DzActiviste.info Publié le ven 13 Avr 2012

شهادة الدكتور المجاهد رابح بلعيد فيما يعرف بمؤامرة لعموري

Partager

شهادة الدكتور المجاهد رابح بلعيد فيما يعرف بمؤامرة لعموري(2)/أ. فارس بوحجيلة

في الجزء الأول من تحليل الدكتور المجاهد رابح بلعيد لروايتي كل من فرحات عباس والدكتور محمد حربي وأيضا معايشته للحادثة، استخلص أن الأمل كان يحذو لعموري ورفاقه لتوسيع رقعة الكفاح المسلح إلى كل من تونس والمغرب لإنقاذ حياة الآلاف من الجزائريين، بل ولإنقاذ الثورة الجزائرية نفسها ، معتقدين أيضاً أنهم على وشك إحداث تغيير جذري في الثورة وفي مصير شعوب شمال إفريقيا بأسرها، لكنهم لم يكونوا على دراية بوصول  أمر حركتهم إلى الحكومة المؤقتة وبورقيبة وحتى الفرنسيين، وهو ما سيؤدي بها إلى النهاية المأساوية التي سنطلع عليها في هذا الجزء الثاني والأخير. 
الجزء الثاني والأخير
ثم ذهب حربي يقول بأن الرجلين ما كادا يبدآن الاجتماع برفقائهما ويقرروا « جدول الأعمال حتى  توقف النقاش بسبب تدخل الحرس القومي التونسي، لإلقاء القبض على المتآمرين بعدما أبلغ عمر قرام الحكومة المؤقتة بالاجتماع، وقد تواصلت التوقيفات بمساعدة الحرس القومي التونسي من 12 إلى 14 نوفمبر.إن الرائد بلهوشات الذي استطاع أن يفلت من القبضة بصحبة صالح سوفي الذي كان مسؤولاً على الحدود، حاول  تنظيم مقاومة المنشقين، غير أن القوات التي حاول استنفارها ب  » تجروين » ضد الحرس القومي التونسي لم تتبعه عندما أبلغها صالح سوفي (واسمه الحقيقي بن ديدي) أن السلطات التونسية قد تحركت بطلب من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وقد اغتنمت القوات المذكورة هذه الفرصة لإلقاء القبض على عدد من الضباط من غير المتآمرين، ومنهم النقيب علي منجلي من الولاية الثانية، كما استولت على الأرشيف، أما مصطفى لكحل  فلم يمنعه إلقاء القبض عليه من طرف الشرطة التونسية من الفرار من أماكن استنطاقه ليلجأ إلى أقارب سلموه إلى بو صوف الذي سبق له وأن كانت له معه العديد من المقابلات بالقاهرة »(9)
والغريب في الأمر أن عبد الحفيظ بوصوف رئيس جهاز مكافحة التجسس في الثورة الجزائرية والمنافس العنيد لكريم بلقاسم، والذي شجع العقيد العموري ومصطفى لكحل على القيام بتلك المغامرة القاتلة، هو نفسه الذي وشى بهما بعد أن اتضح له أن الخطة كانت على وشك أن تكتشفها جهات استخبارتية أخرى في الحكومة المؤقتة.  والأهم من هذا أن رجاله شاركوا رجال لخضر بن طوبال وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة في التحقيقات مع العموري وجماعته بأساليب تعذيب رهيبة لا تختلف عن تلك التي مارسها الجنرالات الفرنسيين أمثال  » ماسو » و » بيجار » ضد المجاهدين والمجاهدات الجزائريين كبن مهيدي وجميلة بوحيرد وغيرهما داخل الجزائر.
