DzActiviste.info Publié le jeu 3 Jan 2013

سورية، بوابات الجحيم وبصيص الأمل

Partager

عاشت سورية واحدة من أقسى سنواتها في التاريخ المعاصر، وامتد القتال إلى مدينتي حلب ودمشق. وتشير التقارير الدولية إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وإلى دمار كبير في البنية التحتية. وعجز طرفا الصراع عن الحسم العسكري، ورغم عشرات المبادرات فإن العالم ظل عاجزا عن التوافق على حل يضع حدا للمأساة السورية لتعبر إلى العام 2013 كأحد أصعب التحديات العالمية.

وأعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من ستين ألف شخص قتلوا في سورية منذ بداية الاحتجاجات على حكم الرئيس السوري بشار الأسد في منتصف مارس/ آذار 2011. وكشفت تقارير سابقة أن 90 في المئة من القتلى قضوا نحبهم في العام الحالي 2012، ما يشير بوضوح إلى تصاعد وتيرة العنف. الأرقام تكشف أيضا أن 750 ألف سوري سجلوا في قيود اللاجئين في دول الجوار، ومثلهم لم يسجلوا أنفسهم، إضافة إلى ما بين 5 و7 ملايين نازح داخلي.

تعثر الجهود الدولية للحل

وتعثرت الجهود العربية والدولية لوقف نزيف الدم السوري. وبدا في نهاية العام أن الولايات المتحدة فوضت روسيا من أجل التوصل إلى حل يغدو التوصل إليه أصعب وأصعب مع استمرار القتل، وتوسع المعارك والتدخلات الخارجية. ورغم سيل المبادرات والتصريحات الداعية إلى حل سياسي في الشهر الأخير مع ترسخ القناعة بأن أيا من طرفي الصراع لن يستطيع الحسم عسكريا، فإن انطباعا يتولد بأن الجهود الدولية عادت إلى المربع الأول. وتحتاج إلى معجزة لتحريكها في جولة مفاوضات جديدة بين روسيا والولايات المتحدة يتم الحديث عن عقدها في منتصف الشهر الجاري.
وتكشف تصريحات المبعوث الأممي العربي المشترك الأخضر الإبراهيمي عن حجم المأزق الدولي. فقد حذر في نهاية العام الماضي من أن انسداد الأفق السياسي ينذر بالانهيار الكامل للدولة السورية. وأوضح الإبراهيمي أن هناك « أمرين إما حل سياسي يرضى عنه الشعب السوري ويحقق رغبات الشعب السوري أو تتحول سورية إلى جحيم ». لكن الدبلوماسي المخضرم أبقى بصيصا من الأمل عندما أكد في الساعات الأخيرة من العام المنصرم أن « الحل يجب أن يكون قبل الذكرى الثانية لبدء الأزمة »، لافتا إلى أن « الحل ممكن ولكن يزداد صعوبة كل يوم ولو تم التعامل في سنة 2011 لكان أسهل بكثير اليوم. لا شك أنه أصعب بكثير لكنه ممكن .. ممكن جدا ».

ورغم سيل الانتقادات الموجهة إلى الدبلوماسي الجزائري من جميع أطراف الأزمة فإنه يسعى جادا إلى إيجاد حلول في مهمة « شبه مستحلية » في ظل وجود انقسام إقليمي ودولي واضح عطل مهمة سلفه كوفي عنان الذي استقال نهاية الصيف الماضي.

ولم يكشف الإبراهيمي عن خطة متكاملة، ويحاول التوفيق بين الأطراف الخارجية لإرث خطة كوفي عنان ذات النقاط الست التي لم توصل سورية إلى بر الأمان، إضافة إلى اتفاق جنيف في 30 يونيو/جوان 2012 الذي حدد رؤية الأطراف المعنية بالصراع السوري لأرضية الحل والعمل على تهيئة الظروف للمرحلة الانتقالية.

