DzActiviste.info Publié le dim 21 Juil 2013

حوار يومية الوطن الصادرة بتاريخ 20 ماي 2013. أجرت الحوار السيدة صافية برقوق

Partager

أمام جبهة اجتماعية مضطربة، ردّت الحكومة بـــ: رفع الأجور. فيا ترى ما هي  الانعكاسات التي قد تنجم عن  إدارة الأزمة الاجتماعية بهذا الشكل؟   

تعتبر إدارة التوترات الاجتماعية النتيجة الآلية للجمود السياسي الذي شهدته الجزائر منذ بضع سنوات. في الواقع، كان بلدنا لفترة طويلة جدا عُرضة لتسيير  عشائري، وذلك خدمة للمصالح الشخصية من ساساتنا على حساب الأمة. فهو نموذج تسيير لا يمنح أو قليلا ما يمنح الأهمية للتنمية الاقتصادية وتحقيق الرفاهية للجزائريين.  هذا وتعتبر حالات الفساد التي تتصدر الصفحات الأولى للجرائد الوطنية خير دليل على الحُكم الفوضوي.

إن العرقلة الممنهجة للكثير من المشاريع التنموية التي أطقلها المصنعون الجزائريون ذات القيمة المضافة العالية والتي من شأنها استحداث الملايين من فرص الشغل،تندرج ضمن منطق تفضيل الاستيراد ودفع العمولات على حساب التصنيع في الجزائر. فهي حوكمة مكلفة للجزائر وتسعى للحدّ من الإنتاج المحلي عن طريق تقويض القدرة التنافسية للشركات الجزائرية (واردات مُدعمة وارتفاع الأجور في قطاع عام عاجز على الدوام).

هذا وسيكون لهذا التسيير  العشوائي عواقب اقتصادية واجتماعية كارثية لا محالة (الارتفاع القياسي في معدلات البطالة وارتفاع التضخم المستورد والانكماش الاقتصادي وهشاشة وعدم الاستقرار الاجتماعي). إنه لأمر مذهل أن نعلم أن تخفيض نسبة الفوائد البنكية بنسبة 100٪ للعاطلين عن العمل وهو الاجراء الذي أعلن عنه الوزير الأول هو بمثابة الحل الوحيد الذي وجدته الحكومة لتلبية مطالب الشباب.  وجدير بالذكر أنه بسبب غياب التكوين في مجال التسيير، كان مآل ما يقارب  90٪ من المشاريع التي بادر  بها الشباب العاطلين عن العمل عن طريق الوكالة الوطنية لدعم وتشغيل الشباب، الفشل. نظرا للتسيير المكلّف لمشكل البطالة وانعدام الأمن الاجتماعي، وبذلك فإن الجزائر تتجه نحو أزمة اقتصادية حادة.

من جهة تدعو الحكومة إلى الانضباط المالي، ومن جهة أخرى لا تتردد هذه الأخيرة في استحداث مناصب شغل جديدة في قطاع الوظيفة العمومية الذي هو أصلا مكتظ. فهل يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟

إن الحكومة تسير البلاد واهمة بأن احتياطاتنا غير محدودة ومواردنا الطبيعية أبدية. فسيكون الاستيقاظ صعب جدا وسيكون للأسف الشعب فقط وحده من سيدفع ثمن عواقب هذا التسيير الكارثي. توجد الجزائر  اليوم في مفترق طرق ولا يمكن لحكامنا مواصلة الكذب على الشعب. وليكون الأمر خلاف ذلك، ينبغي لحكامنا أن يعترفوا بأنهم أوّلا فشلوا في تحمل مسؤولياتهم أمام الجزائريين و أن يفسحوا لاسيما المجال لجيل جديد يتمتع بأكثر كفاءة وروح وطنية عالية وبالنزاهة. إن مشكل الجزائر يتمثل في سوء حوكمة مصحوبة من جهة بأزمة سياسية كبيرة ومن جهة أخرى بقضايا فساد تعيق جهاز صنع القرار في الدولة.

في الواقع، تواجه البلاد اليوم لااستقرار سياسي واقتصادي وامني خطير. هذا يعني ضرورة اعطاء الأولوية للقطاع الخاص الجزائري الذي يكون أكثر تنافسيا وأكثر ابتكارا لتولّي مهام الدولة في استحداث فرص العمل. وينبغي، على سبيل المثال، إمّا الإفراج فورا عن جميع المشاريع العالقة حاليا أمام المجلس الوطني للاستثمار، أو ببساطة حل هذا المجلس لأنه ليس له دور آخر غير العمل السياسي القسري ضدّ الاستثمار المنتج في الجزائر. فكان بوسعنا تحقيق النمو واستحداث الملايين من فرص العمل في أقل من 5 سنوات (المشاريع قيد الانتظار: مصانع الاسمنت والبتروكيماويات والمواد الغذائية، والبنية التحتية، الخ). إن جعل اقتصادنا صناعي ومتنوع هو مسألة حيوية ويجب أن تتم معالجتها في القريب العاجل.

 

هل يمكن الحكومة تلبية كل هذه المطالب المتصاعدة على العديد من الجبهات؟

لا. فالحكومة لوحدها ليست قادرة على الاستجابة لهذه المطالب. وخير دليل على ذلك، الحصيلة المُخيّبة  للمخطط الخماسي لــــ 286 مليار دولار (2.86٪ من الناتج المحلي الإجمالي السنوي في عام 2012). ولم تكن أبدا الدولة لوحدها هي الحل. فمثلا، بلد مثل كوريا الجنوبية كان يعتبر من أفقر البلدان في العالم في نهاية حربها، فأدركت ذلك مبكرا جدا. وهكذا ازداد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 77 بين عامي 1950 و2012  مع تعداد سكاني ارتفع من 19 إلى 50 مليون نسمة (بلد مصنف في المرتبة 15 في ترتيب  185 بلد).

