DzActiviste.info Publié le sam 30 Juin 2012

ذكرى نصف قرن من الاستقلال: طموح عميق لتحقيق مكاسب استراتيجية

Partager

ذكرى نصف قرن من الاستقلال على الأبواب، ذلك الاستقلال الذي انتزعه شعبنا بعد حرب تحرير ضروس دامية وقاسية. هناك سؤال يتوارد على أذهان الأغلبية الساحقة من العمال والجماهير الكادحة في سياق هذه الذكرى، يتمحور حول الآفاق المستقبلية للمكاسب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تم التراجع عنها أو التي لم تتحقق أصلا. ومن الواضح أن مكاسب عديدة أنجزت بفضل الاستقلال لصالح العمال والجماهير والفئات الشعبية، ولا يمكن لأي نزيه نكرانها، وهي بالتأكيد تنطوي على أهمية فائقة، ولكن رغم هذه الأهمية التي تمثلها، فهي لا تزال مكاسب منقوصة، وكل ينظر إليها من زاويته الخاصة وفقا لمرجعيته السياسية والإيديولوجية. لكن نظرة موضوعية لهذه المكاسب‘ سيكتشف أن الكثير منها قد تم التراجع عنه بفعل السياسة اليمينية والليبرالية التي انتهجتها البلاد منذ وفاة الرئيس هواري بومدين في أواخر السبعينات من القرن الماضي، في الوقت الذي نجد اليوم أن العمال والفئات الشعبية يرون أن هناك منجزات ومطالب جماهيرية واسعة لم تتحقق أصلا، ولم تعرف طريقها إلى التنفيذ بفعل نفس السياسة التراجعية، بل إن المكاسب التي كان يظن أنها قد تجاوزت مرحلة اللارجوع صارت هي الأخرى مهددة بالتقهقر، في إطار نفس السياسة النيوليبرالية التي فرضتها الإمبريالية والطبقات الاجتماعية المستغلة قي البلاد. والكل يعلم أن الفئات العمالية والشعبية نفد صبرها، وصارت اليوم تتطلع لا إلى مجرد المحافظة على مكاسب الاستقلال التي تحققت وأضحت في حكم اللارجوع فحسب- وهي قليلة جدا وتم كضمها بعد التأكد من استحالة التراجع عنها- بل تتطلع إلى تعميقها ودعمها بمنجزات ومكاسب جديدة، وخاصة في ظل وضعية مالية مريحة، بفضل مداخيل البترول التي سجلت ارتفاعا لم تعرفه البلاد منذ الاستقلال، حيث بلغت هذا العام حوالي 150 مليار دولار من احتياطي الصرف. نعم يمكن لهذه المداخيل أن تنخفض وتنتكس مرة أخرى إذا انخفضت مداخيل البترول في المستقبل القريب، (تسجل هذه المداخيل حوالي 98 % من مداخيلنا العامة) ولكن انتهاج استراتيجية تنموية صناعية وزراعية جريئة عقلانية ومستقلة يمكن أن تشكل ضمانا من انهيار قاتل لاقتصاد البلاد. هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه الطبقة العاملة والفئات الكادحة والمنتجة في البلاد.

