DzActiviste.info Publié le dim 10 Fév 2013

عين أمناس – حكاية عنف أم حكاية صمت ؟

Partager

قراءة في تغطية وسائل الاعلام البريطانية لأزمة رهائن عين أمناس
ناتاليا فينس-جامعة بورتسموث

اكتشفت وسائل الاعلام البريطانية في جانفي الماضي، وسط أزمة رهائن عين أمناس،  بلدا لم تُعره  الى ذلك الحين أيّ اهتمام. كُتب هذا المقال في البداية كرد فعل على تحليلات استشراقية جديدية تعتمد معلومات خاطئة ثم أصبح هذا المقال تفكيرا أكثر اتساعا في الكيفية التي نفهم بها التاريخ، السياسة والمجتمع في الجزائر المعاصرة.م

 م1 أخطاء و اقامة علائق خطيرة

م« لا أحد يعرف ما يجري، كي نكون صريحين فنحن نتكلم عن بلد لم يكن ليحدد مكانه أحد على الخارطة منذ أيام قليلة » هكذا يؤكد نيك روبنسن أحد أشهر صحفيي البي بي سي، مباشرة من الداونينغ ستريت، وهو يعطي خلاصة مَرِحة لتعليقه عن رد الفعل البريطاني على أزمة رهائن موقع عين أمناس في الصحراء الجزائرية.م1
بقدر ما كان هذا التأكيد مُنبِّها بصدقه، وبعد يومين من الآراء المفترض فيها أن تكون “خبيرة” على وسائل الاعلام البريطانية، فإن هذا التأكيد قد كان  – صدقا- صادما جدا. بدأت المعلومات، يوم الأربعاء، تُفيد أن مئات من الرهائن، بينهم العديد من الأجانب، قد تمّ احتجازهم في عين أمناس من طرف مجموعة اسلامية تقول أنها تسمى الملثمين: كان أول رد فعل لوسائل الاعلام البريطانية هو استدعاء خبرائها في مسائل الأمن، وكم كانوا كثيرين من تكلموا عن القاعدة … ومن خلطوا بين الوزير الأول الجزائري ووزير الداخليةك.م
كانت الدهشة، يوم الخميس، هي أول رد فعل بريطاني حول قرار الجيش الجزائري ببدء عملية تدخل عسكرية ضد الخاطفين، حيث أبدى ديفيد كاميرن انزعاجه من عدم تبليغه مسبقا من طرف نظرائه الجزائريين، ومغتاظا لعدم قبولهم لاقتراحه تقديم دعم فني واستخباراتي. حسب نيك روبنسن كان أحد أعضاء الحكومة البريطانية قد أطلق زفرة انزعاج عند اعلان الخبر قائلا: «ولكن بما يلعب هؤلاء؟». تداركت وسائل الاعلام خطأها وحاولت أن تفسر قرار الجزائريين المفاجئ بإستعمال القوة العسكرية.
لقد تم البحث اذا بشكل أكبر عن تحاليل الخبراء، وبالطبع كان من الممكن بالنسبة لأي مختص في الشأن الجزائري أن يشرح بأنه لم يكن في تعاطي الجيش والحكومة الجزائرية ما يدعو للدهشة. لقد ذُكّر المستمعون والقراء في وسائل الاعلام البريطانية بأن الجزائر كانت معارضة لمجرد فكرة التدخل الأجنبي على أراضيها ولكل تدخل في شؤونها الداخلية، وبأنها تمتلك قواتِ تدخل من بين الأكثر تدريبا وتجهيزا في افريقيا (أقل من نظيراتها البريطانية والأمريكية أو الفرنسية). وبأن هذا الاقتران بين القوة العسكرية وبين الموقف الجزائري الرافض للتفاوض مع الارهابيين كان نتيجة العنف الأهلي سنوات التسعينيات.م
من المؤكد أن كل هذا صحيح من جهة، ولكن ارتباطات خاطئة بدأت تولد خلف هذه التأكيدات البديهية. لنأخذ مثلا عنواني المقالين التاليين اللذين نشرا في يومية اليسار المعتدل “ذا قارديان” :2م

يان بلاك : «التاريخ الدموي للجزائر يصيغ رد الفعل العنيف على الهجوم على حقل الغاز في الصحراء »3 م
نبيلة رمضاني : «الجزائر تُسيل مزيدا من الدم» مع عنوان فرعي «النهاية العنيفة لهذه المواجهة تسجل بداية فصل جديد في التاريخ القاسي للبلدن» 4 م

