DzActiviste.info Publié le mer 20 Fév 2013

سيرغي لا فروف : لايمكن أن يفرض قسرا الطراز الغربي للديمقراطية واقتصاد السوق على بلدان ذات تقاليد عريقة

Partager

ها هو نص حديث سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا الاتحادية إلى هيوبرت سيبيل من أجل الفيلم الوثائقي حول سورية والذي بثته قناة التلفزيون الألمانية ARD في يوم 13 فبراير/شباط/ فيفري 2013 . وإنه لمن الأهمية بمكان إعادة نشر هذه المقابلة من أجل تعميم الفائدة، وننبه قراءنا الكرام أنه يوجد اتفاق واختلاف في أن واحد في وجهة النظر بالنسبة لمضمون الحديث مع توجهات الجريدة، والقراء بحكم خبرتهم وحنكتهم يمكنهم التمييز بين أفكارنا وأفكار رئيس الديبلوماسية الروسية، فليأخذوا هذه الفروق بعين الاعتبار، وشكرا.

الجزائر الجمهورية

18 فيفري 2013

النص الكامل للمقابلة:

س – أرسلت روسيا طائرتين إلى بيروت لإجلاء الروس من سورية. هل إنها « بداية نهاية » اللعبة؟

- كلا. إننا أصدرنا بيانا حوله اليوم. وقد أوضحت الوزارة أن الطائرتين كانتا في رحلة لنقل إرسالية أخرى من المساعدات الإنسانية. ونحن قدمنا باستمرار مساعدات إنسانية إلى السوريين. وقد أبلغنا فقط المواطنين الروس القاطنين في سورية – وأغلبهم من الروسيات المتزوجات من مواطنين سوريين- بأنه تتوفر الفرصة لإجلائهم لأن بعضهم كان قد أعرب عن الرغبة في الخروج مؤقتا في هذه الفترة العصيبة من تأريخ سورية. وقد قرر حوالي مائة شخص منهم استغلال وجود الطائرتين للسفر الى روسيا بغية قضاء هذا الوقت مع أقاربهم.

س – لكن دعنا نقارن ذلك بالأرقام في سورية، فإنه يوجد هناك حوالي 8000 روسي مسجلين رسميا، كما يوجد حوالي 24000 من…

- أعتقد أن عدد الروس المسجلين أقل. وأغلبهم غير مسجلين. لقد سجل ثلاثة أو خمسة آلاف شخص، أنا لا أتذكر بالضبط، لدى الدائرة القنصلية في السفارة الروسية في سورية. ويوجد كثيرون غير مسجلين. علما أن عدد الراغبين في السفر مؤقتا بلغ حوالي المائة فقط عبروا عن رغبتهم في استخدام هاتين الطائرتين للسفر إلى روسيا. ولا يعتبر ذلك عملية إجلاء بكل معنى الكلمة.

س – هناك في تأريخ روسيا حالات أحبطت فيها قرارات هيئة الأمم المتحدة. لماذا؟.

- إن استخدام روسيا والصين حق الفيتو على ثلاث قرارات خلال فترة قصيرة كان عبارة عن رد فعل منبثق عن مسئوليتنا بموجب ميثاق هيئة الأمم المتحدة. والفيتو ليس امتيازا ما لنا، كما أنه ليس نوعا من النزوة. إن الفيتو حق راسخ لدى الأعضاء الدائمين بموجب ميثاق هيئة الأمم المتحدة. وتم الاتفاق عليه لدى تشكيلها من قبل الآباء المؤسسين بغية ألا تتكرر التجربة البائسة لعصبة الأمم التي كانت تقوم على مبدأ « بلد واحد- صوت واحد »، وبدا هذا شكليا كمبدأ ديمقراطي، لكن هذا المبدأ الخاص لم يسمح لعصبة الأمم بالعمل بصورة فعالة تماما. وكما تعلم فإن الأمريكيين لم يكونوا راضين، وخرجوا منها. إذن، لقد أصر الأمريكيون على هذا في 1943- 1945 حين جرت مناقشة مسألة قيام المنظمة الدولية في المرحلة المتوسطة من الحرب العالمية الثانية. كما أصر الأمريكيون على توفر حقوق ما للقوى الرئيسية. وهكذا فإن حق الفيتو يعكس قناعة الآباء المؤسسين بأن أي قرار لن ينفذ ولن يعطي مردوده ويتحقق كليا بدون موافقة القوى الرئيسية. ولذا فان مبدأ الفيتو مثبت في الميثاق وقبله جميع أعضاء هيئة الأمم المتحدة الذين وقعوا الميثاق وأبرموه. إذن نحن مارسنا مسئوليتنا في الحيلولة دون اتخاذ مجلس الأمن الدولي لقرارات تهدد بموجب البند السابع بفرض عقوبات، وتتضمن الخطر الواقعي في التدخل. وقد توفرت لدينا القناعة بأننا يجب أن نستند على القرارات التي صادق عليها مجلس الأمن الدولي سابقا، وقبل هذا التصويت، أي بيان رئيسه المؤرخ في أغسطس/أب/ أوت عام 2011، والذي وافقت عليه روسيا وكذلك على القرارين 2042 و2043، اللذين ثبتا المبادئ الواردة في الوثيقة الأساسية – وهي أن من الواجب أن يحل السوريون أنفسهم الأزمة، وأن من الواجب إيقاف العنف بكافة أشكاله، وأنه يجب على المجتمع الدولي أن يشجع أي حوار داخلي بين السوريين، كما ينبغي ألا يكون هناك أي تدخل خارجي. وكما قلت آنفا فإن هذا قد ثبت في القرارين اللذين تمت المصادقة عليهما على قاعدة خطة النقاط الست المعدة من قبل كوفي عنان. وقد أرسل المراقبون الدوليون إلى سورية على أساس هذه الخطة. كما عقدت على أساسها جلسات مجموعة العمل في جنيف في يونيو/حزيران/ جوان عام 2012. وقد أعدت هذه المجموعة وثيقة تمت الموافقة عليها بالإجماع تتضمن كافة المكونات الضرورية من أجل إيقاف القتال وبدء العملية السياسية. ونحن لا نتحمل الذنب في تجميد هذه الوثيقة منذ ذلك الحين، حيث أن الأشخاص الذين وقعوا هذه الوثيقة قالوا حين بدأ تطبيق بيان جنيف عمليا « هذا شئ لا بأس به، لكنه لن يتحقق قبل رحيل الأسد ». بيد أن هذا لم يكن اتفاق بإجماع الآراء الذي تم في جنيف.. وليس لكوننا ندافع عن الأسد من شعبه. كلا البتة. وبصراحة نحن لا نهتم بالأشخاص، بل نهتم بمصير الشعب السوري، وبمصير سورية كدولة موحدة ذات سيادة ومستقلة ومتعددة الطوائف والقوميات والتي كانت مهد الكثير من الأديان وفيها مختلف القوميات. وبصراحة إنهم عاشوا هناك بسلام ورخاء ووئام. طبعا إن المشاكل السياسية التي دفعت المعارضة الى الاحتجاج موجودة. ونحن لا ننكر ذلك. وقد ارتكب المسئولون العديد من الأخطاء. إنهم لم يستجيبوا الى المطالب المشروعة للمعارضة على مدى فترة طويلة. ومن ثم تحولت الاحتجاجات الى أعمال عنف من قبل الجانبين. والآن نحن نشاهد ويا للأسف تصعيد المجابهة العسكرية في النزاع الذي تكسب فيه المعارضة المزيد والمزيد من الأرض وتتلقى الدعم من الخارج. والحكومة طبعا ترد على العنف الذي تولد بدوره بسبب أخطاء الحكومة. إذن، إنها حلقة مفرغة فظيعة. ويجب علينا أن نكون واضحين بشكل مطلق ونقول: إن أي تهديدات تنطلق من مجلس الأمن الدولي ستستغل فورا من قبل من يحبذ استثارة التدخل الخارجي. وعندما يهدد أحد ما، فيجب أن تكون لديه آلية مراقبة لكي يرى كيف ستتصرف كافة الأطراف. وهناك أكثر من طرفين في سورية. والمعارضة غير موحدة، إنها تعمل ضد الحكومة بصورة متوازية مع العديد من الجماعات الإرهابية. وقد أدرجت الولايات المتحدة إحدى هذه المجموعات في قائمة المنظمات الإرهابية مما أثار احتجاجات الائتلاف الوطني للمعارضة السورية. وهكذا فنحن أمام خليط معقد جدا من الأطراف. فيجب علينا لدى القيام بأي عمل أن ندع قبل كل شئ جانبا كافة الدعاوى والمطالب وجميع الحجج وكافة الشروط المسبقة. وإذا كان مقصدنا الأول هو إنقاذ حياة البشر، فيجب علينا أن نقول لهذه الأطراف الآن: « أوقفوا القتال من دون طرح أية شروط مسبقة ». إن جميع الذين شاركوا في جنيف هم من اللاعبين الخارجيين الذين لهم تأثير على هذا الطرف أو ذاك في سورية. ويجب علينا جميعا أن ندعوهم في آن واحد إلى وقف القتال وإرسال مندوبين للتفاوض وتشكيل هيئة انتقالية وتكليفها بوضع الدستور الجديد، والتحضير لأجراء انتخابات جديدة. وهذا يعتبر الطريق الوحيد. هذا إذا ما كنا جميعا صادقين حين نقول إننا نريد إنقاذ حياة البشر وإننا لن نسمح بمواصلة العنف. وهذا كله تجسد في بيان جنيف الذي ما زلنا نعتقد أنه يمكن تنفيذه ويجب تنفيذه بدون أية شروط مسبقة. من جانب آخر فإن المهمة الأولوية لدى بعض شركائنا هي ليست إنقاذ حياة البشر بل إسقاط الأسد وإقصاءه بهذه الطريقة أو تلك. لكن الأسد لا يعتزم الرحيل. وقد قال ذلك علنا ولن يصغي إلينا والى الصينيين أو الإيرانيين وأي أحد آخر. لقد قال:

