DzActiviste.info Publié le ven 21 Déc 2012

مداخلة الحزب الشيوعي السوري في الاجتماع العالمي الرابع عشر للأحزاب الشيوعية والعمالية

Partager

بداية أتوجه بالشكر إلى الحزب الشيوعي اللبناني على استضافته الاجتماع العالمي الرابع عشر للأحزاب الشيوعية والعمالية.

وينعقد اجتماعنا هذا في جو احتدام الصراع بين الإمبريالية العالمية والحركة الثورية العالمية على كافة الجبهات. وتؤكد مجريات الأحداث مرة أخرى صحة الاستنتاج اللينيني حول الترابط العضوي بين مسائل التحرر الوطني مع مهام التحرر الاجتماعي، وبكلام آخر حول ضرورة توثيق عرى التحالف بين الأحزاب الشيوعية والعمالية مع فصائل حركة التحرر الوطني، هذين المكونين الأساسيين للعملية الثورية العالمية في عصر الإمبريالية. ويرى الحزب الشيوعي السوري، أنه في الوقت الحالي، يتحدد مجرى الأحداث في العالم، بما فيها أهم معالم التطورات في منطقتنا (منطقة شرق المتوسط)، بفعل تفاقم الأزمة البنيوية المشتدة التي تشهدها الرأسمالية المعاصرة وخاصة المراكز الإمبريالية الأساسية. هذه الأزمة البنيوية التي تعمقت واحتدمت نتيجة الأزمة الدورية بالغة التأثير التي شهدها العالم خلال عامي 2008 و2009. فهذه الأزمة الهيكلية متعددة الأوجه التي تهز أركان الاقتصاد الرأسمالي تزيد تناقضات الرأسمالية المعاصرة تفاقماً، وأهمها التناقض بين الاحتكارات الإمبريالية ومصالح الكادحين، التناقضات بين المراكز والدول الإمبريالية، التناقض بين المراكز الإمبريالية ودول الأطراف وشعوبها. وتتصاعد الحركة الجماهيرية المناهضة للرأسمالية في شتى دول العالم، وذلك كردة فعل من الكادحين على السياسة المتكاملة التي تتبعها الاحتكارات الرأسمالية والحكومات التي تمثلها، بغض النظر عن تلاوينها من محافظة إلى وسطية إلى اشتراكية ديمقراطية، بنقل كامل تبعات الأزمة على جماهير الشعب. وتجري عملية التقليص المضطرد لكل المكتسبات التي حققها الكادحون على مدى عشرات السنين من نضالهم.

ويحيي حزبنا الأحزاب الشيوعية الشقيقة التي سارت في طليعة الحركة الاحتجاجية للجماهير، متبعة الموقف الطبقي الثابت، المستند إلى الإخلاص للفكر الماركسي- اللينيني، كما هو حال الحزب الشيوعي اليوناني الباسل. وكم كان مفيداً لقضيتنا المشتركة، لو كان الواقع النضالي في دول أخرى مشابهاً لذلك. ومن الواضح أن الأوليغارشية المالية في دول الاتحاد الأوروبي تحاول في الكثير من الأحيان لجم حركة الاستياء الجماهيري باستعمال الاشتراكية الديمقراطية، منها التقليدية، والتي هي أقرب إلى الليبرالية، أو المستحدثة والآتية من صفوف الحركة الشيوعية بارتداد كامل عن المبادئ والمثل، كما أن عدم وجود بديل ثوري مقنع يؤدي في بعض الأحيان إلى نشوء حركات احتجاجية عفوية دون الرؤى المستقبلية الواضحة، أو إلى البروز المتزايد لحركات ذات طابع يساروي أو يميني متطرف. إن الوضع الذي تشهده الحركة الجماهيرية في العديد من دول العالم، يؤكد صحة المقولة اللينينية بأن النضال الناجع ضد الإمبريالية يتضافر مع النضال المستمر ضد التحريفية والانتهازية. إن الواقع الراهن للأزمة الرأسمالية ينتج عاملين متناقضين. فمن جهة تزداد النزعة العدوانية للمراكز الإمبريالية، وفي الوقت نفسه إن القاعدة المادية للقيام بحروب عدوانية كبيرة متزعزعة ومتقلصة حالياً، فإلى جانب عوامل عواقب تكاليف تجاوز الأزمة الاقتصادية، هناك الآثار المادية والمعنوية للهزيمة الإمبريالية في العراق وللإخفاقات المتكررة في أفغانستان. ومع ذلك فالعديد من النزاعات، إما أن يأخذ شكل المواجهة المسلحة أو هو مرشح ليتحول إلى ذلك،ولكن المراكز الإمبريالية عموماً، تفضل أن تحارب، في الوقت الراهن، بأيدي الغير، بواسطة الأنظمة والقوى العميلة لها.
وتتفاقم الصراعات بين المراكز الإمبريالية والدول الكبرى، بما فيها ما يسمى بالدول الصاعدة، من أجل السيطرة على المناطق الحيوية في العالم. وهذا ما يظهر جلياً في إفريقيا من خلال تقسيم السودان والصراع على القرن الإفريقي والأحداث التي شهدتها وتشهدها عدد من دول غرب إفريقيا: مالي، نيجيريا، غينيا وغيرها.