ان نبيلة رمضاني –أو أيا  كان من كتب هذا العنوان الفرعي، ليس دائما كاتب المقال– يعتقد نفسه لمّاحا عندما يشير ضمنيا الى أشهر كتاب باللغة الانجليزية حول الجزائر، حرب السلام القاسية A Savage War of peace لألستار هورن5.
يعود يان بلاك الى الكتاب نفسه في مقاله، معرّفا ايانا بأن «التاريخ الجزائري المعاصر غارق في الدم». وهذا صحيح، اذا بسّطنا تاريخ الجزائر كما فعل يان بلاك ونبيلة رمضاني، أي اذا قَصَرناه على حرب التحرير (1954-1962) والعنف الأهلي خلال سنوات التسعينات وعلى أزمة رهائن عين أمناس وبذلك محو تعاقبات طويلة للتاريخ الجزائري المعاصر بإسقاطها بغية اختزاله في حلقات عنف، فانّ هذا لن يفيدنا في شيء. كما أن مثل هذه التحاليل، في شكلها الأكثر فجاجة، لن تعيد إلاّ انتاج قوالب استشراقية عن الجزائريين موجودة أصلا خاصة عند جيرانهم في شمال إفريقيا: عصابة من الرؤوس الذكورية اللامبالية لا قيمة كبيرة للحياة الانسانية لديهم أما الشرف فبلى، يمرون على ملاعب كرة القدم وعلى عمليات الاختطاف مرّ السلام. اني متأكدة من أنّ يان بلاك، نبيلة رمضاني وآخرون هم أكثر ذكاء من السقوط في هذا الفخ ولكنهم اذ تفادوا الماهوية فقد أعادوا بعدها انتاج حتمية لا علاقة لها بالتاريخ، واصفين الجزائريين بأنهم محبوسين في سلسلة من حلقات العنف تؤدي فيها كل حلقة الى الحلقة الموالية. ان هذا الاختزال هو ما يصارعه مؤرخون مثل جيمس ماك دوغال منذ أكثر من عشر سنوات، وفي هذا السياق كان قد نشر -جيمس ماك دوغال- منذ ثماني سنوات مقالا بعنوان «حروب قاسية؟ رموز العنف في الجزائر 1830-1990»6  لنلاحظ جيدا علامة الاستفهام.
ان المشكل ليس خاصا فقط بالصحفيين الذين يجب أن يحترموا مُهلا قصيرة جدا، انه أيضا مشكل اسطوغرافي فقليل جدا هو ما تم نشره حول تاريخ الجزائر المستقلة. ان الزمن يتوقف في 1962 ليعاود حركته بشكل جزئي في 1988، وفي هذا الصمت تملئ التخمينات والاختزالات الفراغ.م

م2 صمتُ كل الأيام

صمت آخر كان صادما في هذه الأيام الأخيرة الماضية. ان أحد المشاكل التي كان على وسائل الاعلام العالمية مواجهتها هي اللامبالاة التامة للدولة الجزائرية بالإتصال. خلال الثماني والأربعين ساعة الأولى من الأزمة لم تكن هناك أي صورة لبثّها، وبشكل ملموس لم يكن هناك أي بيان رسمي لنقله. كما أن الشبكات الاجتماعية التي تملئ اليوم جزءا من هذا الفراغ وجدت نفسها عاجزة، فلم يتم تحميل أي مقطع فيديو على شبكة الانترنت ولا حتى رسائل فايسبوك، ولمّا كان الموقع الغازي معزولا فانه لم يكن هناك جيران له للاتصال بهم والحصول على شهاداتهم. ابتداء من يوم الجمعة، بدأ التلفزيون الجزائري في بث صور لمختطفين محررين: عمّال جزائريون، بريطانيون وأتراك يجيبون عن السؤال الموّجه «هل أنتم راضون عن تدخل الجيش الجزائري؟»
كان الصمت صاعقا في زمن التدفق المستمر للمعلومات والتحديثات الآنية المباشرة كل دقيقة عبر  تويتر و اليوتوب. ان هذا لا يبرر شيئا من رطانة التغطية الاعلامية البريطانية. بل بالعكس، فقد أظهرها الفراغ: ففي ظل غياب أحداث لتغطيتها، كان يجب شرح السياق. ولكن تحليل السياق يتطلب مستوا آخر تماما من الفهم.م
بينما كانت ترِد معلومات غير مؤكدة مسبوقة بأرقام غير مراجعة، صدمتني مقارنة، قد تكون ناقصة. لقد وجدتْ وسائل الاعلام العالمية نفسها فجأة في موقف المواطن الجزائري المتوسط، الذي يعيش في بلد ليس لا شموليا ولا ديموقراطيا بشكل كامل، رفقة دولة جزائرية لا تصدر تصريحات بشكل يومي. تفسيرا، تأويلا و تبريرا…بينما يكتسي بالنسبة للحكومة، في بلدان أخرى، احتلال الفضاء العمومي بهذا الشكل واثبات أنها تفعل «شيئا ما» أهمية حيوية، فإننا نستطيع أن نقول أنه في الجزائر لا تتجشّم الدولة عناء الإثبات، وأن الشعب لا يحتار في الاقتناع به. وأنه اذا أرادت الدولة بشكل استثنائي الإثبات فان أغلب الناس لن يصدقوها. ان الاشاعات في هذا السياق تكتسي أهمية ذات دلالة في الثقافة الشعبية، لقد كان أكثرها شعبية خلال السنوات العشر الأخيرة الاشاعة التي كان مفادها أنه قد أعيد طلاء مقبرة العالية (مقبرة كبيرة في شرق العاصمة الجزائرية دفن فيها ومازال كل الشخصيات المهمة في الجزائر من رفات لالة فاطمة نسومر والأمير عبد القادر الى العديد من العلماء والمجاهدين ومسؤولي الدولة الجزائرية، المترجم) استعدادا للموت الوشيك للرئيس… ان الفرق الكبير بين اشاعات ومضاربات المواطن الجزائري ووسائل الاعلام العالمية هو أن الأولى متجذرة في الواقع السياسي، السوسيو-اقتصادي والثقافي للجزائر. ان الاشاعات قد تكون خاطئة، لكنها تقول لنا شيئا ما. بينما يُعْلمنا المتخصص في أفغانستان، المتطوّع للحديث عن الجزائر، حول أولويات السياسات الخارجية الغربية منذ عشر سنوات.م