« أنا سوري، وولدت هنا، وأنا أحمي شعبي وسأموت في سورية ». إذن، اعتقد بعض الناس في هذه الظروف، وبعد سماع موقفه، أن من الواجب قبل اتخاذ أية خطوة سياسية أن يرحل، ذلك هو طبعا الموقف الموجود لدينا. لكن يجب على من يطرحون هذا الموقف أن يفهموا بأن ثمن هذا الهدف الجيوسياسي، أي إقصاء الأسد، هو سقوط المزيد والمزيد من الضحايا البشرية في سورية. إذن نحن أمام خيارين : إما أن نريد إنقاذ حياة البشر، وعندئذ يجب أن ننسى من هو المسئول في اللحظة الراهنة وأن نجلس الجميع إلى طاولة المفاوضات ، وإما أن نتجاهل حياة البشر ونهتم بموضوع مصير الأسد، وعندئذ لن يستطيع أحد عمل شئ.

س – لقد تحدثتم مع الأسد في فبراير/شباط/ فيفري الجاري. فما هو انطباعكم في تلك اللحظة؟.

- كان انطباعنا أنه غير مطلع فعليا على مجرى الأحداث. وكان يعتقد لحد ما أن التأريخ يقف إلى جانبه. وقد استجاب إلى دعواتنا لاستحثاث الإصلاحات وقال « سيتم ذلك، هذا ضمن خطتي، وهذا ضمن جدول عملي ». لكنه أعلن ويا للأسف هذه الإصلاحات بعد مرور عدة أشهر على بدء الأزمة. حسنا إن فبراير/شباط كان متأخرا من أجل إجراء الإصلاحات. ولو أعلنت الإصلاحات في صيف عام 2011 لكانت الأمور قد سارت بشكل مختلف. إن جوهر الإصلاحات مضى في الاتجاه الصحيح. وتمثلت قبل كل شئ في إقامة نظام التعددية الحزبية خلال عقود من السنين، وكذلك في إعلان الدستور الجديد من أجل نظام التعددية الحزبية هذا، وإصدار قانون حول الإعلام، وقانون الحكومة، وغير ذلك. وكما تعرف جرى الاستفتاء على الدستور، وجرت الانتخابات. والحكومة الآن مؤلفة، من الناحية التقنية، من حزب الحكومة وأحزاب المعارضة. لكن حدث هذا بصورة متأخرة. والآن طرح الرئيس الأسد في يناير/كانون الثاني/جانفي خطة جديدة دعا فيها جميع القوى الوطنية المعارضة للتدخل الأجنبي للجلوس وإجراء الحوار الوطني والمضي قدما بالإصلاحات التشريعية والتحضير لإجراء انتخابات جديدة وإعداد خارطة طريق من أجل سورية الجديدة، وقد رفضتها المعارضة. وأعتقد أن هذا خطأ. نعم، ربما أن هذه الأفكار لا تروق للجميع. ولو سألتني رأيي، فإنني أعتقد أيضا بأننا يجب أن نطرح بعض التعديلات في الخطة المقترحة. لكنها كانت خطوة تحرك إلى الأمام من قبل الرئيس الحالي في سورية تتضمن إجراء الحوار والوفاق الوطني وإنقاذ البلاد من الدمار الشامل ومن التمزق شذر مذر، كما أنها تشكل اقتراحا صيغ، بالرغم من كل نقائصه وعدم كفاءته إن جاز القول، في سياق الحوار السياسي. وعندما تقول المعارضة: « هذا هراء ولن نقبل به »، فإنهم ربما لا يروق لهم الكثير في هذا الاقتراح، وربما لا يعجبهم على الإطلاق. لكن المعارضة لا تطرح أي بديل سياسي. والشئ الوحيد الذي يوحد المعارضة هو مطلب إسقاط النظام. ويمكن تفهم ذلك أيضا. فهم لا يحبون هذا النظام. إنهم تعبوا من هذا النظام. بيد أن المعارضة لم تطرح خلال عامين أي برنامج بناء. وعندما تشكل الائتلاف الوطني في الدوحة في لقاء ضم مختلف كتل المعارضة مع حوار ممثلي بعض البلدان الغربية وبلدان الخليج وتركيا التي تساعدهم، اقترح تشكيل هذه الائتلاف بصفته آلية للتوحيد. وصادق المجتمعون على بيان جاء فيه إن الهدف الرئيسي للائتلاف هو إسقاط النظام وتفكيك مؤسساته، وهو أمر يتعارض كليا مع بيان جنيف. ففي جنيف اتفق الجميع على أن تكون هناك فترة انتقالية مع بقاء المؤسسات في البلاد دون مساس، وانه يجب عدم تكرار ما حدث في العراق مثلا حين ألغت قوات الاحتلال الأمريكية جميع المؤسسات الحكومية. نحن التقينا جماعات المعارضة في سورية كلها وتحديناها بقولنا: « ياشباب ، نريدكم أن تكونوا جزءا في الحل. حسنا، أنتم تكرهون النظام، لكن يجب أن تكون لديكم أجندة للبلاد، ليس للنظام، بل لشعبكم، أجندة تشرح رؤيتكم السياسية حول كيفية المضي نحو بناء سورية الجديدة ». لكنهم أخفقوا حتى الآن، خلال عامين، في طرح مثل هذه الأجندة.

