DzActiviste.info Publié le sam 2 Fév 2013

قطر: الغاز هو السبب

Partager

يُحسم مصير عملاق الغاز الروسي « غازبروم » وعائدات الميزانية الروسية، الآن في معارك الشوارع الدائرة في دمشق وحلب. الحرب الأهلية في سوريا المستمرة منذ عامين ينظر إليها في أغلب الأحيان من زاوية حقوق الإنسان، بينما النزاع المسلح في البلاد يمثل إلى حد بعيد صدى صراع عميق بدأه اللاعبون الكبار في سوق الغاز العالمي، وستكون الجائزة الكبرى منفذاً إلى سوق الغاز الأوروبي. ففي عام 2010، أي مع بدايات « الربيع العربي »، غدا الاتحاد الأوروبي في حالة اقتصادية صعبة. وقد أجبرت الأزمة بروكسل على البحث عن طريقة لبناء سياسة استراتيجية بعيدة المدى في مجال الطاقة. كان من المفترض أن تستبدل الهيدروكربونات بالطاقة النووية التي كانت تتطور بوتائر متسارعة في مطلع الألفية الثالثة. إلا أن حادثة محطة « فوكوشيما » ساهمت في تقليص عدد مؤيدي الطاقة النووية في أوروبا بشكل سريع. وبالنتيجة قررت أوروبا التحول إلى الغاز الطبيعي كأقل أنواع الهيدروكربونات ضرراً بالبيئة. وحددت بروكسل أولويات سياستها في مجال الطاقة باتجاهين اثنين. الأول، هو ممارسة الضغط على مصدري الغاز الحاليين بهدف تخفيض الأسعار. أما الاتجاه الثاني، فهو تنويع مصادر الاستيراد. فقد خطط الاتحاد الأوروبي لمد خط أنابيب « نابوكو » بقدرة افتراضية تصل إلى 30 مليار متر مكعب في السنة، مما كان سيزيد المنافسة بين المصدرين. ولكن المشروع حتى الآن لم يتم تطويره بسبب عدم توفر المواد الخام الكافية. لهذا السبب بدا واضحاً أنه في حال تم إغلاق « نابوكو » سيخلفه فوراً مشروع بديل بدأ العمل عليه، يتمثل بمد خط أنابيب عبر البحر الأدرياتيكي. ويفترض أن يقوم هذا الخط بضخ 10 مليارات متر مكعب فقط من الغاز الأذربيجاني من حقل شاه دينيز، الذي كان من المفترض أن يصبح قاعدة لـخط « نابوكو ». وما خفف من صعوبة الأوضاع ظهور « ثورة الغاز الصخري » في الولايات المتحدة، التي أسهمت في تحويل تدفق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال إلى السوق الأوروبية بدلاً من الأمريكية. إلا أن بروكسل لا تزال تطمح لإيجاد مصادر جديدة أخرى للغاز المسال عبر الأنابيب. وقد قدم « الربيع العربي » لأوروبا فرصة لتحقيق ذلك. ولكن الأمر يشترط تخطي عقبة وحيدة، وهي نظام بشار الأسد.

في بداية العقد الماضي قررت قطر، التي تمتلك أكبر حقل غاز غير مستثمر في العالم « الحقل الشمالي » (إيران التي أيضاً لديها مدخل إلى هذا الحقل تطلق عليه تسمية « بارس الجنوبي »)، زيادة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، فبدأت حينها طفرة عددية لمصانع إسالة الغاز في هذه الدولة الصغيرة. توريدات الغاز الطبيعي المسال عبر الناقلات تمنح قطر استقلالية أكبر من ناحية تنوع أسواق البيع. ولكن إذا أخذنا بالاعتبار الموقع الجغرافي لهذه البلاد، فإن مصادر دخلها تعتمد كثيراً على الحالة الأمنية في إقليم الخليج. ففي حال نشوب نزاع ما بين إيران والغرب تهدد طهران بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره جميع ناقلات غاز شركة « قطر غاز ». ولهذا تحاول قطر تطوير خطط لإنشاء خطوط أنابيب خارج المضيق. وهو تكتيك مماثل للذي اتبعته المملكة العربية السعودية، التي تحاول باستمرار بناء خطوط أنابيب التفافية. وهكذا تم مد خط أنابيب غاز إلى الإمارات العربية المتحدة وعُمان، والذي يمكن مده إلى خليج عُمان عند الحاجة. إلا أن هذا الخط لن يسمح لقطر بتعويض خسارتها في حال إغلاق مضيق هرمز. الأمر الذي اضطر القيادة القطرية منذ عام ألفين وثمانية للبدء بدراسة مشروع آخر، هو بناء خط أنابيب بري إلى أوروبا.

