DzActiviste.info Publié le dim 31 Mar 2013

سمات الربيع العربي: الاستغلال الإمبريالي والتواطؤ الرجعي والعفوية الجماهيرية

Partager

ستظل العودة إلى مفهوم « الربيع العربي » عملية مستمرة للدرس والتحليل والاستنتاج، لأن النتائج النهائية لم تظهر بعض بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية. لم يكن هذا المفهوم من اصطلاح الجماهير العربية، ولا من حكامها، وإنما هو من اصطلاح الدول الإمبريالية التي تخدع هذه الجماهير وتضللها، زاعمة أن ربيعها قد حل، وتتواطأ مع أنظمتها من أجل تقبل هذا المفهوم الملتبس الذي لا علاقة له بالواقع الحقيقي. وتبين الأحداث والوقائع منذ انطلاقته أن الجماهير العربية لم تبتدع هذا المفهوم، بل إن المصطلح المتداول لمضمون « الربيع العربي » يحمل نقيضه، فما يحدث ليس ربيعا ولا شبيها بالربيع، بل هو شتاء زمهرير أو برد قارس. وحتى لو كان الافتراض بأنه يحمل بعض سمات الربيع، فإنما هو كذلك بالنسبة للدول الإمبريالية والاستعمارية. إذ الحقيقة أن ما يجري في إطار هذه التسمية لا يتعلق بالشعوب، أيا كانت، وإنما يتعلق بالطبقات المالكة والحاكمة والمستغلة، وخاصة حكام الدول الإمبريالية وأعوانها.

ومع ذلك، فظاهرة « الربيع العربي » قد عرفت الذيوع والشيوع في مختلف وسائل الإعلام، وخاصة القنوات الفضائية الإمبريالية والرجعية، بيد أنها لا تعكس الواقع الفعلي، بل يمكن القول بأنها تزور الواقع وتشوه مضمونه. ومن ثم ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة نظرة موضوعية بغاية التعرف على سماتها وخصائصها، وبالتالي إدراك أهدافها وغاياتها الحقيقية.

إن النظر إلى الظاهرة من حيث وجودها الواقعي وليس الظاهري، ومحاولة تحليل طابعها الجوهري، يمكن الباحث من أن يستخلص ثلاث خصائص رئيسية تتميز بها، انطلاقا من توصيفها الواقعي الملموس. وبهذا الصدد يمكن رصد هذه الخصائص والسمات فيما يلي:

السمة الأولى هي التعبير عن الخداع والتضليل، أي الخداع الممارس من قبل من كان السبب في تسميتها ومن له المصلحة في هذا التوصيف. فالظاهرة من تسمية الإمبريالية أو بإيحاء منها. ولما كانت الإمبريالية تسعى من وراء تسميتها إلى هدف يلبي مصالحها هي، وبما أن مصالحها تتناقض تماما مع مصالح الشعوب، فإنه يترتب على ذلك ضرورة أنها لا يمكن أن تدخل في مجريات الأحداث وتوجيهها بهدف خدمة الشعوب، بل تهدف إلى نهبها واستنزافها، على أن القوى الإمبريالية لا تعبر عن أهدافها على المكشوف، بل تتستر الإمبريالية على هدفها الحقيقي، ولذا تلجأ إلى الخداع والتضليل وتصور نفسها وكأنها تهتم بمصلحة الشعوب وحريتها وديمقرطتها، وهي لذلك تتجرأ، إمعانا في الخداع والتضليل، إلى حد الادعاء أن هذا الحاكم أو ذاك من الحكام غير المرغوب فيهم من قبلها، أي الحكام المعادون لمصالحها واستراتيجيتها الحيوية، أنهم حكام فقدوا شرعيتهم، أو أنهم لا يمثلون شعوبهم، وبالتالي عليهم الرحيل، فقد واجهوا احتجاجاتها بالقتل والقمع. وهذه أكذوبة لا يصدقها أحد ممن مكنهم وعيهم إدراك مصالح الإمبريالية إدراكا صحيحا، فالاضطرابات التي تتسبب فيها حفنة من عملائها، تواجهها السلطات الحاكمة في هذا البلد أو ذاك تسمىها الإمبريالية « عنفا وتقتيلا وقمعا »، بينما عندما تقع حوادث ومظاهرات واحتجاجات من قبل أغلبية سكانها حول مشكلة من المشاكل الأساسية مثل ما يجري في البحرين، تعتبر القوى الاستعمارية والإمبريالية والسلطات الاستبدادية ذلك فوضى، ومساسا بالاستقرار، ومن ثم تتصدى لقمع مثل تلك الاحتجاجات وتوصيفها بكل الأوصاف والنعوت القبيحة. إن الإمبريالية لا تتورع في أن تكيل بمكيالين في تقييمها لما يجري في المنطقة العربية والإفريقية، فما يحدث، على سبيل المثال، في مالي هو إرهاب وتطرف، لا لأنه كذلك، بل لأن الإمبريالية الفرنسية تريد، تحت هذه الذريعة، أن تهيمن على ثروات مالي- مستعمرتها القديمة- وتواصل استغلال مواردها الغازية والمعدنية (اليورانيوم) والطاقية. هذه الثروات التي تستغلها الشركات الفرنسية وتريد أن تحتكر الاستثمار فيها في إطار إعادة تقاسم ثروات الشعوب من قبل الإمبريالية. ولكن عندما تقع هذه الأحداث أو الاضطرابات في سوريا، تعتبرها فرنسا الإمبريالية وغيرها من الإمبرياليات ثورة، ثورة الشعب السوري على استبداد النظام البعثي وعلى وحشية الأسد. ونفس الشيء بالنسبة للولايات المتحدة، فوجودها العسكري في أفغانستان في إطار حلف الناتو، أو في العراق في إطار قوات التحالف الدولي إنما هو من أجل مكافحة الإرهاب والنضال ضد الطالبان والقاعدة، ولكن الوجود السوفياتي في سنوات الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي في أفغانستان لدعم حكومة يسارية بموجب قرارات الأمم المتحدة هو وجود استعماري في عرف القوى الإمبريالية. وهنا ينجلي الرياء والنفاق الإمبريالي، ويزداد هذا الرياء انكشافا وتجليا عندما تتواطأ هذه القوى الإمبريالية مع الحكام المستبدين الموالين لها في بلدان ما يسمى بـ « الربيع العربي ».