ومع الكلفة الباهظة للأزمة السورية والتوقعات بارتفاع فاتورة الدم والدمار والنزوح، فإن الإبراهيمي يخوض مفاوضات شاقة من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الاختلاف في التأويلات الذي ساد بعد اتفاق جنيف حول طبيعة الفترة الانتقالية، ودور الرئيس الأسد فيها.

وبدأ العام بإرسال مراقبين عرب انتهت مهمتهم سريعا، ومراقبين من الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار بمقتضى خطة عنان، لكن عدم التقدم في تنفيذ أي بند من بنود الخطة، وتصاعد العنف اضطر المراقبين الدوليين إلى تعليق عملهم منذ منتصف يونيو/جوان 2012 ليخرجوا بعدها نهائيا بعد نحو شهر.

ومن النقاط الدبلوماسية الهامة في الأزمة السورية إشهار روسيا والصين الفيتو المزدوج مرتين في العام الحالي، ما تسبب في الإضرار بالعلاقات بين الطرفين رغم استمرار الطرفين في الحوار في أكثر من لقاء على مستويات عدة بين جامعة الدول العربية ووزارة الخارجية الروسية وعلى صعيد الزيارات الثنائية لبلورة أسس للحل. كما عقد 5 مؤتمرات لـ « أصدقاء الشعب السوري » واعتراف أكثر من 100 دولة بالائتلاف السوري للمعارضة وقوى الثورة الذي تشكل في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

انشقاقات في النظام وتصفيات لم تغير توجهاته

وتواصل انشقاق مئات الضباط من الجيش السوري والمؤسسات الأمنية. ورغم انشقاق عشرات الضباط الكبار فإن الأضواء تركزت على انشقاق العميد مناف طلاس نجل وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس وأحد المقربين من الرئيس الأسد، وكذلك رئيس فرع المعلومات بالأمن السياسي في دمشق العقيد يعرب الشرع ابن عم فاروق الشرع نائب الرئيس. وسياسيا كان شكل انشقاق رئيس الوزراء رياض حجاب ضربة قوية للنظام. ودبلوماسيا انشق عدد من الدبلوماسيين الفاعلين والمتقاعدين كان أبرزها نواف الشيخ فارس السفير السوري لدى بغداد والذي عمل طويلا في الأجهزة الأمنية في حقبتي الأسد الأب والابن. ومازال مصير انشقاق الناطق باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي مجهولا، إذ تؤكد الخارجية أنه في إجازة، بينما يقول آخرون إنه غادر سورية إثر خلافات. ولم يتضح حتى الآن مكان وجود مقدسي.

وعلى عكس الانشقاقات الكبيرة التي ميزت المشهد الليبي فإن الجسم السياسي والدبلوماسي ظل متماسكا. وحافظ الجهاز الأمني والعسكري الضيق المحيط بالرئيس الأسد على تماسكه رغم الضربة القوية التي تمثلت في استهداف « خلية الأزمة » في منتصف يوليو/ تموز وأسفرت عن مقتل آصف شوكت صهر الرئيس السوري بشار الأسد، ووزير الدفاع داود عبد الله راجحة، وحسن توركماني معاون نائب رئيس الجمهورية، ورئيس مكتب الأمن القومي هشام بختيار، وإصابة وزير الداخلية محمد الشعار.

الرئيس السوري اعتبر أن الانشقاقات هي « هروب »، لأن الانشقاق يكون في الداخل. وتبنى الجيش والقوى الأمنية نهجا أكثر تشددا في التعامل مع المناطق الثائرة. ولجأ إلى أساليب فاقمت الأزمة وزادت أعداد القتلى في شكل واضح.

