DzActiviste.info Publié le lun 3 Déc 2012

عن الخلاف الإيديولوجي والحريـــــــــــــــة

Partager


ضـو جمـــال

 

« كثيرا ما يتحدث الساسة عن برامجهم لخدمة الوطن ولكن نادرا ما نجدهم يتنازلون في صالح الوطن« 

 

الاختلاف حقيقة تاريخية و سنة من سنن الله في خلقه ولا أجد أفضل من كتاب الله عز وجل  دليلا على سنة الاختلاف حيث يقول تعالى « ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم« .

 

من الإيديولوجية إلى البسيكوسوماتيكية

الاختلاف الإيديولوجي بين التيارات السياسية في الدولة العربية أو المستعربة والمسلمة عموما تحول عبر الزمن من اختلاف في وجهات النظر والتصور إلى حالة استقطاب نفسية وظاهرة بسيكوسوماتيكية يصعب علاجها. هنا لا أريد أن أميز طرفا عن الآخر أو أبرئ طرفا على حساب الآخر، فليس هذا مقصد المقال والتاريخ وحده سيحكم على الجميع.

 الاستبداد الذي عايشته الشعوب عبر عصور، وخاصة في عقود ما بعد الاستقلال تحت مسميات و شرعيات وإيديولوجيات مختلفة، خلف تركة ثقيلة من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي  إلى أن انتهى الأمر إلى الوصول إلى عمق النفس البشرية ليخرج أسوأ ما فيها. فكما يقول الكواكبي: الاستبداد يخرج أسوأ ما في الشعوب.

في محاولة منها للخروج من حالة التخلف هذه راحت النخب تبحث عن الأسباب والحلول لهذا الوضع. فمنهم من توجه غربا وآخر توجه شرقا ومنهم من راح يبحث عن الحلول منطلقا من مرجعيته  الدينية والثقافية، وآخرون أخلطوا هذا وذلك بدرجات متفاوتة،  فتعددت المشارب واتسع الطيف ولكل قبلة هو موليها.

كل فريق يؤمن بمشروعه الفكري والسياسي  ومرجعيته ويعتقد أن فيها الخلاص لهذه الأمة.  لا يمكن لعاقل أو مدع للحرية والديمقراطية أن يحجر على فكرة أو رأي أيا كان تطرف وشذوذ هذا الرأي طالما بقي في حدود الفكر ووجهة النظر ولم يصل ذلك إلى فرضه عن طريق العنف.

الاستقطاب الذي أريد تناوله في هذه المقالة هو ذلك الذي بين من يطلق عليهم إسلاميين (بكل أطيافهم وتنوعهم) من جهة ومن يسمون أنفسهم بالحداثيين (ديمقراطيين، يساريين، ليبراليين ..) من جهة أخرى. إذا أردنا أن نرى عينة حية عن هذا الاستقطاب يكفي أن نلقي نظرة على تونس، وهي التي تخوض تجربة ديمقراطية وليدة. أين نجد أطرافا تقوم بحرق  الأرض باسم الحداثة من أجل إسقاط الخصم السياسي ولا تتوانى في استنساخ النظام الذي ثار عليه الشعب والتحالف مع بقاياه والذي طالما ادعت معارضته. الحالة المصرية لا تختلف وتكاد تكون نسخة ولكنها تدار بوسائل ناعمة وأساليب الشخصية المصرية.

هذا المشهد سيتكرر في جميع الدول التي سيحدث فيها تغييرا، والجزائر لن تكون استثناءً، بل هي مؤهلة أن تشهد استقطابا أعنف. لهذا فإنه على جميع المخلصين والشرفاء من هذا الوطن أن يدركوا طبيعة الأزمة وليأخذ الجميع العبرة من مآسي الماضي القريب والبعيد وليعلموا أن المعارك الإيديولوجية ما هي إلا مدخل يركبه أعداء الحرية لينقضوا عليها كما أنقضوا عليها من قبل مرات عديدة.

ربما من المفيد الإشارة إلى أن الكاتب يعتقد أنه إذا كان مقدرا لهذه الثورات العربية والديمقراطيات الناشئة في العالم العربي أن تفشل فإن السبب الرئيس سيكون التطاحن الإيديولوجي. ولعلي أشير هنا إلى استنجاد العديد من الحداثيين في تونس بفرنسا واستنجاد  نجيب ساوريس والبرادعي بالغرب في مصر. مشهد يذكرنا بما قاله سعيد سعدي عشية انتخابات 91 بأنه لا يريد أن يشهد مراسم دفن الجزائر.  ربما كان هناك احتمال أن نشهد مراسم  دفن الجزائر لو ترك البرلمان للإسلاميين، لكن الأكيد أنه بإلغاء المسار الانتخابي شهدنا فعلا مراسم دفن الجزائر.

