DzActiviste.info Publié le mar 19 Fév 2013

فيلسوف المعرة يتحدى التكفيريين

Partager

قبل أيام معدودات أقدمت مجموعة مسلحة من الجهاديين والتكفيريين في سوريا، بقطع رأس تمثال الشاعر والأديب والفيلسوف العربي الخالد أبو العلاء المعري، المكنى بـ « رهين المحبسين »، المنتصب وسط معرة النعمان، مسقط رأسه، في منطقة إدلب، باعتباره، وفق عقيدة هذه الجماعات، « زنديقا  » و »كافرا »، ولأن معتقداته وآراءه الفلسفية، التي عبّر عنها في كتابه الشهير « رسالة الغفران » تزعج هذه الجماعات الجهادية الأصولية والسلفية المتطرفة، وتتعارض مع وجهات نظرها وتفكيرها وآرائها الدينية المتشددة.

وهذا الاعتداء إن دل على شيء فإنه يدل على الفكر الظلامي الذي تتبناه هذه القوى السلفية الغيبية المتعصبة، وعدائها للعلم والثقافة المتنورة، وللعقول العلمية والفكرية. وهو عمل وحشي وبربري وظلامي يستهدف رمزًا من رموزنا الأدبية والفلسفية والثقافية له منزلة كبيرة وعظيمة في ثقافتنا العربية الإسلامية وتاريخنا الأدبي والفكري الحضاري، ويرمي إلى تشويه صورته والنيل من فكره وآرائه من الدين والحياة.

أبو العلاء المعري، الذي اعتدَت على تمثاله الأيدي الشريرة، هو أحد أبرز وجوه الأدب العربي في القرن العاشر، وأيقونة من أيقونات تراثنا الفكري والفلسفي العربي. وهو شاعر وأديب وفيلسوف له مذهبه الفلسفي الخاص، اعتزل الناس، وعاش متزهدا، ونظر إلى الحياة نظرة تشاؤمية كلها سخط وازدراء. اعتمد على العقل، وآمن بالعلم والمعرفة، ووقف ضد الخرافات والشعوذات والأساطير والتعصب الأعمى: الديني والطائفي. ودافع عن العدالة الاجتماعية والإنسانية لبني البشر، ودعا إلى عدم الإنجاب لتجنيب الأطفال المعاناة ومتاعب الحياة وهمومها وآلامها. وقد كان صافي الفكر، عميق الإدراك، صادق التعبير عن آرائه ومواقفه ونظراته الفلسفية والفكرية، وانشغل في الكتابة والتأليف، فوضع « رسالة الغفران » و »وتاج الحرة في النساء وأخلاقهن وعظاتهن » و »معجزة أحمد بن الحسين المتنبي » و »سقط الزند » و »اللزوميات » وغير ذلك.

ولعلنا نستشف فلسفته، التي يختصرها في هذه الأبيات الشعرية، حيث يقول:

غير مجد في ملتي واعتقادي ** نوح باك او ترنم شادي وشبيه صوت النعي إذا قيس ** بصوت البشير في كل ناد صاح هذي قبورنا تملأ الرحب ** فأين القبور من عهد عاد رب لحد قد صار لحدا مرارا ** ضاحكًا من تزاحم الأضداد

تعب كلها الحياة فما أعجب ** إلا من راغب في ازدياد

وإذا كانت العصابات المسلحة تمكنت من تدمير وتحطيم رأس التمثال، فإنها لا ولم ولن تنال من أبي العلاء المعري، هذا الرمز الساطع والشامخ، وتغييب فكره الفلسفي. إنه باق وراسخ في عقول وأذهان مثقفينا ومفكرينا وأدبائنا وشعرائنا المسلحين بالرؤية العقلانية التقدمية والنظرة النقدية والجدلية وبالمعارف الفلسفية، لما لأبي العلاء من حضور أدبي وثقافي طاغ ومميز. والخزي والعار لعصابات التكفير وقوى الظلام، التي تغتال المفكرين والمثقفين النهضويين العقلانيين، بدلا من تكريمهم والاحتفاء والاحتفال بهم، بما قدموه من مساهمات فكرية وأدبية وفلسفية لا تقدر بثمن.

شاكر فريد حسن

الثلاثاء 19/2/2013

موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة


Nombre de lectures: 176 Views
Embed This