وبفضل أساليب التحقيق الخاصة تمكن رجال بو صوف  وبن طوبال ان ينتزعوا من العقيد العموري والرائد مصطفى لكحل ورفقائهما أسماء العشرات من المجاهدين المتورطين معهم كما تمكنوا أيضاً من الحصول على معلومات هامة تخص الدور الذي قام به عبد الناصر والعقيد فتحي الذيب وقد كتب حربي يقول:  » كشفت التحقيقات التي أجريت في أوساط المتآمران، عن خيوط المؤامرة التي امتدت إلى مختلف الوحدات القتالية، كما كشفت طورت المخابرات المصرية فيها. ويبدو أن العموري ولكحل قد اعترفا- لكن في أي ظروف- باستقبالهم من طرف جمال عبد الناصر، مما دفع الحكومة المؤقتة إلى طلب مقابلة الرئيس المصري بخصوص المسألة غير أنها ظلت في انتظار تلبية الطلب عدة شهور دون جدوى، وهكذا توجهت إلى الرئيس السوري السابق شكري القوتلي، الذي اقنع الرئيس المصري باستقبال لخضر بن طوبال ووزير الاتصالات العامة عبد الحفيظ بوصوف… وقد اقترحوا على الرئيس إنشاء لجنة مختلطة جزائرية مصرية للاطلاع على محضر الاستنطاقات وتسجيلاتها. وبروي بن طوبال أن  » الرد الوحيد الذي تلقياه من عبد الناصر لم يتعد قوله إنه كانت هناك مبالغة في القضية. هذا ما قال لنا، ولم يتفوه بكلمة غير ذلك »(10)
إن المعلومات الهامة التي حصل عليها المحققون حول الدور الخطير الذي قام به عبد الناصر أعطت الحكومة المؤقتة أو بالأصح فرحات عباس وتلاميذه المتغربين الجزائريين الحجة الذهبية التي كانوا ينتظرونها لقطع كل العلاقات والخيوط الواهنة أصلاً التي كانت تربط – سياسياً ومعنوياً وروحياً- الثورة الجزائرية بالعالم العربي الإسلامي ولقد وضح محمد حربي هذه الحقيقة قائلاً « بناءاً على ذلك عمدت الحكومة المؤقتة إلى استخلاص نتائج الأزمة معبرة عن احتجاجها من خلال تحويل مقرها من القاهرة إلى تونس. منذ ذلك الحين قرر الجزائريون أن يقودوا سياستهم الخارجية بكل سيادة رافضين كل وساطة دبلوماسية من أي طرف كان سواء كانت تونس أو المغرب أو مصر ». (11)
إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن بإلحاح هو : كيف استطاعت الحكومة المؤقتة إفشال الانقلاب الذي خطط له العموري ورفاقه، رغم كونه مدعماً معنوياً ومادياً من طرف المخابرات المصرية؟ ناهيك عن أن هناك المئات من مناضلي جبهة التحرير وجنود جيش التحرير داخل الجزائر وخارجها ممن يتعاطفون مع مدبري الانقلاب؟ وجوابه أن المخابرات الغربية وخاصة الفرنسية منها لم تكن غافلة عندما كان عبد الناصر وفتحي الذيب و العموري يخططون للانقلاب والأهم من هذا أن الحبيب بورقيبة الذي أحيط علماً بشأنه (الانقلاب) كان في غاية السعادة وهو يمد يد المساعدة إلى أصدقائه خاصة وهو يعلم أن خطة الانقلاب كانت بمساعدة كل من مصر والأمير عبد الكريم الخطابي(12)، وبالأخص عدوه اللدود صالح بن يوسف وزير العدل التونسي السابق، والذي ظل على ادعائه بأنه الأمين العام الشرعي للحزب الدستوري الجديد رغم وجوده في منفاه بمصر.
الشيء المهم الذي يجب أن نلاحظه هنا هو أن بو الصوف الذي شجع في البداية (كما أخبرني بذلك فتحي الذيب بنفسه في 1986) (13) العقيد لعموري ومصطفى لكحل لم يستطيع -فقط- أن يفلت ويخلص نفسه من القضية كما تخرج الشعرة من العجين، بل الأهم من ذلك  إنه نجح رغم المعارضة الشديدة التي أبداها كريم بلقاسم في تعيين العقيد هوراي بومدين على رأس المحكمة التي أنشئت بموجب قرار من الحكومة المؤقتة والصادر في  20/01/1959.
