DzActiviste.info Publié le lun 15 Juil 2013

د. رفيق حبيب …. مذبحة الفجر.. السيناريو العنيف لالنقالب

Partager

تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربيrafik habib

مذبحة الفجر السيناريو العنيف لالنقالب

د. رفيق حبيب – يوليو 2013

مذبحة الفجر.. السيناريو العنيف لالنقالب                                                                    

قام االنقالب العسكري بتقويض كل العملية السياسية الديمقراطية، التي انجزت بعد الثورة، وبذلك وضع مصر أمام مفترق طرق، ولحظة تاريخية فاصلة، وهي لحظة فاصلة في المعركة بين الثورة والثورة المضادة، أو بين الثورة والنظام السابق. وقد تصرف القائد العسكري لالنقالب، بالصورة التي تؤكد لكل من يريد أن يعرف، أن االنقالب العسكري أعاد بالفعل النظام السابق للحكم، ومنح الدولة العميقة الفرصة كاملة، للسيطرة على الدولة والمجتمع معا، ومنح أيضا شبكات الفساد، فرصة الستعادة سيطرتها على مقدرات البالد.

ومع تقويض الديمقراطية بهذه الصورة، أصبحت مصر فعليا في معركة فاصلة الستعادة الديمقراطية، وليس فقط استعادة الرئيس المنتخب، فالهدف األكبر لالنقالب العسكري، هو تقويض الديمقراطية، وعسكرة النظام السياسي.

وجاءت مذبحة الفجر، أمام مبنى نادي الحرس الجمهوري، لتكشف عن مسارات االنقالب العسكري، وتكشف أبعادا أخرى لمخطط االنقالب العسكري؛ أي جاءت مذبحة الفجر، والتي تمثل حدثا تاريخيا فاصال، لتتضح الصورة الكاملة لالنقالب العسكري، الذي حاول أن يزين نفسه بشعارات ثورية زائفة.

وأصبحت مصر بعد مذبحة الفجر، أمام استحقاق تاريخي مهم، فإما يخضع المجتمع مرة أخرى للحكم العسكري، أو تستعاد الثورة مرة أخرى، ويكتمل تحرر المجتمع. وألن المجتمع كان في حالة ضعف بعد الثورة، ولم يتبع الثورة صحوة مجتمعية أو إفاقة مجتمعية، لذا لم يكتمل تحرر المجتمع، وسقط قطاع من المجتمع في غفلة، جعلت البعض يشارك في إعادة االستبداد مرة أخرى، دون أن يدرك.

وألن الثورات، ليست فقط حالة احتجاج، بل هي إرادة شعبية واعية ويقظة، لذا فإن عدم نضوج اإلرادة الشعبية، وعدم استكمال اإلفاقة المجتمعية، وعدم نضوج الوعي العام، كلها أثرت على قدرة المجتمع، على مواجهة الثورة المضادة؛ حتى شارك البعض عن غير وعي في إنجاح الثورة المضادة مرحليا؛ وإن كان البعض اآلخر، شارك عن وعي في إعادة االستبداد والنظام السابق.

تقويض الديمقراطية

إذا ظن البعض أن االنقالب العسكري، يهدف إلى إعادة بناء مرحلة التحول الديمقراطي من جديد، فهو مخطئ. وإذا تصور البعض، أن االنقالب العسكري، يهدف إلى تصحيح مسار المرحلة االنتقالية، بأي مبرر من المبررات، فهو مخطئ أيضا. فهدف االنقالب العسكري، هو تقويض الديمقراطية الوليدة بعد الثورة.

وإذا كان االنقالب العسكري، قد أفشل كل ما أنتجه صندوق االقتراع واالنتخاب، وكل ما نتج عن االنتخابات واالستفتاءات، فهذا هدف مركزي ومحوري لالنقالب. فرسالة االنقالب األساسية، أو هدفه المركزي، هو نشر حالة من االحباط في المجتمع، تجعل عامة الناس تعتقد أن الديمقراطية ليست حال، وإن خياراتها ليس لها أي قيمة، وأن السلطة ال تأتي من صندوق االقتراع.

فأهم ما نتج عن الثورة، هو االقبال الجماهيري الواسع على المشاركة السياسية، وهذه المشاركة الجماهيرية، جعلت القرار في يد الشعب، واالنقالب العسكري، يهدف أساسا إلى جعل القرار بيد الجيش، ال الشعب. لذا أصبح من المهم، إحباط حالة الحماس للمشاركة االنتخابية، وإقناع عامة الناس، بأنه ليس

من حقهم أن يختاروا ما شاءوا، بل عليهم أن يختاروا مما يتاح لهم. والفرق كبير، بأن تكون اإلرادة الشعبية، هي صاحبة االختيار الحر بالكامل، وبين أن تكون اإلرادة الشعبية محصورة في الخيارات التي تتاح لها من قبل سلطة عسكرية نافذة.

