DzActiviste.info Publié le jeu 2 Mai 2013

سورية… الأزمة وقائمة الأصدقاء

Partager

قيل وكتب الكثير عن البعد الاقتصادي الكوني للصراع الدامي في سورية اليوم، وتوجد الكثير من الدراسات والتحليلات التي تفسّر هذه الشراسة الدموية في المضي بالشوط إلى نهايته، مهما كلّف الأمر من مجازر وفواجع إنسانية، حتى لو وصل الأمر إلى دمار البلاد وإفناء العباد. كذلك كتب الكثير عن صفقات النفط والغاز في المنطقة، التي سيكون الفائز بها هو من سيضع القرن الحادي والعشرين في جيبه، ببساطة. وهناك من أعاد مجمل الموقف الاستراتيجي الروسي إلى هذا البعد الاقتصادي البحت.

شخصياً لست معنياً بهذا البعد، وأتركه لأصحاب الاختصاص من الاقتصاديين، فما يعنيني أساساً من هذا البحث كله هو رصد معالم تلك الرجّة المأسوية الحادة التي عاشها بلدي منذ العام 2011، وما رافق ذلك من جرح غائر في الجسد السوري، ما زال ينزف حتى اللحظة.

وبالتأكيد فإنه، بعد أن يندمل، سيخلف ندوباً ظاهرة، ربما تحتاج إلى زمن طويل قبل النجاح في نسيانها تماماً.
ومن هنا رحت أفتش عن الأبعاد الإنسانية والأخلاقية، وأحياناً العاطفية أيضاً، لم لا؟ لهذا الصراع المتشعّب والمعقّد على الأرض السورية. أي بالضبط عن تلك الأبعاد التي يغيّبها بالكامل، الإعلام الخارجي المتواطئ، والتي يعدّها الجميع في ذيل قائمة الاهتمامات، فيسارعون للتنقيب عن الأبعاد السياسية، العسكرية، الاقتصادية، متغافلين – عن سابق تعمد وإصرار- عن الجوهر الإنساني خلف تلك الدماء المراقة، والعنف المنفلت من عقاله، والتآمر الصريح على الدم السوري من طابور الأعداء الطويل.

ومع الاعتراف وتأكيد أهمية المصالح الاقتصادية والسياسية، وتصاعد (لعبة الأمم) من جديد في منطقتنا، إلاّ أنني، إذ أراقب الموقف الروسي الحازم إلى جانب سورية، والتصاعد المستمر في اللهجة الروسية بوجه قطيع الذئاب الغربية، واتساع دائرة الرفض الروسي لاستهداف سورية، من القمة إلى القاعدة، من القيادة السياسية إلى الأحزاب الكبرى والبرلمان الروسي، إلى مراكز الاستشراق والاستعراب، ومراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية، إلى بقية النخب الثقافية والسياسية والإعلامية والفكرية، إلى عموم الشارع الروسي..، فإنني لا أستطيع التغافل عن ذلك المسار الطيب والطويل الذي قطعته العلاقات السورية- الروسية، وكذلك العربية- الروسية، على امتداد زمن طويل، يصل إلى القرن تقريباً. كما أنني لا أستطيع التغافل عن حقيقة ثابتة لم ينتبه إليها الكثيرون رغم دلالاتها الكبيرة، وهي أن هذه الأزمة تشير إلى أنها المرة الثالثة عبر قرن من الزمان، تتدخل فيها روسيا لصالح سورية، وربما كان الأصح أن نقول إن روسيا تدخلت بالضبط لإنقاذ سورية .

كانت المرة الأولى بعد اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة (1916)، التي كانت روسيا (القيصرية) شريكاً ثالثاً فيها، ولكن بعد عام واحد اندلعت الثورة البلشفية المشهورة (1917) فعمدت، على الفور، إلى تصفية الإرث الإمبراطوري القيصري، وكان أن فضحت بنود تلك الاتفاقية السرية للعرب أجمعين. ولكن الوعي التاريخي المغيّب آنذاك، لم يتح للنخب العربية (البائسة) إمكان تدارك الكارثة قبل وقوعها. فنجح المخطط وأصبحت سورية أربع دول، كما ضاع جزء خامس وعزيز منها في الجغرافيا التركية الشاسعة (لواء الأسكندرونة). خاصة بعد أن سلمت تلك النخب زمام أمورها، ومصير المشرق العربي بأكمله، لعائلة بدوية متخلفة وفاسدة، عميلة للبريطانيين، وهي عائلة الشريف حسين وأولاده، الذين كان همّ كل منهم الوحيد، اقتطاع ولو جزء يسير من هذا الهلال الخصيب، ليعلنه إمارة قروسطية ويتربع على عرشها. فهي عائلة مهووسة بالعلو، ولو كان على خازوق، كما يقول مثلنا الشعبي.