ويجري الصراع المكشوف من أجل السيطرة على المنطقة الممتدة من شرقي البحر المتوسط إلى محيط بحر قزوين، هذه المنطقة التي يطلق عليها حسب القاموس الإمبريالي تسمية الشرقين الأدنى والأوسط. وتتواجه في هذه المنطقة المصالح الإمبريالية الأميركية والأوروبية مع مصالح روسيا والصين. وتلعب الصهيونية العالمية دوراً كبيراً في تسعير التوتر في المنطقة. وتتصاعد باستمرار النبرة العدوانية لإسرائيل الصهيونية باتجاه إيران ونظام حكمها غير الموالي للإمبريالية. وحالياً نحن نشهد مرحلة جديدة من تصاعد العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.

ويشهد عدد من الدول العربية صراعاً ومواجهة محتدمة حول اتجاه مسار هذه الدول التي شهدت ثورات شعبية عارمة ضد الأنظمة الاستبدادية العميلة، كما هو حال مصر وتونس. ومن الملاحظ أن قوى الإمبريالية، وخاصة الأميركية، وبالتعاون مع الأنظمة الرجعية العربية، تعتمد بشكل كبير على القوى الرجعية المتسترة بالدين، من أجل لجم الحركة الثورية للجماهير وتحويل مسار البلاد بما يتوافق مع مصالح الإمبريالية الأميركية، ولا يقلق إسرائيل الصهيونية.

ويتضح من مجريات الأمور، أكثر وأكثر، أن المهمة الأساسية للقوى الرجعية المتسترة بالدين تكمن في تمرير السياسات المؤيدة للإمبريالية وحشد القاعدة الجماهيرية لهذه القوى حول هذه السياسة. وتظهر زيادة سعار وتكالب الأنظمة الرجعية العربية في مكافحة أي حركة وطنية، مناهضة للإمبريالية. وأحد أسباب هذا التكالب الخوف العميق من إمكانية توسع المد الثوري ليجتاح حصون الإمبريالية في الخليج وشبه الجزيرة العربية عموماً.

ويظهر بجلاء الدور القذر للأنظمة الرجعية العربية، في دعمها لجميع عمليات التخريب والإرهاب في سوريا، وفي سعيها الدائم لضرب مواقع المقاومة الوطنية اللبنانية وقوتها الضاربة حزب الله وفي السعي الدائب ومتعدد الوجوه من أجل لجم وترويض وتفسيخ المقاومة الفلسطينية بمكوناتها الأساسية. وتجدر الإشارة أن لتركيا هذه القوة الأطلسية الضاربة في المنطقة باع طويل في كل هذه العمليات القذرة الموجهة ضد حركات التحرر والنظام الوطني السوري.

أيها الرفاق الأعزاء:

يزداد التآمر على سوريا والهادف إلى إسقاط نهجها المناهض لمشاريع الهيمنة الإمبريالية والصهيونية. وتستعمل القوى الإمبريالية والأنظمة الرجعية الموالية لها كافة السبل من أجل تحقيق هذا الهدف الحيوي والاستراتيجي بالنسبة لها، والذي بدون الوصول إليه لا يمكن تحقيق مشروع « الشرق الأوسط الكبير الجديد » أي مشروع « صهيون الكبرى » باستعباد كل شعوب المنطقة من خلال السيطرة الإمبريالية والصهيونية الكاملة على جميع الدول في شرقي المتوسط وصولاً إلى بحر قزوين.

وتمول الدوائر الاستخباراتية الإمبريالية والرجعية العربية، وخاصة القطرية منها والسعودية، عمليات التخريب والإرهاب التي تقوم بها المجموعات المسلحة في أنحاء من سوريا. وإلى جانب الدول الرجعية العربية، تقوم تركيا، هذه القاعدة الأساسية لحلف شمال الأطلسي في المنطقة، برعاية الفصائل الرجعية وخاصة تلك المتسترة بالدين، في جميع عملياتها الموجهة ضد سوريا. كما تقوم الدوائر الإمبريالية وبمشاركة صهيونية، بحملة دعائية شعواء ضد سوريا، كما تمارس ضغوطات دبلوماسية متنوعة عليها، تشترك بها أطراف عديدة.

