DzActiviste.info Publié le jeu 6 Sep 2012

عملية سيناء.. تشابك الخطوط وتقاطع المصالح لا يخفي الأصابع الحقيقية

Partager

قام الجيش المصري بعمليات عسكرية واسعة في سيناء، وتجري حملات لتصويره منتصراً على عدو خفي، وطوت حرب الصحراء مؤقتاً الخلافات خفيضة التوتر بين القيادات العسكرية والرئيس المصري.

وقد جاءت هذه الأحداث على خلفية العملية التي أدت إلى مقتل عدد من حرس الحدود المصريين، وقام المهاجمون بالاستيلاء على عربة مدرعة. وبعيد اجتيازها الحدود قام الطيران الإسرائيلي بتدميرها بشكل كامل، وكأن المطلوب إخفاء الآثار وليس معرفة الفاعلين. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، ويقال إن الهجوم تم انطلاقاً من المنطقة الحدودية الفاصلة بين مصر وقطاع غزة والمناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل الصهيونية، واعترفت الأجهزة الإسرائيلية بأنها كانت على علم بالعملية.

واتخذت هذه العملية ذريعة لاستمرار حصار غزة وتشديده، فبوشر بعملية هدم الأنفاق، رغم أنه لا توجد دلائل قاطعة حتى الآن عن اشتراك فلسطينيين فيها أو انطلاق المهاجمين من غزة أو استخدامهم لأنفاقها، بينما تتحدث بعض المعلومات أن فلسطينيين اثنين فقط قد ساهما في التخطيط، وأنهما على علاقة بمحمد دحلان، مدلل جورج بوش في فلسطين وذي السجل المفضوح بالتعامل مع الأجهزة الأمنية الصهيونية.

وأزالت هذه العملية – الذريعة حراجة موقف الرئيس محمد مرسي من استمرار حصار غزة، فمازالت أغلبية الشعب المصري، بما فيها قطاعات واسعة من القاعدة الانتخابية للرئيس، تتعاطف مع الشعب الفلسطيني ولا تنجر لحملات الوقيعة بين الشعبين، وتعتبر أن الوقت مناسب لفك الحصار، بعد انتخاب رئيس ينتمي إلى تنظيم ٍ يحكم فرعه غزة منذ سنوات. لكن في ظل حكم مرسي يستمر الحصار لا بل تهدم الأنفاق أيضاً، ويتم الإعلان عن النية في فتح معبر رفح، ثم يلغى القرار ليعود فيقر من جديد، تماماً كما في عهد مبارك، وهذا الفعل هو اشتراك كامل في جريمة الحصار، ولن تنفع ذريعة الصلاحيات في تبرير موقف مرسي، لا اليوم ولا غداً، فمن انحصرت كل السلطات في يديه بعد إلغاء الإعلان الدستوري المكمل واستمرار حل مجلس الشعب، ومن يقوم بعزل كبار القيادات العسكرية والأمنية في بضعة أيام دون أي مقاومة، لا يستطيع التحجج بعدم القدرة على فتح معبر واحد في ظل الخطاب الديماغوجي عن قوة مصر واستقلال قرارها وقدرتها وسطوتها، أما إن كان مانع فتح المعبر قوة خارجية، إقليمية أو دولية، فعندها يفقد النظام بأكمله شرعيته، لأنه يقر عندها أنه نظام تابع. فنظام الدولة يكتسب شرعيته من استقلال قراره وتنفيذ إرادة شعبه، وهي الصفات التي لا يمتلكها النظام المصري.

وقوبلت عملية الهدم وتشديد الحصار بصمت مريب من حماس، هذه التي حاولت في سنوات مضت الابتعاد عن تنظيمها الأم « الإخوان المسلمين » لاعتبارات إقليمية أكثر منها فلسطينية، وبشكل خاص العلاقة مع نظام مبارك واستجداء رضاه فيما يتعلق بإدارة غزة ووقف المقاومة وملفات « المصالحة الفلسطينية »، إلا أن الحركة عادت وأثبتت بالممارسة انتماءها لهذا التنظيم المنافق. فقد سكتت عن قرارات القيادة المصرية ولم تُدِن هدم الأنفاق، بل هي مشغولة بتبرئة نفسها من تهمة الإرهاب المعلبة ومحاولة النأي بالنفس، وأي نأي هذا في وقت يتم تنفيذ حكم الإعدام البطيء بسكان قطاع غزة الصامدين بشكل بطولي. ما يحدث اليوم هو نتيجة مسار طويل سلكته الحركة ركز على التمسك بالحكم في كانتون غزة عوضاً عن التمسك بالمقاومة، ولم تعد تتحدث حتى بشكل خجول عن فتح المعبر الوحيد بين القطاع المحاصر ومصر، وذلك أيضاً لاعتبارات ذاتية لا مصلحة للشعب الفلسطيني فيها، حيث تدر الأنفاق على حكام غزة أموالاً طائلة دون حسيب أو رقيب، لتستطيع بذلك توزيع نعمها على من تشاء وحجبها عمن تشاء وإدامة حكمها المنقوص، عديم السيادة والمستقبل.

