DzActiviste.info Publié le ven 25 Jan 2013

حول النفط واليورانيوم والاستراتيجيات العدوانية.. الغزو الفرنسي لمالي جريمة امبريالية جديدة

Partager

تدخلت القوات العسكرية الفرنسية في مالي، ومهما كان الغطاء الدولي والإقليمي والمحلي الذي استخدمته، فإن هذا التدخل ليس إلا غزواً وإعادة استعمار لهذا البلد، الذي كان مستعمرة فرنسية حتى العام 1960.

وقد استخدمت الحكومة الفرنسية الإستراتيجية الإعلامية والدبلوماسية ذاتها التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، وحتى عسكريا،ً فإنها تراهن على نصر سريع يؤدي إلى انسحاب المتمردين، كما حدث لطالبان أفغانستان، دون القدرة على كسر عمودها الفقري، مما يمكنها من وجود طويل الأمد في هذه العقدة الإستراتيجية والقطعة الشهية من الموارد.

وتستمر الضربات الجوية ضد المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وتقوم القوات البرية الفرنسية بالانتشار، وقد بلغ تعداد قواتها نحو 2500 جندي، إضافة لقوات من دول أفريقية مجاورة ومساعدات لوجستية من دول أوربية. وأدت هذه الهجمات إلى مقتل نحو 100 مدني بينهم نساء وأطفال. وينتشر المتمردون في مناطق صحراوية شاسعة، وهم خليط من المتمردين الطوارق ومقاتلين اسلامويين وعناصر من الجيش المالي، استفادوا من سقوط نظام القذافي في ليبيا فحصلوا على كميات كبيرة من الأسلحة. الطوارق من جهتهم يسعون منذ عقود للاستقلال أو الحصول على حكم ذاتي في مناطق من صحراء مالي وشمال النيجر التي يطلقون عليها اسم أزواد، وقسم منهم كانوا جنوداً في الجيش الليبي واضطروا للعودة إلى قبائلهم بسبب استهدافهم من حكام ليبيا الجدد، وقد التقت مصالح هؤلاء مع مقاتلين إسلامويين، قسم كبير منهم جاء من الجزائر بعد فشل مشروعهم الظلامي هناك، وهذا ما دفع بعض المحللين الجزائريين ذوي الاطلاع الواسع إلى اتهام المغرب وقطر بتنظيم هذه الميليشيات ودعمها. وانضمت إليهم وحدات من الجيش المالي، وكان هؤلاء قد تلقوا تدريبات مكثفة على مكافحة الإرهاب على يد مدربين أمريكيين. ورغم ما يسمى بـ «الدعم الدولي للعملية العسكرية الفرنسية»، فإن فرنسا تحاول بسط سيطرتها على منطقة الساحل الغربي الإفريقي، ودفع النفوذ الأمريكي خارجها، ومنع التمدد الصيني إليها.

فلا شك أن مالي دولة فقيرة، لها شهرة تاريخية في استخراج الذهب، لكن الاحتياطيات المتبقية قد تكون ضئيلة، ولا توجد احتياطيات نفطية مهمة، ولكن قد يتواجد اليورانيوم، وهو ما يسيل لعاب الاحتكارات الكبرى. وتحتاج الامبريالية الفرنسية لتعزيز وجودها في مستعمراتها السابقة بعد غزو ليبيا وتدميرها والتكالب على نهب ثرواتها، ومن هنا يأتي غزو مالي، ليس لثرواتها الكامنة فحسب بل لموقعها الاستراتيجي المتوسط بين مناطق النفوذ الفرنسي، فالجارة الشرقية النيجر تمتلك احتياطيا مهما من اليورانيوم وتتولى شركة « أريفا » الفرنسية استخراجه، وتعمل في جارتها الغربية موريتانيا شركة « توتال » النفطية الفرنسية منذ العام 2005. وهي تتوسط أيضاَ كوت دي فوار، أبرز دول المنطقة، والجزائر باحتياطاتها النفطية والغازية الهائلة.