س – ما هي في الواقع المصطلحات الجيوسياسية التي تنطبق على سورية في هذا السياق؟ لماذا يوجد لديهم مثل هذا العدد الكبير من اللاعبين؟.

- إن موقفنا حيال ما يجري في سورية هو أننا لا نضع أنفسنا ضمن أية اعتبارات جيوسياسية، وليست لدينا أية منفعة كبيرة، منفعة أنانية – اقتصادية وعسكرية وغيرها، في ذلك.

س – لديكم قاعدة بحرية هناك.

- إن القواعد البحرية يمكن أن تستخدم وأن تتغير طبقا للحاجة. لكن القرينة الجيوسياسية لم تطرح من قبلنا. إن الأشخاص الذين يقولون إن النظام يجب أن يتغير ينطلقون، برغبتهم أو بعدم رغبتهم، من فكرة الشرق الأوسط الكبير التي روجها جورج بوش الابن قبل عدة سنوات والذي قال إن دمقرطة الشرق الأوسط هي « هدفنا الأقصى ». وأعتقد أن أي مراقب مهتم يتابع ما يجري في المنطقة يمكن أن يستخلص تحصيل الحاصل من نتائج هذه الدمقرطة. ولدينا المزيد والمزيد من المشاكل في البلدان التي وصفها الأمريكيون في وقت ما، مثلا، بأنها منارة الديمقراطية. ولم تحل المشاكل البتة بعد في أفغانستان والعراق. والوضع مضطرب جدا في مصر، حيث يتعين إيجاد بعض الحلول التي توحد الأمة. ومازال لدينا الكثير من المشاكل في ليبيا. ونحن نتحدث مع المسئولين في ليبيا الجديدة. إنهم يهتمون بمواصلة التعاون معنا لكنهم يواجهون في الواقع مشاكل جسيمة لأن سيطرة الحكومة المركزية على جميع أراضي ليبيا مازالت تشغل البال. وإذا ما نظرنا الى الجنوب فإن الناس الذين كانوا جزءا من الائتلاف الذي أطاح بنظام القذافي فإنهم ربما يريدون القتال فقط. إنهم لا يستطيعون البقاء في وضع مسالم. ويوجد عدد كبير منهم الآن يقاتلون في مالي. إنهم يستخدمون السلاح ، وبعض الأسلحة التي يستخدمونها بمهارة من بين الأسلحة الأخرى، والتي زودتهم بها الدول الغربية وبعض البلدان الإقليمية عندما كانوا يقاتلون القذافي. وهكذا فإن التأريخ يرد الصاع صاعين. إن دورة العنف هذه خطرة جدا فعلا.

وما دمت قد بدأت السؤال حول القرينة الجيوسياسية لهذا فإننا، ويا للأسف، كنا شهود التغير التدريجي شيئا فشيئا. فقد قامت الثورة في تونس. وكان الجميع يفكرون في كيفية دعم هذه الثورة. ثم حدثت الثورة في مصر وقبلها في ليبيا واليمن وثم في مالي والآن في سورية. إن هذه ليست رؤية جيوسياسية. إن الرغبة الجيوسياسية في نشر الديمقراطية في كل مكان باعتبارها الدرب المؤدي الى تقدم الإنسانية هي شئ منطقي تماما. لكنها غير بناءة، ومن العبث القول إن الطراز الغربي للديمقراطية فقط يجب أن يكون هو السائد. فلا يمكن أن تفرض الطراز الغربي للديمقراطية في أفغانستان التي توجد فها تقاليد تعود إلى قرون بعيدة. والشئ ذاته يقال عن العراق وإيران ومصر. ويجب تفهم أن المبادئ الأساسية حول الانتخابات الحرة واقتصاد السوق مثلا تحدد العوامل بهذا القدر أو ذاك لنجاح تقدم أية أمة. ويصل إلى هذا الاستنتاج المزيد والمزيد من البلدان. وفي الواقع يعتبر من باب خداع الذات أن يفرض على البلدان ذات التاريخ العريق والحضارات القديمة، لب الموضوع المفهوم لدى الغرب، لكنه غريب جدا عن هذه البلدان، والذي يتعلق بكيفية إقامة هذه الديمقراطية وتنظيم عملية اقتصاد السوق. وهذا يخلق فقط الوضع الذي يرتد فيه هذا الفرض والإكراه إلى نحر القائمين به.

س- هناك بلدان مثل المملكة العربية السعودية. وهناك في المنطقة قطر وإيران وتركيا وسورية وكذلك إسرائيل. إن عددا من هذه البلدان غير معروف جيدا في مجال التقدم الديمقراطي، في الماضي على أي حال ، لأنها ممالك ولا توجد لديها أجندات.

- إذا تحدثنا عن إسرائيل وإيران فلديهما تقاليد ديمقراطية، لكنها مختلفة. إن إسرائيل ديمقراطية، ولا يستطيع أحد أن يدحض ذلك، من وجهة نظري. أما إيران .. نعم توجد لديهم مثلا بعض المرشحات في نظامهم الانتخابي. ولكن عندما يتجاوز المرء هذه المرشحات فيحدث نضال حقيقي، نضال انتخابي حقيقي. ولا نستطيع نكران ذلك. لكن هذا يعكس السمات الخصوصية للمجتمع . فلا يمكن أن تطلب في الواقع، هنا وفي كل مكان، الالتزام بالمعايير التي تحددها منظمة الأمن والتعاون الأوروبي مثلا. لقد ساعدت هذه المنظمة في تنظيم الانتخابات في أفغانستان. ونحن نعلم أن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي قد تحلت بالقدر الكافي من الحكمة ولم تطالب هناك بالتزام المعايير التي تطالب بها في بعض البلدان الأوروبية. إن هذه المنظمة تطالب بلدان الاتحاد السوفيتي السابق بالالتزام بالمعايير نفسها التي تطالب الالتزام بها في البلدان الديمقراطية العريقة في هذا المضمار، وهذا يمثل بأي حال الكيل بمكيالين.