الطبقة العاملة قادرة على إعلان التحدي وممارسته

وإذا كانت هذه القوى الطبقية مستعدة، رغم الانهيار المريع لقدرتها الشرائية، لرفع التحدي وكسب الرهان، فهل السلطة البرجوازية الكمبرادورية المتربعة على عرش السلطة مستعدة لقبول هذا التحدي وانتهاج استراتيجية تنموية صناعية وزراعية مستقلة تجنب البلاد خطر الوقوع في كارثة ماحقة؟. هذا السؤال جدير بالطرح، ولا يستحق التأجيل. ويمكن طرح التحدي على النحو التالي: إما أن تكون البلاد قادرة على مواجهة التحديات الإمبريالية والطبقات البرجوازية الحاكمة وعلى تخليص البلاد من التبعية للإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات، بفضل استخدام احتياطاتنا المالية من العملة الصعبة، المودعة في البنوك الأمريكية والأوربية، لإنجاز تنمية مستقلة عن الإمبريالية ومؤسساتها العابرة للقارات، أو أنها ستستمر في نهج التبعية والخضوع لمصالح المؤسسات الاقتصادية والتجارية والمالية للإمبريالية وبالتالي التفريط في استقلالنا وسيادتنا التي دفعنا ثمنا باهظا للمحافظة عليها وتعزيزها خلال العشريتين، الأولى والثانية من الاستقلال. إن الأمر ليس متروكا للصدفة أو الانتظارية، أو إلى المخلص « المنقذ »، أو للاعتماد على الاستثمارات الأجنبية والمحلية الخاصة، بل هو مرهون باحتدام النضالات التي تخوضها الطبقة العاملة والفلاحون الكادحون والأجراء في مختلف المؤسسات وعلى مختلف الجبهات، لحماية القطاع العمومي، الذي يتعرض باستمرار وما يزال، للنزيف وللتصفية من قبل القوى الليبرالية المتوحشة وأنصارها من مستوردين ومهربين وأنصار البرجوازية الكمبرادورية التي هي مستعدة لبيع البلاد والتنازل عن السيادة الوطنية لصالح الشركات متعددة الجنسيات.

ضرورة تقييم موضوعي للمكتسبات الضائعة والعمل على تحقيق مكاسب جديدة

ينبغي لهذه الفئات الاجتماعية الكادحة المستاءة من الوضع المزري الذي أصبحت تعيش فيه أن تقف وقفة تأمل وتدبر للوضع بعد مضي نصف قرن من استرجاع استقلالنا وسيادتنا بتضحيات جسام من أجل التحرر من الهيمنة الاستعمارية ومن أجل التقدم الاجتماعي والمساواة في توزيع خيرات البلاد. إن هذه الوقفة ستسمح لهذه الشرائح الكادحة بلا ريب بتقييم موضوعي للمنجزات التي تحققت، وأضحت غير قابلة للتراجع، وللمكاسب التي تم التراجع عنها في سياق تفكيك القطاع العمومي والقضاء على السياسة المناهضة للإمبريالية التي اتبعتها البلاد خلال 20 سنة من الاستقلال، والذي لم يبق منها سوى جزء قليل في بعض القطاعات على غرار التعليم والصحة، وكذا المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي لم تتجسد في الواقع على النحو الذي كان يحلم به المكافحون من العمال والفلاحين الكادحين والفلاحين بدون أرض والمثقفين الثوريين وغيرهم من العناصر الشعبية الذين قدموا أرواحهم وأجسامه في سبيل تحقيق هذه الأهداف والمثل السامية. ومن المؤكد أن هذه المطالب لم تتجسد بسبب السياسة النيوليبرالية المتوحشة التي تنتهجها السلطة البرجوازية الكمبرادورية المتحكمة في مصير البلاد طبقا لمصالح وجشع الشركات متعددة الجنسيات والقوى الإمبريالية الكبرى والفئات البرجوازية الكمبرادورية التي تنهب خيرات البلاد بدون رقيب ولا حسيب.

وفي سياق محاولة إجراء جرد عام وشامل للمنجزات المتحققة والمطالب التي ما تزال عالقة يمكن القول مرة أخرى بأنه قد تحققت نجاحات في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ الاستقلال، على الرغم من الوسائل المالية القليلة آنذاك، وقلة التأطير ونقص الخبرة. وعلى الرغم من الأخطاء السياسية والإيديولوجية التي ارتكبت والتي كان يمكن تجنبها بمراعاة مستوى الوعي السياسي والإيديولوجي في صفوف العمال والفئات الشعبية وبنبذ الأحكام المسبقة تجاه التوجهات والخيارات الاشتراكية، إلا أن الدولة الجزائرية قد برهنت خلال العشريتين من الاستقلال والتي انتهت (بوفاة بومدين) بإمكانية تقليص البطالة إلى أقصى حد ممكن والحد من الفقر والشروع في التصنيع المتكامل والزراعة المتطورة.