فإذا كانت الثورة الشعبية، أنتجت ديمقراطية شعبية حرة، فإن االنقالب العسكري، يهدف لتحويل الديمقراطية، إلى ديمقراطية نخبوية، يسيطر عليها تحالف حاكم، ويتاح لعامة الناس االختيار، بين البدائل التي يسمح بها التحالف الحاكم. لذا، فإن االنقالب العسكري، يبني واقعيا، طبقة حاكمة، تستأثر بالحكم، وتستند على نخبة عسكرية مسيطرة، ونخبة مدنية مسيطرة على أجهزة الدولة، خاصة القضاء والشرطة، ونخبة علمانية مسيطرة على الفضاء السياسي، ونخبة إعالمية مسيطرة على وسائل اإلعالم، ونخبة من رجال األعمال، مسيطرة على االقتصاد. ويعتمد هذا التحالف أساسا، على دعم إقليمي، خاصة السعودي، ودعم غربي، خاصة األمريكي.

وطبقة الحكم، التي سيطرت على البالد منذ اللحظة األولى لالنقالب العسكري، هي نفسها طبقة الحكم في زمن النظام السابق، وهي التي يراد لها السيطرة على الحكم في المستقبل. فتصبح الديمقراطية، شكلية ومقيدة، وبال معنى أو مضمون، ألنها ديمقراطية تستهدف إعطاء غطاء شرعي شكلي، لطبقة حاكمة نافذة، تحكم بسند عسكري مباشر، وال يجوز لغيرها أن يحكم، وكل من يأتي باالنتخابات غيرها، سوف يسقطه الحاكم العسكري الفعلي للبالد.

وبهذا يتم تقويض عملية التحول الديمقراطي، بعد أن حققت نجاحا في المرحلة األولى بعد الثورة، وهو النجاح الذي أدى إلى حدوث االنقالب العسكري، بعد أن تأكد أن خيارات عامة الناس، ليست في مصلحة طبقة الحكم المنتمية للنظام السابق، وال شبكة المحسوبية التي بناها النظام السابق، وأتضح أيضا أن خيارات عامة الناس، ليست في مصلحة القوى اإلقليمية والدولية، التي تحالفت مع النظام السابق.

وهذا المخطط، يهدف إلقناع عامة الناس، بأن هناك واقعا عليهم قبوله، وال يمكنهم تغييره، وعليهم القبول بما هو متاح. مما يجعل عامة الناس، تفقد األمل في التحول الديمقراطية، وتقتنع أن مشاركتها السياسية، ال تغير الواقع، وتعتقد في النهاية، أن مصر محكومة بقوى خارجية، وأن عامة الناس، ال يمكن لهم أن يغيروا الواقع.

ويتم مساومة عامة الناس، بين الحرية أو الحياة، فيتم ضخ المال العربي الخليجي، من دول وقفت خلف االنقالب العسكري، حتى يتم مساومة الناس، بين أن يختاروا بحرية، ويتم حصار مصر اقتصاديا، كما تم في السنة األولى للرئيس محمد مرسي، أو يقبلوا بالخيارات التي تفرض عليهم، مقابل عدم محاصرة مصر اقتصاديا. وكأن عامة الناس، يتعرضون لمساومة على الحرية مرة أخرى، مثل كل مساومات النظام السابق، التي أهدرت الحرية، ولم تعطي في المقابل أي ازدهار اقتصادي حقيقي، وهو ما سيتكرر مرة أخرى، مع حكومة االنقالب. فكل المال المتدفق، سوف يذهب، بدون تنمية حقيقية، ألن من حاول تحقيق التنمية الحقيقية، أي الرئيس محمد مرسي، قام في وجهه انقالب عسكري، فهل يعقل أن يسمح لحكومة االنقالب، بأن تحقق أي تنمية حقيقية؟

والهدف النهائي من تقويض العملية الديمقراطية، أن تسيطر الدولة العميقة بأجنحتها المختلفة على العملية السياسية، وتصبح االنتخابات شكلية، وال تأتي إال بمن تؤيده الدولة العميقة، بعد أن تصبح الحاكم الفعلي، المستند لقوة الجيش.

