DzActiviste.info Publié le mar 14 Mai 2013

صلابة الموقف الروسي في الأزمة السورية

Partager

هدفت إدارة أوباما في « التبرع » بالإعلان عن غارتين « إسرائيليتين » متتاليتين على سورية إلى استعادة زمام المبادرة على الصعيد الدولي وإلقاء تهمة التردد والارتباك بعيدا، وأيضاً طمأنة خصوم الإدارة الداخليين، وهم كثر، إلى قدرتها على ممارسة دورها الرئيسي في القضايا والتحديات العالمية، خلافا للاتهامات بتراجع نفوذها وتقويض وحدانية زعامتها في العالم قاطبة. ورمت إلى استثمار نتائجها المرجوة في ممارسة مزيد من الضغوط على روسيا عشية اللقاءات الرسمية بين وزير الخارجية جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لا فروف، وكذا الرئيس فلاديمير بوتين.

لم تعد خافية الخطورة الكامنة في شن الغارة « الإسرائيلية » على سورية، سيما لاستبعادها فرضية قدرة الدولة السورية على شن هجمات انتقامية، فضلا عن مفاقمتها للوضع الإقليمي وتعريضه إلى نشوب حرب أخرى شاملة مع دخول العامل الروسي بقوة هذه المرة.

البيانات الغربية الصادرة عن عدد من العواصم واكبت الرواية « الإسرائيلية  » لهدف الغارة بالزعم أنها أتت لإعاقة ومنع تسليم أسلحة متطورة إلى حزب الله عبر سورية، سيما المنشأة المستهدفة التي يعتقد أنها كانت تخزن صواريخ فاتح – 110 الإيرانية ونظيرها السوري M-600.

البيان الرسمي السوري الصادر عن وزارة الخارجية أفاد أن الغارة أصابت ثلاثة مواقع عسكرية: في ضاحية جمرايا القريبة من دمشق، وميسلون، ومطار لطائرات شراعية في الديماس بمحاذاة الحدود اللبنانية.

ما تشير إليه الغارات المتكررة هو تطور القرار « الإسرائيلي » بمباركة أميركية على الأرجح، من خانة تقديم الدعم سرا للقوى المسلحة المعارضة إلى الانخراط المباشر رسميا والتعويض عن الارتباك الذي أصابها بعد خساراتها المتتالية لمواقع ميدانية وتكبدها خسائر بشرية عالية على أيدي الجيش العربي السوري؛ كما تشير إلى عزمها على اعتراض الإمدادات العسكرية وغيرها المتجهة غربا لحزب الله، مهما كلف الثمن. المعادلة « الإسرائيلية » قبل الغارات الأخيرة لم تستبعد بقاء النظام السوري وما تعرض له من تدمير في مختلف المناحي والطاقات، واستعدادها للتعامل مع هذا الأمر على قاعدة عدم قدرته على التحرك أو المساعدة لمواجهة « إسرائيل « . وأعلنت عن ذلك مرارا، سيما أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو حذر سورية المرة تلو الأخرى من مغبة تسليمها حزب الله أسلحة كيميائية أو أخرى متطورة، الذي اعتبره خطاً أحمر.

في المقابل، اعتبر بعض الخبراء الأميركيين أن عدم التيقن من مستقبل الرئيس السوري قد يدفع بحزب الله وإيران لحث الخطى وتكثيف تحركاتهما لنقل الأسلحة المتطورة إلى داخل الأراضي اللبنانية. الغارات « الإسرائيلية » وجهت رسائل متعددة لسورية وحلفائها، وعلى رأسهم روسيا التي تعزز حضورها بقوة في مياه المتوسط وما ينطوي عليه من حضور مكثف في الإقليم يواجه جهود تركيا المتواصلة للحد منه. سورية وروسيا

استطرادا، فإن أي تهديد موجه لسورية هو أيضا موجه لروسيا ولأسلحتها وقاعدتها البحرية في طرطوس السورية. كما أن استمرار الصراع المسلح في الداخل السوري يشكل تهديدا لأهداف السياسة الخارجية الروسية بعيدة الأمد. إن توتر العلاقة بين القوتين العظميين، روسيا وأميركا، يجد صداه جليا في المعادلة السورية: إصرار الولايات المتحدة على المضي بتسليح قوى المعارضة بكافة الأنواع ومراهنتها على الخيار والحسم العسكري (المعادلة الصفرية)، استدعى روسيا للوفاء بالتزامات تعهداتها واتفاقياتها العسكرية لاستمرار توريد الأسلحة إلى سورية وتعزيز سلطات الدولة.