لكن السياسة الليبرالية المتوحشة التي انطلقت في منتصف الثمانينات من القرن الماضي في عهد الشاذلي عبر سياسة ما سمي آنذاك « بإعادة الهيكلة » و »استقلالية المؤسسات » أضحت تعاكس تماما طموحات شعبنا المشروعة في تعزيز مكاسب الاستقلال وإعطائه محتوى أكثر تقدما لصالح الأغلبية الساحقة الكادحة، بل إن هذه السياسة قد أفرغت الاستقلال من مضمونه التقدمي وأعطته مفهوما طبقيا ضيقا يخدم الفئات الكمبرادورية والطفيلية والقوى الإمبريالية وشركاتها العاملة في حقول البترول.
ففي ظل هذه السياسة الليبرالية المخاتلة، عانت الأغلبية الساحقة من شعبنا من نتائجها الوخيمة مثل الحڤرة والبطالة والانخفاض المريع للقدرة الشرائية والتهميش والإقصاء والحرمان والبؤس الاجتماعي، والهجرة السرية هربا من جحيم سياسة النهب والإجحاف التي تقود البلاد إلى الهاوية. وبقدر تراكم مداخيل البترول وتدفق الملايير من الدولارات على احتياطي الصرف الذي بلغ 150 مليار دولار في سنة 2012 والمودع في الخزائن والبنوك الأجنبية الأمريكية والأوربية، بقدر ما يسفر عن المزيد من البطالة وتعميم الفقر واستفحال الآفات الاجتماعية من انتحار وهجرة سريـة وحرڤة ودعارة وجريمة منظمة أو فوضوية والتحاق بالجماعات الإرهابية الفاشية الخ. وهذا في وقت كان يمكن بفضل توظيف جزء من هذه المداخيل النفطية في مشاريع تنموية منتجة أن يوضع حد للكثير من هذه الآفات وتحقيق إنعاش اقتصادي حقيقي وتحسين ملموس لمعيشة أغلبية الجزائريين.

لقد تحولت الدولة وأجهزتها بعد نصف قرن من الاستقلال إلى آلة قمعية ضد العمال والشبيبة والنساء والحراڤين لصالح حفنة صغيرة من المنتفعين والمحتكرين والمهربين والناهبين بلا حدود للثروات الوطنية. وبسبب طابعها الطبقي الضيق أضحت السلطة البرجوازية لا تعير أدنى اهتمام لحل مشاكل المواطنين الملحة التي تستفحل يوما بعد يوم، ولا تحركها أية رغبة في القضاء على الفقر، والخروج من المأزق الذي تتخبط فيه البلاد، بل على العكس من ذلك، تمارس هذه السلطة سياسة طبقية فاضحة تبقي على البطالة والبؤس والإحباط في صفوف الشباب والعمال والجماهير ضحية سياسة الليبرالية ودفعهم إلى حالة خنوع واستكانة هي أشبه ما تكون بالرق والعبودية. وهي لا تتورع في استخدام أية وسيلة لترسيخ عقلية العبودية في الأذهان لصالح رخاء حفنة قليلة من الأثرياء الجدد.
ولم تكتف السلطة بالقمع والتفقير والتهميش وبث اليأس في النفوس وإشاعة روح الخنوع، بل استعانت بوسائل أخرى لتحقيق نفس أهدافها الطبقية، مثل استخدام أساليب التلهية وبث التفرقة بين الجماهير، ودفعها إلى مواجهة بعضها البعض، على غرار الإصلاحات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قبل الانتخابات التشريعية استباقا لما يسمى بـ « الربيع العربي »، ومواصلة سياسة التمييز الجهوي وتضليل الجماهير ونسج علاقات على أساس قبلي أو على أساس الشرعية التاريخية، وكذا التحريض على الاشتباكات في الملاعب الرياضية، أو دفع أوساط محافظة ورجعية إلى الزعم بخطورة « التنصير » وتأييد الحركات التي تجري في بعض البلدان العربية، ضد استبداد الحكام في ليبيا وسوريا، والسكوت عن الاستبداد القروسطي في ممالك الخليج الرجعية أو الممالك العربية الأخرى في الأردن والمغرب وغيرهما وما تمثله من « خطر » على الوحدة الوطنية. ومما زاد الطين بلة أن كل هذه المظاهر من التلهية باتت تفديها عناصر انتهازية وتعصبية من داخل السلطة وخارجها بالتركيز على الانشغالات الوهمية، مثل اللجوء إلى غلق الحانات والملاهي التي تزعم هذه العناصر بأنها مصدر كل الآفات الاجتماعية، بينما تضرب صفحا عن مكافحة استهلاك المخدرات التي تعرف انفجارا كارثيا. وأخيرا لا يفوتنا التنويه بأن بعض المسؤولين يسعون على العكس من ذلك، في إطار تقاسم الأدوار، إلى التصريح بأن الوضع يعرف تحسنا ملموسا بفضل تطبيق الإصلاحات المعلن عنها مؤخرا، في حين أن هذه الإصلاحات لم تؤد إلا إلى مزيد من الانغلاق، وإلى جعل ترسانة القوانين المعادية للديمقراطية، مثل قانون الصحافة وقانون الأحزاب والجمعيات والنقابات أكثر استبدادا كما بينت المواعيد الانتخابية الأخيرة. ويجري دائما تدخل المسؤولين من أجل بث غيرة « وطنية » مزيفة ومضللة مثل تصريح رئيس الدولة بأن انتخابات 10 ماي تمثل نوفمبر جديدا، بهدف تلهية الفئات الشعبية عن مشاكلها الحقيقية واستغلال ذكرى نوفمبر في خدمة السياسة الليبرالية المقررة. ويجري هذا في وقت تتعرض فيه « الوطنية الحقيقية » يوميا للإهانة والاحتقار والانتهاك من طرف الإمبريالية والشركات متعددة الجنسيات، بينما يكتفي المسؤولون والحكام « عديمو الوطنية » بتهييج الجماهير البائسة تحضيرا لانتخابات إقصائية أفقدت الحكم مصداقيته بشكل لا مثيل له.