- دعنا نعود الى المحاولات الجادة في سورية للتوصل الى تسوية ما بين المعارضة والأسد. لقد بدأ كوفي عنان جولته في فبراير/شباط/ فيفري من العام الماضي. فمن الذي انتخب كوفي عنان آنذاك ولماذا فشل في نهاية المطاف؟

- إن الجواب عن القسم الأول من سؤالك بسيط جدا. فقد وجه السكرتير العام لهيئة الأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية السؤال إلى كوفي عنان في ما إذا كان مهتما بشغل هذا المنصب، وان يكون المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، فوافق عنان. ونقل الأمر إلى مجلس الأمن الدولي الذي وافق مرحبا على هذا التعيين. ونحن أيدنا ذلك بقوة. ولكن قبل مواصلة الموضوع الذي تطرقت إليه، أود التحدث قليلا عما أعقب تعيين كوفي عنان. لقد صدرت مبادرة تعيين كوفي عنان من جامعة الدول العربية في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2011 ونحن أيدناها بقوة. وكانت المبادرة تتلخص في أن توقف الحكومة والمعارضة إطلاق النار وان تسمحا إلى مراقبي جامعة الدول العربية للتأكد من الالتزام بوقف إطلاق النار هذا. وبذلنا بعض الجهد لإقناع النظام في سورية بتأييد المبادرة، لأنهم لم يرغبوا في ذلك أصلا، كما طلب من المعارضة أيضا إبداء التعاون. وبعد ذلك أرسل المراقبون العرب إلى سورية. فبدأوا عملهم في أواخر نوفمبر /تشرين الثاني وبعد مضي حوالي شهر أو أكثر من وجودهم هناك، أرسلوا أول تقرير لهم الى مجلس الأمن الدولي، والذي لم يكن وحيد الجانب، إذ جاء فيه أن الخروقات وأعمال العنف تجري من قبل الطرفين. كما أوردوا الأمثلة حول وقوع انتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار من جانب الحكومة وكذلك من جانب الجماعات المعارضة. لكن هذا لم يعجب بعض الناس الذين أرادوا تغيير النظام في سورية. ولكن حتى قبل أن يبحث مجلس الأمن الدولي التقرير جرى سحب بعثة المراقبين بقرار من أعضاء مجلس التعاون الخليجي وليس حتى من قبل جامعة الدول العربية. وهكذا تم سحب المراقبين. ولاحظ أن البعثة سحبت في الوقت الذي حاولت فيه إعطاء صورة موضوعية ما للوضع، وأنحت باللائمة ليس على الحكومة فقط بل وعلى المعارضة أيضا. بعد ذلك جاء كوفي عنان الذي طرح خطته المعروفة المؤلفة من ست نقاط: لا عنف، ولا تدخل أجنبي، الحكومة مسئولة، لكن على المعارضة أن تتحمل أيضا مسئولياتها، وقف العنف، الرقابة الدولية، بدء الحوار. ونحن أيدنا هذه الخطة وكذلك أيدنا إرسال المراقبين الدوليين. ومرة أخرى شرحنا لدمشق أن من المهم بالنسبة لهم ألا يعارضوا ذلك، فوافقوا. وهكذا جرى إرسال بعثة المراقبين الدوليين. وكانوا يبعثون تقاريرهم بشكل موضوعي أيضا، ويسجلون جميع الانتهاكات من الجانبين، من قبل الحكومة والمعارضة، وسجلت حوادث عديدة جرى فيها انتهاك القانون الإنساني الدولي. وكان المراقبون يعملون في ظروف شاقة جدا. وكانت تشكل جزءا منها الضغوط المستمرة وأحيانا الاستفزازات المسلحة. وقد تحدثت الى كبير المراقبين، وبعضهم كان حاضرا في جنيف في 30 حزيران/يونيو عام 2012 في اجتماع مجموعة المراقبين. وأنا لا أريد ذكر الأسماء لكنهم أشاروا الى ما لاقوه من مشاكل من جانب المعارضة أكثر من جانب الحكومة. علما أن بعثة المراقبين هذه كانت كما يبدو تمضي في اتجاه تقديم صورة موضوعية أكثر عما كان يجري (في سورية)، لكنهم حينما كانوا يقدمون التقارير بروح موضوعية وجدوا أنفسهم يتعرضون الى المزيد من الضغوط ومنها بممارسة العنف وبعض الاستفزازت، ووجب عليهم الانسحاب. ومن وجهة نظري فإن هذين المثلين يبينان أن هناك بعض الناس الذين ليس من مصلحتهم وجود رقابة دولية للوضع، وليس من مصلحتهم وجود المراقبين الدوليين، سواء من جامعة الدول العربية أم من هيئة الأمم المتحدة، وليس من مصلحتهم تواجد المراقبين على الأرض بصفة عامل توازن، وبالذات وجود عامل الاستقرار هذا، ويريد هؤلاء الناس زعزعة الوضع واستثارة التدخل من الخارج وإشعال فتيل التوتر واستغلال أفعال الحكومة غير المكافئة من حيث العنف بمثابة ذريعة.

س – من هم ؟

- أعتقد أن مشاهديك الذين يتابعون الوضع سيكون لديهم خيارهم لمعرفة من هم. أظن أنهم يعرفون الحقائق.

س – هل يمكن أن أدخل الى الموضوع مباشرة؟ لقد ذهب عنان إلى الأسد. وعاد فزار موسكو . وفي 16 مارس/آذار زار دمشق وفيما بعد جاء في الرابع والعشرين منه الى موسكو. ماذا كان أول تقرير له فيما يتعلق بمرونة نظام الأسد؟.

- كان أول تقرير له يتعلق فيما إذا كنا نستطيع تدبير الأمر، ولو نسبيا، بشأن وضع المراقبين الدوليين، وكان يعول في الواقع على البلدان التي لها تأثير على المعارضة، من أجل دفع المعارضة إلى إجراء الحوار مع النظام. وأنا قلت إننا في جنيف لم نوافق على أية شروط مسبقة. بل جرت الإشارة فقط إلى أن من واجب الحكومة والمعارضة إيقاف القتال ، وأن يعينا المفاوضين، وأنه يجب على المفاوضين هؤلاء أن يوافقوا على تشكيلة ومهام الحكومة الانتقالية، التي ستمارس صلاحيات السلطة التنفيذية كاملة، وصلاحيات هيئات القضاء وقوى الأمن في سورية. وعندما أقر بيان جنيف أبدت دمشق شكوكها. ومرة أخرى استخدمنا قدراتنا، إذا رغبت، وأقنعنا دمشق بالقول إنها مستعدة للعمل على هذا الأساس، ولو أن الأمر لم يكن سهلا بالنسبة لهم، لأنهم قالوا: « لا تغيير للنظام، ونحن لا نريد مناقشة أي انتقال، لأننا سنجري الانتخابات في عام 2014″، لكنهم قالوا بعد ذلك إنهم على استعداد للعمل على أساس بيان جنيف. علما أن جميع الذين اجتمعوا في جنيف كانوا يؤكدون أن جميع الأحزاب السورية ستفعل الشئ ذاته. ولكن، ويا للأسف، رفضت المعارضة بيان جنيف ومبادئ جنيف في صباح اليوم التالي. ولم تعمل الأطراف المؤثرة في المعارضة، سواء بلدان المنطقة أم الأوروبيون أو الأمريكيون البتة على إقناع المعارضة بتغيير رأيها، وتغيير لهجة المواجهة لديها. وأنا ذكرت كيف تم تشكيل الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة.