ومن المرجح أن يسهم الاعتماد التسليحي لسورية على روسيا ومنظوماتها المتعددة في استمرارية نفوذ روسيا لأمد منظور حتى ولو تعدلت تركيبة الحكومة السورية مستقبلا، كما أن روسيا لم تخفِ ضيق ذرعها من تشدد الموقف الأميركي وإصراره على المعادلة الصفرية في سورية، بالرغم من كل ما تبذله الأولى من جهود لترجيح الحل السياسي التفاوضي، ولعبة التوازنات الإقليمية الدقيقة بينهما، سيما وان الولايات المتحدة لم تف بوعودها للجم تدفق الأسلحة إلى أيدي المجموعات المسلحة المختلفة، بالمعدات والموارد وجهود التدريب. كما أن الطرفين يدركان سوية أهمية تقديم تنازلات محددة متبادلة، وكل ينتظر الآخر لاتخاذ الخطوة الأولى بهذا الاتجاه. لقد ثابرت روسيا على تحمل منغصات الدول الغربية واتهامها بتقديم الحماية للدولة السورية، وردت باتهام مماثل لأولئك الذين يسعون « لتسييس المسألة » السورية والذهاب بعيدا لتوسيع جهود التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية توطئة لشرعنة فرق التفتيش الغربية لتصول البلاد جيئة وذهابا. وأوضح نجم الخارجية الروسية سيرغي لافروف أنه كان من المفترض وصول خبراء إلى سورية للتحقيق في إمكانية استخدام أسلحة كيميائية في منطقة خان العسل بحلب؛ وبدلا من الالتزام بإطار المهمة سعى أعضاؤها للمطالبة بتسهيلات الدخول إلى كافة المنشآت السورية وحقها في إجراء مقابلات مع أي مواطن سوري. واردف لافروف قائلا: « اعتقد أن هذا تجاوز للإطار ».

كما رد الجانب الروسي على التشدد الأميركي بحصافة ديبلوماسية قبيل لقاء وزير الخارجية الأميركية جون كيري في موسكو بركنه جانبا ينتظر لقاء الرئيس فلاديمير بوتين لفترة زمنية، حسبما تناقلت وسائل الإعلام العالمية، إذ تقصدت إلى إظهار مدى استياء الجانب الروسي من الموقف الأميركي وللتعبير عن مدى الثقة بإحراز بعض النجاحات في سياستها الخارجية. ينبغي الإشارة في هذا الصدد إلى الإعلان الروسي الأميركي المشترك عنوانه إنشاء حكومة انتقالية في سورية كثمرة إنجاز للسياسة الخارجية الروسية في الشأن السوري، إذ أن إعلان التفاهم يوحي بالإقدام على خطوة مقبلة تمت الدعوة لها منذ زمن، وفي نفس الوقت إتاحة فسحة زمنية لروسيا في المضي بدعمها للدولة السورية، كما من شأن الإعلان توفير الأعذار للرئيس أوباما بعدم الانجرار وراء دعوات أقطاب الحرب للتدخل المباشر في سورية. أما داخل المؤسسة الأميركية الحاكمة، فقد رحب البعض بالإعلان كونه يمثل خطوة روسية للابتعاد عن الرئيس الأسد، بيد أن الأمر لا يعدو سعيا للحفاظ على ماء الوجه ولا يمثل نقطة تحول سياسية محددة في السياسة نحو سورية.

الخيارات الروسية

بروز تركيا الطاغي في الإقليم لا ينوي مزاحمة قوى عربية تقليدية مثل مصر، بل يتعداها إلى الحد من تمدد النفوذ الروسي. وعليه يمكن تلمس معايير المشهد والخيارات المتاحة لروسيا على الشكل التالي: الخيار الأول يكمن في تبني استراتيجية الطرف « الرابح يستحوذ على الكل » مما يستدعي تكثيف الدعم الروسي للدولة السورية. إذ لا يزال التماسك في أقطاب الدولة السورية هو الأقوى، ويسيطر على معظم أجزاء الدولة، مع استمرار تدفق الدعم الروسي للرئيس الأسد ودعم الدولة من قطاعات واسعة من الشعب السوري، يتعذر تحقيق مطلب إسقاط الدولة. حينئذ، فإن ما يتعين على روسيا فعله لا يتجاوز المراوحة والانتظار والمناورة السياسية لإفشال مخططات الدول الخليجية لدعم المعارضة المسلحة.