تقويض االحتكام للشارع

قام االنقالب العسكري، بحجة أنه استند إلى المظاهرات التي خرجت تعارض الرئيس محمد مرسي، وتطالب بانتخابات رئاسية مبكرة. ومعنى هذا، أن االنقالب العسكري، سهل عملية احتكام للشارع، تخرج على قواعد الديمقراطية، بل وتهدم قواعد العملية الديمقراطية، واستند لها، وأعطى لها شرعية. فأصبح استمرار االنقالب العسكري ونجاحه في تحقيق أهدافه، رهنا بتقويض عملية االحتكام للشارع، حتى ال يسقط االنقالب في الشارع، كما جاء من الشارع.

فقائد االنقالب العسكري، يهدف إلى إخراج الناس من الشارع، حتى يوقف عملية االحتكام للشارع، ويقوض قدرة عامة الناس على التظاهر واالعتصام، حتى ال يفرض عليه الشارع أوضاعا جديدة، تجهض االنقالب العسكري مبكرا.

وإذا ظل أنصار الشرعية في الشارع، فإن بقاء أنصار االنقالب في الشارع، يصبح ضروري، ولو بشكل متقطع، حتى يثبت قادة االنقالب، أنهم مازالوا يتمتعون بتأييد في الشارع؛ وإذا استمرت مباريات الحشد في الشارع، فإن االنقالب العسكري، لن يتحقق له االستقرار الهادئ.

فقادة االنقالب، يحاولون تحقيق شرعية الصمت، أي تحقيق شرعية بصمت الشارع على ما حدث، فإذا ساد الهدوء الشارع، يصبح ذلك ضمنيا موافقة على خريطة طريق االنقالب، مما يجعل االنقالب يحوز على شرعية، بسبب تقبل الشارع له.

لذا، فليس أمام أنصار الشرعية، إال البقاء في الشارع، ومنافسة أنصار االنقالب في القدرة على االستمرار والحشد المستمر، مما يجعل عملية االحتكام للشارع مستمرة. وألن أنصار الشرعية، هم أول من رفض عملية االحتكام للشارع، ثم فرض عليهم االحتكام للشارع، من جانب أنصار االنقالب، لذا يصبح لدى أنصار الشرعية مبرر كافي للبقاء في الشارع، واالحتكام للشارع، مادام االحتكام لصندوق االقتراع، قد تم تقويضه.

وألن من خطط لالنقالب، حاول أن يظهر أن أغلب المجتمع يعارض الرئيس محمد مرسي، وحاول إخفاء حجم الحشود المؤيدة له وللشرعية؛ لذا بات على أنصار الشرعية، أن يظلوا في الشارع، ويمددوا حضورهم الحاشد، عبر الزمان والمكان، حتى يظهروا أنهم ليسوا أقلية، بل ربما يكونوا األغلبية الحقيقية.

 لهذا، أندفع قائد االنقالب، لتكميم األفواه، وغلق القنوات الفضائية الموالية ألنصار الشرعية، حتى يخفي صورة االحتجاج في الشارع، ويزيف هذه الصورة، بالطريقة التي تخدم أهداف االنقالب العسكري. ويحاول قادة االنقالب، إقناع عامة الناس، أن االحتجاج منحصر في جماعة اإلخوان المسلمين فقط، ثم يتم تشويه صورة الجماعة، حتى ال يتمدد االحتجاج أكثر، وحتى ال تظهر صورته الحقيقية؛ خاصة وأن االحتجاج على االنقالب العسكري، تمدد في أيامه األولى، بحشود كبيرة، ربما أدهشت قادة االنقالب أنفسهم.

وحتى يتم فض حالة االحتكام للشارع، يقوم قادة االنقالب، بشن حمالت تخويف مستمرة، والتهديد بالسياسات القمعية، حتى يتم ردع أنصار الشرعية، وحتى يتمكن قادة االنقالب من إخالء الشارع. لذا يبقى االحتكام للشارع، هو الوسيلة الوحيدة أمام أنصار الشرعية، حتى يتم استعادة الشرعية،

واستعادة قواعد العملية الديمقراطية مرة أخرى، وعودة االحتكام لصناديق االقتراع النزيهة والحرة؛ أي أن احتكام أنصار الشرعية للشارع، هو السبيل الوحيد، إلفشال عملية االحتكام للشارع والخروج على قواعد العملية الديمقراطية، الستعادة الشرعية والديمقراطية مرة أخرى.

 مذبحة الفجر

كانت مذبحة الفجر، أمام مبنى الحرس الجمهوري، هي لحظة الذروة في مخطط التخويف والترهيب، الذي يمارسه قادة االنقالب. فقد هدفت هذه العملية، لبث حالة من الرعب والخوف، في نفوس أنصار الشرعية، حتى يخرجوا من الشارع. كما هدفت هذه المجزرة، لردع أنصار الشرعية عن االعتصام في هذا المكان، حتى ال ينجحوا في أي لحظة، في إخراج الرئيس الشرعي من االحتجاز غير الشرعي.