وكانت المرة الثانية خلال أزمة (1957) المعروفة، والتي تكاد أزمة اليوم تكون نسخة كربونية عنها، إذ وصل التآمر الخارجي إلى ذروته، ومن طابور الأعداء الطويل ذاتهم (باستثناء مشيخات الخليج الكرتونية التي لم تكن قد ولدت بعد). وحشدت تركيا جيوشها على الحدود، وكذلك فعل عراق نوري السعيد، والأردن الهاشمي، ولبنان كميل شمعون، ووصل الأسطول السادس الأمريكي إلى الشواطئ الشرقية للمتوسط. وفي إسرائيل كان بن غوريون يزعق: « لم يعد هناك أدنى فارق يذكر بين روسيا وسورية ». وكانت السعودية -كعادتها – تتآمر بذريعة الخوف على سورية من الوقوع في قبضة الشيوعية.

في الواقع كانت سورية تغلي بالفعل، إنما ذلك النوع من الغليان الخصب الذي يشير إلى حيوية سورية وفرادتها وامتيازاتها عن محيطها الغارق في سكونه التاريخي البليد، وفي كهوفه القروسطوية. كانت الديمقراطية في أوجها (وهي التي عاشها محمد عابد الجابري تلميذاً في قسم الفلسفة بجامعة دمشق، ووصف دمشق آنذاك بأنها تشبه أثينا في عهد بريكلس). وتسيّدت القوى التقدمية الموقف على الأرض، وتوزعت على تيارين أساسيين: الشيوعيين والقوميين العرب. وأمام طابور الأعداء الطويل ذاك التفت السوريون حولهم فلم يجدوا حلفاً موثوقاً سوى الاتحاد السوفيتي ومصر عبد الناصر « الذي كان قد اكتشف لتوّه فضائل الفكرة العربية وأهميتها لمصر ». وحسمت الموقف آنذاك النخبة العسكرية من الضباط، المنتمين إلى التيار القومي، حينما ركبوا الطائرة إلى القاهرة، ليضعوا مفاتيح سورية في يد عبد الناصر. وبدلاً من فكرته باتحاد البلدين، فرضوا عليه الوحدة الاندماجية الفورية، ووافقوا -بالمقابل- على شرطه بحل جميع الأحزاب السياسية في سورية. وها نحن أولاء في عين العاصفة ولما يكتمل القرن على العاصفة الأولى. وهاهو ذا طابور الأعداء ذاته قد أضيفت إليه قوى كثيرة لم تكن موجودة سابقاً، وقد تصلّب عوده واستشرس أكثر فأكثر لتحطيم هذه الجوزة السورية التي يظنها الجميع طرية في البداية، كما تبدو للناظر إليها من بعيد. وما إن يهمّ ثعلب أو ذئب أو فأر ما بقضمها وكسرها حتى يفاجأ بصلابتها الشديدة، فيزداد شراسة ويعيد المحاولة كرة أخرى، لينتهي الأمر بكسر أسنانه هو، في حين تبقى الجوزة على صلابتها كما كانت دائما.

وهاهو ذا الحليف الروسي الموثوق يتقدم – للمرة الثالثة- لحماية سورية بالذات. وهو الذي أغمض عينيه متغافلاً عن قطعان الذئاب الغربية وهي تغرز أنيابها في اللحم الأفغاني والعراقي والليبي الحي، تنهش وتنهش ولا تشبع، وتشرب الدماء ولا ترتوي، كان الروسي مشغولاً بتضميد جراحه الكثيرة، ولكن ها هو ذا ينتفض أمام ذهول العالم كله، حينما تعلَّقَ الأمر بسورية.

إذن فإن روسيا تدخلت ثلاث مرات خلال قرن واحد لحماية الوطن السوري، وفوق ذلك قدمت لسورية على الدوام العتاد الحربي ومختلف صنوف الأسلحة المتقدمة، التي أتاحت لسورية ردع العدوان الإسرائيلي، وتالياً تحجيم المشروع الصهيوني، وتحقيق انتصارات عسكرية طيبة في مواجهات عدة، أبرزها حرب 1973. وهي كذلك من نفذ المشاريع العملاقة في سورية، وعلى رأسها سد الفرات. وهي التي درس في جامعاتها، مجاناً، عشرات الآلاف من المهندسين والأطباء والصيادلة والمخرجين والمثقفين السوريين، على امتداد عقود طويلة. وعاد معظمهم بزوجات روسيات يعشن بيننا، وقد أنجبن أطفالاً يعدون اليوم بعشرات الألوف، من الذين يحملون جنسيتي البلدين الصديقين، ويضيفون مذاقاً طيباً وجميلاً لثقافة سورية التعددية.

إذن فإنّ خلفنا مساراً طيباً من الصداقة المثمرة بين شعبين وثقافتين وبلدين. وإذا كان لنا أن نضع على كفتي ميزان مكاسب كل طرف، فإن الطرف السوري سيخرج رابحاً بالتأكيد.

وعموماً فإنّ روسيا لم تربح كثيراً من علاقاتها العربية. وقد انتبه مثقفون عرب بارزون لتلك المفارقة. فكتب محمد حسنين هيكل عنها الكثير، وسبق للمفكر السوري ياسين الحافظ أن شرّح النظرة العربية القاصرة للاتحاد السوفيتي السابق، وقال إنها (تشبه خبز الشعير، مأكول ومذموم). وإن العرب (التقدميين) يندفعون لبناء علاقات طيبة مع الروس، ولكن عيونهم تكون على الغرب، والولايات المتحدة في المقدمة. وكان بالطبع يتحدث عن مصر السادات إبان طردها للخبراء السوفيات عام 1972 لكسب الرضا الأمريكي.

