DzActiviste.info Publié le mar 12 Mar 2013

ليسوا شرذمة وليسوا انفصاليين !!

Partager

union4جمال ضو


 » الاستبداد يقلب الحقائق فى الأذهان، فيسوق الناس إلى إعتقاد أن طالب الحقِّ فاجرٌ، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلِّم مفسد » عبد الرحمن الكواكبي

 

 يبدو أن الحراك الذي يعيشه الجنوب هذه الأيام أصاب أصحاب القرار في الجزائر برعب غير مسبوق وجعل آلتهم الإعلامية،  من عمومية و خاصة إلى أبواق المعارضة المزيفة، تنتفض في  محاولة بائسة  لتسويق سيناريو المؤامرة و وقوف جهات أجنبية وراء هذه الأحداث تمهيدا  لانفصال الجنوب، في مشهد كوميدي وعبثي لا يصدقه عاقل عرف أهل الجنوب ومدى ارتباطهم بالجزائر على الرغم من حالة التهميش والإقصاء التي يعايشونها منذ عقود .

قبل أن أخوض في بعض تجليات هذا الحراك الجنوبي دعني أقول أولا أنني من سكان الجنوب وعملت لسنوات في جامعة ورقلة  وعشت في هذه المدينة وكانت لي فرصة لمعرفة كثير من يوميات هذه المدينة البائسة. ليست ورقلة وحدها مثالا لمأساة أهل الجنوب بل مدن الجنوب كلها من الأغواط إلى تين زاواتين.

محاولة تصوير حراك الجنوب بأنه حركة يقف ورائها أناس انفصاليون أو أنه ذو نزعة انفصالية هو تدليس ما بعده تدليس. قد أتصور شخصيا  أن لدى فئة قليلة من سكان بعض جهات الجزائر نزعة انفصالية  إلا أهل الجنوب فإنهم من هذه التهمة  براء. إن سكان الجنوب يتميزون عن أغلب جهات الجزائر بميزة خاصة،  فحبهم للجزائر هو حب عذري و فطري جُبِلوا عليه ، ليس لشيء إلا لأن يد المسخ الثقافي والفكري لم تنل منهم، كما أن نخب الجنوب أغلبيتها الساحقة لم تتلوث فكريا وبقيت جذورها ضاربة في هوية هذا الشعب ومرتبطة بوحدته ونسيجه العام ورؤية الجنوب كامتداد للشمال في وطن واحد.

 إن التاريخ علمنا أن النزعات الانفصالية تظهر  في الجهات أو الأقاليم التي تتشوه نخبها فكريا وتنسلخ عن النسيج العام للأمة ولا تنشأ هذه النزعات بسبب التهميش أو الظلم فقط، وهو ما لا ينطبق عن أهل الجنوب. هذا الجنوب الذي لم يلد إلا النخب التي حملت على ظهرها الدفاع عن وحدة نسيج الأمة وتغنت به، من  مفدي زكريا ومحمد العيد آل خليفة إلى أبو القاسم سعدالله وعبد الرزاق قسوم   وغيرهم كثر. ولو  أن أغلبية ضباط الجيش التفوا حول الشهيد شعباني عندما طالب بالتطهير وقطع الطريق أمام أيتام فرنسا لتغير تاريخ الجزائر ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، ولكن كان لضباط  وجدة ودفعة لاكوست والمارسيين رأي آخر، فامتدت يد الغدر لرمز من رموز ميدان الثورة وصمام من صمامات حماية أهدافها التي أستشهد من أجلها مليون ونصف مليون جزائري. وهاهي اليوم تهمة انفصال الجنوب التي ألصقت بالعقيد شعباني بالأمس يوصف بها هؤلاء الشباب الذين يرون أنابيب الغاز والنفط تمر أمام أعينهم ويرون الشركات من كل الجنسيات والشباب والكهول والشيوخ من كل الألوان والأديان يغترفون من ثروة البلاد  بينما يعيشون هم البؤس والفقر والتهميش و »الحقرة » في عقر دارهم.

إن النظام الجزائري وعبر خمسة عقود من الاستقلال ظلم الوطن بكامله  وهمش وظلم فئات وجهات كثيرة،  ولكن ظلمه  وتهميشه لأهل الجنوب كان أكثر، وعلى الرغم من هذا فإنهم لم يزايدوا عندما زايد الكثيرون. لقد زاد هذا الظلم  منذ عقدين،  أي  منذ بداية بيع ثروة الجزائر واقتصادها في سوق النخاسة الدولية تحت وطأة شروط النقد الدولي من خلال خوصصة المؤسسات الوطنية ودخول الشركات الأجنبية التي وضعت يدها على  ثروات البلاد وأصبحت هي المتحكمة في الجزء الأكبر من ثروتنا البترولية جعلت المواطن الجزائري يتسول ويستجدي منصب الشغل أو الاستعباد لدى هذه الشركات عبر شبكات وسيطة تسيطر عليها لوبيات متنفذة تتعمد إهانة شباب الجنوب ولها ارتباط وثيق بجهات نافذة ومسيطرة على قطاع النفط في الجزائر جعلت  التوظيف حكرا على فئات بعينها بشكل لا تخطئه العين  . هذه السياسات ولّدت حالة الاحتقان لدى هذا الشباب  الذي أصبح يعيش في وضع أشبه بوضع الأهالي إبان الاستعمار.