ولكن مذبحة الفجر، لها عدة أهداف أخرى، فهي عملية دموية، تهدف أساسا لتشويه صورة الضحية، من خالل التزييف اإلعالمي المنهجي. بحيث يتم إلصاق تهمة اإلرهاب بجماعة اإلخوان المسلمين، فتصبح الحرب بين انقالب عسكري، وبين جماعات إرهابية. والهدف من ذلك، بعد تشويه صورة جماعة اإلخوان المسلمين، هو فض الناس من حولهم، وإضافة مبررات جديدة لالنقالب العسكري، بحثا عن شرعية شعبية مزعومة.

 وعندما ربط المتحدث العسكري، بين التظاهر واالعتصام السلمي، وبين ما يحدث في سيناء، كشف عن مخطط االنقالب، والذي يهدف إلى استعادة شعارات الحرب على اإلرهاب، والتي تحظى دائما بدعم أمريكي. والكل يعرف، أن الهجمات المسلحة في سيناء، مستمرة قبل الثورة وبعدها، وقبل تولي الرئيس محمد مرسي لمنصبه، وبعد ذلك. مما يعني أن ما يحدث في سيناء، هو استمرار للمواجهة بين أجهزة الدولة والجماعات المسلحة، وليس له عالقة بالتظاهر واالعتصام السلمي. كما أن الكل يعرف الخالف الحاد والجذري، بين الجماعات الجهادية المسلحة، وجماعة اإلخوان المسلمين.

ولكن مذبحة الفجر، لم تكن العنصر الوحيد، في مخطط الترهيب والتخويف، حيث تبع غلق القنوات الفضائية، سلسلة من االعتقاالت، تنفذها أذرع النظام السابق القضائية، وأذرعه األمنية، في محاولة لبث الخوف في نفوس أنصار الشرعية. وهي عودة للوراء مرة أخرى، لسياسات النظام السابق، التي كانت تعتمد على تشويه جماعة اإلخوان المسلمين، واعتقال قياداتها، حتى يتم شل قدرات الحركة على التمدد، وتشويه صورتها لدى قطاعات من المجتمع.

ورغم فشل سياسات النظام السابق، إال أن قادة االنقالب يعودون مرة أخرى لنفس السياسات، وإن كان بصورة أكثر حدة. فاستخدام العنف المنهجي، ضد أنصار الشرعية، قبل االنقالب العسكري وبعده، والذي أسقط العشرات من الشهداء، لم يحدث في ظل النظام السابق، مما يؤكد على أن قادة االنقالب يتبعون سياسة الصدمة والرعب، إن صح التعبير، وهي تعني توجيه ضربات مؤلمة متتالية ألنصار الشرعية وأنصار جماعة اإلخوان المسلمين، لردع أي محاولة لالحتجاج على االنقالب العسكري.

وألن جماعة اإلخوان المسلمين، تتبع سياسة امتصاص الصدمات، ومعها أنصار الشرعية؛ لذا تفشل اإلجراءات العنيفة لقادة االنقالب، ويصبح أمامهم إما التراجع، أو اتخاذ إجراءات أكثر تهورا، مما يعرض البالد لمخاطر االنزالق إلى العنف والفوضى.

وإذا كان الهدف األول لمذبحة الفجر، هو تخويف المتظاهرين والمحتجين، حتى يخرجوا من الشارع، وكان الهدف الثاني، هو تشويه صورة جماعة اإلخوان المسلمين، لتحجيم شعبيتها، فإن الهدف الثالث لمذبحة الفجر، هو األهم. فهذه المذبحة، تهدف أساسا إلجراء عملية إقصاء دموي لجماعة اإلخوان المسلمين، تدفعها خارج العملية السياسية لفترة طويلة، وتعيق عودتها للعملية السياسية، مما يقلص من دور الجماعة السياسي لعدة سنوات.

احتجاز الرئيس

كان من الواضح منذ اللحظة األولى، أن قادة االنقالب يخشون من خروج الرئيس محمد مرسي إلى الجماهير المؤيدة له. فمن ناحية، يمثل خروجه دعما مهما ألنصار الشرعية، كما أن خروجه يسمح للجمهور بمعرفة حقيقة ما حدث. وتلك قضية مهمة، فالكثير من الذين خرجوا في مظاهرات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، كانت أسبابهم تتعلق باألوضاع الحياتية، التي تأكد أن تأزمها كان جزءا من مخطط االنقالب، مما يعني أن هناك جمهورا أيد االنقالب، وإذا عرف حقيقة االنقالب، سوف يغير موقفه، ألنه استخدم في تحقيق أهداف ال يوافق عليها.