لقد آن لتلك المعادلات الرخيصة أن تختفي، والفرن الحامي الذي وضعت فيه سورية إبان أزمتها الراهنة، سيجعلها أنضج بكثير من قبل، وسيدفعها لحسم خياراتها نحو الشرق، وعلى نحو استراتيجي بعيد المدى.
وكذلك الأمر بالنسبة للصين التي تقدمت للمرة الأولى من حلبة الملاكمة في الشرق الأوسط، معلنة عن دخول هذه الحلبة بوصفها لاعباً أساسياً، وليس متفرجاً فحسب، كما كان الأمر في السابق. وقد سجلت موقفاً للتاريخ باستعمالها، إلى جانب روسيا، الفيتو في مجلس الأمن بوجه القطعان الغربية المسعورة. والصين تجمعنا بها علاقات تمتد جذورها لآلاف السنين، كان من أبرز محطاتها طريق الحرير التجاري الذي يبدأ بالصين وينتهي في سورية، عابراً سهوب آسيا الشاسعة. ويقوم توافقنا معها على مشتركات كثيرة، في الثقافة والتراث وتعاقب الحضارات والأديان والاقتصاد.. إلخ، وقد باتت اليوم حليفاً موثوقاً يُعتدُّ به، ويجعل سورية تلتفت شرقاً باطمئنان.

أما بخصوص إيران فقد شهدت علاقة سورية بها تنامياً مطرداً عبر العقود الثلاثة الفائتة، منذ انتصار ثورتها الكبرى. وهي العقود ذاتها التي تعرَّض فيها الطرفان لامتحانات عسيرة، خرجا منها أشد صلابة وأكثر قوة في كل مرة. وها هما اليوم أمام امتحان جديد أثبتت فيه إيران صدقيتها مجدداً، بوقوفها إلى جانب سورية حتى النهاية. ففي الوقت الذي كانت فيه فئران مجلس التعاون الخليجي تهرع لتنفيذ أوامر الذئب الأمريكي، فتصدر القرار تلو القرار بهدف محاصرة سورية اقتصادياً وتجويع شعبها، وفي الوقت الذي كان فيه الثعلب التركي يسن أسنانه استعداداً للوليمة السورية الشهية، والكل يتسابق على اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد سورية، في هذا الوقت كان مرشد الثورة الإيرانية الإمام علي خامنئي يعطي توجيهاته للحكومة بدعم سورية بمختلف السبل، وكان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يصدر قراراً باستيراد البضائع السورية بصيغ تفضيلية، وبقيمٍ تصل إلى مليار دولار، لدعم الليرة السورية والاحتياطي السوري من القطع الأجنبي، ومنع الانهيار.

مجمل هذه المواقف تدفع سورية للاتجاه شرقاً اليوم، وكذلك بعد انتهاء الأزمة. وبالتأكيد سيكون ذلك توجهاً سليماً، ليس فقط من باب رد الجميل للأصدقاء والحلفاء الموثوقين، وإنما لأن خط التاريخ يسير شرقاً من جديد، وسنكون رابحين حتماً إن سلكنا هذا الاتجاه.

فجميع المؤشرات، من الصعود الصيني والآسيوي عموماً، إلى استعادة روسيا لمكانتها الدولية، إلى بروز أقطاب جديدة في هذا العالم، من الهند إلى البرازيل وأمريكا اللاتينية إلى جنوب إفريقيا، إلى تعمق أزمة الغرب بشقيه الأوربي والأمريكي، والتهديد الحقيقي لمستقبل اليورو والدولار، والاحتمال الكبير لغرق الطرفين في أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

مجمل هذه المؤشرات تشير إلى اقترابنا من لحظة استعادة التوازن القطبي في هذا العالم من جديد، وقرب نهاية عصر البلطجة الأوربية والأمريكية إلى الأبد هذه المرة.
ومن هنا فإن اتجاهنا شرقاً سيكون اندغاماً في خط التاريخ الصاعد، لا أكثر ولا أقل.

عن صحيفة النور السورية

العدد 577 / 30 أفريل 2013

تعليقات:

رغم عدم موافقتنا على بعض الطروخات الواردة في المقالة مثل رؤية السوريين لنوعية الوحدة وموقف عبد الناصر وشروطه لإقامة الوحدة الاندماجية بين البلدين، وقبول السوريين لهذه الشروط، والدعم الإيراني لسوريا، بالإضافة إلى أفكار لا يصعب على التقدميين إدراكها، على الرغم من ذلك، فإن مضمون المقالة يحطب في حبل التصدي للإمبريالية وإفشال مناوراتها، وبالتالي ننشر المقالة، وندعو إلى فتح النقاش حولها.

الصحفي محمد علي

30 أفريل 2013


Nombre de lectures: 236 Views
Embed This