للأسف دأبت أنظمة الحكم المتعاقبة في الجزائر على التعامل مع الجنوب الجزائري بنفس المنطق تقريبا. فهي لا تنظر إلى الجنوب، وخاصة المدن النفطية والمجاورة لها، إلا كمصدر ثروة دون أن يكون لهذه المدن حقا في تنمية حقيقية تتناسب مع أهميتها الاقتصادية كمصدر رزق الجزائريين الوحيد للأسف. فمدينة ورقلة وهي أهم مدينة في الجنوب تمثل نموذجا للمدينة التي تعاني من تهالك البنية التحتية المهترئة أصلا وضعف التنمية وسوء توزيع الوظائف. هذه المدينة تمثل جزائر مصغرة لتواجد جميع الأعراق والأجناس فيها من كافة جهات الوطن ولكن يبقى سكانها الأصليون هم الأقل حضا في كل شيء. وربما حالة الصرف الصحي في تلك المدينة وتهالك قنواتها تقف كمثال صارخ عن الإهمال الذي تعاني منه تلك المدينة.

أمر الجنوب كله محير وقد يُفاجأ القارئ الجزائري الذي لم يزر مدن الجنوب أو يطلع على حالها  إذا علم أن أهل الجنوب الذين يخرج النفط والغاز من تحت أرجلهم  ويصل مدن الشمال الجزائري عاشوا لعقود وهم يرون أنابيب الغاز الطبيعي تمر أمامهم إلى مدن الشمال دون أن يكون لهم أية  حق في الاستفادة منه. فمدينة ورقلة  لم تستفد من الغاز الطبيعي إلا في أواخر الثمانينات، وأما توقرت والوادي فلم تبدأ عملية الربط إلا منذ سنتين أو ثلاث ، أما مدن الجنوب الأخرى فالأمر يعد ضربا من الخيال . إن سكان الجنوب يذوقون الأمرين في فصل الصيف  من كثرة انقطاع الكهرباء على الرغم من أن الغاز الذي يغذي محطات الجزائر كلها يخرج من باطن الأرض التي يعيشون فوقها.  إن هذا المشهد وحده يلخص المأساة  والطريقة الدونية التي ينظر بها أصحاب القرار إلى أهل الجنوب.  من غرائب الحال أيضا أن مدينة كوادي سوف كانت متصلة بالشمال الجزائري بسكة حديد أيام المستعمر  ولكن اختفت هذه السكة في عهد الإستقلال!. 

إن حراك شباب الجنوب اليوم يلخص مأساة وطن بكامله، لهذا فإنه يمثل جرس إنذار لأصحاب القرار في الجزائر وجب الإصغاء له وعدم دفن الرؤوس في التراب،  كما أنه مؤشر واضح أن الجزائر تسير في الإتجاه الخطأ ، وأية تعامل عنيف مع هذا الحراك لن يزيد الأمر إلا سوءا وربما يجر الشارع إلى حالة عنف واسع. لهذا فإنه بات اليوم لزاما على النظام الجزائري مراجعة الموقف السياسي برمته. فأزمة الجنوب ما هي إلا تداعيات لأزمة أوسع لا تخص الجنوب لوحده بل الوطن كله. إن أحلام ومطالب  وغضب هؤلاء الشباب ستبقى تطاردكم ولن تستطيعوا حلها أو تخلص منها بالوعود أو بعض القروض أو بعرض فيلم للمطرب السوفي محمد محبوب على شاشة اليتيمة،  لأن الفساد الذي تم التأسيس له عبر عقود سيقف مانعا أمام تحقيق مطالب هؤلاء الشباب كما صرح  بذلك الخبير الاقتصادي الدولي عمر أختوف منذ يومين في جريدة الوطن قائلا بأن الفساد مسجل في بنية وأسس النظام الجزائري. كما أن الاستجابة الحقيقية لمطالب هؤلاء الشباب لا تكون عبر المسكنات من قروض والاعتماد على توزيع الريع النفطي بل عبر بناء اقتصاد منتج بعيد عن النفط  ويضمن الاستقرار وهذا لا يتأتى إلا عبر منظومة تعليمة سليمة ولكن هيهات، فما أبعد تعليمنا اليوم عن هذه المهمة.

أخيرا أوجه رسالتي إلى بعض الجهات السياسية التي تحاول اليوم ركوب هذا الحراك وتبني مطالبه والمتاجرة بقضية  هؤلاء الشباب في سوق النخاسة السياسية، وأخص بالذكر هنا التكتل الأخضر وجبهة القوى الاشتراكية،  وأقول لهم أرفعوا أيديكم عن هؤلاء الشباب ولا تلوثوا مطالبهم ولا تشقوا صفهم، فيكفي ما جره أحد هذه الأطراف السياسية على منطقة غرداية من إثارة النعرات المذهبية منذ أن وطأت هذه الجهات تلك المنطقة وعبثت بلحمتها وتعايشها السلمي. 


Nombre de lectures: 290 Views
Embed This