كما أن قادة االنقالب، يخشون من معرفة عامة الناس لمخطط االنقالب، وأنه تم التخطيط له قبل المظاهرات، وكان سوف ينفذ أيا كانت أعداد المتظاهرين. كما أن هناك خشية حقيقية، في انكشاف البعد الخليجي في االنقالب، والذي انكشف فعال، وأيضا الدور األمريكي في االنقالب. فكلما عرف أغلب الناس، أن مخطط االنقالب، له أهداف إقليمية ودولية، ضد مصالح مصر، زالت الغفلة التي أصابت بعض الناس، وساهمت في توسيع دائرة أنصار االنقالب.

كما إن بقاء الرئيس رهن االقامة الجبرية، له أهداف أخرى، منها أن يبقى طرفا يتم التفاوض معه، ويتم مساومته، والدكتور محمد مرسي ليس من الذين يقبلون بالمساومات أو التنازالت. ولكن قادة االنقالب، يحتاجون لطرف يتم الضغط عليه ومساومته. كما أن قادة االنقالب لديهم خشية حقيقية من وجود رئيس منتخب، يتحرك بين أنصاره وأنصار الشرعية. فهو مازال رئيس منتخب، وهذه الصفة لم تلغى، وال يمكن ألحد إلغائها. مما يعني أن الرئيس يملك شرعية، ال يملكها قادة االنقالب أنفسهم، فهو لديه شرعية شعبية، وهم يملكون السالح، والمواجهة بين الشرعية والسالح، تنتصر فيها الشرعية.

وهناك هدف آخر، من إبقاء الرئيس رهن االقامة الجبرية، وذلك للضغط عليه لفض االعتصام وصرف الناس من الشوارع، وهذا لن يحدث.

وفي أخر لقاء لي مع الرئيس محمد مرسي، يوم 33 يونيو 3102، ذكرني بحوار سابق بيننا، عندما توافقنا على أن الشهيد عبد القادر عودة أعدم، ألنه فض التظاهرات المطالبة بالديمقراطية في عام 0554، والتي أيدت التحول الديمقراطي بعد حركة الجيش في يوليو 0553، وساندت محمد نجيب في مواجهة جمال عبد الناصر. وبعد االنقالب، أتضحت داللة هذه التذكرة، والتي جاءت قبل بداية التظاهرات بأيام. وأظن أنها رسالة واضحة، وأعتقد أن الكل يدركها اآلن. كما أن التلويح المستمر

 بالتحقيق مع الرئيس محمد مرسي، يؤكد أن قادة االنقالب، يريدون إعادة إنتاج ما حدث في عام 0554، لتتضح أهمية تلك الرسالة الرمزية من الرئيس محمد مرسي.

ومرة أخرى، تتقابل النواة الصلبة للدولة، أي القوات المسلحة، مع النواة الصلبة للمجتمع، أي جماعة اإلخوان المسلمين. ومرة أخرى تكون المعركة حول الديمقراطية، التي يريد العسكر إجهاضها، وتريد الجماعة حمايتها. وبعد أن اجهضت فرص الديمقراطية في عام 0554، وظلت مصر تحت حكم مستبد لستة عقود، نعود مرة أخرى لمعركة التحرر والحرية.

ولكن الفرق بين الموقفين كبير، ففي يوليو 0553، قام الجيش بانقالب، ثم حظى بدعم شعبي، فأسس لنظام مستبد. أما في يناير 3100، فقام الشعب بثورة شعبية، وحقق تحوال ديمقراطية، وبدأ في بناء ديمقراطية حقيقية، ثم قام الجيش بانقالب، حتى يجهض الديمقراطية، ويعيد دولة االستبداد.

كسر اإلرادة

الذي يتصور أن قادة االنقالب يريدون كسر إرادة جماعة اإلخوان المسلمين فقط، فهو مخطئ. الهدف اآلن، هو كسر إرادة الشعب كله، حتى ال يستطيع فرض إرادته مرة أخرى، سواء باالحتكام لصندوق االقتراع، أو من خالل االحتكام للشارع. فما يحدث، هو تقويض كامل لثورة يناير، يهدف أساسا، لفرض نموذج دولة عسكرية، تكون السلطة األعلى فيها للقيادة العسكرية، ومعها أجهزة القضاء واألمن، مما يجعل الديمقراطية بال مضمون، ويجعل خيارات عامة الناس االنتخابية، بال أي تأثير.