ويمكن أن يكون موقع « الحقل الشمالي » القطري قاعدة لخط الأنابيب الجديد، وسيثبّت هذا الخط لو تم بناؤه، حقوق هذه الإمارة العربية في استثمار حقل الغاز. ونظراً لاضطرار طهران تحت ضغط العقوبات المفروضة عليها إلى إيقاف العمل بتطوير استثمار الجزء الخاص بها من حقل الغاز، فإن قطر قد تسبقها إلى ذلك. وساهمت أحداث الشرق الأوسط وما يحدث هناك من تغيرات، بجعل خطة بناء خط أنابيب الغاز من الخليج إلى شواطئ البحر المتوسط تبدو أقل خيالية. وفي هذه الحال تحتاج قطر إلى موافقة ثلاثة بلدان فقط هي السعودية، الأردن، وسورية. وتبدو موافقة السعودية على بناء خط أنابيب نقل الغاز عبر أراضيها ممكنة، رغم خلافاتها الحدودية مع قطر، كما يمكن للغرب أن يلعب دوراً مهماً في حل هذه المسألة. وفي الواقع تحتاج السعودية دائماً إلى ضمانات خارجية لأمنها الداخلي. فالوضع الداخلي في المملكة متوتر للغاية، رغم ما يضخ من أموال كبيرة في البرامج الاجتماعية. فالملك السعودي عبد الله، هرمٌ للغاية ويبلغ من العمر 88 عاماً، وخلفاؤه المتوقعون هم أيضاً مسنون ومرضى، ولا يتمتعون بثقة السكان.
كانت المملكة السعودية في الماضي تضع ثقتها الكاملة على الحلف مع واشنطن، ولكن السياسة الأمريكية في الوقت الراهن تسبب للمملكة قلقاً كبيراً. فإدارة الرئيس أوباما تقوم بسحب قواتها من المناطق الساخنة، حيث انسحبت من العراق في عام 2011، وتخطط للانسحاب من أفغانستان في 2014، وتعلن عدم رغبتها بالتدخل في نزاعات جديدة. وهو ما جعل الرياض تدرك أن احتمال شن واشنطن لحملة عسكرية ضد طهران يبدو ضئيلاً للغاية. بالإضافة إلى تأثر النظام السعودي الكبير من طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك، والتي اعتبرها « خيانة ». كما لم تبد واشنطن تأييدها لتدخل الرياض العسكري في أحداث البحرين. وكل ذلك جعل السعوديين يشكون في وقوف واشنطن إلى جانبهم في حالة حدوث أزمة جدية. وعلى خلفية برود علاقاتها مع واشنطن، تحاول الرياض توطيد صداقتها مع الأوروبيين. والدليل على ذلك أن الاتحاد الأوروبي قفز إلى المرتبة الأولى في تصدير السلاح إلى العربية السعودية. وفي المقابل أيضاً تبدي أوروبا رغبتها في التقارب مع النظام في السعودية. فقد سمحت برلين للمرة الأولى بتوريد دبابات من نوع « ليوبارد 2 » إلى السعودية، رغم عدم « ديمقراطية النظام » وإمكانية استخدامها في قمع الاحتجاجات، كما حدث في البحرين.