ومع ذلك، ورغم القمع الذي تستعمله السلطة ضد الجماهير المحتجة على انحطاط معيشتها في المدن والقرى، ورغم أساليب التلهية والخداع والتضليل وتخدير وعي الجماهير الشعبية، فإن الأمل في المحافظة على سيادتنا الوطنية بمحتواها الاقتصادي والاجتماعي العميق لم ينطفئ، والنضال من أجل تحقيق هذا الطموح الكبير لم يتوقف ولن يتوقف. إنه يتواصل تحت مختلف الأشكال من أجل جزائر ينعم فيها كل أبنائها المحرومين بالتقدم والمساواة، جزائر ديمقراطية وتقدمية متحررة من هيمنة كمبرادورية داخلية وهيمنة امبريالية خارجية تمارسها هيئاتها الدولية على غرار صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية والشركات متعددة الجنسيات.

لكن هذا النضال لم يحرز بعد على الوعي الكافي والتنظيم المستقل، الذي لا غنى عنه، من أجل تحويل هذا النضال العفوي والتلقائي إلى ثورات ديمقراطية شعبية منظمة. لقد راهن حكامنا على عدم إمكانية قيام انتفاضات جماهيرية على غرار ما يجري في البلاد العربية وتقديم تفسيرات خاطئة، من مثل أن « ربيعنا » قد جرى منذ أواخر الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، لكن الواقع أن تراكمات التردي والفساد والنهب واستقطاب الثروة في جانب والفقر والحرمان في جانب آخر جعل من هذه المواعيد فرصا كبيرة لأكتوبر جديد، ليس على النحو الذي يجري في بلدان « الربيع العربي »، هذا الربيع الذي ساهمت في إنشائه القوى الإمبريالية في الخارج والقوى الليبرالية والأصولية في الداخل، وانساقت وراءه جماهير غفيرة بعفوية آملة منه تغييرا يسهم في تحسين وضعيتها، لكن هذا الحراك بمضمونه الرجعي سيجرها إلى ديكتاتوريات أكثر وحشية على غرار ما حدث في ليبيا. إن العمال والفئات الشعبية والإطارات من الشبان والنساء يريدون ربيعا آخر شعبيا منظما وواعيا يحظى بوحدة متلاحمة وقيادة محنكة ومجربة تمكنه من الإطاحة بالبرجوازية والتبعية للإمبريالية والاستيلاء على السلطة التي تشكل مسألة أساسية في أية انتفاضة جماهيرية واعدة. إن ترجمة هذه الشروط إلى الواقع يعني أن تتمكن الطبقة العاملة من التحول من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها، أي تعي أن المخرج الوحيد من الكارثة المحدقة بها هو أن تتحول إلى طبقة ثورية تلتف حولها كافة الفئات الجماهيرية المسحوقة، لكي تقوم ليس بتحسين أوضاعها المادية والمعاشية فحسب، بل أن تقوم بمهمتها التاريخية الثورية في الإطاحة بالنظام البرجوازي الاستبدادي التابع للإمبريالية وإقامة سلطتها الثورية التي تمكنها من إنشاء ديمقراطية شعبية توفر كافة الشروط المادية والمعنوية للانتقال إلى الاشتراكية التي تعني نهاية الظلم والاستبداد والاستغلال واستكمال مهام الاستقلال النوعية التي بقيت معلقة.