وال يمكن تحقيق نصر نهائي للثورة المضادة، إال بكسر إرادة عامة الناس، التي أنجحت ثورة يناير في مرحلتها األولى، بل وفي عدة مراحل تالية. فاإلرادة الشعبية الحرة أسقطت رأس النظام السابق، ثم توالى دور اإلرادة الشعبية الحرة عدة مرات، وحققت انتصارات في االنتخابات، وأصبحت اإلرادة الشعبية، هي مصدر السلطات فعال. لهذا، جاء االنقالب، بدعم من أنصار الحكم العسكري، وبدعم من قطاعات غافلة عن حقيقته، لينقض بالكامل على كل ما أنجزه الشعب المصري، منذ يناير .3100

وإذا كانت جماعة اإلخوان المسلمين، هي األكثر تنظيما، لذا فهي المستهدف األول من االنقالب العسكري، والذي يريد كسر إرادتها. وإذا كانت القوى اإلسالمية، هي األكثر شعبية، لذا فهي أيضا المستهدف التالي لالنقالب، حتى يتم كسر إرادتها. وبعد توجيه ضربات متتالية للقوى اإلسالمية، وكسر إرادتها، وإرادة أنصار التيار اإلسالمي، يصبح من السهل بعد ذلك، السيطرة على المجتمع وإخضاعه.

وفي معركة اإلرادة، أمام أنصار الشرعية وجماعة اإلخوان المسلمين، بديل واحد وهو الصمود والبقاء واالحتجاج واالعتصام، حتى يتأكد الطرف اآلخر، أن إرادة قطاع واسع من الشعب، لن تنكسر، وحتى تفيق قطاعات أخرى من الشعب، وتدرك أن االنقالب يهدف إلى إعادة دولة االستبداد مرة أخرى، وإن إعادة دولة االستبداد، سوف يعيد دولة الفساد أيضا.

وبقاء الدبابة في الشارع، أمام المعتصم والمتظاهر السلمي، هو أهم مشهد، يفشل االنقالب ويكشفه. ولكن معركة اإلرادة، ليست معركة هينة، ألنها بين شعب أعزل، وقوات مدججة بالسالح. وقوة االحتجاج في أنه سلمي، وضعف االنقالب في سالحه.

ومحاوالت تشويه جماعة اإلخوان المسلمين، ولصق تهمة اإلرهاب بها، هي محاولة إلضعاف االحتجاج والتظاهر واالعتصام، ألن قوة االحتجاج الشعبي، تنبع من أنه احتجاج سلمي. وقوة جماعة اإلخوان المسلمين، تتمثل في أنها تنظيم شعبي له قواعد شعبية واسعة، وتعتمد على العمل السياسي السلمي. ومنذ عقود، والجماعة تستمد قوتها من العمل السلمي، ومحاولة جرها للعنف، سوف تفشل، كما أن محاولة استفزاز أعضائها، حتى ينزلقوا للعنف، سوف تفشل أيضا. وبقاء الجماعة مع أنصار الشرعية، في اعتصام سلمي، سوف يجهض كل محاوالت لصق تهمة اإلرهاب بالجماعة.

وألن الوعي العام يتم تشويهه على مدار الساعة، لذا أصبح من الضروري حدوث قدر من اإلفاقة في المجتمع، حتى ال يسلم الناس أنفسهم بأنفسهم لحكم عسكري. لذا فمن المهم، اختبار كل المعلومات واالشاعات واألكاذيب على معيار واقعي. فكل معلومة تصل إلى الناس، عليهم أن يسألوا أوال من المستفيد، إذا كانت تلك المعلومة صحيحة. فإذا تم نشر اشاعات حول أن جماعة اإلخوان المسلمين، تتسلح لتقوم بأعمال إرهابية، فعلينا أن نسأل، هل هذا يحقق أي فائدة للجماعة؟ وسنجد، أن لجوء الجماعة للعنف، يجعلها تخسر كل شيء، ألنها تنظيم شعبي علني، قائم على المساندة الجماهيرية الواسعة، مما يعني أن المستفيد الوحيد من تلك االشاعات هم قادة االنقالب.