فهي معجزة اقتصادية عائدة  في جملة من الأمور، إلى بعد النظر الذي يتمتع به النظام السياسي والعسكري آنذاك، مدركا أن الاستقرار الإقليمي والسياسي للبلاد لا يمكن أن يستند إلاّ لنمو الناتج المحلي الإجمالي المصحوب بظهور مجموعة خاصة مؤسساتية ضخمة. بمساهمة قدرها 5٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012، تتمتع الصناعة الجزائرية خارج المحروقات بإمكانات النمو التي من شأنها تلبية احتياجات بلادنا في مجال استحداث فرص الشغل والثروة وارتفاع القدرة الشرائية.

 

يوجد شعور بأن أسباب السخط تتجاوز عدم المساواة البسيطة في الأجور والمطالب الاجتماعية والمهنية. كيف وصلنا إلى هذه الوضعية؟    

في الواقع، تعيش الجزائر أزمة هوية واجتماعية عميقة. فيمكن الشعور بعدم الارتياح  في الحياة اليومية لكل الجزائريين. أوهام تلوى الأوهام طوال 50 عاما، وقيل لنا أن السيادة الإقليمية لبلادنا كانت مسألة ذات أولوية ويتوجب علينا أن نبقى متحدين ونكون فخورين بتاريخنا المجيد. وعلى الرغم من ضرورة بناء الدولة على تاريخها، فلسوء الحظ هذا لا يكفي لإطعام شعب.

ولكثرة التبصر في الماضي نسينا بناء جزائر المستقبل. فتشييد مدارس الامتياز  واستحداث فرص الشغل ووضع أفضل نظام صحي وتحقيق الرفاهية الاجتماعية هي كلها طموحات يصبوا اليها شبابنا الذي لا يطلب سوى العيش والحق في الحلم. بغض النظر عن كيف أو لماذا وصلنا إلى هذه الوضعية . هذا وعلى الرغم من الفترات المؤلمة التي عشناها منذ استقلالنا، يمكن لجزائر اليوم إعادة دفع عجلة التنمية ومنح الجزائريين المقيمين داخل أو خارج الوطن الشعور بالانتماء إلى أمة قوية وفخورة.

إلى حدّ الساعة، سمحت عائدات ريع النفط بالحفاظ على السلم الاجتماعي على الرغم من إنهياره مؤخرا. فما هو  البديل الموجود للسياسة الحالية المتمثلة في الهروب إلى الأمام؟

بدون شك، سمحت عائدات ريع النفط بشراء السلم الاجتماعي إلاّ أن هذا لا يحل إطلاقا المشاكل التي تعاني منها غالبية الجزائريين. فبدلا من تحمل مسؤوليتها السياسية، اختارت الحكومة  التسيير  العشوائي للاستياء الاجتماعي. يفتقر حكامنا بشكل واضح للقيادة والشجاعة السياسية. على الرغم من إدراكنا جميعا للانسداد الموجود في الجزائر. فعند التقرب من الشباب المحبطين في الأحياء الفقيرة لمدننا الكبيرة وكبار أرباب العمل الجزائريون، أصاب بصدمة عميقة بسبب العبث المحيّر لهذا النظام. فلا تصغوا إلى ساساتنا الذين يعتقدون أن الجزائري هو غير كفء ولا يريد العمل أو لا نملك رؤساء مؤسسات قادرين على منافسة الأجانب وإطلاق مشاريع مبتكرة واستراتيجية كبرى من أجل بلادنا.

في حين أن العديد من إخواني المواطنين يعيشون عدم الاستقرار المجحف لبلد مثل الجزائر، توجد حاليا العشرات من المشاريع  الاستثمارية لرؤساء المؤسسات الجزائريين عرضة لبيروقراطية ثقيلة ويدفعون ثمن  افتقاد وزرائنا للشجاعة السياسية. بعد سفري في جميع أنحاء الجزائر لعقد سلسلة من المحاضرات حول الأزمة العالمية وتأثيرها على بلدنا، فكانت لي طيبة خاطر ، ولكن أيضا الشرف، لمقابلة شباب ذكي و نشيط ومتحمس. لدينا من جهة، شباب لا يجد فرصة العمل، ومن جهة أخرى دولة لا تشجع استحداث فرص الشغل وذلك عن طريق تعطيل منهجي للمشاريع الاستثمارية لرؤساء المؤسسات الجزائريين.

في الواقع، ليس لدينا عجز في الكفاءات كالعجز في الافتقاد إلى رجال مؤسسات طموحين، لأن الخبرة يمكن شراؤها بسهولة ولا يطلب أرباب العمل سوى الاستثمار. فإلى متى سوف نستمر في قبول هذا الوضع؟ ففي عالم متغير على مدار الساعة، ينبغي اليوم قيادة الجزائر من طرف نخبة قادرة على مواجهة الرهانات السياسية والاقتصادية الدولية مع الاصغاء للانشغالات اليومية للمواطنين. حكومة قادرة على مواجهة تحديات الغد باقتراح نموذج جديد للتنمية الاقتصادية أكثر قدرة على المنافسة وأكثر طموحا. فانضمام الجزائر إلى دول البريكس (البلدان الصاعدة: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) في عام 2020 هو هدفنا. جزائر قوية وفخورة يرأسها رجل دولة (وليس سلطة) شاب وكفء وغير فاسد ومنتخب ديمقراطيا في عام 2014، هو حُلمنا.


Nombre de lectures: 322 Views
Embed This