الولايات المتحدة الأمريكية عملت من جهتها على السيطرة على الساحل الغربي وإخراج باقي الإمبرياليين منها، فالمحافظون الجدد دعوا في بداية قرننا الحالي للاعتماد على أفريقيا كمصدر من مصادر الطاقة، لذلك عملت الامبريالية الأمريكية على تعزيز نفوذها في دول مفصلية في غرب أفريقيا. وكانت دراسة المجموعة الوطنية لتطوير سياسة الطاقة في واشنطن قد أكدت في العام 2002 أن الولايات المتحدة سترفع وارداتها النفطية الأفريقية من 17% إلى 25% بحلول 2015. وتسعى الإمبريالية الأمريكية للسيطرة على أنابيب النفط التي تضخ في اتجاه الأطلسي، وكذلك السيطرة على خليج غينيا، وهو شريط ساحلي غني بمكامن النفط بين أنغولا ونيجيريا، ويتعدى إنتاج المنطقة النفطي 5.4 ملايين برميل يومياً. أما اليورانيوم فهو عقدة الإمبريالية الأمريكية التي تحاول احتكار استخراجه حول العالم، ليس لأرباحه فحسب، بل، بطبيعة الحال، لأهميته الإستراتيجية في مجال احتكار القوة النووية. من جهة أخرى تحاول الامبريالية الأمريكية منع تغلغل الصين في المنطقة، ففي العام 2005 أصدر مجلس العلاقات الخارجية تقريراً حذر فيه الولايات المتحدة من مواجهة منافسة ضارية من الصين على إمدادات النفط من إفريقيا, داعياً إلى (انتهاج أسلوب استراتيجي تجاه القارة باستثمار المزيد من الموارد هناك)، لكن الإمبريالية الأمريكية اليوم، غارقة في أزمتها الاقتصادية، غير قادرة على المواجهة خارج الأمريكيتين، لذلك لا بأس من دعم لفظي للفرنسيين ليقوموا بمهمة عرقلة الصين، إلى حين القدرة على الابتزاز ما بين الامبرياليين وإعادة التقاسم بين ضفتي الأطلسي، ولهذا السبب تشارك نيجيريا في الغزو الفرنسي بحوالي ألف جندي، فمن المعروف أن نيجيريا هي أكبر مورد للنفط إلى الولايات المتحدة في منطقة جنوب الصحراء، والولايات المتحدة هي أكبر مستثمر أجنبي في نيجيريا، بما يجعلها من أهم حلفائها في المنطقة، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تستخدم نيجيريا لتخوض حربها بالوكالة، كي تحافظ على نفوذ في حده الأدنى يمكنها من أخذ جزء من الكعكة. وبذلك يستمر الغزو مع تواطؤ من مكونات « المجتمع الدولي »، وبرياء ونفاق الاشتراكيين الديمقراطيين وتراثهم الاستعماري، فالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يؤكد إخلاصه للتراث الاشتراكي الديمقراطي كخادم مخلص للامبرياليين الفرنسيين، والذي من جهة أخرى يحاول إيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي تقوض حكمه بما لا يمس أرباح البرجوازية الفرنسية واحتكاراتها، فيعمل على الهاء الجماهير بقضايا دعائية، كـ « زواج المثليين » أو بنصر عسكري سهل على مجموعات من أشباح القرون الوسطى، لكن هذه الحملات الدعائية تخفي محاولة إيجاد أرباح جديدة للاحتكارات الفرنسية تضخ الدماء في اقتصاد متداع، على حساب الشعب الفرنسي وشعوب المستعمرات. فمن أجل مصالح صاحب الجلالة رأس المال، يجري هذا الصراع على جثث شعب مالي، وبالأموال المنهوبة من ثروات هذا البلد المفقر. إلا أن إخراج القوى الغامضة من قمقمها الصحراوي سهل، أما إعادته فدونها رمال صحراء عرفت كيف تدافع عن نفسها، وتغرق الغزاة بصمت.

رشيد موسى

عن صوت الشعب السورية العدد 304 (بتصرف يسير)

24 – كانون الثاني – 2013

info@syriancp.org


Nombre de lectures: 226 Views
Embed This