ولقد أصدرت تلك المحكمة التي انتهت جلستها في 28 /02/1959 أربعة أحكام بالإعدام وتسعة أحكام بالسجن لمدد مختلفة، حيث حكمت بالإعدام على كل من محمد العموري وسعيدي جمعي المدعو مصطفى لكحل ومحمد عواشرية وأحمد نواورة، الذين نفذ فيهم الحكم رمياً بالرصاص بتاريخ: 16/03/1959 في منطقة الكاف بحضور حاكمها والمدعي العام التونسي (14) « ما كادت جلسة المحاكمة تنتهي، وينطق فيها الحكم في 28 فيفري 1959 حتى وجدت الثورة الجزائرية نفسها في أتون خطر عظيم يمكن أن يدمرها بسبب تلك الأحكام القاسية التي أحبطت معنويات إطارات وجنود جيش التحرير. مما دفع ببعضهم إلى التمرد على قادتهم والفرار من وحداتهم المختلفة. ولكن يجب القول أن الضباط الجزائريين في الجيش الفرنسي الذين فروا منه بخطة مدبرة من طرف كريم بلقاسم ووزير الدفاع الفرنسي وانضموا إلى جيش التحرير بداية 1958، قد لعبوا الدور الأهم في احباط معنويات الجنود وشل إرادتهم، ولقد حللت موضوع هؤلاء الضباط بشكل وافي في رسالة الماجستير التي ناقشتها في 1976.
تلك إذن وباختصار وقائع المحاكمة الشائنة برئاسة العقيد هواري بومدين والتي وصفها د/ محمد حربي ب » مؤامرة العموري » .
وفي هذا السياق نرى ضرورة الاطلاع على المحضر الكامل الخاص لجلسة المحاكمة، حتى نتمكن من إعطاء صورة واضحة عن أحد الجوانب الجزئية والمأساوية لثورة نوفمبر التي اخترقتها فرنسا حتى قبل أن تنطلق.
لقد استولت علي الحيرة والارتباك وأنا أقرأ محضر الجلسة وأعيد قراءته مرة بعد مرة ، حيث وجدت نفسي غير قادر على رفع بصري عن الكلمات الآتية التي استعملتها المحكمة لتبرير أحكامها القاسية وهي:
 » قرار المحكمة باسم الشعب الجزائري-باسم الثورة- باسم جيش التحرير الوطني- باسم الشهداء »
وهنا يجب القول أن الكلمة الأخيرة هي التي هزت كياني وأثارت القشعريرة في أوصالي، ولمعت في ذهني حينها وبسرعة البرق تلك الصور التي بثتها التلفزة الجزائرية يوم 24 أكتوبر 1984؛ صور سبعة عشر صندوقاً خشياً صغيراً ملفوفاً بالعلم الجزائري على أكتاف جنود بزيهم الرسمي الخاص وقد كان كل صندوق يحمل –طبعاً- رفات الجزائريين الذين قتلتهم عصابات جبهة التحرير الوطني والحكومة المؤقتة خارج الجزائر وكذلك رفات من قتلوا في الجزائر بعد الاستقلال.
وحسب ما جاء في العدد الخاص لمجلة المجاهد(15) الصادر بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على اندلاع ثورة نوفمبر، فإن قرار إعادة دفن تلك الرفات دفناً رسمياً بمقبرة العالية بالعاصمة مع بقية إخوانهم الشهداء، قد اتخذه الشاذلي بن جديد رئيس الجمهورية والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني بناءاً على توصيات اللجنة الخاصة التي تشكلت لهذا الغرض، وقد حمل هذا القرار العفو وإعادة الاعتبار لأولئك الرجال على أنهم شهداء.