الشروط اللازمة لتحقيق المطالب الاستراتيجية للطبقة العاملة والكادحين

وبسبب العراقيل التي يضعها النظام وبسبب طبيعته الطبقية الموالية للإمبريالية، كان لا بد للطبقة العاملة، بمعية حلفائها الطبيعيين، أن تضطلع بمهمة مزدوجة: النضال من أجل إفشال المخططات العدوانية والتوسعية للإمبريالية، وفي نفس الوقت النضال من أجل تغيير جذري للنظام الحالي وتعويضه بنظام ديمقراطي شعبي يفتح الطريق إلى الاشتراكية.

وإذا كان إنجاز هذه المهمة عملية عسيرة، إلا أنها ليست بمستحيلة، بل هي ضرورية لاسترجاع المكاسب التي تم التراجع عنها، والشروع في إنجاز مطالب نوعية لم تتحقق أصلا وبقيت تنتظر الشروط لتحقيقها. إن إنجاز هذه المطالب المشروعة يتطلب توفير جملة من الشروط في مقدمتها، بناء حزب ثوري للطبقة العاملة قوي ومتجذر في صفوف الجماهير الكادحة.

إنه لا يمكن حدوث تغييرات ثورية بمعزل عن هذا الصراع الهادف إلى بناء وتعزيز هذا الحزب، فهذه المهمة تنطوي على صراع إيديولوجي لا هوادة فيه ضد التصورات والمفاهيم التي تسعى، بهذا الشكل أو ذاك، إلى إزاحة طليعة الطبقة العاملة من موقع الصدارة في النضال لبناء هذا الحزب. وفي هذا السياق تجري معركة صلبة ضد التيارات التي تريد تمييع هذه الطليعة وتقديم بدائل تشل فاعليتها، ومن هذه التيارات الخطيرة:

1- بناء « حزب يساري كبير » يكون في نظر مروجيه بديلا عن الحزب الثوري للطبقة العاملة.

2- تشكيل حزب سياسي خال من أية مرجعية إيديولوجية مسبقة، على غرار الاشتراكية التي يصعب الاقتناع بها بسبب تخلف الوعي في صفوف العمال والجماهير.

3- تبني خيار اشتراكي يفترض انتشار النظام الرأسمالي على الصعيد الدولي لكي تتوفر شروط الانتقال لإلى الاشتراكية.

4- انتظار التطور الكامل للقوى المنتجة والانتقال إلى الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية واجتماعية كاملة. وغني عن التعليق أن كل هذه الأطروحات تهدف إلى غاية واحدة وهي الحيلولة دون الانتقال إلى الاشتراكية ضمن أفق منظور، على أساس أن كل خطوة تهدف إلى تعميق مكاسب الاستقلال هي بالضرورة خطوة نحو تحقيق أهدافها الاستراتيجية وبعبارة أوضح هي خطوة نحو تحقيق الاشتراكية.
ولذلك يجب على الطليعة الثورية وعلى ممثلي العمال الأكثر وعيا وكل العناصر الثورية المنحازة إلى إيديولوجية الطبقة العاملة، وهي النظرية الماركسية اللينينية، أن تخوض معركة حاسمة ضد كل التيارات السابقة التي تسعى إلى تأجيل الانتقال الاشتراكية إلى أجل غير مسمى وإلى التحالف مع « الرأسمالية المنتجة » المزعومة.