س – في نوفمبر /تشرين الثاني في الدوحة ؟ .

- نعم، إنهم صادقوا، كما قلت، على بيان في صفحتين جاء فيه: « إن هدفنا الرئيسي ليس المعارضة البناءة بل إسقاط النظام، وتفكيك مؤسساته ، ولا حوار مع الحكومة « . وعندئذ هتفت إلى الأصدقاء الأمريكيين، وزميلتي وزيرة الخارجية وقلت: « انتم تواصلون القول إن جنيف هو الأمل الأفضل لنا، ولأنه القاعدة في الحل، لكنكم رحبتم بتشكيل الائتلاف الذي يرفض جنيف كأساس، ويرفض الحوار، ويطلب تفكيك المؤسسات. فما هو سبب ترحيبكم بهذا التطور؟ ألا تستطيعون التأثير فيهم ؟. فأخبرونا قائلين: « إن من المهم جدا بالنسبة لنا أن تتوحد المعارضة. وما دام يتوفر البرنامج الذي يمكن أن يتحدوا على أساسه، فيمكن أن نؤثر فيهم فيما بعد ».

بعد مضي حوالي أسبوعين عقد اجتماع أصدقاء سورية مع المعارضة في مراكش في المغرب. وقد توقعنا حدوث بعض التغيير في هذا الموقف الهدام كليا لدى الائتلاف. لكن لم يحدث أي تغيير. ثم سألنا أصدقاءنا في الولايات المتحدة وأوروبا: « أنتم قلتم أنكم ستمارسون التأثير في المعارضة باتجاه الاستعداد للحوار وقبول مبادئ جنيف؟ « فلم يرد أي جواب. ووجهنا السؤال نفسه إلى جماعات المعارضة في هذه الغرفة نفسها حيث اجتمعنا مع غالبيتهم، كما جرت لقاءات معهم في اسطنبول وباريس ولندن والولايات المتحدة والقاهرة. وكنا نبلغهم باستمرار اننا نشجعهم على التجاوب مع ما تم الاتفاق عليه بالإجماع في جنيف من قبل مجموعة مؤلفة من الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية وقطر والكويت والعراق وتركيا والاتحاد الأوروبي وهيئة الأمم المتحدة، وقلنا لهم:
« اعلموا أن هذا كل ما نريده منكم ». فقالوا: « لاشئ قبل غياب الأسد ». ونحن لا نستطيع التأثير في هذه الرغبة، وليس بمقدورنا بلوغ ذلك، ولا أعتقد أن أي أحد يستطيع ذلك. وقال البعض: « دعنا نعرض على الرئيس الأسد صفقة ما ». حسنا لو وجد أحد ما على استعداد لعرض هذه الصفقة، وطرحها على الأسد مباشرة. إذا ما قال البعض إن من المستحيل إجراء أي حوار بدون رحيل الرئيس السوري، كما قلت في بداية الحديث ، فيجب أن يفهموا أنه لا يعتزم الرحيل، ليس لأننا لم نقل له ذلك، بل لأنه أتخذ قراراه. إن جميع الذين التقوا به ومنهم الأخضر الإبراهيمي وكوفي عنان يؤكدون بأن الانطباع الناشئ لديهم هو أنه لا يعتزم الرحيل. لهذا يجب على الذين يقولون إنه يجب أن يرحل قبل أن يحدث أي شئ، أن يتحملوا المسئولية عن سقوط المزيد من الضحايا في سورية، لأن الحرب ستستمر.

س – لقد نشأ وضع تأريخي ربما في أبريل/نيسان الماضي حين طرح موضوع وقف إطلاق النار بهذا القدر أو ذاك.

- حدث هذا حين انطلقت خطة كوفي عنان ذات النقاط الست.

س – عجبا، لماذا لم تطبق؟ ماذا حدث في الواقع؟ لأنه في بداية حد أبريل/نيسان جرى تطبيقها لحد ما بصورة طيبة، لكن الأحداث تطورت فيما بعد.

- إنني حاولت الإشارة إلى هذا الوضع في ملاحظاتي السابقة. لدي اعتقاد بأن بعض الناس لا يريدون نجاح وقف إطلاق النار، لأنه وجدت لديهم ولا تزال أجندة خاصة بهم ترمي إلى تغيير النظام في سورية. وفي الجوهر يتضمن ذلك، ويشمل تدمير طبيعة التعددية الإثنية والطائفية والعلمانية للدولة السورية، مما سيترك آثارا كارثية في المنطقة بأسرها. لأنه يوجد في سورية السنة والشيعة والعلويون والدروز والمسيحيون والأكراد. والشأن الكردي حسب اعتقادي الراسخ يجب أن تأخذه بنظر الاعتبار تركيا وبلدان أخرى عديدة، لأنه إذا تفككت سورية لا أعرف ما سيجلبه الشأن الكردي لنا جميعا.

س – إن غالبية الدعاوى بشأن سورية ترتبط بنوع من المزادات حول المجازر لترويجها لدرجة ما بين الناس. لقد حدثت مجزرة الحولة الشهيرة؟.

- السيئة الصيت.

س – المجزرة السيئة الصيت في الحولة، أنت على حق، فيما يخص التعبير اللغوي في هذا السياق. وقد وقعت عشية آخر محاولة قام بها عنان بهذا القدر أو ذاك للتوجه إلى الأسد في أواخر مايو/أيار. وفي تلك اللحظة ظهرت في شبكة الإنترنت الصور الفظيعة، وكانت جميعها مرتبطة باسم بشار الأسد. ما هي معلوماتكم حول هذه المجزرة؟.

