DzActiviste.info Publié le sam 8 Déc 2012

كثرت المبادرات للدفاع عن النظام الطائفي المأزوم فكيف ندافع عن الوطن؟

Partager

كثير من الجعجعة، إنما لا أثر للطحين… هذه هي حالنا مع الطبقة المسيطرة في لبنان، إن داخل السلطة أم خارجها. فأفراد تلك الطبقة، الذين عاثوا في الحكم فساداً إلى درجة تعطيل المؤسسات، كل المؤسسات، والذين لم يحيدوا يوماً عن جعل الحرب الأهلية سلاحهم الوحيد في كل مكان وزمان، يقدّمون هذه الأيام المبادرة تلو الأخرى للخروج من المأزق- هكذا يقولون- الذي دخلوا إليه وأدخلوا معهم، كما في كل مرّة، البلاد والعباد… فحوّلوا الوضع الداخلي مجدداً إلى حرب أهلية قابلة للانفجار في أي وقت.

والجدير ذكره أن كل المبادرات التي طرحت في سوق السياسة في لبنان تأخذ، إما مواربة أو علناً، الأزمة السورية منطلقاً لها؛ وكون هذه الأزمة ترتدي طابع الاستعصاء، ليس فقط بدافع الحرب الداخلية، بل لأن الذين يمسكون بخيوطها دولياً ليسوا مستعجلين لإيجاد الحل الناجز والنهائي لها، فإن بانتظار لبنان وشعبه تفجيرات جديدة على غرار تلك التي عانينا منها إثر اغتيال اللواء وسام الحسن. من هنا، ربما، دعا النائب وليد جنبلاط إلى ما أسماه التمسك بالاتفاقات المعقود ة بين اللبنانيين (ويقصد هنا زعماء الطوائف الذين لا زالوا يحاولون اختزال الشعب اللبناني في أشخاصهم) وعدم الدخول في ميدانيات الأزمة السورية.

طاولة الحوار… والصراع « على الأرض »

إلا أن هذه الدعوة ، وغيرها من الدعوات للعودة إلى طاولة الحوار الطائفي، أو الى مجلس النواب، لا تعدو كونها تمنيات غير واقعية؛ إذ أن أصحابها يعرفون جيداً أنها لن تتحقق لأسباب عدة، هم وغيرهم من أمثالهم وراءها، تتعلق قبل كل شيء بجوهر النظام الطائفي وآلياته، وفي مقدمتها حق الفيتو لزعماء الطوائف، والمحاصصة الراسخة رسوخ جبال لبنان كونها تبدأ من قوانين الأحوال الشخصية الخمسة عشر التي تفرّق بين اللبنانيين في كافة مجالات حياتهم الشخصية والعائلية والاجتماعية لتنتهي بتقاسم السلطة السياسية وكل ما يترافق معها من امتيازات… مع ما يترافق وكل ذلك من دعوات، علنية، للدعم الأجنبي وللوصايات المتعددة الجنسيات.

وإذا ما أردنا ترجمة كل ذلك ميدانياً، نقول إن سياسة النأي بالنفس، التي اعتمدتها الحكومة ولم ترض بها مجموعة 14 آذار، لا علاقة لها بالدفاع عن الوطن وإبعاده عن مخاطر الانقسام المحدد والمعروف، بل إنها مجرّد سياسة انتظارية، مرحلية، تسعى عبرها الطبقة المسيطرة إلى تجميد الأوضاع حتى تتبلور المشاريع المعدّة لسوريا وشعبها من هنا وهناك، وكذلك للشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجها… علماً أن هذه السياسة لم تأخذ، حتى الآن، بالحسبان كيفية صيانة الوحدة الوطنية لا حالياً ولا لاحقاً، طالما أن أطراف الصراع ، في الحكومة وخارجها، يؤسسون « على الأرض »، كما يقال، للمرحلة التالية، محاولين جمع أكبر كمية من الأوراق (ذات الطابعين الطائفي والمناطقي) في سبيل شعارات مرفوعة، في تفسير اتفاق الطائف منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990.

من هذه الشعارات، بل لعل أولها، هو ذلك المتعلق بالحصص التي أفرزتها التوافقات الفوقية التي بموجبها انتهت الحرب الأهلية المشار إليها… وهو الأساس في استمرار تلك الحرب، مستعرة تارة وخافتة تارة أخرى. فاتفاق الطائف أفرز معادلة طائفية ثنائية جديدة، وُضعت على هوامشها توجّهات إصلاحية مهمة، إنما غير قابلة للتطبيق بفعل المعادلة الجديدة نفسها.

