DzActiviste.info Publié le dim 20 Avr 2014

عندما يقتل جيل أجيالا

Partager

A generation that killed generationsTunisie Harimna

س.ج

——————————————–

هذه ليست مقالة سياسية تحليلية بل هي عبارة عن مجموعة خواطر أعتقد أنها تجول بخاطر الكثيرين من جيلي.

————————

وأنا أتابع أخبار الانتخابات الرئاسية لفتت انتباهي مشهدا بثته العديد من القنوات، إنه مشهد مجموعة كبيرة من كبار السن  ينتظرون أمام أحد مراكز التصويت وما أن  فتح الشرطي باب المدرسة (مركز التصويت) حتى تدافع الجميع مهرولين لكي يدلوا بأصواتهم ويمنحوا  ثقتهم لرجل لم يسمعوا له صوتا منذ سنتين ليحكمنا خمس سنوات مقبلة، هذا المشهد أعرف أنه تكرر في كل مراكز التصويت عبر القطر الجزائري . وأنا أنظر لهذا المشهد استرجعت ذاكرتي مشهد الاستفتاء الأخير في مصر، حيث شكّل كبار السن غالبية من اصطفوا ليصوتوا بنعم لدستور العسكر وليحكموا على أبنائهم وأحفادهم بعصر آخر من العبودية ، بينما كان أبنائهم وأحفادهم بين قتيل وجريح وسجين ومسحول ومحبط ، وكأن جيلا بخل على أجيال أن تعيش الحرية والكرامة التي لم يعشها .

في مصر والجزائر تشابهت القصص والأحداث والمآسي. ففي مصر حكم عبد الناصر وأستعبد الشعب المصري ما يقارب العقدين  وخضع له الشعب  كما لم يخضع لشخص قبله، وجاء السادات الذي أخذ مسارا آخرا معاكسا لمسار عبد الناصر ولكن نفس الجيل أصر أن يعبد السادات أيضا ، اُغتيل السادات بأيدي أبناء ذلك جيل ، وجاء مبارك ليواصل نفس الجيل الخضوع لمبارك ، إلى أن قام الأحفاد  بثورة اقتلعت فرعونا ينتمي لذاك الجيل الذي مازال يحكم منذ ستين سنة، ولكن الجيل الذي ركع لعبد الناصر والسادات ومبارك  أصر أن يصنع عجلا وفرعونا آخرا كي يورثه لأبنائه و أحفاده  ويقتل حلمهم في الحرية والكرامة.

في الجزائر حكم بن بلة فصدقه جيله وصنعوا منه زعيما ، أنقلب عليه بومدين وصدَّق نفس الجيل بومدين وصنعوا منه زعيما أكبر، مات بومدين  وجاء الشاذلي وخضع له نفس الجيل وإن لم يصنع منه زعيما، حاول أبناء هذا الجيل أن يأخذوا حريتهم  في أحداث أكتوبر ولكن الآباء من جيل بن بلة رفضوا وأصروا أن يمنحوا أصواتهم لجبهة التحرير في أول انتخابات حرة، و ذهب الشاذلي وجاء بوضياف ليلتف حوله نفس الجيل وصنعوا منه زعيما في مائة يوم  ثم قتله من جاء به  ليهللوا من بعده لزروال ولكن زروال زهد في حكمهم بنفس منطق جيله وآثر الرحيل. هل انتهى ما في جعبة هذا الجيل؟ للأسف لا، مازال في العلبة السوداء الكثير من بقايا جيل بن بلة، فلقد جاءوا بأثرة  قالوا أنها من بومدين ليعيد للشعب كرامته ويرفع رأسه، ومرت السنون وهذا الرجل في الحكم  ولكن لا كرامة عادت ولا رأس أرتفع  إلى أن سقط الرجل مقعدا مشلولا لا يقوى على الحركة ولا الكلام وذلك الجيل مازال يُصر على أن يحكمنا الرجل ولو مددا على سريره و أن يحكمنا نفس الجيل إلى أن يأخذنا ويأخذ الجزائر معه إلى القبر.

كجزائري ولدت بعد الاستقلال بعشر سنوات تفتحت عيناي على حب العلم والتعلم وكان حلمي أن أتعلم في الغرب ليس حبا في العلم فقط بل حبا في الجزائر أيضا ولم أفكر يوما هل أنا شاوي أم عربي أم قبائلي؟  فببراءة الطفل والشاب كنت أظن أنه بتعلمنا نحن جيل ما بعد الاستقلال  بإمكاننا النهوض بالجزائر و أن كل ما تحتاجه الجزائر هو أن نتعلم نحن جيل الاستقلال ، وكان لي ما أردت، تعلمت وواصلت تعليمي في الغرب  ولكن فاجعتي كانت كبيرة  وعرفت كم كنت بريئا وساذجا، لأنه في جيل الأونساج والصيدليات والعيادات التجارية لم يعد ما تعلمته بضاعة مطلوبة ولا مرغوبة واكتشفت أن ما تعلمته في الجامعة الجزائرية أكثر من كاف لأمارس مهام التدريس في الجامعات الجزائرية اليوم. إنها محنة الفقد، فقدُ الهدف والدور الذي طالما حلم به الكثيرون من جيلي ، جيل حرمه جيلا آخر من أن يقدم شيئا للجزائر هي في أمس الحاجة إليه.

اليوم وبعد  أزيد من أربعين حولا  لم أرى رئيسا  ولا مسئولا ساميا نافذا إلا من نفس الجيل، جيل بن بلة، أشتعل الرأس شيبا وكبر أولادي وأخشى ما أخشاه أن يحرم نفس الجيل أولادي أيضا من الحرية والكرامة ويقتل أحلامهم وحبهم البريء لوطنهم وأن يُورثَهم الفساد والغش والرداءة  والجهل وأن يترك لهم الجزائر أشبه بالجيفة التي يفر منها الجميع ويأبى أن يعيش فيها الكرام .  


Nombre de lectures: 166 Views
Embed This