خريطة االنقالب بال استفتاء

أول ما فعله المجلس األعلى للقوات المسلحة، بعد سقوط رأس النظام السابق، هو إجراء استفتاء على خريطة الطريق التي وضعها. وأول ما فعله قادة االنقالب العسكري، هو فرض خريطة طريق بدون استفتاء. ولو كان لدى قادة االنقالب العسكري، أي اعتقاد، بأنهم قادرون على تمرير تلك الخريطة عن طريق استفتاء شعبي، لفعلوا. وإذا كان قادة االنقالب، يروا أنهم وقفوا مع القطاع األكبر من المجتمع، ضد قطاع أقل، فكان عليهم اللجوء الستفتاء، فإما يختار الناس خريطة طريق االنقالب، وبهذا تكتسب شرعية، أو تعود الشرعية، ويعود الرئيس والدستور ومجلس الشورى.

ولكن هذا االنقالب، لم يقم حتى يتم االحتكام لصندوق االقتراع مرة أخرى، بل قام حتى يفرض على عامة الناس مخطط االنقالب؛ وهو ببساطة، علمنة وعسكرة الدولة. وبعد ذلك يمكن لعامة الناس ممارسة حقهم، بعد أن يفرض عليهم حكم عسكري علماني.

لذا فقادة االنقالب على علم، بما تم من تزييف للحقيقة، وعلى علم بحجم التظاهرات من الجانبين، وعلى علم أيضا بما حدث من عملية خداع جماهيري واسعة، قامت بها أجهزة أمنية واستخباراتية. وأيضا، يعلم من قام باالنقالب، أن عملية الخداع المنظم، ال تبقى طويال، وقد تتغير األمور، وينفك بعض الحصار الخانق الذي تعرض له عامة الناس، من اإلعالم وأجهزة بث االشاعات والتوجيه المعنوي. لذا فرض قادة االنقالب خريطة طريق، ليتأكد أنه انقالب عسكري متكامل األركان.

 هل ينجح االنقالب؟

 للرد على هذا السؤال، نحتاج للنظر إلى القضية من زاوية أخرى. فهل تنجح الثورة أو الديمقراطية، بدون إرادة شعبية حرة وواعية وقوية؟ وهل نحتاج فعال لتحول ديمقراطي، ال يستند إلى وعي عام قوي وفاعل؟ فإذا كان السؤال حول مدى نجاح االنقالب، فاالنقالبات العسكرية ال تنجح، إال بقدر الغفلة التي تنتشر بين عامة الناس، فيسلم الناس إرادتهم لحكم عسكري، ثم يندمون بعد ذلك لعقود.

 

واالنتكاسة التي تعرضت لها الثورة، كانت بسبب ضعف اإلرادة الشعبية، وضعف الوعي العام، مما مكن وسائل إعالم االنقالب، من سلب وعي جزء من عامة الناس، وبالتالي تم سلب إرادتهم، فدفعوا لتأييد عمل، لن يوافقوا على نتائجه.

هناك بالطبع كتل تؤيد الحل العلماني، وتريد الحكم العسكري، إذا كان البديل الوحيد للمشروع اإلسالمي. ولكن هناك كتل دفعت من أجل الخروج إلنهاء والية الرئيس، وهي ال تعرف أن خروجها، سوف يؤدي إلى علمنة وعسكرة الدولة. وكلما كانت هناك كتل، يمكن أن يشوه وعيها، تعذر بناء إرادة شعبية قوية، تحمي مكتسبات الثورة.

 لذا، فاالنقالب لن ينجح، ألن المجتمع لم يعد كما كان، صحيح أنه يتعرض لعمليات تضليل مستمرة، إال أنه ال يمكن أن يظل غافال عما يحاك له. وبقدر ما يعرف عامة الناس، حقيقة االنقالب العسكري، وأنه جاء أساسا لفرض حكم عسكري، أسوأ من النظام السابق، بقدر ما تعود صحوة عامة الناس، ليحموا مصالحهم وخياراتهم الحرة.

وبقاء أنصار الشرعية وجماعة اإلخوان المسلمين، يمثل العنصر الفاعل، والقادر على إعادة تحريك الشارع، وتفعيل دور عامة الناس مرة أخرى. وهنا تظهر المقابلة بين النواة الصلبة للدولة، والنواة الصلبة للمجتمع. فبدون وجود نواة صلبة للمجتمع، قد تنجح النواة الصلبة للدولة، أي الجيش، في فرض حكم عسكري. وألن المجتمع له نواة صلبة، متمثلة في جماعة اإلخوان المسلمين، لهذا تواجه الجماعة بحرب مستمرة. وتلك النواة الصلبة، مع حلفائها ومؤيديها، تستطيع الصمود، لتؤكد على قوة المجتمع. ومع استمرار حالة اإلفاقة المجتمعية تدريجيا، يجد بعض الناس، أن النواة الصلبة للمجتمع، أي جماعة اإلخوان المسلمين، قد عرقلت بالفعل االنقالب العسكري، حتى تتجمع قوى المجتمع، وتنتهي مرحلة الترهيب والتخويف، ثم تستعاد الثورة من جديد، وترجع الشرعية للشعب.