ولقد وجدت نفسي وأنا أحاول أن أمسك في ذهني بتلك الصور حتى لا تفلت مني، وكأنني أدمدم بكلمات غير مفهومة. ولم يتبين لي ما كنت أردد بين وبين نفسي: هل يعقل أن يعدم الشهداء الشهداء. أن صور الصناديق السبعة عشر (16) قد عمقت في نفسي الألم كما عمقت في الوقت نفسه صعوبة الأجابة عن السؤال التالي:
كيف لهؤلاء الذين قتلتهم جبهة التحرير بتهمة الخيانة أن يعادوا ويدفنوا كشهداء جنبًا إلى جنب مع إخوانهم الشهداء أيضاً الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الجزائر؟ وهذا السؤال أيضاً الذي لم أجد له جواباً استدعى بدوره أسئلة أخرى حساسة ومثيرة للقلق من بينها: إذا كان أولئك الرجال شهداء فعلاً (ومن بينهم العموري ورفاقه الثلاثة) كيف أصدرت المحكمة العسكرية أحكاماً بإدانتهم وإعدامهم باسم الشهداء؟
وإذا كانوا شهداء فعلاً، فعلى الذين حكموا بإعدامهم وقضوا على حياتهم أن يتحملوا مسؤليتهم أمام الله ثم أمام القانون.
إننا نعتقد أن الذين نصبوا تلك المحكمة وأن قادة جبهة التحرير والحكومة المؤقتة من ورائهم، ليس لهم الحق لا أخلاقياً ولا سياسياً أن ينسبوا ما اقترفته أيديهم إلى الثورة الجزائرية أو أن يدعوا بأنهم لم يتصرفوا بصفاتهم الشخصية كأفراد ففي سابقة تاريخية بعد الحرب العالمية الثانية وأثناء انعقاد محكمة نونمبرغ، أدين النازيون وحكم على بعضهم بالإعدام، ولم تقبل في ذلك ادعاءاتهم بأنهم تصرفوا باسم الدولة الألمانية، بل حملتهم المسؤولية الشخصية على أفعالهم كأفراد لا كممثلي دولة.
(*) مقتطف من دراسة غير منشورة بعنوان « فرحات عبّاس حصان طروادة الثورة الجزائرية ».
الهوامش:
(9) المرجع السابق ص. 19،
ولقد أخبر العقيد فتحي ديب هذا المؤلف في 22 أفريل 1986 في المقابلة التي أجريتها معه في منزله بمصر الجديدة أن معه خطابا يثبت أن بوصوف شجع العقيد لعموري ومعاونيه أن يشنوا انقلابا ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة. وادعى العقيد فتحي ديب فيما بعد أن بوصوف أبلغ عن العقيد لعموري ومعاونيه حين اكتشف أمرهم والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه النقطة هو أنه إذا كان العقيد فتحي الديب معه بالفعل نسخة من خطاب بوصوف كما ادعى، فلماذا لم ينشره مع باقي المستندات في كتابه « عبد الناصر والثورة الجزائرية ».
(10) أوردها محمد حربي  (عن بن طوبال من مذكراته الغير منشورة) « مؤامرة العموري » مجلة الدراسات والنقد الاجتماعي خريف/ شتاء 2001 ص. 20.
(11) المرجع السابق ص. 20.
(12) ولقد أخبر الأمير عبد الكريم الخطابي، هذا المؤلف في عام 1960 أنه أعطى الرائد مصطفى الأكحل مائة جنيه مصري  قبل أن يغادر القاهرة  إلى تونس.  والمؤلف الذي وعد الأمير عبد الكريم الخطابي بأنه لن يكشف عما أخبره،  يشعر بأنه لم يعد  ملزما بهذا الوعد لأن الأمير لم يعد على قيد الحياة.
(13) مقابلة مع فتحي ديب، الهامش (9).
(14) وتبعا لقول « فرحات عباس » في مؤلفه  » Autopsie D’une Guerre  » ص. 249، فإن الأمن العسكري التونسي لعب دورا حاسما في إحباط الانقلاب الفاشل الذي دبره الكولونيل لعموري ورفاقه.
(15) مجلة المجاهد 02 نوفمبر 1984 العدد 1265 ص:10/11.
(16) مع الإشارة أن المرحوم عمارة علاوة لم يكن في ضمن من شملهم العفو، وبقي مدفوناً في مصر.
assala-dz.net


Nombre de lectures: 2134 Views
Embed This