- في الحقيقة إنها ليست معلوماتي بل المعلومات التي أكدتها المنظمات غير الحكومية والمراقبون المستقلون. لقد شهدت قرية الحولة مجزرة بشعة طالت العديد من أبناء عوائل سنية، علما أنهم من السنة الموالين للنظام. أما المحاولات لتصويرها بأنها مجزرها ارتكبها العلويون ضد السنة فقد ظهرت فورا على شاشات التلفزيون وفي الانترنت. لكن هذا يتنافى مع الحقيقة. وقد أجرى مراقبون مستقلون تحقيقا في الأمر، وتفحصوا الصور الملتقطة بالفيديو، وشاهدوا الأشرطة التي تحمل ألوان العلم السوري على أذرع الضحايا وحللوا المعلومات الأخرى. لقد كانت عملية استفزازية أريد بها تحميل النظام المسئولية، بالضبط كالهجمات الإرهابية الأخيرة على جامعة حلب والتي أسفرت عن مصرع 82 شخصا وإصابة حوالي 200 آخرين بجروح. وقد جرى التلميح إلى أنه ربما نفذها النظام، وأشارت إلى هذا قناة محترمة جدا هي سي-أن-أن. ولم يتكرر ذلك أبدا، لكن جرت المحاولة لتمرير هذه الفكرة إلى عقول الناس. نحن نتعاون مع وسائل الإعلام كما تعلم، كوزارة خارجية على مدى سنوات طويلة، بشكل مكثف وصريح جدا، ونحن نحترم جدا الكفاءة المهنية والطابع الموضوعي لتغطية الأحداث من قبل غالبية زملائنا. لكننا نعرف أيضا أن بعض الأشخاص في وسائل الإعلام يصبحون، عن قصد أو غير قصد، لعبة بأيدي الذين يريدون افتعال الأحداث أو دفع الرأي العام في هذا الاتجاه أو ذاك بغية تضليله. وهناك أمثلة حول كيف ظهرت في أثناء المأساة السورية فورا صور في قنوات تلفزيون محترمة حول المجزرة ويرافقها التعليق: « أنظروا كيف يقتل النظام المدنيين » بينما يكتشف المراقبون المستقلون لاحقا أن الصور تعود إلى سنوات عديدة مضت .. إلى أيام الحرب في العراق. ونحن لدينا تجربتنا في أغسطس /آب عام 2008 حين شن ساكاشفيلي الحرب على شعبه – لأنه قال: « إن الأوسيتيين الجنوبيين هم مواطنونا »- فهاجم مواطنيه بينما كانت القنوات الفضائية الغربية تعرض مشاهد الدبابات تتقدم نحو مدينة ما، وتقول: « هذه قوات سوفيتية، طبعا المقصود القوات الروسية، لكنهم قالوا هكذا تقريبا: « القوات الروسية تدخل مدينة غوري الجورجية »، بينما أظهرت الدراسة من قبل الخبراء أن الصور تظهر القوات الجورجية لدى دخولها ميدنة تسخينفال في أوسيتيا الجنوبية. لذا فإن مثل هذه الأمور تحدث.

س – نحن في عالم سايكولوجي..!.

- حقا، بالضبط، إن الذين يتطلعون الى المأساة السورية ومأساة « الربيع العربي » عموما ، ومن يرون في هذه الأحداث ليس مصائر البشر ومصائر بلدانهم، بل يرون فرصتهم الجيوسياسية، يلجأون بين فينة وأخرى إلى مثل هذه الألاعيب القذرة. لكنني أريد القول مرة أخرى، إن هذه الحالات قليلة أما غالبية الصحفيين الذين التقيتهم (إنني التقيت الكثيرين ولدي أصدقاء بين الصحفيين). وأنا أحترم وأقدر كفاءتهم المهنية ورغبتهم في تقديم صورة موضوعية بدون إطلاق أي أحكام اعتبارية.

س- لقد ظهرت نتيجة مجزرة الحولة بعد يومين من وقوعها. فقد طردت غالبية البلدان الأوروبية السفراء السوريين وأعادتهم إلى دمشق. فهل قضى ذلك على جهود عنان السلمية؟

- أنا لا أعرف، لكن الواقع أن رد فعل البلدان الأوروبيين كان غريزيا، إن جاز القول، وتصرفوا فورا، كما قلت، هو شئ. ربما أن الكثيرين منهم طردوا السفراء السوريين في غضون يومين، كما قلت. لكن الشئ الآخر أنه بعد مرور ثلاثة أيام على مجزرة الحولة لم يتذكرها أحد، واختفت في الواقع من الشاشات، لأن الحقيقة أدركت في ذلك الحين، وأدرك كل إنسان من ارتكبها. وسأورد لك مثالا آخر حين يسارع الناس الى التصرف اعتمادا على بعض الأخبار العاجلة في وسائل الإعلام: ففي عام 1999، جاء إلى كوسوفو، إلى قرية راساك، السفير الأمريكي وولكر الذي كان رئيس بعثة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في كوسوفو، بعد تلقيه معلومات تفيد بوقوع مجزرة هناك. وعندما وصل إلى هناك اكتشف وجود ثلاث أو أربع عشرات من الجثث بملابس مدنية، جرى إعدامهم جميعا. فجمع الصحفيون قبل إبلاغ مقر منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، ودون التمتع بأية صلاحيات للقيام بذلك، وأعلن لهم وقوع عملية إبادة نفذها الصرب ضد ألبان كوسوفو. وعندئذ قالت جميع العواصم الأوروبية: « لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبا ». واتخذ ذلك كذريعة للتحضير ثم للقيام بقصف صربيا. ثم أمر الاتحاد الأوروبي، ولابد أنك تعرف ذلك، بإجراء تحقيق في ما حدث في راساك. وجرى استئجار خبراء عدليين فنلنديين، وقام الخبراء الفنلنديون بدراسة الوضع، فاكتشفوا أنه لم تقع مجزرة بحق المدنيين، وأن جميع الرجال القتلى في عز الشباب ولم تطلق عليهم النيران من مسافة قريبة، إذ تشير طبيعة الجروح إلى أن الوفاة حدثت بسبب جروح شبيهة بالجروح التي يصاب بها الفرد في أثناء الهجوم، كما أن أماكن الجروح لا تتفق مع الثقوب في الملابس. ويبدو أنهم كانوا في وضع الهجوم وبعد قتلهم استبدلت أزياؤهم العسكرية بملابس مدنية، ونوقش هذا الأمر كثيرا. وكنت آنذاك أعمل في نيويورك في مجلس الأمن الدولي، فطلبنا أن يحال هذا التقرير إلى المجلس لأن حادث راساك كان في الواقع الفتيل الذي أشعل نيران الحرب ضد صربيا بدون صدور أية موافقة من مجلس الأمن الدولي. فقيل لنا إن التقرير ليس من اختصاص هيئة الأمم المتحدة بل من اختصاص الاتحاد الأوروبي. وعندئذ أتينا إلى الاتحاد الأوروبي وقلنا: « أيها الأصدقاء، هذا شئ هام، هذا يتعلق بمستقبل أوروبا، وبوثيقة هلسنكي الختامية، وبكيفية التعامل مع النزاعات في أوروبا على أساس مبادئ هلسنكي، هل يمكنكم تسليم هذا التقرير إلى مجلس الأمن الدولي؟ ». فقالوا لنا: « نحن أرسلناه فعلا إلى المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، لذا فهو يخص المحكمة ومن ممتلكاتها ». ثم أصبحت كارلا ديل بونتيه في منصب رئيسة الادعاء العام في المحكمة وأخذت تزور نيويورك بين حين وأخر، وقد التقيتها فسألتها: « كلارا، لماذا لا تسلمين التقرير إلى مجلس الأمن الدولي؟ »، فقالت: لكنه تقرير شديد السرية ». ولم أعرف لماذا. فقلت: « حسنا، ربما سنتوصل الى حل وسط بأن تودعي التقرير لدى السكرتارية، في غرفة سرية، وسيأتي السفراء أعضاء مجلس الأمن فقط إلى هناك من أجل قراءة التقرير دون تدوين أية ملاحظات. لكنها رفضت ذلك أيضا. وبعد ذلك جرت تسريبات تفيد بان القصة الحقيقية كما رويتها لك، إنها عملية استفزازية سافرة، لكنها قادت إلى تطور للأحداث غيرت الخارطة في البلقان. فمثل هذه الأشياء تحدث.