 م3 المواطنون، السياسة والماضي

لقد أصابني احساس غريب لكنه مألوف وأنا أقرأ وأشاهد أغلب المدعوين للتعليق على أزمة الرهائن في وسائل الاعلام البريطانية، قد يكون هذا الاحساس مألوفا أيضا لدى كل من يملكون علاقة بالجزائر. ولقد وجدت نفسي أتحول الى مدافعة مستميتة عن الجيش والدولة الجزائرية: كيف تجرؤوا على الايحاء بأن الجيش لم يكن قادرا على تسيير هذه الأزمة؟ ألا يعرفون أن الجزائر قد ربحت «حربها ضد الإرهاب» حتى قبل 11 سبتمبر؟ وبأي صفة كان للدول الغربية حق النظر فيما تفعله الجزائر في ترابها الخاص؟ قبل أن يكون لكم وقت للقول «حق التدخل» فان أي فرق سيرمى من النافذة. ومعه كل الأسئلة التي عادة ما نطرحها حول ما يعنيه «ربح» الـ «حرب ضد الإرهاب» من حيث عدد الموتى، وعدم احترام حقوق الانسان والعفو الذي يُفرّق، وتبني الدولة لأفكار «إسلامية».م
حسب جريدة الوطن، فان الجزائرين –المنتقدين بصفة عامة للحكومة وللجيش- قد عبروا عبر الانترنت عن دعمهم الواسع للتسيير الجزائري للأزمة. المشكل اذا هو أن من لم يفعلوا قد يؤخذون على أنهم داعمون للشكاوى الغربية ضد غياب الكفاءة لدى الجزائريين. ربما كان شيئا حتميا في ظل اللحظة الطارئة وتحت التهديد الخارجي أن تكون الوحدة المقدّسة مفروضة.
ان هذا الاحساس بأن تكون مرغما على الاختيار بين «مع» أو «ضد» قد أصبح تفصيلا متواترا، مرتبطا بقراءة ما للتاريخ الجزائري المعاصر، مكوّنا من سلسلة من الخيارات المنقسمة الى بيضاء أو سوداء. لا يتعلق الأمر أبدا بدرجات من التحليل التاريخي، ولكن بالأحرى بسلسلة من التموقعات السياسية: مع أو ضد استيلاء مجموعة وجدة على السلطة سنة 1962، مع أو ضد انقلاب بومدين سنة 1965، مع أو ضد ايقاف المسار الانتخابي سنة 1992. استئصالي أم اصلاحي. هل كانت الدولة المستقلة في حجم آمال من حاربن ومن حاربوا ومن ماتوا من أجل الوطن؟ لقد احتل الخطاب السياسي البحثَ التاريخيك.م
ان تاريخ الجزائر المستقلة ليس تاريخ عنف. انه تاريخ صمت. وان الصعوبة التي تواجه المؤرخين كما تواجه الصحفيين هي الاستماع الى هذه الصموت التي يمكن أن تعيد مساءلة ما نعتقد أننا نعرفه.م

ترجمة: ميلود يبرير – كاتب ومترجم جزائري-

وهران، 2011، ©ملكة رحال

  1. BBC News, 18 January 2012
  2. The Gardian
  3. The Guardian, 18 January 2013 http://www.guardian.co.uk/world/on-the-middle-east/2013/jan/18/algeria-al-qaida-sahara?intcmp=239 
  4. The Guardian, 17 January 2013 http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2013/jan/17/hostage-siege-algeria-bloody-chapter-history 
  5. 1977
  6. James McDougall, ‘Savage wars? Codes of violence in Algeria, 1830s-1990s’, Third World Quarterly, 26: 1, pp. 117-131, 2005


Nombre de lectures: 286 Views
Embed This