DzActiviste.info Publié le dim 21 Juil 2013

حوار لموقع كل شيء عن الجزائر (TSA)

Partager

TSA

كمال بن كوسة مستشار في صندوق الاقتصاد الكلي الأمريكي وفي بورصة لندن، وخبير في سندات الدولة، يحلل في هذا الحوار انشغالات صندوق النقد الدولي عن الوضعية الاقتصادية في الجزائر المعبر عنها في تقريره الأخير.

كيف تحللون انشغالات صندوق النقد الدولي من الوضعية الاقتصادية في الجزائر؟

اسمحوا لي بالتطرق في أول الأمر إلى العبر المستخلصة من الأرقام المنشورة في هذه التعليمة. بين قوسين، نظرا لحجم القطاع الموازي والمقدر بنسبة 40 % من الناتج الإجمالي المحلي، هنا يمكن التساؤل عن الحقيقة التي تترجمها هذه المعطيات، خاصة أننا وكما نعلم جميعا فإن الهيئة المكلفة بالإحصاء في بلدنا لا تقدم لنا الإحصائيات الحقيقة الموجودة في الميدان، وعلاوة على ذلك يمكن لنا الإشارة إلى أن النمو خارج قطاع المحروقات يقدر بـحوالي 6 % وبأن النمو الإجمالي قد انخفض إلى 3 % باحتساب قطاع المحروقات. وإذا علمنا مثلما تطرق إليه صندوق النقد الدولي بأن النمو مرهون بالنفقات العمومية، المدعمة أساسا بعائدات الرسوم على المحروقات، فلا يمكن لنا إلا أن نعاني من هيمنة المحروقات على الاقتصاد، لم يساهم انفراج أسعار البترول بداية سنوات ألفين إلا في تكريس منطق الربع النفطي على اقتصادنا، بل الأكثر  من ذلك على مجتمعنا ككل.

ومن ثم وعلى الرغم من عدم تصديقي لأرقام التضخم المقدمة، إلا أنه يمكن لنا أن نفهم بأن هذه الأرقام تبقى معقولة بفعل مساهمات الدولة في سعر شراء المواد ذات الاستهلاك الواسع، لكن وبالمقابل فقد كان لاعتماد الدولة على رفع أجور الموظفين بداية سنة 2011 التأثير السلبي على الاقتصاد: فقد اضطر القطاع الخاص لرفع الأجور في الوقت الذي تبقى فيه أرباح المردودية ضعيفة.

وما نفهمه أيضا هو أن الجزائر تتوفر على احتياطات صرف تقارب 178 مليار دولار، أي ما مقداره 3 سنوات من الاستيراد. لذا يمكن لنا التساؤل عن العقلانية المصاحبة لاستغلال خيرات أرضنا بهذه الطريقة عوض تسييرها بشكل استراتجي عن طريق الحفاظ على جزء من مواردها من أجل تحقيق الازدهار الاقتصادي المستقبلي لبلدنا وبالتالي ضمان رفاهية الأجيال الصاعدة، والأمر المقلق أكثر هو أن التأثير الذي صاحبته سياسة المشاريع الكبرى ضعيف للغاية، وباختصار فإضافة إلى استمرار تصدر قطاع المحروقات للمداخيل، فإن ذلك يؤدي إلى خلق تأثيرات سلبية على اقتصادنا: السلطة حبيسة منطق النفقات التي لا تسبب فقط تبذيرا مذهلا لمواردنا بل جعلها تتخذ قرارات مجحفة وخطيرة على مبدأ التنافس وتطور القطاع الخاص.