س – لقد عاد المبعوث الإبراهيمي لتوه من دمشق، فبماذا أبلغكم بصدد الوضع ؟.

- في الحقيقة إنه غير متفائل. لقد قال إنه يحاول أن يبعث رسالة حول الحاجة إلى بدء العمل على أساس بيان جنيف، وأنه يريد أن يرى النظام، وقد أظهر شيئا من الليونة. والنظام لا يقول « لا » لكنه لا يقول « نعم » بشكل قاطع. إن الرسالة التي وجهها النظام إلى الإبراهيمي، كما أبلغني الإبراهيمي بذلك هي « يجب أولا الضغط على المعارضة، لأن المعارضة لا تريد حتى قبول فكرة الحوار. أما نحن، أي النظام، فمستعدون للحوار مع الذين لا يؤيدون التدخل الخارجي، ويلتزمون بموقف وطني، ويفكرون ببلادهم وهلمجرا ». وبعد ذلك اقترح الإبراهيمي كما سمعت عقد اجتماع بين الروس والأمريكيين وهو نفسه، وقد اجتمعنا مع هيلاري كلينتون في دبلن على هامش اجتماع وزراء منظمة الأمن والتعاون الأوربي. وكان الاجتماع قصيرا لكن الإبراهيمي اقترح علينا أن نجد في هذا الشكل طريقة ما لوضع بيان جنيف موضع التنفيذ. ولم يرفض أحد بيان جنيف ، وقبله الجميع، لكن البعض يؤكد أنه قابل للتأويل. وأنا لا أعرف أي نوع من التأويل والتفسير. فهو تصريح واضح جدا: « إيقاف العنف، تعيين المفاوضين، تشكيل حكومة انتقالية بالاتفاق المتبادل، التحضير لفترة الانتخابات ». والناس الذين يقولون ذلك يطلبون التفسير مرة أخرى، ويطرحون فكرة وجوب رحيل الرئيس الأسد، ويطلبون أن يفرض مجلس الأمن العقوبات على النظام، وهكذا دواليك، مما يعتبر أمرا لا أمل في نجاحه. إن وثيقة جنيف واضحة وتتطلب فقط الإرادة السياسية من قبل الذين يمكن أن يؤثروا في جميع الأحزاب السورية إجمالا. إن مجموعة العمل التي تشكلت في جنيف تضم المجموعة الصحيحة من الأشخاص التي ستقول للذين يقاتلون الشئ نفسه وباللهجة الحازمة نفسها، وسيعطي ذلك مردوده. وبعد ذلك عقد اجتماعان آخران بين الديبلوماسيين الروس والأمريكيين مع الإبراهيمي. وقد طرحنا هذه الرؤية، لكن تولد لدينا انطباع بأن البعض يعتقد بأن الهدف الرئيسي في هذه التشكيلة هو إقناع روسيا بان تغير موقفها. وعندما سألنا: « أي تغيير تريدون؟ « أجابوا: « يجب أن تبلغوا الأسد بأن يرحل ». لكننا قلنا إن مصير الأسد يجب أن يكون بأيدي الشعب السوري. وهذا ليس من تقاليدنا وليس أسلوبنا في العمل على تغيير الأنظمة. وهذا مبدأ أساسي. عدا عن ذلك، وحسب المصطلحات البراغماتية الخالصة، فإنه لا يعتزم الإصغاء إلى أي أحد. وهذا واقع يجب أن يعترف به جميع من يقيم اتصالات، مباشرة أو غير مباشرة، مع دمشق. وبالتالي فكلما واصل البعض الإصرار على رحيله كشرط مسبق للحوار، ازداد عدد الضحايا الذين سيسقطون.

س- هل يمكن السيطرة على المعارضة كليا؟ ما هو هدف المعارضة؟ هل إنها معارضة موحدة؟ هذا شئ . أم أنها جماعات مختلفة ولها أجندات متباينة، ولا تستطيع الولايات المتحدة أو بلدن الخليج السيطرة عليها في نفس الوقت ؟.

- إنني أشرت إلى هذا الموضوع عندما قلت إن المعارضة أخفقت حتى الآن في وضع أي برنامج سياسي حول كيف يرون مستقبل سورية. إن الشئ الوحيد الذي يرددونه هو أنه يجب إقصاء الأسد، وباعتقادي أن غياب أي بيان آخر هو عامل توحيد لمختلف الجماعات. وقد بذلت البلدان الغربية وبلدان الخليج وتركيا وغيرها الكثير من الجهد من أجل توحيد المعارضة. وقد تشكل هذا الائتلاف ووضعت العقيدة السياسية للمعارضة والتي لا تعتبر بناءة على الإطلاق. إننا لن نعرف فعليا فيما إذا كانت قوى المعارضة موحدة أم لا، ما دامت لا تطرح رؤية سياسية للفترة الانتقالية، والرؤية السياسية لسورية. وعلى سبيل المثال فإن فئة من بين الكتل التي تحارب ضد الأسد هي « جبهة النصرة »، الفئة المتطرفة جدا. وقد اعتبرتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية فقط من أجل أن ترى رد الفعل المباشر للموقف الأمريكي، هذا من قبل الائتلاف السوري والمعارضة السورية. بتعبير آخر، إنني أعتقد أنهم يجب بغية جمعهم سوية أن يكونوا حريصين جدا في انتقاء الأفضل بين من يريدون وضعهم تحت مظلة واحدة.

إذن دعنا نرى كيف ستتطور الأمور، لكن الفكرة الأساسية هي وجوب تفهم آرائهم السياسية. وقبل مناقشة أي تغيير في الشخصيات والمؤسسات ربما توجد اتفاقية ما، اتفاقية مبادئ محددة، تفسر الضمانات لجميع الفئات السورية: الإثنية والطائفية، لكي تشعر كل أقلية بالطمأنينة والأمان في سورية الجديدة. وأنا أعتقد أن هذا سيكون أهم خطوة أولى في الحوار الوطني. ويجب على المعارضة أن تبين أنها مهتمة فعلا ببقاء سورية متعددة القوميات والطوائف الدينية. وبعد طرح مثل هذه الضمانات فقط لجميع الأقليات، والضمانات بالأمن، والمكانة اللائقة في المجتمع، والضمانات تجعل كل واحد في سورية يشعر بالطمأنينة، ووضعها على الطاولة ومصادقة جميع اللاعبين الرئيسيين عليها، يمكن عمليا مناقشة موضوع الأشخاص وتوزيع المناصب على الأشخاص والمؤسسات وهلمجرا.