ومن الواضح أن الرهان على الرأسمالية المنتجة بالزعم بأن قطاعها الخاص يحمل ديناميكية عالمية هو رهان على جواد خاسر، لأن البرجوازية « المنتجة » تستغل العمال وتستحوذ على فائض القيمة، ومن ثم فهي برجوازية منحازة إلى البرجوازية الكمبرادورية أو تقف إلى جانبها ضد العمال والفئات الكادحة في المجتمع، إذ لا يمكن الفصل بين البرجوازي الذي يملك رأسمالا في الاستيراد والتصدير، والرأسمالي الذي يملك مصانع ينتج فيها صناعات تكميلية تستغني عنها الرأسمالية الاحتكارية الكبرى، ومن ثم فإن هذه المقاربة المطروحة تؤدي في الواقع إلى تحالف مختلف أشكال البرجوازية ضد العمال الذين يستغلونهم.

ومن الطبيعي أنه لا يمكن للطبقة العاملة بناء حزبها الثوري الذي يقودها إلى تحقيق المطالب الاستراتيجية أو مكاسب الاستقلال الاستراتيجية دون بناء أدوات أخرى مساعدة مثل بناء نقابية ديمقراطية طبقية، مستقلة إيديولوجيا عن البرجوازية وعن العناصر الإصلاحية والانتهازية المتواجدة ضمن الاشتراكية الديمقراطية والتي تدعو إلى التعاون الطبقي بدلا من الصراع الطبقي.

إن على الطبقة العاملة التي تناضل لاسترجاع المكاسب الضائعة وتحقيق المكاسب الاقتصادية والاجتماعية الاستراتيجية أن تطور كل أشكال التنظيم والتنسيق والوحدة فيما بينها لمواجهة عدوها الطبقي الموحد الذي يمكن أن يتغلب عليها في حالة وجودها مفككة ومشتة، فالبرجوازية الحاكمة تملك ترسانة قمع شرسة تمكنها من التغلب على أية حركة ثورية غير ناضجة، وفي نفس الوقت لا يمكن للبرجوازية أن تتنازل عن السلطة وتقدمها هدية على طبق من فضة حتى ولو كانت على فراش الموت. وعلى البروليتاريا أن تتوحد وطنيا وأمميا لانتزاع السلطة من أيدي البرجوازية، لأن عدوها الطبقي عدو عالمي.

وفي الوقت الذي يجب أن تجسد الطبقة العاملة استقلالها الطبقي سياسيا وإيديولوجيا، ينبغي أن تجسدها عمليا وعلى مختلف المستويات، منها خلق نقابات طبقية مستقلة عن النقابة التابعة للسلطة (اع ع ج)، وتعزز المكسب الذي حققته النقابات المستقلة في قطاعات مختلفة من القطاع العمومي مثل التعليم والصحة وأن تسعى بمختلف الوسائل لتجاوز مظاهر التعصب وضيق الأفق في قيادة هذه النقابات ونظرتها النخبوية والابتعاد عن العمال الذين ينتجون ثروات البلاد، كما يجب على القوى التقدمية أن تكافح بحزم هذه الميول الضيقة والانعزالية.

هذا على الصعيد الوطني، أما على الصعيد الأممي، فيجب على العمال أن يعبروا عن تضامنهم الكفاحي مع الطبقة العاملة في كل مكان، سواء أكانت في أوربا وآسيا ومنطقة الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وفي كل العالم الرأسمالي المتطور والمتخلف ، كما يجب التضامن مع الشعوب في نضالها ضد الإمبريالية والرأسمالية ومنظماتها السياسية والاقتصادية والتجارية والمالية والعسكرية. فبهذه النضالات الواسعة والحاسمة توفر الطبقة العاملة الشروط الموضوعية والذاتية للإطاحة بالرأسمالية والتحول إلى الاشتراكية التي تتحقق في ظلها الأهداف الاستراتيجية أو مكاسب الاستقلال التي لم تتحقق بعد.

محمد علي

28 جوان 2012


Nombre de lectures: 250 Views
Embed This