DzActiviste.info Publié le lun 17 Déc 2012

خداع سياسي.. أم تصميم على العدوان؟

Partager

تمر الأزمة السورية الآن في أدق مراحلها، فهي أمام مسارين مختلفين ومتضادين تماماً، إما الإيغال في الحل العسكري وفي السير بوثبات سريعة نحو الانفجار الشامل الذي لن تقتصر حدوده على سورية، بل تتعداه إلى دول المنطقة، أو أن يبدأ مسار الحل السياسي السلمي انطلاقاً من المؤشرات الابتدائية التي برزت حتى الآن.

ولكل من هذين المسارين مظاهره التي بدأت تتبدى بأشكال مختلفة، ولكل منهما أيضاً احتمالات النجاح أو الفشل.

فأما مظاهر التوجه قُدماً نحو التفجير الشامل للوضع، فيبرز من خلال عدد من المؤشرات الهامة، أبرزها موافقة حلف شمال الأطلسي على نصب صواريخ « باتريوت » على الحدود السورية- التركية، ما يعني انغماس هذا الحلف في المعركة التي يخطّط لها أن تضرب سورية بالتعاون مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي وقطر والسعودية. والمؤشر الثاني الذي برز منذ أيام قليلة فقط وبصورة مسرحية، فهو إعادة إحياء أكذوبة الأسلحة الكيماوية، التي يزعم وجودها في سورية، والتي أعادت إلى الذاكرة الأكذوبة التي دخلت التاريخ شاهدة على نفاق ودجل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي استُخدمت لتبرير الاحتلال الأمريكي للعراق قبل أن يصحو ضمير كولن باول، وزير الخارجية الأمريكية في حينه، ويعترف أمام العالم كله بأن الأدلة على امتلاك العراق لمثل هذه الأسلحة، كانت أدلة ملفقة ومزورة، فراح ضحيتها أكثر من نصف مليون عراقي، فضلاً عن تدمير دولة العراق نفسها.

ونضيف إلى هذين المؤشرين، مؤشرات أخرى هامة، أبرزها تحرك حاملة الطائرات الأمريكية الضخمة « أيزنهاور » وتوجهها نحو قبالة السواحل السورية في البحر الأبيض المتوسط، وإعلان الولايات المتحدة أنها ستبحث مع حلفائها مسألة تزويد المعارضة السورية المسلحة بالمزيد من الأسلحة المتطورة، إذا نجح مؤتمر مراكش لقوى المعارضة في القيام بالمهمات المكلف بها. كما لا يمكن أن نسقط من الحسابات التطبيل والتزمير المفتعلين لما أسمي بخطة غزو واحتلال دمشق رقم 2 التي تجلت في استنفار وحشد قوى المجموعات المسلحة، في محاولة قطع طريق مطار دمشق الدولي، واستخدام مدن وبلدات محيطة بالعاصمة للانقضاض على مراكز هامة فيها، ولإعطاء رسائل كاذبة إلى الرأي العام العالمي، ورفع معنويات أعضاء هذه المجموعات.

كل ما ذكر هو غيض من فيض من المؤشرات الدالة على الاستعدادات العسكرية التي تتخذ لتوجيه ضربة عسكرية شاملة لسورية ككل، أو توجيه ضربات لأهداف استراتيجية عسكرية ومدنية محددة، تكون قادرة على شل سورية كدولة، وإراحة إسرائيل من وجود دولة عربية أخرى قوية على حدودها.

إن مسألة تقدير حظوظ هذا المخطط من النجاح، يجب أن تأخذ بالحسبان عدة عوامل، أهمها قدرات الجيش السوري الهامة ذات الطابع الاستراتيجي، وردود فعل الدول والقوى الحليفة لسورية إقليمياً ودولياً، والتفاعلات التي ستحدث في أرجاء الوطن العربي، وخاصة في الدول المحيطة بسورية. ومن المنطقي أن كل هذه العوامل يجب أن تشكل عنصر كبح ولجم لأي تفكير بعملية عسكرية، صغيرة أو كبيرة ضد سورية. ومن الواضح أيضاً أن مثل تلك العملية ستُحدِث خللاً في التوازن على مستوى عالمي أيضاً. وأن عدم إدراك ذلك وتجاهله سيشكل حماقة كبيرة لا ندري ما إذا كانت أوضاع الولايات المتحدة وأوربا الاقتصادية والسياسية تستطيع تحمّل نتائجها.

أما الدلالات المستجدة في المساعي السياسية الدولية لحل الأزمة السورية، فيمكن أن نحصي منها العديد. وأولها ما تمخض عنه اجتماع « دبلن » بين وزير الخارجية الروسي لافروف، ووزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون، مع المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، والذي أعلن فيه أن جميع المساعي السياسية للعمل يجب أن ترتكز على اتفاق جنيف ذي المبادئ الستة التي تنص على وقف العنف من أية جهة كانت، وإطلاق حوار شامل يؤدي إلى حل سياسي يقوده السوريون أنفسهم، كذلك ما أعلن عن اجتماع المسؤولين السياسيين لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية مع المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي في جنيف من حرص الطرفين على وضع الحلول السياسية للأزمة السورية.