واستطرادا، ستستمر روسيا في جهودها لحرف بوصلة الهجمات الديبلوماسية وطرح خيارات ديبلوماسية موازية للحل بصورة علنية، وفي نفس الوقت الاستمرار في دعم الدولة السورية بأشكال متعددة. إذ من شأن دخول نظم دفاعات جوية متطورة على المشهد الميداني تحييد فعالية أسلحة الطيران لدول حلف الناتو و « إسرائيل »، التي رغم خطورتها فإنها تتراجع أمام التهديدات التي تمثلها قوى المعارضة المسلحة على سلامة الدولة ومرافقها. الدعم بالمعدات التقليدية كالمدرعات والذخيرة قد تعود بفائدة أكبر على تدعيم مقومات الدولة السورية، كما باستطاعة روسيا إمداد سورية بقوات للمهام الخاصة، وتشغيل نظم الدفاعات الجوية بأطقم فنية روسية الأمر الذي سيفرض معادلة أخرى على دول حلف الناتو و « إسرائيل » لشن غارات مقبلة على سورية، كما من شأن تلك القوى والأطقم الروسية المخولة بحماية المطارات العسكرية والموانيء البحرية تخفيف الضغط عن أعباء المهام الملقاة على عاتق القوات المسلحة السورية وتسخير جهودها للعمليات القتالية والمواجهات العسكرية، فضلا عن توفير تدريبات مكثفة للميلشيا الشعبية السورية التي أعلن عن إنشائها في أعقاب الغارة « الإسرائيلية »، لمهام معارك المدن وعمليات مكافحة المتمردين. النجاحات الروسية طويلة الأمد تستدعي موازنة أهدافها أيضا مع الأهداف الإيرانية، الشريك الآخر لسورية. إذ بينما تنظر روسيا لسورية كشريك باستطاعته مناوءة تركيا وحسر تقدمها ونفوذها في منطقة البحر المتوسط، تجد إيران في سورية دولة مواجهة في خط الدفاع الأول في سياق حربها مع « إسرائيل »، كما لا تنوي روسيا إيجاد الذريعة « لإسرائيل » للانخراط في الحرب الدائرة في سورية ودخولها إلى جانب المعارضة المسلحة، والبقاء خارج دائرة الصراع بينما تمضي هي في تدعيم الدولة السورية بشحنات الأسلحة. في المجمل، فإن خيار « الرابح يستحوذ على الكل » يوفر أكبر الانجازات والمكاسب لروسيا، سيما وان الرئيس الأسد يدين لروسيا مقومات البقاء للدولة ومؤسساتها سيكون أكثر استعدادا للتعاطي مع مطالب روسيا لتجذير نفوذها في المنطقة، لتشمل قواعد بحرية وجوية لها، على شواطيء المتوسط وحماية خاصرتها الجنوبية من ابتزاز تركي، خصمها التاريخي، الأمر الذي سيعزز من خيارات روسيا لمواجهة التحدي المرئي والذي قد يشمل نشر قوات روسية داخل سورية أو ربما تنشيط عمليات المقاومة الكردية لاستدراج وإشغال وحدات الجيش التركي، وفرض موقف حيادي على القادة الأتراك في النزاع الدائر. ومن شأن هذا التوجه أن يحدث تصدعا في الجبهة الجنوبية لحلف الناتو. إن تضافر مجموعة من العوامل سابقة الذكر، ربما تشكل أرضية لمراهنة روسيا على دعم سورية وعدم انحنائها للضغوط الدولية المتعددة والمكثفة في آن لتقييد حركتها في دعم الدولة السورية.

في المقابل، مطلب الغرب مما يتعين على روسيا القيام به سيؤدي بالضرورة إلى تشظي وتقسيم سورية إلى مناطق نفوذ متناثرة مع قبوله لمنطقة ساحلية تخضع لنفوذ الرئيس الأسد؛ أمر ترفضه روسيا ليس بدافع تقييد حركتها في مياه المتوسط في مواجهة تركيا فحسب، بل لكونه يشذ عن تحقيق انتصار واضح. الخيار الآخر، نظريا، هو النأي بالنفس والتخلي عن سورية وتركها تواجه مصيرها بمفردها أمام حملة غربية وإقليمية منظمة؛ وهو خارج عن التداول الحقيقي في أروقة السياسة الروسية لما يمثله من مخاطر استراتيجية لوقوع سورية تحت سيطرة غربية تركية ودول خليجية. بل الأخطر، لما سيمثله من انعكاسات على الأطراف الحليفة والصديقة لروسيا وما يمكنهم المراهنة عليه.

محصلة استعراض الخيارات السابقة يؤدي إلى إرساء أرضية فهم وإدراك أفضل لتصميم روسيا على دعم الدولة السورية؛ وما يمثله من تتويج لأهداف سياسة خارجية من الزمن الغابر، منذ الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي والدولة الروسية الحديثة، لتحييد النفوذ التركي والفوز بموطيء قدم على مياه البحر المتوسط.

لقد أثبتت السياسة الروسية، مرة تلو الأخرى، أنها تمارس رؤية تتحلى ببعد النظر والأمد الطويل، بخلاف الأطراف الأخرى المنخرطة في الصراع الدائر في سورية وعليها التي تنحو باتجاه تحقيق إنجازات سريعة وقصيرة الأجل؛ وهي ميزة رافقت كل من اعتلى منصب الكرملين من القياصرة والسكرتاريين العامين والرؤساء.

قاسيون 13 ماي 2013


Nombre de lectures: 231 Views
Embed This