وكل ما يجري اليوم من صراع ثنائي وثلاثي (يأخذ الوجه الطائفي الحادّ، في أعلب الأحيان، ويتبلور، تارة، في مظاهرات « مليونية »، وطوراً في نزول السلاح الى الشارع) هو، إما لتثبيت تلك المعادلة، من هذا الطرف، أو لاستعادة ما فقده الطرف الثاني، أو لأخذ الطرف الثالث حصته المتساوية والتي لم يصل إليها بعد.

النظام الطائفي سقط، وأطرافه يحاولون جر الوطن معهم

على هذا الأساس، نقول إن طاولة الحوار بين أطراف البرجوازية المهيمنة، المتزيين بأزياء طائفية مختلفة، لم تكن مجدية؛ بل إن الإصرار على استمرارها لن يحصّن الوطن من الرياح الخارجية، من تلك الآتية من الصحراء أو من التي تهب على الحدود باتجاهيها المختلفين. فالنظام الطائفي سقط، بل إنه في مرحلة الموت السريري… ولم يعد يجدي البرجوازية اللبنانية، نفعاً التفتيش عن قوانين للانتخاب جديدة أو قديمة متجددة تعيد لها بعضاً من هيبتها، أو تعيد لهذا الطرف منها أو ذاك ما فقده في المعارك، حتى ولو وضعت كل أموال الخليج العربي والخليج الفارسي لنصرته. النظام البرجوازي- الطائفي سقط، وأطرافه يحاولون اليوم أخذ الوطن معهم الى الهاوية، إنفاذاًً للقول المأثور « من بعدي الطوفان »… ذلك لأن من يتحسس فعلاً دقة المرحلة ومن يريد فعلاً الحفاظ على السلم الأهلي لا يستمر في السياسة نفسها، المتلخصة في توجهين : زيادة حدة المواجهات الطائفية والمذهبية، من جهة، ومواجهة المطالب المعيشية والاجتماعية، بل وأي مطلب إصلاحي، من جهة ثانية.

وبما أن المرحلة دقيقة جداً، داخلياً وإقليمياً، وبما أنه لم يعد بإمكان الطبقة المسيطرة إعادة تنظيم بيتها، فهذا يعني أننا سنخضع لا محالة لحرب داخلية جديدة إذا لم نعرف كيف نواجهها، منذ الآن، ونضع العراقيل (السياسية والاجتماعية، خاصة) على دربها. وهنا يكمن بالتحديد تكامل الأدوار بين القوى والأحزاب السياسية اليسارية والتقدمية والقوى النقابية الديمقراطية التي تحتل الشارع اليوم للدفاع عن حقوق العمال والمستخدمين والموظفين، وعن حماية القطاع العام وتطويره.

كيف نواجه الوضع المعقد ؟

وعندما نتحدث عن الحرب الداخلية، لا ننسى الإشارة إلى دور الكيان الإسرائيلي، المباشر وغير المباشر، ضمنها… خاصة إذا ما ربطنا بين التطورات التي تشهدها بعض المناطق اللبنانية، ليس فقط في ضوء الأزمة السورية، بل، كما قلنا، على وقع عودة مشروع نتانياهو، مشروع « إسرائيل دولة اليهود في العالم »، إلى واجهة الأحداث. انطلاقا من كل ما تقدم، نعود إلى ما كنا قد أشرنا إليه، أو قلناه، أو نبهنا منه في مراحل عديدة سابقة من أن الصيف المقبل سيكـون حارا، نتيجة التقاء وتشابك عناصر دوليـة وإقليمية ما بين عـام 2013 و 2014 وما يحملانه من محطات تبدأ من عندنا لتنتهي في أفغانستان. لذا، سيكون الوضع اللبناني الهش معرضاً لهزات جديدة يُعرف متى تبدأ وكيف، إنما لا يمكن التكهن كيف تنتهي. وإذا استندنا إلى تجارب الماضي البعيد والقريب، فإن الطبقة المهيمنة عندنا ستلجأ إلى الأساليب نفسها من الانضواء تحت ألوية الخارج للحفاظ على مصالحها وامتيازاتها، وكذلك على دورها اللاحق.

وهذا الواقع يفرض علينا أن نأخذ زمام المبادرة في الاتجاهين المطلوبين : تحصين السلم الأهلي، من جهة، وتأمين شروط المواجهة دفاعاً عن سيادة الوطن واستقلاله مرة جديدة.

د. ماري ناصيف- الدبس

7 ديسمبر 2012

عن موقع الحركة الديمقراطية العربية


Nombre de lectures: 231 Views
Embed This