المقابلة بين االنقالب والشرعية

فاالنقالب هو انتكاسة للثورة، تعرقل مسارها، ولكنه يفشل في النهاية. وأسباب فشله تتعدد، فقد ظهر في اللحظة األولى، بوصفه عودة لسياسات القمع البوليسية، وتأكد أنه قائم على فرض إرادته على الجميع، بمن فيهم من أيد االنقالب، فحتى حلفاء االنقالب، لم يعد لهم القدرة على المشاركة في مساره. والمقابلة، بل والمفارقة بين مرحلة ما قبل االنقالب، ومرحلة ما بعد االنقالب، كافية ضمن أسباب أخرى، إلفشال االنقالب. فاالنقالب كان حدث صادم، فرق المجتمع بين مؤيد ومعارض، ومع توالي سياسات االنقالب تضح حقيقته، ويتضح الفارق، ليس بين ما قبل االنقالب وما بعده، ولكن بين مرحلة حكم المجلس األعلى للقوات المسلحة، ومرحلة الحكم العسكري بعد االنقالب.

فبعد سقوط رأس النظام، أدار المجلس األعلى للقوات المسلحة المرحلة االنتقالية، على أساس أنها مرحلة تحول ديمقراطي، ولكن الحكم العسكري بعد االنقالب، يدير مرحلة ما بعد االنقالب، على أساس أنها مرحلة تحول من نظام ديمقراطي، إلى نظام يقوم على عسكرة الدولة. والفرق بين المرحلتين كبير. وما لم يستطع تحقيقه بعض القادة العسكريين، في المرحلة األولى، خاصة من خالل وثيقة المبادئ فوق الدستورية، التي تكرس لعلمنة وعسكرة الدولة، يراد تحقيقه اآلن، من خالل االنقالب العسكري. وكلما اتضحت الصورة أكثر، أنكشف االنقالب أكثر، وتغلبت عوامل الفشل، على عوامل النجاح الطارئة، والتي استند لها االنقالب العسكري.

 فإذا كانت مبررات االنقالب، هي التدخل في مرحلة من االنقسام السياسي الحاد، فإن االنقالب أدى عمليا، إلى بداية مرحلة النزاع األهلي، وفي نفس الوقت، يريد قادة االنقالب العسكري، استغالل تلك الحالة، حتى يسرقوا من كل شعب مصر، حقهم وحريتهم ومستقبلهم، ويفرضوا عليهم حكما عسكريا. ومع توالي األحداث، يتضح أن االنقالب خطر على المستقبل، حتى وإن ظن البعض أنه قدم حال للحاضر.

ومع اتساع المقارنة والمقابلة، والفارق الكبير، بين مسار االنقالب، ومسار الحفاظ على الشرعية، وتداعيات كل مسار منهما، تبدأ مرحلة انتكاس االنقالب العسكري، وعودة مسار الثورة إلى طريقه الصحيح من جديد.

 لذا يصبح الصمود الشعبي في الميادين، هو أهم عنصر ينزع أي شرعية مزعومة لالنقالب، حتى يفقد أن مبررات أو مسوغات مفترضة، وتكتمل صورته الحقيقية أمام قطاعات أوسع من الناس. فكلما ظهر الوجه الحقيقي لما حدث، وتأكد أغلب الناس أنه انقالب عسكري، يؤدي إلى عسكرة وعلمنة الدولة، سيتاح لهم أن يختاروا عن وعي وإدراك. فهل يتوقع أحد أن يختار أغلب الناس، عسكرة وعلمنة الدولة، بعد ثورة يناير؟

المتابع لميزان الردع بين االنقالب العسكري، وأنصار الشرعية، منذ اليوم األول لالنقالب، ثم األيام التالية، يجد أن االنقالب العسكري، يخسر كل يوم، وحركة أنصار الشرعية، تكسب كل يوم. مما يعني، أن الزمن ليس في صالح االنقالب العسكري، بل في صالح عودة الشرعية والديمقراطية، واستعادة الثورة، مرة أخرى. والعد التنازلي لنهاية االنقالب العسكري، بدأ مع بدايته، والعد التصاعدي لعودة الشرعية، بدأ أيضا منذ بداية االنقالب العسكري.


Nombre de lectures: 1037 Views
Embed This

Commentaire



Laisser un commentaire

Laisser un commentaire

XHTML: You can use these html tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>