وبالرغم من أن الإدارة الأمريكية لم تكن تستبعد صراحة اتفاق جنيف هذا، لكن كانت تضع العقبة تلو العقبة أمامه وشروطاً تعجيزية مسبقة تفرغه من مضمونه، بمقابل تمسك روسي لم يتزحزح حتى الآن، على إبقاء هذا الاتفاق الإمام والمرجع لأي حل سياسي. وأن الشروط التفصيلية له تبحث على مائدة الحوار بين الأطراف المعنية، وذلك بعد ضمان وقف القتال. ومن الواضح أن انتقال الإدارة الأمريكية من حالة وضع شروط تعجيزية على الحوار وعلى الحل السلمي، إلى حالة تبني الاتفاق بحذافيره، يمثل نقلة نوعية في موقف هذه الإدارة، بصرف النظر عما يمكن أن تخبئه من مخططات عدوانية، أو من نوايا لإحباط المضامين الإيجابية لهذا الاتفاق مستقبلاً.

والدلالة الجديدة الأخرى على تغير في التكتيك الأمريكي، تكمن في وضعها ما يسمى « جبهة النصرة » التابعة لمنظمة القاعدة، على قائمة المنظمات الإرهابية في العالم، والطلب من الدول الأوربية أن تحذو حذوها في هذا المجال.

ومن السهل الاستنتاج أن هذا الإجراء، ولو جاء متأخراً، فهو يشكل سقوطاً ذريعاً للإدارة الأمريكية التي دأبت طوال الأشهر العشرين المنصرمة، على الدفاع عن أعمال التخريب والإرهاب والذبح وسفك الدماء وتخريب المنشآت العامة والخاصة التي كانت ولا تزال تقوم بها المجموعات الإرهابية، وعلى رأسها « جبهة النصرة » ذاتها، والتي كانت تصفها بأنها كانت من قبيل « الدفاع عن النفس »، وتنفي عنها صفة الإرهاب.

وبقي أن نعلم ما إذا كانت صحوة الضمير الأمريكية هذه « إن كانت صحوة ضمير »، ستمتد لتشمل المجموعات الشقيقة لجبهة النصرة، مثل « الإخوان المسلمين » وغيرهم من عشرات الجبهات و »الإمارات »، أم أن انفضاح إجرام هذه المجموعات على نطاق واسع، قد أحرج حكام الولايات المتحدة أمام شعبهم وجعلهم يتنصلون منها، مع العلم أن القاصي والداني في العالم يعرف أنه إذا كانت الولايات المتحدة جادة حقاً في القضاء على نشاط هذه « الجبهة »، فيكفي أن تعطي الإيعازات اللازمة لحكام تركيا، كي تغلق معسكرات تدريبهم في تركيا وتقطع عنهم المساعدات والإمدادات.

نستنتج من كل ما سبق، أننا أمام احتمالين، أولهما أن تكون الولايات المتحدة قد وصلت إلى مرحلة الاقتناع أن مخططها لتحطيم الدولة السورية لم ولن يصل إلى تحقيق أهدافه، لذلك آثرت التفكير السياسي الواقعي، وقررت أن تصل إلى موقف مشترك مع روسيا والصين حول سورية، يحفظ مصالح جميع الأطراف المشروعة، وذلك باختيار طريق الحل السياسي عبر بيان جنيف، أو أن هذه الخطوات « السلمية » الأخيرة هي لذرّ الرماد في العيون والتغطية على الاستعدادات العسكرية التي تقوم بها تمهيداً للعدوان على سورية.

إننا نميل للاعتقاد أن مصالح الولايات المتحدة على مدى بعيد، لا تتعارض مع الحل السياسي، إذا كان ملائماً لهذه المصالح، ولكنها تريد أن ينجز هذا الحل تحت ضغط حاملات الطائرات وأزيز الرصاص، وعبر تنشيط المجموعات المسلحة داخل سورية، والذي يتوقع أن يشتد خلال الشهرين القادمين، لكي تأتي سورية إلى طاولة المفاوضات بأضعف ما يمكن من القوة.

فهل نستعد نحن السوريين لكل الاحتمالات القادمة، وبضمنها الأشد سوءاً؟ وهل نهيئ جبهتنا الداخلية لها؟ وهل نسير أو سنسير في طريق التغيير الديمقراطي السلمي لكي نرد عن وطننا سورية كيد الكائدين؟.

عن النور السورية العدد 560

11 ديسمبر 2012


Nombre de lectures: 166 Views
Embed This