لقد ازدادت، خلال الفترة المنصرمة، حدة المواجهات العنيفة بين قوى التمرد المسلح مع أجهزة السلطة، وتوسعت رقعتها في العديد من المحافظات السورية، بما فيها أطراف العاصمة دمشق وأحياء حلب ثاني المدن السورية والمركز الاقتصادي الأكبر في البلاد. وتستعمل القوى المناهضة للنظام بشكل أوسع أساليب الإرهاب من قتل جماعي إلى الاغتيالات الفردية مقرونة بعمليات التخريب الاقتصادي. وشهدت العديد من المدن السورية عمليات مريعة بوحشيتها من تفجيرات عشوائية ذهب ضحيتها المئات من المواطنين، كما استمرت بل وتوسعت عمليات الاغتيال الفردي. وتتبع المجموعات المسلحة أساليب من الصعب تميزها عن الإجرام غير السياسي من خلال خطف المواطنين والمطالبة بالفدية من أجل الإفراج عنهم وما شابه من أساليب قطاع الطرق. ويظهر جلياً مع تطور الأزمة السورية ما أشار إليه الحزب الشيوعي السوري عند بدايتها، كون القوة الضاربة للقوى المعادية للنظام تتشكل من التنظيمات والجماعات الرجعية المتسترة بالدين والساعية إلى تأجيج النعرات الطائفية بشتى السبل، بما فيها أعمال العنف الجماعي والاغتيالات الانتقائية. إن هؤلاء ينظرون إلى الوطن من خلال مصالحهم الطبقية، ويرون في الإمبريالية العالمية والأنظمة الرجعية العربية سنداً لهم ضد النظام الوطني والقوى التقدمية. إنهم مستعدون لكل شيء حتى »التعاون مع الشيطان » في سبيل تحقيق مآربهم الظلامية.

أيها الرفاق الأعزاء: إن موقف الحزب الشيوعي السوري واضح ويكمن في الدفاع عن الوطن والتصدي للمشاريع الإمبريالية. وقد أيد حزبنا ودعم الإصلاحات ذات الطابع الديمقراطي ومن أهمها، حسب رأي حزبنا، رفع حالة الأحكام العرفية، وتعديل قانون الصحافة والمطبوعات، حيث أصبح أكثر ملاءمة لممارسة حرية الرأي والتعبير، وكذلك إعادة الجنسية السورية لأولئك المواطنين الأكراد الذين حرموا منها نتيجة تدابير جائرة من قبل السلطات الرجعية في عام 1962. وهنا تجب الإشارة أيضاً إلى أن غالبية الأكراد في سوريا كانوا يتمتعون بحقوق المواطنة، والجماهير الكردية في سوريا تتخذ عموماً موقفاً واضحاً مناهضاً للقوى الرجعية المرتبطة مع الإمبريالية والتي تعيث في سوريا تخريباً وقتلاً. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الإجراءات باتجاه توسيع الحريات الديمقراطية، التي جرى اتخاذها، قريبة من التوجهات البرنامجية لحزبنا في هذا المجال. وما يعيق تطبيقها بالكامل هو أعمال القوى الرجعية، الغريبة تكويناً عن مفهوم الديمقراطية، وذات ارتباط وثيق مع الأنظمة الاستبدادية ليس مضموناً فقط بل وشكلاً أيضاً مثل السعودية وقطر.

ويناضل حزبنا بثبات من أجل القطيعة الكاملة مع النهج الليبرالي الاقتصادي الذي كان سائداً في البلاد على مدى السنوات الأخيرة. ونحن نؤكد على ضرورة إعادة النظر بجميع القوانين ذات الطابع الليبرالي الاقتصادي التي اتخذت في تلك الفترة والتي أدت إلى زيادة الاستقطاب في المجتمع وإلى إفقار جماهير الشعب وإلى تهميش عدد كبير من المنتجين وإلى زعزعة الأركان الإنتاجية للاقتصاد الوطني. والتي أدت بمحصلتها إلى تكوين التربة المناسبة لتآمر وتخريب القوى الرجعية المتطرفة. فأحد التجليات الأساسية للأزمة الراهنة في سوريا هو التناقض بين النهج الوطني المعادي للصهيونية والمقاوم للمشاريع الإمبريالية مع السياسة الليبرالية الاقتصادية، التي تقع في تناقض تناحري مع هذا النهج وتقوض أسسه وركائزه الاقتصادية والاجتماعية.

ويرى الشيوعيون السوريون في دعمهم للصمود الوطني السوري واجباً طبقياً ووطنياً وأممياً. فصمود سوريا وتغلبها على الهجمة الإمبريالية الشرسة، سيقوي مواقع الحركة الثورية العالمية، والحزب الشيوعي السوري يؤكد أن الصمود ليس فقط واجباً بل وممكناً. ومن هذا المنبر العالي أتوجه بالشكر إلى الأحزاب الشيوعية الشقيقة لتضامنها مع النضال العادل لوطنيي سوريا. إن شعار الحزب الشيوعي السوري كان ولا يزال وسيبقى: سوريا لن تركع.

وشكراً على إصغائكم.

الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري

عمار بكداش

بيروت 23- 25 تشرين الثاني 2012


Nombre de lectures: 253 Views
Embed This