أما الوضع في الأردن بخصوص مد أنابيب الغاز، فيتجاوب مع مصالح قطر والاتحاد الأوروبي. الملك الأردني عبد الله الثاني يحصل على مساعدات مالية كبيرة من قطر، والدوحة تملك تأثيراً كبيراً على المعارضة الأردنية المتمثلة في جماعة « الإخوان المسلمين ». ورغم عدم استقرار الأوضاع السياسية في البلد، لن يتأثر مشروع أنابيب الغاز حتى ولو تغير النظام في عَمّان. أما العقبة الحقيقية أمام هذا المشروع، فهي سورية التي يحكمها بشار الأسد. وليست الأراضي السورية مهمة فقط لتمرير الغاز القطري، بل حتى للغاز المصري. فالقاهرة مهتمة للغاية أيضاً بتصدير غازها إلى الأسواق الأوروبية، حيث تحتاج السلطات الجديدة في القاهرة بشدة لمصادر دخل إضافية. وعندها لن تحتاج القاهرة إلى تبريرٍ بيعها الغاز بأسعار مخفضّة إلى إسرائيل، التي تعتبر المستهلك الأجنبي الرئيسي للغاز المصري في الوقت الراهن. لهذه الأسباب يلاحظ وجود حلف استراتيجي بخصوص المسألة السورية بين قطر ومصر، فالبلدان ينسقان مواقفهما في الأمم المتحدة، وجامعة البلدان العربية، ومجموعة « أصدقاء سورية ». وهذه الأمور كلها جعلت قطر تصبح الملهم الرئيسي لما يسمى بـ الثورة السورية. وتقدم السلطات القطرية – حسب المعلومات غير الرسمية – إضافة إلى الجهود الدبلوماسية والدعم الإعلامي، مساعدات مالية مهمة للمعارضة السورية المسلحة. إن سقوط النظام في دمشق، يزيح آخر العوائق من طريق مشروع مد أنبوب الغاز من قطر إلى شواطئ البحر المتوسط. وهو ما يفسر بشكل منطقي موقف بلدان الاتحاد الأوروبي. ويملك النظام السوري حليفاً قوياً هو إيران. ولا يمكن فهم سبب الدعم الإيراني البالغ لدمشق دون فهم مصالح طهران النفطية، التي لا تقل عن مصالح قطر والأوروبيين.

ويجهز الإيرانيون منذ فترة طويلة خططهم لبناء خط أنابيب يوصل غازهم إلى شواطئ سوريا الصديقة. وكان نظام صدام حسين السني لوقت طويل عقبة كأداء أمام تنفيذ ذلك المخطط. وبعد تدخل الآلة العسكرية الأمريكية وإزاحة ديكتاتور العراق، أصبح الطريق مفتوحاً أمام طهران. فقد صار الحكم في العراق بيد الأغلبية الشيعية بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي، وصار لإيران تأثير وسطوة كبيرة على جارتها العراق. وسيسمح بناء خط أنابيب الغاز الإيراني عبر العراق إلى سوريا بحل مشكلة تصدير الغاز الإيراني إلى الأسواق العالمية. فالعقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب تطويرها لمشروعها النووي جعلت المستثمرين الغربيين يمتنعون عن الاستثمار في قطاع النفط والغاز على الأراضي الإيرانية، وتمتنع بلدان الاتحاد الأوروبي بشكل تام عن شراء الغاز الإيراني، رغم أن إيران كانت المصدر الرئيسي المحتمل لمشروع نابوكو، ولذلك فإن إيصال الغاز الإيراني إلى البحر المتوسط قد يحل لها المشكلة. فحتى لو امتنعت شركات الطاقة الغربية عن شراء الغاز الإيراني بشكل مباشر، يمكن إيصاله إلى الغرب عن طريق شركات وسيطة ثانية أو ثالثة.