س- هل إننا نمضي باتجاه اندلاع حرب باردة جديدة أكثر غرابة؟ لقد أصدر أوباما مذكرة تقضي بأن تدعم وكالة الاستخبارات المركزية المعارضة، ويدعم الرئيس ورئيس وزراء تركيا المعارضة، وترسل المملكة العربية السعودية وقطر الأسلحة والمقاتلين إلى سورية، بينما وجهت الاتهامات إلى روسيا وإيران بإرسال المستشارين والأسلحة إليها. هل نحن أمام مواجهة أكبر مما في الوقت الحاضر؟.

- اسمع، إن روسيا لم تبعث أي مستشارين. وأنا لا أستطيع التحدث نيابة عن إيران، فهي بلاد أخرى. ولا يوجد لدى روسيا أي مستشارين هناك. بينما يوجد مستشارون من بلدان أوروبا وبعض بلدان المنطقة.. كما أن الولايات المتحدة أعلنت أن لديها قوات خاصة تعمل مع المعارضة على الحدود بين سورية وتركيا. إنهم لا يخفون ذلك، وتوجد لدى بعض البلدان الأوروبية وبلدان المنطقة قوات خاصة ترابط فيما يسمى « المناطق المحررة من سورية ». ونحن نعلم ذلك. ولا يوجد لدينا أي عسكري في داخل سورية باستثناء بضع عشرات من الأفراد في طرطوس حيث توجد نقطة إسناد الأسطول الروسي…

س- القاعدة البحرية.

- إنها ليست قاعدة بحرية، بل هي في الواقع نقطة تقدم فيها الخدمات اللوجستية إلى السفن. إنها صغيرة جدا بحيث لا يمكن تسميتها بالقاعدة. ولا يرابط فيها عسكريون، وهي شرعية ويرسل إليها أفراد الأسطول بصورة شرعية لتقديم الخدمات إلى السفن في ميناء طرطوس. أما الآخرون فلديهم قوات خاصة من المرشدين والخبراء، كما هي الحال لديكم. وفيما يتعلق بتوريد الأسلحة، فهناك بعض الداعمين للمعارضة في الخارج الذين يعملون الكثير من أجل تسليحها، وبضمن ذلك بالأسلحة المتطورة. أما نحن فننجز فقط تنفيذ العقود التي وقعت سابقا، والتي دفعت أثمانها والمتعلقة بتزويد الحكومة السورية بمنظومات الدفاع الجوي. إن المعدات العسكرية التي أرسلت إلى سورية هي للدفاع عن سورية من العدوان الخارجي. وهذه المعدات ومنظومات الدفاع الجوي لا يمكن استخدامها في الحرب الأهلية. أما الأسلحة التي تزود بها المعارضة قآمل أن يتابع مرسلوها مسيرتها لاحقا لمعرفة المحطة النهائية لهذه الأسلحة. لأن جميع أصدقائنا الأوروبيين يعترفون الآن بصراحة أن المتطرفين في مالي يقاتلون بالأسلحة التي أعطيت لهم حين كانوا يقاتلون القذافي في ليبيا. وقد أشرت إلى ذلك في بداية نقاشنا، وهذا يمثل غيضا من فيض (يعني قليل من كثير: المصحح). حسنا، لدينا ليبيا ونحن لا نحب القذافي، فدعنا نرسل السلاح من أجل إسقاط القذافي. ونحن لا نفكر بمصير هذه الأسلحة بعد سقوط القذافي.

والآن يحدث الشئ نفسه في بلاد أخرى. حسنا، لدينا هذه المشكلة بين أيدينا. لكن لا تجري أية محاولات جادة لإلقاء نظرة جيوسياسية والتطلع إلى خارطة هذه المنطقة الملتهبة، وكيف تتطور أو تثور، لأنها ليست عملية تطور بل ثورة. أنا اعرف بأن الباحثين السياسيين الغربيين والروس يحاولون إعطاء مثل هذا التحليل، وربما تجري نقاشات سرية ما في داخل الولايات المتحدة وألمانيا والبلدان الأوروبية حول تبعات ومخاطر هذه التطورات. لكن ما زلنا نسمع في العلن « أن الأسد يحب أن يرحل، وأننا يجب أن ندعم المعارضة، وأن تشكل حكومة في المنفى ». بتعبير آخر لدي إحساس بأن الأشخاص الذين يقررون السياسة الخارجية في الغرب يدركون ما يجري بشكل أفضل بالمقارنة مع ما يقولونه في العلن. وإذا ما تحدثنا عن الشراكة والشراكة الاستراتيجية بين روسيا والاتحاد الأوروبي، وبين روسيا والناتو، فبودنا إقامة شراكة استراتيجية مع الناتو. ودعنا ننسى المنظمات الأوروبية التي تضم روسيا والولايات المتحدة، بالمناسبة إننا نمثل ثلاثة فروع من حضارة واحدة. وأعتقد بأننا لو أردنا بجد إشاعة الاستقرار في الوضع، والتعاون مع الحضارات الأخرى، فيجب علينا أن نجلس بهدوء ونجري تحليلا نزيها لما يجري من أحداث، وأن ندع جانبا الطموحات الجيوسياسية وان نفكر بمصير هذا النظام أو هذا الشعب الذي يقطن هناك. ومن ثم نطرح المدخل البناء القائم على الحاجة إلى المساعدة في تهيئة الظروف الخارجية من أجل الناس في المنطقة، بغية أن يتمكنوا من حل مشاكلهم بسلام على أساس الحوار الوطني الداخلي، وعلى أساس احترام جميع الفئات الإثنية والطائفية وبضمنهم المسيحيين، الذين عاشوا في هذه المنطقة على مدى القرون، بوئام وسلام مع بعضهم البعض. لكن يجري تقويض هذا السلام أمام سمعنا وبصرنا. هذا شئ مؤسف جدا.

س- السؤال الأخير. هل أبلغكم كوفي عنان، قبل استقالته، بأنه يريد الاستقالة؟ وماذا كان رد فعلكم لو حدث هذا ؟.

- نعم، لقد قال إن مدة تفويضه ستنتهي في أغسطس/آب، أظن في العام الماضي، وأنه سيطلب من السكرتير العام إيجاد بديل عنه.

س‌-وماذا كان جوابكم؟

- أنا قلت له، كوفي أنت الذي يقرر ذلك.

س – شكرا جزيلا.

- شكرا لك.

(المصدر: موقع وزارة الخارجية الروسية )

روسيا اليوم 16 فيفري 013النص الكامل للمقابلة:


Nombre de lectures: 191 Views
Embed This