دمشق وحلب تدخلان بقوة

بعد انتظار طويل دخلت دمشق بقوة على خط الحراك المتواصل منذ مارس/آذار 2011، واستطاع النظام إحباط « زلزال دمشق » الذي تلا استهداف خلية الأزمة، لكنه لم يستطع فرض سيطرته كاملة على مناطق واسعة من ريف دمشق. كما أعلن الجيش الحر في نهاية يوليو/ جويلية معركة تحرير حلب. وتصدرت العاصمتان السياسية والاقتصادية لسورية المشهد السوري في نصف السنة الأخير. ولم يستطع أي طرف منهما حسم المعركة. فرغم زيادة أعضاء الجيش الحر والحركات الجهادية وسيطرتها على مناطق واسعة في ريف المدينتين وعدد من أحيائهما إلا أن احتفاظ النظام بقوته في الجو والقدرات الصاروخية جعل هذه السيطرة نسبية. وتواصلت معارك الكر والفر بين الجانبين حتى نهاية العام دون أن يستطيع طرف إنهاء خصمه، رغم تكرر الحملات لأكثر من منطقة أكثر من مرة، وإعلان المعارضة سيطرتها على مناطق استراتيجية في هذا المكان أو ذاك. ومع دخول المدينتين على خط القتال ارتفعت أعداد اللاجئين والنازحين في شكل كبير، وأتت المعارك على أحياء بكاملها في المدينتين وبلدات ومدن في ريفيهما مع استخدام مختلف صنوف الأسلحة الفتاكة.

ومن التطورات الميدانية اللافتة في العام الماضي سيطرة المعارضة على معظم المعابر الحدودية على الحدود مع تركيا والعراق، وما رافق ذلك من زيادة تدفق الأسلحة والمقاتلين إلى المناطق الشمالية والشمالية الشرقية التي بات النظام فيها أضعف بكثير. كما يؤكد الجيش الحر ومعارضو الأسد أنهم باتوا يسيطرون على معظم مناطق الريف السوري وخصوصا في حماة وإدلب والغوطة الشرقية في ريف دمشق.

المعارضة دون المستوى المطلوب

يجمع الخبراء من مؤيدي الرئيس الأسد ومعارضيه على أن المعارضة لم ترق إلى المستوى المطلوب. وتباينت وجهات النظر بين معارضة داخلية وأخرى خارجية. وبعد ضغوط متواصلة من أجل تشكيل جبهة معارضة موحدة تشكل « الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية » في الدوحة. لكن الائتلاف لم يضم جميع القوى المعارضة وأهمها هيئة التنسيق، ولم يستطع الائتلاف تشكيل حكومة انتقالية رغم الدعم الكاسح الذي ناله عقب مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في مراكش. كما شهدت علاقة الائتلاف مع الولايات المتحدة أول خلاف علني عندما رفض الائتلاف إدراج « جبهة النصرة » في قائمة الإرهاب، ورفض رئيس الائتلاف دعوة وجهت له من موسكو للحوار. ورغم اتفاق القوى الرئيسة للمعارضة السورية على ضرورة إسقاط نظام الأسد إلى أنها تختلف في السبيل إلى ذلك وبدا كأنها تريد اقتسام « فرو دب حي قبل اصطياده ».

سيناريوات مظلمة

تسبب انتشار الاقتتال في مناطق واسعة من سورية إلى توقف شبه تام لعجلة الاقتصاد في هذه المناطق، وتراجعت قيمة العملة الوطنية إلى نحو النصف، وتعاني سورية نقصا حادا في المواد الغذائية والوقود اللازم للتدفئة وحركة السيارات. وبات أكثر من ربع سكان سورية في حاجة ماسة للمساعدة التي يعطلها الاقتتال. وتقف البلاد على حافة مأساة إنسانية مع تواصل انقطاع الكهرباء، والماء عن معظم المناطق. وللدلالة على مآلات الوضع في الجانب الإنساني يمكن العودة إلى تسمية جمع التظاهرات ففي جمعتهم الأولى اختار النشطاء المعارضين تسمية « الخروج إلى ساحات الحرية »، فيما أطلقوا على آخر جمعة من العام  » جمعة الخبز والدم ».

