف في المشهد السياسي الجزائري اليوم أن كثيرا من النخب المعارضة مازالوا يتحدثون عن جماعة وجدة التي استولت عن الحكم  سنة 62 بينما جزائر اليوم تعدت مجموعة وجدة بأشواط كثيرة، على الرغم من أن هذه الجماعة تتحمل تاريخيا ما وصلت إليه الجزائر وكذلك وصول هذه العصابة للحكم.

إن عملية إسقاط أي نظام أو أي تغيير جذري اليوم لم تعد تعني تغيير النظام السياسي الرسمي (مؤسسات دستورية وأجهزة أمنية) بل إن المنظومة الحاكمة الموازية هي الأخطر، وهي التي تستطيع أن تدخل أية نظام شرعي منتخب والبلاد في موجة من العنف والفوضى عندما تصبح مصالحها مهددة.

هذه المنظومة الحاكمة اليوم ترتبط بشبكة مصالح داخلية وخارجية تم بناؤها على أساس سياسات تخدم في نهايتها وتلتقي مع مصالح دول خارجية وتأتي على رأسها المصالح الفرنسية في الحالة الجزائرية، وبدرجة ثانية وغير متنافية المصالح الأمريكية، كي تبقي على الجزائر رهينة لا تقوم لها قائمة. لهذا فإن تغيير هذه السياسات سيصبح عاملا يؤدي إلى إهدار مصالح شبكة الحكم بأطرافها داخل وخارج البلاد. وما يحدث في مصر وتونس إلا محاولة للإبقاء على نفس المنظومة بغض النظر عن النظام السياسي.

إن المتمعن في الحالة المصرية سيجد أن الأمر وصل إلى الحد الذي نجد فيه جماعات وشخصيات سياسية، إما شاركت في الثورة أو تحسب على معارضة مبارك، تضع اليوم يدها في يد رجال أعمال مبارك وأصبحت تخوض حرب الدفاع عن قضاة طالما كانوا أداة من أدوات نظام مبارك… والذين يوزعون البراءات اليوم على رجالاته.

رجال أعمال نظام مبارك والذين اختطفوا دولة بحجم مصر ورهنوا مقدراتها، بشكل يشبه ما حدث ويحدث في الجزائر، تحولوا اليوم إلى متكلمين باسم الثورة ولهم قنواتهم التلفزيونية وجرائدهم التي غدا كثير ممن يسمون ثوارا ضيوفا دائمين عليها ليدافعوا عن قضاة مبارك الفاسدين ورجالات أعماله بمنطق ميكافيليي يجعل الحليم حيران.

المشهد في تونس لا يكاد يختلف، فعندما نجد الحداثيين يضعون أيديهم في يد الإتحاد العام للشغل ورئيسه وأصبح هذا الإتحاد هو الناطق باسم الثورة التونسية لا يسعنا  إلا أن نتساءل عن مدى استخفاف هؤلاء بذاكرة الشعوب. وحتى أقرب الفكرة للقارئ أدعوه أن يتصور معي أن الشعب  الجزائري استطاع يوما إسقاط العصابة الحاكمة وأنتخب مجلسا تأسيسيا لكتابة دستور وشكل حكومة انتقالية ولكن الطرف الرئيس الذي أصبح يقود المعارضة  هو الإتحاد العام للعمال الجزائريين برئاسة سيدي السعيد وتحول هذا الأخير إلى مدافع عن الدولة الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق العمال وأصبح هو حامل أهداف الثورة التي  قامت لإسقاط النظام الذي طالما كان هذا الإتحاد ورئيسه ركنا من أركانه.

والواقع أن المشهد السياسي في الجزائر اليوم يعتبر أكثر ريبة حتى قبل التغيير، لأننا لا نكاد نسمع  في صفوف المعارضة من يأتي على ذكر هذه العصابة الاقتصادية وتحكمها في مفاصل الدولة والاقتصاد، بل الأمر تعدى ذلك، فكثيرا ما نجد من يدافع عنهم بحجة أنهم مستثمرون ورجال أعمال يقدمون خدمة للشعب ويوفرون فرص عمل في مشهد عبثي كمن يقول أن الملياديرات المصريين حسين سالم ونجيب ساويرس وأحمد بهجت ومجدي راسخ، ..إلخ هم رجال أعمال شرفاء ومستثمرين، بينما القاصي والداني يعلم أن هؤلاء ما جمعوا أموالهم إلا على حساب الشعب وعبر الاستيلاء على أراضي الدولة ومؤسساتها تحت غطاء الخوصصة وتسهيلات نظام مبارك. والجميع يعلم اليوم أنهم هم وقود الفتنة والفوضى في مصر ليس دفاعا عن مصالحهم فقط بل مصالح دوائر إقليمية، والأمر شبيه في تونس. 

عندما نتكلم عن العصابة الاقتصادية في الجزائر لا نقصد رجال الأعمال أو الوزراء الفاسدين الذين يسترزقون من فساد هذا النظام وهم يمثلون حالة عابرة وجزءا من الواجهة أو القشرة الفاسدة ويتم من حين لآخر فتح ملفات بعضهم والتخلص منهم، ولكن نتكلم عن عصابة اقتصادية تمثل نواة النظام وهي التي اختطفت وطنا ورهنت مقدراته وأصبحت هي الدولة.

 أما للمعارضين المدافعين عن هذه العصابة أو المتغاضين عنها فأقول : إذا كان النظام الجزائري يسمح للشرفاء والوطنيين بأن يتحولوا إلى مليارديرات وتسن التشريعات لأجلهم وتباع أراضي الدولة لهم بالدينار الرمزي ويتحكمون في غذاء الشعب ودواءه، فهو إذن نظام وطني ولا يستحق المعارضة وما على الشرفاء إلا أن يلتفوا حوله كي يبنوا الجزائر.

إن حالة السكوت التي تميز المعارضة الجزائرية عن حقيقة هذه المافيا الاقتصادية يجعل المرء يتوقع أن تشهد الجزائر، في حالة سقوط هذا النظام أو بعد دخول الجزائر مرحلة تغيير سياسي جذري بشكل أو بآخر، حالة من التدليس والميكافيلية السياسية أسوأ مما تشهده مصر وتونس وأن تتحول مسألة الدفاع والتحالف مع من اختطفوا الجزائر بثرواتها وشعبها إلى مجرد وجهة نظر. وهنا لا أجد من بد إلا تذكر مقولة الرسام الفلسطيني ناجي العلي « أخشى ما أخشاه أن تتحول الخيانة إلى مجرد وجهة نظر ».

 

 

 

 

 


Nombre de lectures: 225 Views
Embed This