ألا يشكل تحذير صندوق النقد الدولي إشارة إنذار بالنسبة للجزائر ؟

شدد صندوق النقد الدولي منذ أكثر من عشرين سنة على أهمية تنوع الاقتصاد الجزائري ومع ذلك لم يعر حكامنا طيلة هذه المدة أي أهمية لذلك وبقوا عاجزين على فرض الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لقد بلغنا اليوم مرحلة متأزمة لأن النفقات التي قمنا بها ساهمت في إخفاء أزمة اقتصادنا، فلا يبحث حكامنا الذين أعمتهم مصالحهم سوى تجنب انفجار الوضع الاجتماعي وذلك على حساب الخوف من ما هو أعظم في ما يخص » دعم « عجز ميزانيتنا.

تجاوز سعر برميل البترول الواجب لتحقيق توازن الميزانية عتبة المائة (100) دولار مما يجعل الوضع المالي العام للبلاد عرضة أكثر لتقلبات أسعار البترول وبالتالي  للظرف العالمي الراهن، مما يشكل في الواقع إشارة إنذار قوية لأن سياسة الهروب إلى الأمام المنتهجة من قبل حكامنا سببت تغييرا هيكليا للنفقات العمومية التي كانت وراء العجز الهام والذي لا يمكن تداركه على المديين المتوسط والبعيد.

ما هي الإجراءات التي يتوجب على الحكومة اتخاذها في القريب العاجل من أجل تجنب الوقوع في وضعية اقتصادية كارثية؟

أؤكد مرارا وتكرارا بأننا مخطئون باعتقادنا أننا لا نعرف كيف يمكننا الخروج من لعنة الرداءة التي وقعنا فيها. هل نحن أقل ذكاء من الدول الناشئة الأخرى التي عرفت كيف تتخذ منعرجات حاسمة في سبيل تحقيق مصلحة اقتصادياتها؟ وإذا كنا كذلك فإ؆ الأمر لا يرجع إلى نقص الخبرة في العالم ككل. وفي هذا الشأن أود التنويه إلى إجماع العديد من الخبراء الاقتصاديين الجزائريين منذ عدة سنوات على تحذير حكامنا من مغبة مخاطر السياسة الاقتصادية التي تدير ظهرها للمصادر الحقيقية للثروة المتمثلة في العمل والإبداع.

وبصريح العبارة فإن تقرير صندوق النقد الدولي لا يأتي بأي شيء جديد، لأن الشيء الذي نعاني منه في الحقيقة يتمثل في غياب الإرادة السياسية التي بإمكانها أن تخرجنا في الأخير من هذا النموذج البالي. قرر حكامنا في ظل غياب الكفاءة الفاضحة إلى وضع الجزائر في سجل المنتحرين بمحض إرادتها.

ونشهد بصمت وبشكل جماعي انحراف النظام الذي يكتفي بالعيش من ريع عائدات البترول والغاز، وفي خلق مصدر مراقبة مطلق للمجتمع. لم يتوقف حكامنا الذين توالوا على السلطة منذ أكثر  من خمسين سنة عن كبح التطور الاقتصادي والاجتماعي لبلدنا، لذا آن الأوان لهذا الوضع أن يتغير وأن يبرز نموذج مجتمع جديد يجد فيه المواطن الجزائري مكانته الحقيقية في ظل بناء أمة قوية، آمل أن يزرع هذا الأمر  الأمل من جديد وذلك من أجل تحقيق استمرار الأجيال الصاعدة.

تسألونني عما يجب فعله في المخطط الاقتصادي، فحين أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ذلك، لأننا نعي منذ أمد بعيد ما ينبغي لنا عمله بشأن المخطط الاقتصادي: فتح المجال للمبادرات بكل بساطة، وجعل المواطن في محور انشغالات الدولة وهيئاتها. يجب عصرنة الإدارة والدولة في أقرب وقت، وإبعاد سلطتهم التي تلحق الأضرار، لأنهما أحد المصادر البارزة  التي كانت وراء عدم تطورنا، وباختصار فإن الإشكال يكمن في نظام متحجر كلية والذي هو نتاج مباشر لرعونة وعدم كفاءة مسيرينا

كمال بن كوسة


Nombre de lectures: 6854 Views
Embed This