وميدانيا يزداد احتكام المعارضة والنظام إلى السلاح للقضاء على الآخر. ومع احتدام المعارك والأنباء عن سيطرة المعارضة على مساحات أوسع في البلاد، وإصرار الرئيس الأسد على « مواجهة المؤامرة » والإصرار على البقاء في سورية فإن السيناريوات تبدو مظلمة جدا وتنذر بتطورات أكثر دموية، فإصرار النظام على المقاومة وتجميع قوته في دمشق، وقناعة المعارضة بأن السقوط لا يتم إلا في حال سقوط العاصمة قد يتسبب في تدمير أقدم مدينة مأهولة في العالم، وموجات هروب جماعية من الاقتتال إلى مناطق أقل خطرا أو إلى دول الجوار. وفي السيناريوات الأخرى فإن الحديث يتزايد عن خيار انكفاء النظام إلى جيب علوي في اللاذقية وطرطوس مع ممر إلى لبنان وهذا يعني أن المنطقة مقدمة على تقسيم سورية إلى دويلات على أساس طائفي « دويلة علوية » و »دويلة كردية » في أقل تقدير من جهة، ومن جهة أخرى اشتعال حرب طائفية في منطقة الساحل وريف حمص الملاصق للحدود اللبنانية، والمنطقة الممتدة من شمال حمص على حدود سهل الغاب، إضافة إلى مواجهات إثنية بين الأكراد والعرب من عفرين إلى الحدود العراقية التركية السورية المشتركة.

ولا يستبعد انخراط أطراف إقليمية في الصراع على سورية للحفاظ على مصالحها ودعم فئة على حساب أخرى، كما تنذر الأجواء بانتقال الصراع إلى دول الجوار.
ومن أشد السيناريوات المظلمة الانهيار المفاجئ للدولة السورية الذي يزداد قتامة مع عدم وجود جسم مركزي موحد يضمن الحدود الخارجية والأمن في الداخل، واشتداد سطوة « أمراء حرب » من الجانبين تقوم بأعمال انتقام وسلب ونهب وقتل.

على العالم إنقاذ سورية

في آخر تصريحاته في العام الماضي قال الإبراهيمي إن الحل قادم قبل الذكرى الثانية للأحداث في سورية. فيما ودع كثير من السوريين العام بالبكاء على قتلاهم وأطلال بيوتهم. وطوت بلاد الشام واحدة من أقسى السنوات في تاريخها المعاصر فقدت فيها عشرات ألوف القتلى ومئات ألوف الجرحى. وتشرد الملايين بعدما باتت مئات ألوف البيوت أثرا بعد عين أو غير صالحة للعيش فيها. وهام ملايين السوريين نازحين يطلبون الأمن ويتنقلون من مكان إلى آخر تصيب القذائف بعضهم ومن ينجو تكتب له حياة جديدة مع الشقاء والتعب. وعبر مئات الألوف من السوريين الحدود إلى دول الجوار وباتوا لاجئين يعيشون في خيام لم تقهم من حر الصيف ولم توفر لهم الدفء في شتاء قارس. وخلفت المأساة السورية صورا لن تمحى من الذاكرة لعشرات السنين المقبلة لمشاهد القتل والقصف.

المأساة طالت كل بيوت السوريين مؤيدين ومعارضين، وينذر تطور الأحداث بالأسوأ. وعلى المجتمع الدولي التكفير عن تأخره في التعامل مع الأزمة السورية والتوصل إلى توافق يضغط من أجل وقف الاقتتال، والانتقال إلى سورية جديدة تختلف جذريا عما كانت عليه قبل 15 مارس/آذار، ولا بد من الإشارة إلى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.

سامر إلياس

روسيا اليوم

3 جانفي 2013

ملاحظة:

المقالة تعبر عن رأي كاتبها، وهيئة تحرير « الجزائر الجمهورية » لا تتبنى بالضرورة رؤية الكاتب ومضمون مقالته.

3 جانفي 2013


Nombre de lectures: 253 Views
Embed This