وبالتالي كثر الحديث عن الأنفاق، وهي بنيت نتيجة للحصار وأصبحت شريان حياة سكان القطاع، بينما غاب عن الحصار. ويستخدم الصهاينة النقاش حول الأنفاق للتغطية والتنصل من جريمة حصارهم الإجرامي للقطاع، والذي يمثل عملية إبادة بطيئة ومنظمة لمليون ونصف المليون فلسطيني محاصرين في معتقل نازي كبير سجانه صهيوني، في حين لا يتعدى دور حكومة حماس دور اللجنة الإدارية لشؤون المحكومين بالإعدام.

من جهة أخرى، اقتنص محمد مرسي الفرصة، بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة، وبتنسيق كامل مع الأمريكيين، للإطاحة ببعض شركائه وتقوية مواقعه في الحكم، فكانت الإطاحة بالمشير محمد طنطاوي، وزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري، والفريق سامي عنان، رئيس أركان الجيش، إضافة لعدد من القيادات المفتاحية، وجيء ببديل واضح النشأة، فتمت ترقية اللواء عبد الفتاح السيسي إلى رتبة فريق أول وتعيينه وزيراً للدفاع وقائداً عاماً للقوات المسلحة، وهو أصغر أعضاء المجلس العسكري سناً، حيث لم يبلغ الستين بعد، ومن فئة الضباط التي انضمت إلى الجيش بعد حرب العام 1973، حين وضع السادات كل « أوراق اللعبة » في أيدي الأمريكيين، حاصل على ماجستير في العلوم العسكرية من بريطانيا ثم أكمل « دراساته العليا » في الولايات المتحدة الأمريكية، معروف بسطوته على من حوله وقد يكون منصبه كمدير للمخابرات العسكرية قد مكنه من ذلك. وتشير معلومات صحفية إلى أن مرسي قام بالتنسيق الكامل مع السيسي في قيادة الانقلاب الهادئ ضد الثنائي طنطاوي ـ عنان، مستفيداً بطبيعة الحال من إمكانات الجهاز الذي يديره، وبمعرفة الراعي الأمريكي الذي لم يخف ذلك.
وقد يكشف تطور الأحداث أدواراً مستقبلية بالغة الخطورة للسيسي. فهو، إضافة لنشأته، لا يخفي توجهات اجتماعية مقاربة لتوجهات مرسي، توجهات الفئات الوسطى المصرية المحافظة وطقوسها. ويوصف بعدم تردده في قمع الحركة الجماهيرية، وهو من دافع في العام الماضي علناً عن فضيحة كشوف العذرية المهينة التي تعرضت لها متظاهرات في معتقلات عسكرية بعد اعتقالهن في مظاهرات ميدان التحرير.

ويحاول الثنائي المستجد مرسي ـ السيسي استخدام زيادة تعداد القوات المصرية في سيناء، ومطالبة إسرائيل الخجولة بعدم خرق اتفاقيات كامب ديفيد بهذا الصدد، كرافعة لمشاعر الاعتزاز القومي وتوجيهها نحو الخارج، وإن لحين، واستخدامها كسلاح أساسي في تعزيز الثورة المضادة. ومع مصلحة إسرائيل الصهيونية بعيدة المدى في وأد الثورة ودعم الثورة المضادة، إلا أنها مستفيدة على المدى القريب أيضاً، فهي تستفيد من زيادة القوات المصرية في سيناء لتضييق الخناق على الشعب الفلسطيني، ولقمع سكان سيناء الذين يرتبطون بصلات القربى والدم مع الفلسطينيين فمنهم من خاض كل الحروب ضد إسرائيل، ومنهم من فجَّر أنابيب توريد الغاز عشرات المرات، ومنهم من يوصل المؤن والغذاء والدواء إلى سكان غزة المحاصرين.
ويذرف البعض الدموع على الجنود الآمنين الذين قتلوا، ويركز على أنهم قتلوا على مائدة الإفطار سعياً لاستدرار العواطف الدينية، ويدعو إلى الويل والثبور وعظائم الأمور للاقتصاص من القتلة، بينما يلزم الصمت عندما يقتل الجيش الإسرائيلي عشرات الجنود المصريين بدم بارد، وقد شهد العام الماضي حادثة من هذا النوع ورفضت إسرائيل الصهيونية الاعتذار عنها بوقاحتها المعهودة.

ويسعى حكام مصر لاستخدام هذه الأحداث المأساوية لإضفاء هالة قدسية على أجهزة الدولة، وتصوير كل رجالها كملائكة، وذلك للتغطية على القمع الممارس ضد الشعب المصري، فأبناء سيناء خاصة يعانون الأمرين من القمع والتهميش السياسي والاقتصادي. فقد اقتسم سيناء إبان حكم الرئيس المخلوع كل من حسن راتب وحسين سالم بالشراكة الكاملة مع الطغمة الحاكمة.