 

هل من سبيل للخروج من هذه المتلازمة النفسية؟

 أقول « متلازمة نفسية » لأن الأمر تجاوز الخلاف الفكري ليعشش في النفس ويتحول إلى صراع أقرب إلى العقائدي عند الكثيرين وحالة من الهيستيريا كلما ذكر الإسلام السياسي أو العلمانية، حيث  تسقط أمامه كل المبادئ والقيم وتستباح فيه كل الوسائل لتشويه وإقصاء الخصم .

لا أدعي امتلاك إجابة عن هذا السؤال ولكن أعتقد أن هناك حقائق لا يجب القفز فوقها:

الحقيقة الأولى: نحن أمة أو شعوب تبحث عن ذاتها بعد عقود أو قرون من التيه والجمود الفكري والسياسي والمرجعي.

الحقيقة الثانية: نحن بحاجة إلى الحرية قبل أية إيديولوجية، وسبب ما نحن فيه هو الاستبداد وتخلي الشعوب عن حريتها.

          الحقيقة الثالثة: لقد فشل الفكر الإسلامي ( بكل توجهاته)  في ربط ما آلت إليه الأمة من تردي في جميع المجالات بفقدانها قيمة الحرية قبل أية شيء آخر، كما فشل في إنزالها مكانتها التي تليق بها.

 إن أي حوار جاد بين هذه التيارات لابد له أولا أن ينطلق من مسلمات يتفق عليها الجميع. لأنه في غياب هذه المنطلقات التي يبني عليها النقاش فإن مصير أي حوار هو دوامة وجدال عقيمان. كما أن الهدف من الحوار لا يجب أن يكون بالضرورة إقناع طرف بوجهة نظر طرف آخر، فهذا مستحيل على المستوى الجماعي، بل مد جسور ثقة وردم شيء من الهوة  وبناء ثقافة وأخلاق التعايش في ظل التنوع الفكري والإيديولوجي.

ما يجب أن تعرفه جميع التيارات أن الجميع يدافع عن تصورات ونماذج سياسية لم تجد طريقها للتطبيق على الأرض في ظل مناخ من الحرية، بل هي مجرد أفكار على الورق ونماذج لم تر النور إلا في سياق تاريخي مختلف أو في سياق جغرافي مختلف أو في كلاهما معا.  لهذا لا يمكن الحكم على آية تصور سياسي  ما لم يعطى الفرصة في تنفيذ مشروعه. كما أن الممارسة على الأرض قد تدفع معظم أو كل التيارات إلى مراجعات فكرية عميقة وقد تضمحل أفكار وقد تنشأ أخرى جديدة.  وعليه فإن الصراع الإيديولوجي هو صراع وهمي بشكله الحالي، فنحن أمة تبحث عن ذاتها ومازالت تتخبط في خطواتها .

ليس المقصود هنا التغاضي عن الخلافات أو إنكارها كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، ولكن الدعوة هنا إلى أنه بدل أن يكون الجدل حول مشاريع ومرجعيات فكرية، ثبت من خلال التجربة المتكررة إصرار كل طرف على مرجعيته ومشروعه،  يكون الحوار حول المقومات الأساسية التي يمكن أن تتفق عليها هذه التيارات: ما هي المبادئ الأخلاقية التي ستحكم العملية السياسية، أم أنه لا أخلاق في السياسة؟  هل نحن بحاجة إلى الحرية أم إلى الوصاية الفكرية؟ لماذا يخاف البعض من الحرية ومن الديمقراطية وخيار الشعب ويريد أن يجعل أمامهم ألف قيد وألف شرط؟  ما هي المخاوف الحقيقية لكل طرف وما هي الضمانات التي يجب أن يقدمها كل طرف للآخر؟

أعتقد أنه من العبث والخداع اليوم أن نقول أن الإسلام أو العربية أو الأمازيغية هي من ثوابت الأمة، فجميع هذه المقومات تم العبث بها وتوظيفها في اتجاهات مختلفة وتجريدها من مفهومها  وتحولت إلى مجرد جمل إنشائية في الدساتير والوثائق دون أن ترى لها أثرا في الممارسة، وهي اليوم محل خلاف فكري وسياسي حتى داخل التيارات الفكرية المتقاربة. لهذا فإنني أجد  مقولة  » لا يجب استغلال الثوابت لأغراض سياسية  » مجرد كلام فضفاض غير قابل للتطبيق على الأرض مهما حاولنا تكراره .