وتلك هي السمة الثانية، التي تتجلى في أن هؤلاء الحكام الذين ينفذون أوامرها، يقدمون كل الدعم والتأييد لأعوانها، مقابل حماية عروشهم الاستبدادية والقروسطية، فيسارعون إلى دعم المجموعات الإرهابية المتمردة بكل أنواع الدعم، في حين تتولى الإمبريالية مهمة التوجيه والإشراف وتقديم الخبرة العسكرية والسياسية لهذه الحركات المصطنعة والمفبركة. وتقتضي السيناريوهات الموضوعة أن الحكام الرجعيين وأنظمتهم الاستبدادية، وخاصة في ممالك الخليج الثيوقراطية يتحملون الأعباء والنفقات على الأسلحة وعلى العتاد وعلى تموين اللاجئين، ومن ثم يتحقق المثال الشعبي « من لحيتوا بخرلوا »، أي أن الشعوب هي التي تدفع ثمن قمعها واستلاب خيراتها.

والسمة الثالثة هي أن العديد من الحركات التي وقعت في البلدان العربية هي حركات مزدوجة، فهي حركات شعبية من جهة، وهي حركات عفوية فعلا، أي أن البلدان العربية حبلى بالحركات الشعبية، بل هي تتنامى وتتكاثر، ولكن بصورة عفوية. صحيح أنها ليست متساوية من حيث الأهمية والمضمون، فبعضها جاءت احتجاجا على أنظمة قمعية موالية للإمبريالية مثل ما هو في تونس ومصر واليمن والبحرين، وبعضها قامت في أنظمة معادية للإمبريالية، وإن لم تشكل نموذجا إيجابيا للشعوب، كما هو الأمر في ليبيا وسوريا. وبعض البلدان مازالت تحظى بنزكية من الإمبريالية، ولكنها مرشحة للقيام بحركات مناهضة لها. وبعض الحركات تقمع، لأنها ضد الأنظمة القمعية والاستبدادية الموالية للإمبريالية، مثل دول الخليج الرجعية الثيوقراطية.

وهذا لا يعني أن عمال وشعوب هذه البلدان ليس ت في حاجة إلى ربيع أو ثورات، بل هي مرشحة بصورة موضوعية إلى أن تقوم بهذه الثورات، ما ينقصها فقد هو الوعي والتنظيم أو العامل الذاتي، بل إن بض شروط العامل الذاتي قد أخذت الشعوب تعيها وتستوعبها مثلما هو الأمر في تونس ومصر والجزائر وسوريا، وبعض البلدان لا بد أن يتطور وعيها إلى مستوى الوعي الثوري أو أن تتحول أزمتها إلى وعي ثوري يعصف بنفوذ القوى الإمبريالية وبحكامها الرجعيين، وعنذئذ ستعيش هذه الشعوب ربيعها الحقيقي أو ثوراتها الحقيقية وليس الثورة المضادة. وليس الأمر ببعيد، بل إن ه أمر قريب، صحيح أننا لا يمكن بالضبط متى تقوم هذه الثورات، ولكنها آتية لا ريب فيها.

إبراهيم أبو خليل 31 مارس 2013


Nombre de lectures: 168 Views
Embed This