وهذه الأسباب، بالإضافة إلى الاستفادة من سورية كفزّاعة ضد إسرائيل، تدعو طهران إلى مواصلة دعمها لنظام بشار الأسد، عبر إرسال الأسلحة والمتطوعين، لأن سقوط النظام العلوي في سورية، سيطيح بمخططات إنشاء أنبوب الغاز. وتلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في ملف الأزمة السورية. ولا علاقة لهذا الدور بموضوع الطاقة، فالإدارة الأمريكية فضلت التريث في موقفها من تطور الأزمة السورية، بعكس موقفها من أحداث ليبيا ومصر. ويمكن تفسير موقف واشنطن والسياسة الخارجية لإدارة أوباما بالحاجة إلى خفض شديد للنفقات. ففي هذا الوضع الاقتصادي الحرج، لا يمكن أن يدور الحديث عن المشاركة في أية نزاعات عسكرية جدية، خاصة في الوقت الراهن حين تحررت الولايات المتحدة من اعتمادها على استيراد النفط والغاز من الخارج. فقد أدى التوسع في استثمار الغاز الصخري إلى وصول واشنطن لمرحلة الاكتفاء الذاتي من الغاز. بل إن إنتاج النفط الصخري يمكن أن يحول الولايات المتحدة إلى مُصّدر للطاقة. ولهذه الأسباب مجتمعة تنازلت إدارة أوباما في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط إلى الشركاء الأوروبيين. ومن الجدير بالذكر أن واشنطن تملك رؤية مغايرة، لمسار تطور الوضع في المنطقة. وتتمثل رؤيتها في خطة بديلة وطويلة الأمد لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، مع تشكيل نظام جديد من الكوابح والتوازنات، يظل مرتبطاً بشكل أو بآخر بواشنطن.

ومن السيناريوهات الملائمة لواشنطن، تشكيل مثلث يمكن في أي وقت توحيد ضلعين فيه ضد الضلع الأقوى والحفاظ بذلك على التوازن المناسب لواشنطن. وهذا المثلث يمكن إنشاؤه بمشاركة ثلاثة من القوى الرئيسية في المنطقة: إيران، وتركيا، ومصر. من طرف أول، إيران القوية، الطامحة إلى الهيمنة في العالم الشيعي الكبير، من الطرف الثاني: مصر وتركيا المتنافستان فيما بينهما على زعامة العالم السني، واللتان تقفان معاً ضد التوسع الإيراني. وتقف الولايات المتحدة في هذه المعركة حول سورية في صف القطريين والأوروبيين. ومن المستبعد أن تنّجر في الوقت الراهن إلى عملية عسكرية ضد بشار الأسد. ويبقى الوضع الحالي للأزمة السورية في صالح روسيا، التي يلائمها بقاء الوضع كما هو في حالة لا غالب ولا مغلوب. فما دامت المعارضة غير قادرة على الإطاحة ببشار الأسد، فلن يكون هناك أي أنبوب لنقل الغاز القطري إلى أوروبا. وموسكو ليست معنية كذلك بانتصار ساحق لنظام الأسد على خصومه. ففي ظروف الحرب الأهلية المستمرة، لا يمكن أن يدور الحديث عن بناء خط الأنابيب الإيراني إلى سوريا. ولعل ذلك يفسر موقف موسكو في مجلس الأمن ودفاعها عن النظام السوري لمنع الغرب من بدأ حملة عسكرية على دمشق، وحتى إعلان منطقة حظر جوي كما جرى في ليبيا.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه قطر ومعها الاتحاد الأوروبي بالموقف من سورية، تتابع شركة « غازبروم » الروسية تطوير مشاريعها العملاقة: السيل الشمالي (حيث يتم بحث بناء المرحلة الثالثة والرابعة)، والسيل الجنوبي (حيث لم تبدأ بعد مرحلة مد الأنابيب تحت قاع البحر). وإذا تمكنت روسيا من بناء خطوطها قبل انتهاء الحرب في سورية، فمن الممكن أن تحافظ على مواقعها في سوق الغاز الأوروبي، وهو ما سيأتي بفوائد لا تقدر بثمن للخزينة الروسية.

المصدر: مجلة « فلاست »

الكاتب: ارنست سلطانوف

02 فيفري 2013


Nombre de lectures: 265 Views
Embed This