لهذا فنحن بحاجة لضبط وللاتفاق حول كثير من المفاهيم السياسية وتحديد تعريف واضح لها: ما هو المقصود بالشعب مصدر السلطات؟  ما معني الأغلبية؟  ما معنى الحداثة؟ أم أن تعريف الحداثة يحتكره طرف دون الآخر؟  ما هو الإسلام وما دوره؟ أم أن دوره يحدده طرف دون الآخر؟  ما معنى احتكار واستغلال الدين لأهداف سياسية؟ ما المقصود  باللغة العربية أو الأمازيغية لغة رسمية؟

لهذا على كل تيار أن يوضح موقفه دون لبس  من جميع هذه المفاهيم، ولا ضير هنا من الاختلاف  في حد ذاته، إنما الأهم أن يكون الاختلاف على بينة وفي ظل مصطلحات سياسية محكمة أو على الأقل ليست عائمة أو ملتبسة. ولا اعتقد أن هناك اختلافا من أن الفكر لا يمكن  مواجهته إلا بفكر وأن أية محاولة للإقصاء بالعنف الجسدي أو الإرهاب الفكري يؤدي حتما إلى ميلاد أفكار أكثر تطرفا.

الحرية قبل الإيديولوجية

السؤال الأهم  هو ما محل الشعب من هذه الصراعات الأيديولوجية؟ أعتقد أن هذا هو بيت القصيد، فجميع الساسة والنخب يخوضون الصراعات الإيديولوجية باسم الحفاظ أو الدفاع عن مصلحة هذه الشعوب. لكن  لو أمعنا النظر لوجدنا أن نصيب الشعوب يكاد يكون معدوما من هذه الصراعات ولا تعنيها كثيرا ولا تسمع عنها البتة، بل إنه في ظل المصطلحات الملتبسة فإن عامة الشعب قد يصعب عليه إدراك سبب الصراع نفسه… دون أن ننسى طبعا أن جميع الصراعات والفظائع  التي عايشتها البشرية في القرن العشرين كانت باسم الحرية والعدالة وحماية كثير من القيم الإنسانية ، ولكن الشاهد التاريخي هو أن السياسة  كثيرا ما تبدأ بشعارات مثالية لتنتهي بمآسٍ إنسانية.

ما على التيارات الفكرية بأنواعها والتي تخشى استغلال بعض الشعارات أو مكونات الهوية  إلا أن تدرك أن هذه الشعارات، مثل الإسلام هو الحل أو الشريعة الإسلامية أو الحديث باسم الحداثة أو غيرها، ما هي إلا شعارات جوفاء  وقابلة للاستعمال لمرة واحدة على الأكثر لتتحول بعدها إلى ورقة محروقة. فكثير من زعماء الأحزاب والتيارات السياسية  المتحالفة مع النظام اليوم أو المشاركة معه كانوا بالأمس من نزلاء سجونه بسبب أفكارهم ودفاعهم عن القيم التي تدافع عنها كثير من نخب اليوم ( من حرية وديمقراطية وتداول عن السلطة، أو الشريعة و دور الدين والعدل …الخ) …إذا، بدل أن تتناحر النخبة السياسية المعارضة للنظام الجزائري اليوم حول الإيديولوجيات الأجدر بها أن تبحث وتصل إلى آليات ومبادئ تحمي بها ذاتها حتى لا تجد نفسها تنغمس في نفس ممارسات من تدعو لإسقاطهم اليوم. لأنني أجزم أن كثيرا من سفهاء المنظومة السياسية الجزائرية كانوا سيكونون أقل سفاهة وربما مواطنين صالحين إذا لو كان هذا الشعب يمتلك حرية اختيار ومحاسبة من يحكمه. فالذي يمنع ساسة الدول الغربية من التغول على شعوبهم واستباحة ثرواتهم وكرامتهم هي الشعوب نفسها. تلك الشعوب التي جعلت من حريتها خطا أحمر لا يمكن لكائن من كان أن يقترب منه.

إذا أراد أي تيار سياسي البحث عن ضمان فليس له إلا الشعب نفسه، لأننا إذا غرسنا مفهوم وقيمة الحرية في الشعوب وأرسينا ثقافة الحفاظ على هذا المكسب عبر الأجيال فإننا سنكون قد وضعنا  أول لبنة حقيقية في طريق الحفاظ على مصالح الشعوب والأوطان من الإستبداد، وهذا سيمنح الشعوب فرصة فرز أي الإيديولوجيات والأفكار السياسية هي الأصلح به.

وليعلم الجميع أن الأفكار والمبادئ  التي توضع في دساتير لا تعد في ذاتها ضمانا لأية حق من الحقوق وإنما الضامن هي يقظة الشعوب نفسها. وكما يقول بنجامين فرنكلين  » الدستور يعطي فقط الشعب الحق في ملاحقة السعادة. وما عليك إلا أن تلحق بها بنفسك ».

لهذا فإن معركتنا الأولى هي أن تدرك شعوبنا أن حريتها  قبل قوتها وأن تتوارث الأجيال هذه العقيدة لأن من يسلبهم  حريتهم يسهل عليه استباحة أي شيء آخر.


Nombre de lectures: 252 Views
Embed This