حسن سالم صاحب قناة المحور الفضائية، ورئيس جمعية مستثمري شمال سيناء، احتكر شمال شبه الجزيرة، وكان يورد من قطاع الدولة مواد أولية لمصنع الاسمنت الذي يملكه بشكل مجاني وبمبلغ تافه لا يتعدى الألف دولار سنوياً، ثم يقوم بتصدير الاسمنت إلى إسرائيل لبناء الجدار العازل في الضفة. واستولى على أرض مخصصة للسكن الشعبي وبنى عليها قرية سياحية، إضافة إلى تجاوزات واستيلاء على الأملاك الخاصة والعامة حتى سمي برئيس جمهورية سيناء.
أما حسين سالم، فهو مهندس الصفقة المشبوهة لتوريد الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار أقل من الأسعار العالمية من خلال شركته، وصاحب المنتجعات السياحية المنتشرة في مختلف أنحاء سيناء.

وتكتب صحيفة عربية: (تكشف قصة حسين سالم في سيناء عن تداخل الأمن والاستخبارات والاقتصاد. ففي البيان الذي أصدره سالم مدافعاً عن نفسه ونافياً شبهة الفساد أو الارتباط بالنظام السابق،..، يؤكد أن تصدير الغاز إلى إسرائيل كان أمراً يتعلق بالأمن القومي المصري، وكان تكليفاً ومفروضاً، وكانت الجهات الأمنية تشرف على كل صغيرة وكبيرة متعلقة به. بعد الثورة، انكشف جانب آخر من هذا التداخل، فوثائق أمن الدولة المسربة أثبتت تورط تنظيم سياسي داخل وزارة الداخلية يقف على رأسه حبيب العادلي (وزير الداخلية) ويعمل لمصلحة جمال مبارك، في تدبير تفجيرات سيناء في 23 تموز 2005، التي راح ضحيتها العشرات. كشفت وثائق الجهاز أن العملية أعدت في الأصل لاستهداف مجموعة منتجعات موفنبيك المملوكة لسالم عقاباً له لخفضه عمولة مبارك الابن من صفقة الغاز مع إسرائيل، غير أن المجموعة المتطرفة غيرت من وجهة أهدافها).

ووضعت المنطقة تحت رحمة قبضة أمنية تستقوي ببعدها عن المركز ووجودها في منطقة ذات سيادة منقوصة من جهة، ومن جهة أخرى تتمتع بصلاحيات واسعة منحت لها من قبل الطغمة الحاكمة. وهي أجهزة مهمتها لا تقتصر على بسط سلطة الدولة فحسب، بل تتسع لتحمي دولة العدوان الصهيوني، ولتشكل خلايا إرهابية تحت الطلب، ولتدعم مشاريع البرجوازية الكمبرادورية المصرية، الشريكة الصغرى للشركات الاحتكارية الأمريكية وبناتها الإسرائيلية.
وهكذا ألقي بأبناء سيناء في هاوية الفقر والتهميش، ومورست عليهم أكثر السياسات تمييزاً، وتعرضوا للاضطهاد السياسي والاقتصادي. فضاقت في وجوههم سبل الحياة، وأصبحت التجارة عبر الأنفاق مع غزة مصدر رزق لكثيرين، واستفادت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية من هذا الوضع لتعمل على تجنيد عملاء، بينما ضخت مشيخات الخليج النفطي الأموال لنشر التطرف الوهابي التكفيري.

تبين الأحداث المتوالية بشكل قاطع أن وراء عملية سيناء أصابع صهيونية، وستستخدم هذه العملية لفترة طويلة ذريعة لمزيد من قمع أبناء سيناء وغزة. وستستمر حملات القمع المنظم بقيادة الجيش المصري وبرعاية ودعم من العدو المشترك لشعوب المنطقة، الامبريالية الأمريكية وإسرائيل الصهيونية.

ورغم هذا الواقع الصعب يقاوم أبناء سيناء ويعرفون عدوهم الحقيقي، وما تفجير أنابيب الغاز إلا مؤشر بالغ الدلالة على مستوى عال من الوعي الوطني، وقد تتطور الأوضاع في اتجاهات مختلفة بالاستفادة من واقع المنطقة وطبيعتها.

من جديد تثبت حركة التاريخ ضرورة ارتباط النضال الطبقي بالوطني، وما يحدث في سيناء دليل واضح على أن الحصول على الحقوق المشروعة للشعوب يمر عبر التحرر الوطني من الهيمنة الامبريالية ووكلائها المحليين، فلا ثورة إلا بالعداء الكامل للامبريالية الأمريكية وإسرائيل الصهيونية والقطيعة مع سياسات الطغم البرجوازية الكمبرادورية والتضامن غير المشروط مع الشعب الفلسطيني.

رشيد موسى

صوت الشعب السورية العدد 295


Nombre de lectures: 234 Views
Embed This